واشنطن بوست تكشف لأول مرة عن عملية سرية لوكالة الاستخبارات الأميركية لخفض الهيروين
كشفت صحيفة واشنطن بوست، في تقرير نُشر يوم الأربعاء، عن عملية سرية نفذتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA) خلال تواجد الولايات المتحدة في أفغانستان، استهدفت الحدّ من إنتاج المخدرات عن طريق رشّ بذور مطوّرة على مزارع الخشخاش في البلاد.
ووفق التقرير، فقد شملت العملية التي دامت نحو عشر سنوات رشّ بذور خشخاش معدلة عبر الطائرات على مزارع في أفغانستان بهدف تقليل قدرة هذه النباتات على إنتاج المواد الكيميائية المطلوبة لصنع الهيروين. وقد سعت الوكالة عبر هذه الحملة إلى التلاعب بمحصول الخشخاش بطريقة سرّية.
وأوضحت الصحيفة أن عناصر من الـCIA كانوا يوزعون ليلاً هذه البذور المعدّلة من الجو على الحقول. وهذه البذور أنتجت نباتات تكاد لا تنتج أياً من القلويات اللازمة لصنع الهيروين.
ووصفت واشنطن بوست هذا البرنامج، الذي لم يُكشف سابقاً، بأنّه جزء خفي من حرب الولايات المتحدة التي امتدت لعشرين عاماً في أفغانستان. وأشارت إلى أن البرنامج بدأ في خريف عام 2004 واستمرّ، مع فترات توقّف متقطعة، حتى عام 2015.
ونقلت الصحيفة عن 14 مسؤولاً على الأقلّ، طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم، تأكيدهم بوجود هذه العملية السرية.
آلية التنفيذ وإنتاج البذور المعدّلة
حسب التقرير، فقد تمّ في البداية تربية البذور في منشأة داخل الولايات المتحدة، ثم تمّ تهجينها مع بذور خشخاش عادية وإنتاجها بكميات كبيرة. وكان مطلوباً رشّ هذه البذور في أواخر الخريف، بالتزامن مع موسم زراعة المزارعين الأفغان، مع الحرص على ألا تبدو العملية ملفتة للانتباه كي لا يلاحظ المزارع أي تغيير فوري، بينما تنتشر الصفة المعدّلة تدريجياً وتصبح السائدة.
وُصفت هذه النباتات بأنها تكاد لا تفرز المورفين، لكنها مُعدلة لتزهر مبكراً وتنتج أزهاراً حمراء زاهية تجعلها جذابة للمزارعين، وبذلك يحتفظون ببذورها ويعيدون زراعتها لاحقاً. وأمل القائمون على البرنامج أن يبيع بعض المزارعين تلك البذور فتنتشر في الأسواق الزراعية الأفغانية، ولاحقاً أعيد تغطية مناطق مستهدفة بالبذور المعدّلة لتتبدل تدريجياً سلالات الخشخاش الأصلية بها.
وجرت متابعة تقدّم البرنامج بوسائل متعددة: صور جوية وقمرية تُظهر قيام مزارعين بإتلاف محاصيل عديمة الجدوى، وتنصّت على اتصالات بين منتجي الأفيون، وزيارات ميدانية سرّية لعملاء لم يكشفوا عن أهدافهم الحقيقية.
استمرار البرنامج وتوقّفه بسبب التكاليف
تابع البرنامج نشاطه خلال ولاية إدارة الرئيس باراك أوباما، وجرى بحثه في اجتماعات لجنة نوّاب مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. إلا أنّه أوقف في نهاية المطاف لأسباب تتعلّق بتكلفته الباهظة.
وذكرت الصحيفة أن منذ عقود كانت هناك إشاعات بين المزارعين الأفغان تفيد بأنّ أجانب يرشّون مواد تلوث أو تُفسد محاصيلهم أو ينشرون أمراضاً فيها، والآن تبين أن بعض هذه الشائعات كانت ذات أساس.
سياق المشكلة وصعوبة القضاء على مزارع الخشخاش
في أوائل عقد الألفين، كان إنتاج الأفيون في أفغانستان عقبة رئيسية أمام أهداف واشنطن في البلاد؛ فبينما كانت القوات الأميركية تقاتل طالبان وغيرها من الجماعات، سعت الولايات المتحدة إلى تثبيت حكومة موالية لها. لكنّ تجارة الهيروين غذت الفساد داخل حكومة الرئيس حامد كرزاي وقصّدت تمويل طالبان بالأسلحة والعتاد.
وذكر التقرير أن الرأي العام والمؤسسات الغربية الأميركية اختلفت حول أساليب مواجهة زراعة الخشخاش، فاقتُرح كل شيء من الرشّ الجوي للمبيدات إلى شراء المحصول وتكريره خارج البلاد. وفي ظلّ هذه المناقشات، شرع مركز جرائم المخدّرات التابع للـCIA في تنفيذ برنامجه السري لمواجهة الهيروين.
وبحسب الصحيفة، نُفذت بعض طلعات الرشّ باستخدام طائرات شحن بريطانية من طراز C-130 ليلاً حتى لا تُكشف للسكّان المحليين، وشملت جهود الرشّ مليارات البذور الخاصة فوق مزارع في ولايات مثل هلمند وننغرهار.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه البذور لم تكن في ظاهرتها معدلة وراثياً عبر هندسة جينية – إذ لم تكن تقنية التعديل الواسع متاحة آنذاك – بل نُختيرت بعد سنوات من التربية والانتقاء الطبيعية لتنتج سلالات ذات مستويات أقل من القلويدات المسؤولة عن صناعة الهيروين.
أسرار ومعلومات غير واضحة بعد
لا يزال من غير المعروف عدد الطلعات الجوية التي جرت أو تفاصيل الميزانية الدقيقة أو مدى نجاح البرنامج بشكل قاطع. ونقل التقرير عن مسؤولين أميركيين سابقين أن تلك الطلعات استلزمت تفويضاً سريّاً من الرئيس جورج دبليو بوش.
كما بدا أن حكومة حامد كرزاي لم تكن على علم بالبرنامج في بدايته، لكنّ الأمر غير واضح فيما إذا أُبلغت لاحقاً أم لا.
وأضاف التقرير أنّ مسؤولين أمميين مثل أنطونيو ماريا كوستا، الذي ترأّس مكتب المخدرات والجريمة في الأمم المتحدة بين 2002 و2010، سمعوا شائعات عن برنامج مماثل لكنّهم لم يتمكّنوا من تأكيده رسمياً.
وفي عام 2015، حينما كان البرنامج يقترب من نهايته، بحثت واشنطن إمكانية تطبيق طريقة مماثلة في مزارع الخشخاش في المكسيك، لكنّ طبوغرافيا وتبعثر الحقول هناك جعل الفكرة غير عملية.
تقييم النتائج وإخفاقات استراتيجية مكافحة المخدرات في أفغانستان
رغم تنفيذ البرنامج، اعتبرت واشنطن بوست أن الجهود الأميركية الشاملة لمكافحة المخدرات في أفغانستان فشلت فشلاً ذريعاً، إذ تضافرت أسباب عدة: خلافات بين مؤسسات أميركية، توتر مع الحلفاء، دعم حكومي متذبذب من حكومة كرزاي، وارتباط زراعة الخشخاش بثقافة واقتصاد القرