مغالطات بالجملة في حوار أول رئيس استخبارات طالبان حول انتهاكات جهاز الأمن
رئيس جهاز الاستخبارات في طالبان، عبد الحق وثيق، في أول مقابلة له منذ 2021 مع قناة الجزيرة، وصف جهازه الأمني بأنه الأكثر قبولاً في تاريخ أفغانستان، مؤكداً أن البلاد تعيش استقراراً غير مسبوق.
في أول مقابلة صحفية له منذ توليه المنصب عام 2021، قدّم رئيس جهاز الاستخبارات في حركة طالبان، عبد الحق وثيق، سرداً دعائياً لصورة جهازه الأمني، واصفاً إياه بأنه "الأكثر قبولاً في تاريخ أفغانستان"، ومؤكداً على أن البلاد تعيش اليوم حالة من الاستقرار غير المسبوق. وذلك في لقاء مع شبكة "الجزيرة".
لكن تقارير حقوقية ودولية، أفادت خلال السنوات الماضية بمقتل المئات من الجنود والمسؤولين السابقين في ظروف غامضة، وغالباً ما وُجّهت أصابع الاتهام إلى عناصر الاستخبارات التابعة لطالبان. كما سبق أن أوردت تقارير أممية وجود صلات بين قادة في الحركة وشبكات تهريب البشر وتجارة المخدرات العابرة للحدود. وفي سياق حديثه، شدد مولوي عبد الحق وثيق على أن "الاستخبارات مدعومة شعبياً"، وأن "الشعب يقف اليوم جنباً إلى جنب" مع نظام طالبان، إلا أن منظمات دولية، بينها الأمم المتحدة، سبق أن وثّقت انتهاكات بحق مدنيين، شملت الاعتقالات والتعذيب والتهديد، إضافة إلى تضييق على الحريات العامة ووسائل الإعلام.
نفي وجود مقاتلين أجانب وفي رده على سؤال "الجزيرة" حول "ادعاء بعض الدول أن مقاتلين أجانب خصوصا من سوريا، يُنقلون إلى أفغانستان"، قال رئيس استخبارات طالبان إن هذه المزاعم "لا أساس لها"، متهماً جهات ودولاً ومنظمات بـ"إعداد تقارير مفبركة تهدف لإثارة الشكوك والتشويش على صورة الإمارة الإسلامية". واعتبر أن هذه التقارير "تُعد بتوجيه من دوائر مخربة خاصة، دون الاعتماد على وثائق دقيقة أو تحقيقات ميدانية". وقال وثيق: "كما ينبغي أن تُؤخذ ملاحظات أفغانستان الأمنية ومخاوفها بعين الاعتبار، كذلك يجب ألا تُغفل جهود أفغانستان في سبيل الأمن الإقليمي والدولي، إنه من الضروري إيجاد آليات مشتركة للأمن على المستويين الإقليمي والدولي، وأفغانستان ملتزمة في هذا المجال بجميع مسؤولياتها وفقا لأحكام الشريعة". يأتي ذلك رداً على ما قاله المندوب الدائم لإيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني خلال كلمته في مجلس الأمن الشهر الماضي، الذي قال: "نحن قلقون بشدة من التقارير الموثوقة التي تفيد بانتقال بعض العناصر الإرهابية والمقاتلين الإرهابيين الأجانب من سوريا إلى أفغانستان، وهو ما يشكل تهديداً مباشراً لجيران أفغانستان وللاستقرار الإقليمي". وكانت تقارير أممية سابقة قد حذّرت من أن أفغانستان ما زالت تشكّل بيئة خصبة لنشاط جماعات متطرفة، تضم مقاتلين أجانب من دول عدة. وفي المقابلة ذاتها، دعا وثيق الأمم المتحدة إلى "فتح تحقيق دولي محايد" بشأن المزاعم المتعلقة بوجود تلك الجماعات، مؤكداً استعداد طالبان للتعاون الكامل.
التعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب وفي ما يبدو أنه رسالة موجهة إلى الداخل وتطمينات للتنظيمات المسلحة الحليفة مع طالبان حسب ما يرى مراقبون، قال عبد الحق وثيق إن طالبان لا تمتلك "أي شراكة أو اتفاق رسمي مع أي طرف في إطار مكافحة الإرهاب"، مضيفاً أن الإجراءات الأمنية في أفغانستان تستند إلى "الولاء والبراء الشرعي" وأحكام الشريعة الإسلامية. ويأتي هذا النفي رغم تقارير دولية تحدثت عن لقاءات متعددة جمعت مسؤولين في استخبارات طالبان، من بينهم عبد الحق وثيق نفسه، مع مسؤولين في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) في العاصمة القطرية الدوحة، خلال السنوات الماضية، في إطار تفاهمات أمنية غير معلنة، ودعم مالي مقدم من الوكالة لطالبان في مكافحة الإرهاب.
جهاز استخباراتي "إسلامي ومنظّم" وفي ردّه على الانتقادات، اعتبر وثيق أن الحكومة الأفغانية السابقة كانت "نتيجة احتلال أجنبي"، وأن استخبارات طالبان "تعمل اليوم ضمن قانون إسلامي شامل"، مشيراً إلى أن الجهاز "خالٍ من الاعتقالات العشوائية والتعذيب"، وأن "من يدّعي انتهاك حقوقه يمكنه اللجوء إلى المحاكم الشرعية". لكن في المقابل، وثّقت منظمات دولية عشرات الحالات التي تشير إلى ممارسة التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لطالبان، فضلاً عن حملات اعتقال طالت جنوداً سابقين وناشطين ومواطنين عاديين. كما اتُّهمت الحركة باستخدام الرهائن الأجانب كورقة تفاوض دبلوماسية، إذ احتجزت في السنوات الأخيرة عدداً من المواطنين الغربيين لمبادلتهم بسجناء من عناصرها. وكان وثيق أشار في المقابلة إلى "تطهير الجهاز من العناصر غير المرغوبة واستبدالهم بكوادر مهنية من أبناء المجتمع الإسلامي"، في إشارة إلى استبعاد جميع منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة، وإسناد المناصب لعناصر الحركة فقط.
محاربة داعش والفساد وبشأن تنظيم داعش، الذي يعتبر التهديد الأبرز لحركة طالبان، قال وثيق إن أفغانستان نجحت في "القضاء على معاقل التنظيم"، مشيراً إلى أن قادته "إما قتلوا أو فرّوا إلى دول الجوار". واتهم بعض الجهات الخارجية بـ"تضخيم خطر التنظيم"، وقال إن "داعش أُنشئ بوساطة دوائر استخبارية أجنبية"، مضيفاً أن "مقاتليه يعبرون إلى أفغانستان من دول أخرى"، حسب وصفه. وتأتي هذه التصريحات رغم تقارير أشارت إلى أن طالبان أطلقت سراح مئات من عناصر التنظيم بعد سيطرتها على كابل وفتح السجون في 2021، فضلاً عن تسجيل عمليات تبنّاها التنظيم خلال العامين الماضيين، طالت مدنيين وأجانب ومسؤولين في الحركة.
المعارضة المسلحة وفي ما يتعلق بالمعارضة المسلحة الموجودة في الخارج، قلل رئيس استخبارات طالبان من شأنها، واعتبر أن "من يعلنون القتال من الخارج لا يملكون أي منطق شرعي"، ودعاهم إلى الاستفادة من "فرصة العفو العام"، حسب تعبيره، دون أن يتطرق إلى قوتهم أو العمليات التي نفذوها. وأظهرت وثائق وشهادات متداولة أن عدداً من الأشخاص الذين شملهم "العفو العام" الذي أعلنته طالبان عقب سيطرتها على الحكم، قُتلوا لاحقاً، بينهم موظفون حكوميون سابقون وجنود وأفراد من المقاومة.
رسائل إلى الخارج وختم رئيس جهاز الاستخبارات حديثه بالتأكيد على أن "أفغانستان بلد محب للسلام"، داعياً إلى "إنشاء آليات أمنية مشتركة في المنطقة"، ومطالباً المجتمع الدولي بـ"أخذ مخاوف أفغانستان الأمنية بعين الاعتبار". كما شدد على التزام طالبان بـ"عدم تهديد أي طرف" و"العمل من أجل استقرار المنطقة". لكن هذه الرسائل، التي تتكرر في خطابات قادة طالبان، تتناقض مع استمرار التقارير الحقوقية الدولية التي تحذر من تدهور أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في أفغانستان، وخصوصاً بحق النساء والمعارضين السياسيين، في ظل سلطة استخباراتية شاملة لا تخضع لأي رقابة أو محاسبة. فيما تتزايد المطالب الدولية بضرورة إخضاع جهاز الاستخبارات لمساءلة قانونية ومراقبة دولية، تواصل حركة طالبان تقديم صورة وردية تخالف ما توثقه الوقائع يومياً في الميدان.
أجرى المبعوث الخاص الباكستاني إلى أفغانستان محمد صادق خان، ونظيره الطاجيكي خسرو صاحب زاده، محادثات تناولت التحديات المتزايدة للإرهاب في المنطقة، حيث شدّدا على ضرورة وضع استراتيجية مشتركة ومنسقة بين باكستان وطاجيكستان لمواجهة هذه التهديدات بفعالية.
وأوضح المبعوث الباكستاني محمد صادق خان أن اللقاء جرى على هامش اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون، دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن خطة العمل المشتركة بين البلدين.
وكانت باكستان وطاجيكستان أعربتا مراراً، خلال السنوات الأربع الماضية منذ سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، عن قلقهما من تصاعد أنشطة الجماعات المتطرفة عبر الحدود الأفغانية.
وفي سياق متصل، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجه محمد آصف، الأربعاء، عقب هجوم انتحاري استهدف قاعدة للقوات الأمنية قرب الحدود مع أفغانستان: "طالبان الإرهابية أقامت احتفالاً بدماء أبنائنا"، في إشارة إلى تكرار الهجمات التي تنفذها حركة طالبان باكستان، انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
وغالباً ما تتهم إسلام آباد حركة طالبان الأفغانية بإيواء ودعم مقاتلي حركة طالبان باكستان، الذين تقدر الأمم المتحدة عددهم حالياً بنحو 6 آلاف عنصر داخل أفغانستان، ويخضعون لتدريبات في قواعد على الأراضي الأفغانية، وفق ما أفاد به خبراء أمميون.
بدورها، عبّرت حكومة طاجيكستان مراراً عن قلقها من تسلل الجماعات المتشددة عبر حدودها الجنوبية مع أفغانستان، وتسعى بالتعاون مع منظمة معاهدة الأمن الجماعي إلى تعزيز قدراتها الدفاعية على الحدود، عبر خطة تمتد لخمس سنوات وتنقسم إلى ثلاث مراحل، بحسب ما أعلنته المنظمة.
فرّ زعيم ومؤسس تنظيم القاعدة السابق أسامة بن لادن، من شرق أفغانستان أواخر ديسمبر 2001 ودخل باكستان، حيث تنقّل في المناطق القَبَلية قبل أن يستقرّ في مدينة أبوت آباد لقرابة عشر سنوات، بعيداً عن أعين الأميركيين.
وبحسب عدد من الصحفيين الذين وثّقوا سنوات اختفائه، فإن بن لادن كان شديد الوساوس في تفاصيل الحياة اليومية والشخصية لعائلته، وأظهرت رسائله ومراسلاته أنه كان يدير حياته اليومية وحياة عائلته والمقربين منه وفق قواعد صارمة، من بينها توصيته بعدم تنقّل وسفر زوجاته إلا في "أيام غائمة".
الهروب من "أعين السماء"
يشرح الصحفي الأميركي ستيف كول، في كتابه "مديرية إس: السي آي إيه وحروب أميركا السرية في أفغانستان وباكستان"، أن بن لادن أدرك بعد هجمات 11 سبتمبر أن الولايات المتحدة باتت تستخدم مزيجاً من الطائرات المسيّرة، والأقمار الصناعية التجسسية، وشبكات التنصّت الإلكتروني من أجل تعقّب قادة تنظيم القاعدة واصطيادهم. وقد استهدف عشرات القادة من الصف الأول في التنظيم ومقاتليه في منطقة وزيرستان الباكستانية بضربات جوية شنّتها الطائرات المسيّرة.
لم تكن المسيّرات التابعة لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) مجرّد أدوات قتل، بل أدوات مراقبة وتعقّب دائمة أيضاً.
وتظهر هذه الوقائع بشكل مباشر في رسائل بن لادن، حيث شدّد مراراً على ضرورة أن يتعامل رجاله بذكاء ويقظة مع فاعلية التكنولوجيا العسكرية الأميركية، للحد من قدرتها على ملاحقة عناصر التنظيم.
خبر مقتله تصدّر عناوين الصحف العالمية
أجبر بن لادن أفراد عائلته ومرافقيه على الالتزام الصارم بالطقس عند تنقلاتهم، موصيًا بأن تتم جميع تنقلاتهم فقط في الأيام الغائمة.
وبحسب بعض المصادر، فقد كان لابن لادن خمس زوجات: نجوى غانم وخديجة شريف وخيرية صابر وسهام صابر وأمل أحمد السادة.
ويكتب ستيف كول أن هذه التوصية، أي السفر في الأيام الغائمة، برزت بشكل خاص في أثناء محاولة تهريب بعض أفراد عائلة بن لادن من إيران: "بعد سقوط حركة طالبان، أقام عدد من زوجات وأبناء بن لادن، وبينهم حمزة، لفترة في إيران. وفي إحدى رسائله إلى مساعديه، شدّد بن لادن على أن تهريب زوجته وابنه من إيران يجب أن يتم فقط في الأيام الغائمة، لأن الغيوم الكثيفة قادرة على حجب الرؤية المباشرة للطائرات المسيّرة والأقمار الصناعية المزوّدة بكاميرات ضوئية، ما يقلّل من احتمال كشف مسار حركتهم".
وفي رسائل أخرى، أوصى بن لادن أتباعه في شمال أفريقيا بزراعة مزيد من الأشجار لتوفير غطاء طبيعي يحجب الرؤية عن "عيون السماء". فقد كان يعتبر أن اختيار توقيت الحركة وتعديل البيئة المحيطة عنصران أساسيان لحماية أفراد التنظيم من الرصد.
ويقول بعض الصحفيين إن هذه التوصية كانت من الناحية التقنية مبرَّرة، إذ إن معظم الطائرات المسيّرة الأميركية تعتمد على كاميرات بصرية وأخرى تعمل بالأشعة تحت الحمراء للتعرّف الدقيق على الأهداف. ويمكن للسُحب الكثيفة والضباب أن يخفضا جودة الصورة ويُربكا عمل المشغّلين أو خوارزميات التعرف الآلي.
خشية بن لادن من زرع أجهزة تتبّع في أجساد أبنائه على يد أطباء إيرانيين
بحسب ما يورده ستيف كول، أعرب بن لادن في عدد من رسائله عن مخاوفه من أن "الأطباء الإيرانيين، بذريعة العلاج"، قد يقومون بزرع شرائح تتبّع في أجساد أبنائه. وقد ذهب في تلك الرسائل إلى حدّ وصف شكل الشريحة المحتملة وحجمها، حيث كتب لأبنائه: "قد يبدو الحقن أمراً طبيعياً، لكن الإبرة ستكون أكبر من المعتاد، أما الشريحة فقد تكون بطول حبّة قمح، لكنها رفيعة وملساء للغاية".
ويُظهر ما رواه ستيف كول أن بعض أفراد عائلة بن لادن لجأوا إلى إيران بعد الضغوط الأمنية التي تعرّض لها التنظيم خلال عامي 2002 و2003. ويقول: "الوثائق التي عُثر عليها بعد اعتقال خالد شيخ محمد، المتهم الرئيسي في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، أظهرت أن أبناء بن لادن وزوجاته دخلوا إيران بجوازات سفر وتأشيرات رسمية عبر مدينة كراتشي. وقد دخل ابنه سعد وزوجتاه الأكبر سناً الأراضي الإيرانية تحديداً في عام 2002".
ويضيف الصحفي الأميركي أن الرسائل التي كُتبت في السنوات التالية تؤكّد استمرار وجودهم في إيران. ففي عام 2010، كان بن لادن يفكّر بنقل ابنه حمزة من إيران إلى قطر، لكن عطية عبد الرحمن –أحد قيادات القاعدة– نصحه بعدم فعل ذلك في الوقت الحالي، قائلاً إن "الطريق ونقاط التفتيش" بين إيران وبيشاور محفوفة بالمخاطر.
"اشتروا ذهباً بفدية المواطن الأفغاني"
بحسب ما يقوله الصحف ستيف كول، كان أسامة بن لادن ابن أسرة تجارية عربية ومتعلّم وجامعي، يرى نفسه خبيراً في الشؤون المالية أيضاً. وقد اعتاد تقديم نصائح دقيقة، وإن كانت أحياناً خارجة عن المألوف، في مجالات الاستثمار. ففي إحدى رسائله عام 2010، أوصى بأن يتم استثمار الأموال الناتجة عن عملية خطف أحد المواطنين الأفغان في "الذهب، واليورو، والدينار الكويتي، واليوان الصيني".
وكان بن لادن متفائلاً جداً بالذهب، لاعتقاده أن كلما اشتدّت الأزمات العالمية ارتفع سعره، وهي أزمات كان يسعى عمداً إلى تفجيرها بحسب قناعته. وفي الرسالة نفسها، أوصى أحد مساعديه بمتابعة تقلبات الأسعار، والشراء فور توفّر الفرصة عند مستوى 1500 دولار للأونصة.
ويقول ستيف كول إن هذا التفكير المالي لم يكن مقتصراً على توصيات شخصية فقط، إذ كان بن لادن لا يزال يحتفظ بوصول مباشر إلى موارد القاعدة المالية. وفي إحدى المرات، طلب سحب 30 ألف يورو من "صندوقه الشخصي"، وهو صندوق يُعتقد أنه كان مخصّصًا لتلبية نفقاته الخاصة ويخضع لإدارة لجنة التمويل في التنظيم.
ويضيف كول أن بن لادن كان يرفض تماماً استخدام النظام المصرفي، لتجنّب إمكانية تتبّع مصادر الأموال. وبدلاً من ذلك، اعتمد على شبكة بشرية تتكوّن من رُسل، ووُسطاء موثوقين، ومزوّري وثائق، لنقل الأموال نقداً. هذا النمط من التحويل المالي –مقترناً باستخدام هويات مزوّرة– جعل من شبه المستحيل تتبّع حركة الأموال عبر الأنظمة الرسمية.
وكان المنزل الذي أقام فيه في أبوت آباد خالياً تماماً من خطوط الهاتف أو الإنترنت، كما كانت نفاياته تُحرَق بشكل دوري، لضمان عدم بقاء أي أثر قد يكشف عن مصادر الأموال أو هوية المراسلين.
يقال إن كثيراً من سكان المنطقة لم يكونوا يعلمون أن هذا المنزل كان مقر إقامة بن لادن
سقوط "الدرع الغائم" وانهيار القاعدة
رغم كل تلك الوساوس والتدابير الاحتياطية الدقيقة، فإن استراتيجية أسامة بن لادن للاختباء عن "عيون السماء" والتكنولوجيا الرقابية الأميركية لم تُفلح في نهاية المطاف. فمنذ عام 2002، كانت فرق تحليلية تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) تلاحق بشكل دائم الرسل الذين ينقلون الرسائل والأموال إلى بن لادن.
وفي النهاية، تمكّن المحققون من تعقّب "أبو أحمد الكويتي" بعد جمع خيوط من التحقيقات، والتنصت، والمتابعة الميدانية، حتى تم تحديد سيارته ورصد تحركاته وصولاً إلى مجمّع أبوت آباد.
هذا الاكتشاف مهّد الطريق لتنفيذ عملية "رمح نبتون" عام 2011، وهي عملية نفذتها فرقة من الكوماندوز التابعة للبحرية الأميركية، واقتحمت خلالها المنزل وقتلت بن لادن في الطابق العلوي، رغم التحديات غير المتوقعة التي واجهت القوة خلال العملية.
وكان لمقتله آثار هائلة: فقد رآه كثيرون بمثابة "عدالة تأخّرت" لضحايا هجمات 11 سبتمبر، فيما أدّى إلى تفكيك الفرع المركزي لتنظيم القاعدة، وتسليم القيادة إلى خليفة أضعف، وهو أيمن الظواهري، الذي قُتل لاحقاً في كابل عام 2022 بضربة جوية أميركية.
وعلى مدى ما يقارب عشر سنوات، استطاع بن لادن أن يتخفّى عن العدو بفضل احتياطاته، ومن بينها ما عُرف بـ"عقيدة الأيام الغائمة"، لكنه في النهاية قُتل على يد العدو نفسه.
أما اليوم، ومع تطور تكنولوجيا الرادارات التي باتت قادرة على الرصد عبر الغيوم وحتى في ظلام الليل، فلم تعد تلك النصيحة القديمة صالحة كما كانت. فإذا كانت الغيوم تمثّل ذات يوم درعاً طبيعياً يحجب الرؤية عن "عيون السماء"، فإنها الآن لم تعد تشكّل عائقاً حقيقياً أمام التقنيات الحديثة.
ويعكس هذا التحوّل عمق التغيرات التي طرأت في أقل من عقد واحد على طبيعة الحرب والرصد، تغيرات حسمت مصير زعيم القاعدة، وأثبتت أن حتى أكثر الاستراتيجيات احتياطاً ووسواساً قد تنهار عاجلاً أو آجلاً أمام القوة المتزايدة للتكنولوجيا.
قالت المنظمة الدولية للهجرة إن متضرري الزلزال في شرق أفغانستان يعيشون في أوضاع غير آمنة، محرومين من الخدمات الأساسية، موضحة أن 783 عائلة نُقلت بعد الزلزال الأخير تواجه نقصاً في المياه والرعاية الصحية، وخطر الألغام، إضافة إلى غياب الموظفات في فرق الإغاثة.
وأضافت المنظمة أن غياب الدعم الكافي للنساء والأطفال، ونقص خدمات الحماية، وافتقارهم إلى أدوات الوقاية، فاقم من هشاشتهم وزاد من معاناتهم.
وحذّرت المنظمة من أن هذه الأوضاع تأتي في ظل أزمات أوسع تشهدها البلاد، أبرزها الانهيار الاقتصادي الحاد وتزايد أعداد العائدين من الخارج، مشيرة إلى أن اقتراب فصل الشتاء يضع آلاف العائلات المتضررة من الزلزال أمام خطر فقدان المأوى.
وبحسب آخر إحصاءات طالبان لضحايا الزلزال، أعلنت مقتل أكثر من 2200 شخص، وإصابة ما يزيد عن 3500 آخرين، إضافة إلى آلاف المنازل المدمرة ومئات المفقودين.
قضى حافظ عبد الرحمن خمس وعشرين يوماً كاملة في الطرق الجبلية الوعرة والوديان، بين منطقة غومل في ولاية بكتيكا، شرق أفغانستان، ومنطقة بنو في إقليم خيبر بختونخوا شمال غرب باكستان.
متجنباً رصد الطائرات المُسيّرة، متنقلاً أحياناً سيراً على الأقدام وأحياناً أخرى بالمركبات، ما تسبب بتقرّحات في قدميه من شدة المشقة.
كان عبد الرحمن قد انضم مؤخراً إلى مجموعة أختر محمد خليل، وهو أحد الحلفاء المحليين لتنظيم القاعدة، وتم إرساله مع تشكيل يضم 20 مقاتلاً إلى منطقة بنو الباكستانية. إلا أن مشقة الرحلة لم تكن تعني له الكثير، مقارنة بالهجمات التي نفذوها لاحقاً ضد قوات الأمن الباكستانية في بنّو.
بعد عودته، قال هذا المقاتل الأفغاني السابق من ولاية خوست لقائده: "أمضينا شهرين كاملين، ولم ننفّذ سوى هجومين، بهذه الوتيرة لا يمكننا الاستمرار".
ابتسم أختر محمد خليل، وقال: "تحلّوا ببعض الصبر... سيُرسلنا سيف العدل قريباً إلى الصومال، وستشبعون من الجهاد هناك".
ينحدر أختر محمد خليل من قبيلة جاني خيل في شمال وزيرستان بباكستان، ويقود مجموعة مسلحة تُعرف باسم "مجلس عسکري". قوة هذه المجموعة لا تعتمد فقط على الروابط القبلية، بل تتغذى أيضاً على دعم تنظيم القاعدة من أسلحة وأموال.
في 25 ديسمبر 2024، شنّت طائرات حربية باكستانية غارات جوية على عدد من المواقع المحتملة لحركة طالبان باكستان وفصيل "قل بهادر" في محافظة برمل بولاية بكتيكا الأفغانية، وكان من بين أهداف هذه الغارات قائد "مجلس عسكري" أختر محمد خليل.
كان خليل يعمل كحلقة وصل بين تنظيم القاعدة وحركة طالبان باكستان، ويتولّى تنسيق العمليات والدعم اللوجستي بين فروع حركة طالبان باكستان وفصيل "قل بهادر". وينشط مقاتلو جماعته في جنوب وزيرستان في مناطق شوال وسبين كمر، وكذلك في شمال وزيرستان وبنو، لا سيما في مناطق جاني خيل، وهي مناطق باكستانية.
قال مصدر مقرب من شبكة حقاني لقناة "أفغانستان إنترناشيونال": "في عام 2023، كان سراج الدين حقاني يشكّ في أختر محمد خليل بشأن تقاربه مع داعش، واستدعاه إلى كابل للتحقيق معه، لكن زعيم تنظيم القاعدة سيّف العدل تدخل سريعاً وقدّم ضمانته له".
يُعتبر أختر محمد خليل من المقربين والموثوقين لدى سيف العدل وبقية قادة القاعدة، إذ أنه خلال عمليات "ضرب عضب" التي أطلقها الجيش الباكستاني عام 2014، وفر ملاذاً لعناصر القاعدة في منطقة سبين كمر، ومن ثم نقلهم بالتنسيق مع شبكة حقاني إلى منطقة "نكه" في ولاية بكتيكا ومناطق جبلية أخرى شرق أفغانستان.
القاعدة بعد 24 عاماً
مرّت 24 سنة على هجمات 11 سبتمبر 2001، لكنّ الوضع في أفغانستان عاد ليُشبه ما كان عليه قبل تلك الهجمات، رغم 20 عاماً من الحرب ضد الإرهاب خاضتها الولايات المتحدة وقوات الناتو في البلاد.
فبعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابل في أغسطس 2021، فُتحت من جديد أمام تنظيم القاعدة، والمقاتلين القادمين من آسيا الوسطى، وحركة طالبان باكستان –وهم الحلفاء السابقون في حرب العشرين عاماً– فرصة الإقامة في أفغانستان، وبناء مراكز التدريب، وتشغيل المدارس الدينية، واستئناف عمليات التجنيد.
وبحسب تقرير صادر عن فريق المراقبة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، افتتحت القاعدة في أفغانستان ثمانية مراكز تدريبية، وخمس مدارس دينية، ومستودعات أسلحة، ويتنقل أعضاؤها بسهولة بين أفغانستان وإيران.
وتُظهر تقارير الفريق لعام 2024 وما قبلها أن التنظيم أنشأ مراكز تدريبية إضافية في ولايات نورستان وزابل وهلمند وغزني وأروزغان وبروان ولغمان، فيما يتولى أحد قادة القاعدة، ويُدعى حكيم المصري بتدريب انتحاريين لصالح حركة طالبان باكستان.
في يونيو 2024 وجّه زعيم القاعدة غير المعلن، سيّف العدل، نداءً إلى أنصاره دعاهم فيه إلى «الذهاب إلى أفغانستان، والاستفادة من تجارب طالبان، ثم شن هجمات على الأهداف الغربية و(الصهيونية)".
يُعرف سيف العدل بين قيادات القاعدة العليا بأنه الشخص الذي حول التنظيم من شبكة مقاتلين تقليدية إلى شبكة مرعبة ومميتة.
وبعد مقتل أسامة بن لادن في مايو 2011، تولّى أيمن الظواهري قيادة التنظيم دون الحصول على بيعة رسمية من مجلس الشورى، ما أتاح المجال أمام سيف العدل، الضابط السابق في القوات الخاصة المصرية والمقرّب جداً من الظواهري، ليعزز مكانته كخليفة محتمل لا يُشكّك أحد في ولائه ومصداقيته.
وكان سيف العدل قد عاش بين عامي 2001 و2010 في إيران، متنقلاً بين فترات من الحرية وأخرى تحت المراقبة، إلى أن قامت الاستخبارات الإيرانية في أواخر مارس من ذلك العام بتسليمه إلى شبكة حقاني عند الحدود مع ولاية زابل الأفغانية، في صفقة تبادل مقابل إطلاق دبلوماسي إيراني أسير يُدعى حشمت عطار زاده نياكي. وقد لعب كل من شبكة حقاني والقائد العسكري البارز في طالبان، قيوم ذاكر، دوراً محورياً في تلك المفاوضات.
في قائمة تضم 170 من كبار قادة تنظيم القاعدة، كان أسامة بن لادن يحتل المرتبة الأولى، بينما جاء سيف العدل في المرتبة الثامنة. وكان يُعد اليد اليمنى لبن لادن في توسيع نشاط التنظيم، وتنظيمه، ومراقبة عملياته في مختلف المناطق، من اليمن إلى الصومال وحتى إيران، ويُنظر إليه كشخصية موثوقة ومقرّبة للغاية من زعيم القاعدة.
وفقًا وبحسب ما يقول حافظ عبد الرحمن: "بالنظر إلى الخلفية القتالية لسيف العدل، يبدو أنه سيُعيد بناء شبكته المتفرقة من جديد، ويمدّ جذورها من الصومال وصولاً إلى العراق واليمن وسوريا".
تعرّض سيف العدل لإصابات في عينيه ويديه خلال إحدى مهامه السابقة مع تنظيم القاعدة في الصومال، ويُعرف بأنه سياسي بارع وذكي، لكن طباعه قاسية ويُوصف بالشدة. وتشير إفادات أعضاء في تنظيم القاعدة، إلى جانب مقاتلين قبليين وأفغان متعاونين معهم، إلى أن سيف العدل ينظر إلى الصومال باعتبارها جبهة قتالية جديدة لتنظيمه، نظراً لما يملكه من تجربة قتالية وبنية تنظيمية هناك. أما التجربة التي خاضها التنظيم في سوريا، ضمن ما يُعرف بـ" الاستراتيجية التعبوية"، فقد زادت من ثقته بإمكانية تحقيق نجاحات مماثلة في دول إسلامية أخرى تعاني من هشاشة أمنية وسياسية.
عودة نواة القاعدة إلى أفغانستان
أفاد مصدران من حركة طالبان لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أن أيمن الظواهري وسيف العدل توجّها في عام 2021، قبل سقوط الحكومة الأفغانية السابقة، من باكستان إلى ولاية هلمند جنوب أفغانستان، برفقة القائد العسكري البارز في طالبان، قيوم ذاكر. وعقب سيطرة طالبان على كابل، تولّت شبكة حقاني مسؤولية تأمين الظواهري وسيف العدل والإشراف على إقامتهم.
وبعد وصول طالبان إلى السلطة، أقام سيف العدل في البداية بولاية بكتیکا، غير أنه مع وقوع الزلازل في يونيو ويوليو 2022 بمناطق غيان وبرمل في بكتیکا، وسبيره في ولاية خوست، وتوافد عدد كبير من الصحفيين المحليين والدوليين، إلى جانب منظمات الإغاثة، شعر هو وقادة التنظيم الآخرون بأن وجودهم بات مكشوفاً، فانتقلوا إلى ولايتي كنر ونورستان.
في نورستان، ينشط عدد من مقاتلي قبيلة "غوجر" إلى جانب بعض السلفيين الذين تربطهم علاقات جيدة مع القاعدة في وزيرستان، الذين شاركوا في القتال ضد القوات الأمريكية إلى جانب التنظيم في مناطق مثل کامديش ومناطق أخرى، وهم من أبرز المتعاونين مع مسؤول العمليات العسكرية للقاعدة في أفغانستان -حينها- مصطفى أبو يزيد.
تعيش قبيلة غوجر في مديرية دانغام بولاية كونر، وفي مناطق من نورستان، بالإضافة إلى مديريتَي كشِم وأشكَمش بولاية بدخشان. وقد أنتجوا في وقت سابق فيلماً وثائقياً عن تلك المعارك حمل عنوان "نورستان 4"، وقد تولى أبو يزيد تغطية تكاليف إنتاجه.
في الأول من سبتمبر، أفاد عدد من سكان مديرية نورغرام في ولاية نورستان لقناة "أفغانستان إنترناشيونال"، أن بعض الأفراد المنتمين إلى قبيلة غوجر يستولون على أراضي السكان المحليين بدعم من حاكم طالبان في نورستان، قاري زين العابدين عابد.
وكان زين العابدين عابد قد استضاف سابقاً مقاتلي تنظيم القاعدة في ولاية لغمان، وتشير مصادر محلية إلى أنه يسعى -بتوصية من القاعدة- لمنح البدو الرحّل من قبيلة غوجر موطئ قدم دائم في المنطقة.
كما أفاد مصدران في خوست وكابل لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أن "سيف العدل اشترى قبل سقوط الحكومة الأفغانية 150 سيارة من القائد البارز للطالبان مولوي عبد القيوم ذاكر، وهو ما ساعده بشكل كبير في تصعيد المعارك وتوسيع نطاق نفوذه. كما قدّم لاحقاً مجموعة من المقاتلين العرب، شارك معظمهم في القتال في ولاية بنجشير".
وقال تاجران للأسلحة في منطقة أرغون بولاية بكتيكا، لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن بأن حجم الإنفاق المالي لشبكة القاعدة في ولايات خوست وبكتيا وكنر ونورستان، يوحي بأنها حصلت على موارد مالية كبيرة بعد سقوط الحكومة السابقة، أو أنها تمكنت على الأقل من استعادة الوصول إلى مصادر تمويل كانت مجمّدة سابقاً.
وبحسب تجار الأسلحة، فإن سيف العدل سدد جميع الديون المستحقة لتنظيم القاعدة لدى تجار الأسلحة في أفغانستان وباكستان بين سبتمبر 2021 وحتى نهاية 2022.
اشترت القاعدة، بين عامي 2009 و2014، كميات كبيرة من الأسلحة والمتفجرات والمواد المستخدمة في تنفيذ الهجمات الانتحارية وتفجيرات السيارات المفخخة، من أسواق السلاح في شمالي وجنوبي وزيرستان، ومن مصانع في سيالكوت وغوجرانواله في باكستان، بالإضافة إلى تجّار ومهرّبين أفغان وباكستانيين.
ويُعرف عناصر تنظيم القاعدة في ولايتي خوست وبكتیکا محلياً باسم "تحريكيان" -ويعني عناصر الحركة-، ويصعب تمييزهم عن السكان المحليين من حيث اللهجة والمظهر. وقد قاموا، عبر قادة ميدانيين من حركة طالبان الأفغانية، بتأمين أسلحة متقدمة مزوّدة بمناظير ليزرية لصالح مقاتلي طالبان باكستان.
وفي ولاية خوست، جرى توزيع غالبية الأسلحة التي كانت بحوزة الوحدات "الصفرية" التابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية (CIA) بين هؤلاء المقاتلين، وهي وحدات عسكرية خاصة كانت لها رموز تبدأ بالصفر.
قام تنظيم القاعدة، خلال عملية بيع الأسلحة والمعدات التي غنمتها، بشراء أسلحة ومعدات متطورة لصالح كل مجموعة من مقاتلي حركة طالبان باكستان، شملت عشرة بنادق أميركية من نوع M4 وM16 لكل مجموعة، بالإضافة إلى مناظير حرارية من طراز Pulsar Thermal Optics، ومعدات ومناظير ليلية.
وقد تراوحت أسعار منظار Pulsar Thermal Optics الواحد بين 1400 و6154 دولاراً، بينما تم شراء بعض الأجهزة بأسعار تتراوح بين 500 و1000 دولار. أما بندقية M4، فبلغ سعرها -بحسب جودة البندقية- ما بين 1500 و3000 دولار، وأحياناً أكثر من ذلك.
وقال أحد تجار الأسلحة، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: "جميع عمليات البيع والشراء كانت تتم بعملية اليورو، ويتم تحويلها إلى العملة الأفغانية من خلال الصرّافين في خوست".
كما اشترى التنظيم شاحنات "بيك أب" جديدة، وأسلحة حديثة، ومناظير للرؤية الليلية المتقدمة، وغيرها من المعدات القتالية المتطورة، لصالح مقاتلي الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، وجماعة أنصار الله، والمقاتلين الإيغور، الذين لم يحصلوا على نصيب كافٍ من الغنائم.
وأطلقت شبكة حقاني برنامجاً لبناء منازل في ولايات خوست وبكتيا وبكتيكا، لصالح المقاتلين العرب وعائلات أولئك الذين نفّذوا هجمات انتحارية ضد القواعد الأميركية في أفغانستان. ويجري تنفيذ هذا البرنامج حالياً في مدينة خوست، ومحافظتي نادرشاه كوت ومندوزي، إلى جانب حي "1200 فامیلي" في خوست.
وبحسب مصادر محلية، يتم تمويل تكاليف هذه المنازل بالكامل من قِبل شبكة القاعدة.
وقالت مصادر محلية في ولاية بكتيكا لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن طريقاً جديداً تم شقّه بين محافظتي بتسي ميلا ودوة مندة، من دون موافقة السكان المحليين، وذلك لتسهيل حركة مقاتلي "حركة طالبان باكستان" المقيمين في المنطقة، وتمكينهم من الوصول بسهولة إلى ولايتي خوست وكابل.
وأضافت المصادر أن تكاليف مشروع تعبيد الطريق بين مديرية سبيره في خوست ومحافظة مداخيل في بكتيكا، والبالغة 8 ملايين أفغاني، والتي كانت تُنسب علناً إلى وزارة الداخلية بقيادة سراج الدين حقاني، تم تمويلها سراً من قبل شبكة القاعدة.
الاتفاق السري لـ"مثلث الحرب"
أفاد مصدر مرتبط بفصيل "حافظ قل بهادر" لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أنه في عام 2013، وقّعت طالبان الأفغانية في منطقة مير علي في شمال وزيرستان اتفاقاً مع حركة طالبان باكستان والقاعدة، ينصّ على أنه "بعد عودة الإمارة الإسلامية الإسلامية للحكم والسيطرة على كابل، ستدعمهم -طالبان الأفغانية- في الدعوة للجهاد واستمرارها وتساعد في إقامة نظام شرعي في باكستان".
وقع على هذا الاتفاق سراج الدين حقاني، وقيادة حركة طالبان باكستان، وزعيم تنظيم القاعدة السابق أيمن الظواهري، إلى جانب حافظ قل بهادر وصادق نور داور، وقادة آخرون من طالبان الباكستانية.
وقال مصدر إنه "بعد الغارات الجوية التي شنّتها الطائرات الباكستانية على محافظة سبيره في ولاية خوست خلال أبريل 2022، وتصاعد الضغط من إسلام آباد على حركة طالبان، استدعى وزير الدفاع في طالبان الأفغانية، ملا محمد يعقوب مجاهد، قادة حركة طالبان باكستان، بمن فيهم زعيم مجلس اتحاد المجاهدين في شمال وزيرستان حافظ قل بهادر، الذي كان يقيم حينها في منطقة شكردره بضواحي كابل، وطلب منهم وقف الهجمات داخل الأراضي الباكستانية".
لكن، وبحسب المصدر، ردّ حافظ قل بهادر على ملا يعقوب بعرض وثيقة اتفاق مير علي الموقعة عام 2013، والتي تنصّ بوضوح على "التزام الإمارة الإسلامية بدعم المقاتلين الأجانب، وتأكيدها على نصرة مشروعهم الجهادي".
تنص الوثيقة على اتفاق بين المقاتلين الأفغان والأجانب، يقضي بأنهم سيقاتلون إلى جانب طالبان ضد الحكومة الأفغانية السابقة، وقوات الناتو، والولايات المتحدة، من أجل إعادة "الإمارة الإسلامية" في أفغانستان. وفي المقابل، وبعد عودة طالبان إلى الحكم والسيطرة على كابل، تلتزم الحركة بتقديم دعم مماثل لهؤلاء المقاتلين في معاركهم وأهدافهم.
أثار هذا الأمر صدمة لدى عدد من قادة طالبان، بمن فيهم نائب رئيس الوزراء ملا عبد الغني برادر، الذين كانوا ملتزمين بالحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمع الدولي وعدم منح المقاتلين الأجانب ملاذاً داخل الأراضي الأفغانية.
وبعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في غارة أميركية في كابل في أغسطس 2022، قال ملا برادر خلال اجتماع مع وزير الداخلية سراج الدين حقاني: "بإيوائنا لأيمن الظواهري، جعلتموني كاذباً أمام المجتمع الدولي". إلا أن سراج الدين حقاني ردّ عليه قائلاً: "استضافته في كابل تمت بموافقة -زعيم طالبان- ملا هبة الله آخوندزاده شخصياً".
بعد مقتل الظواهري، اعتبر سراج الدين حقاني وملا محمد يعقوب أن كابل لم تعد مكاناً آمناً لقادة تنظيم القاعدة، وطلبا منهم الانتقال إلى الولايات الحدودية أو المناطق النائية والمنعزلة داخل أفغانستان، بعيداً عن أنظار الرقابة المحلية والدولية.
وبحسب تقارير صادرة عن مصادر دولية، أعادت القاعدة افتتاح معسكرها العسكري المعروف باسم "كتيبة عمر فاروق" في ولاية كنر، ويقودها حالياً أبو إخلاص المصري، فيما يتولى أبو حمزة القطاني منصب نائب القائد.
ويضم هذا المعسكر عدداً من القياديين البارزين، منهم عبد الحكيم المصري، وقطّال الحجازي، وأبو بصير، وأبو يوسف، حيث يتم فيه تدريب مقاتلين من تنظيم القاعدة، وجماعة أنصار الله، وحركة طالبان باكستان.
وتُظهر تقارير الأمم المتحدة وتقييمات خبراء الجماعات الجهادية، أن تنظيم القاعدة بقيادة سيف العدل يتبنى حالياً استراتيجية قتالية جديدة، مستلهمة من تجربة التنظيم في الحرب السورية، ويُشار إليها بـ" الاستراتيجية التعبوية".
وبموجب هذه الاستراتيجية، تستخدم القاعدة أفغانستان كمركز آمن للاختباء، والتدريب، والقيادة، والإدارة، والدعم اللوجستي، والتمويل، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى توسيع ساحة المعركة إلى ما وراء حدود أفغانستان، عبر شبكة حلفائها المحليين والدوليين، مستهدفة دولاً غير مستقرة توجد فيها جذور تنظيم القاعدة منذ سنوات.
أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في تقرير جديد، أن النساء والفتيات في أفغانستان يتعرضن لحرمان منهجي من التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية، مشيرة إلى أن هذا الوضع يزداد سوءاً بالنسبة للعائدات من إيران وباكستان.
وجاء في تقرير مفوضية شؤون اللاجئين أن إمكانية حصول هؤلاء النساء على الخدمات الأساسية تراجعت بشكل كبير منذ عام 2021، وأن الفجوة بينهن وبين بقية السكان المحليين آخذة في الاتساع.
ووفق التقرير، فإن 21٪ من النساء العائدات يواجهن صعوبة في الحصول على مياه الشرب، مقارنة بـ14٪ بين غير العائدات، كما تعاني 22٪ منهن من ضعف في الوصول إلى الرعاية الصحية، بينما تواجه 28٪ عقبات في الحصول على الخدمات القانونية.
وذكرت المفوضية أن العائدات يعشن في عزلة اجتماعية ويعانين من ضغوط نفسية متزايدة، حيث أفادت 40٪ منهن أن حالتهن النفسية "سيئة جداً"، بينما لا تتواصل سوى 19٪ يومياً مع نساء أخريات.
نساء يُعِلن أسرهن ويواجهن الجوع
وأشار التقرير إلى أن أوضاع النساء اللواتي يعِلن أسرهن أكثر قسوة، حيث قالت 61٪ من هذه العائلات إن النساء يعملن لساعات طويلة على نحو يؤثر سلباً على رفاههن، كما سُجلت معدلات أعلى لانعدام الأمن الغذائي مقارنة بالعائلات التي يعيلها الرجال.
وأضافت المفوضية أن عدم امتلاك وثائق ثبوتية يشكّل عقبة رئيسية أمام اندماج النساء العائدات، موضحة أن ثلثي العائلات العائدة لا تمتلك أي مستندات ملكية أو هوية، وأن اشتراط وجود "محرم" وجهل الإجراءات الإدارية من أبرز التحديات في إصدار بطاقة الهوية.
وأظهر التقرير أن النساء نادراً ما يُشاركن في هياكل صنع القرار المحلية، وأن السلطة تبقى غالباً بيد الرجال، بينما اشتكت العائلات العائدة من التمييز والإقصاء وحرمانها من الخدمات مقارنة بالمجتمع المضيف.
كما حذرت المفوضية من أن العديد من حالات العنف الأسري والزواج القسري لا يتم التبليغ عنها، إذ تلجأ النساء إلى وجهاء القرى أو أقاربهن بدلاً من الشرطة أو القضاء.
التعليم ممنوع أو مهجور
وفي ما يخص التعليم، رصد التقرير تراجعاً واضحاً في نسبة التحاق الفتيات بالمدارس، حتى في المناطق التي لا تزال تسمح لهن بالدراسة.
وعزا التقرير ذلك إلى اكتظاظ الصفوف، وبعد المدارس عن مناطق السكن، والزواج المبكر، مذكراً بأن حركة طالبان تسمح حالياً للفتيات بالدراسة فقط حتى الصف السادس الابتدائي.
ودعت المفوضية إلى العمل مع المجالس المحلية والقيادات الدينية من أجل تجاوز هذه التحديات، إلى جانب تعزيز التوعية وتوسيع خدمات الإحالة والدعم النفسي، وتوفير الدعم القانوني والنقدي، وخلق فرص معيشية بالتعاون مع القطاع الخاص.
وأكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن أغلب المنظمات الدولية تعتبر حركة طالبان مسؤولة مباشرة عن هذا التدهور، محذراً من أن السياسات التقييدية المفروضة على النساء شلّت حياتهن اليومية بالكامل، وجعلت أفغانستان واحدة من أسوأ الدول في العالم بالنسبة للمرأة، حيث تُنتهك الحقوق الأساسية لنصف السكان بشكل منظّم.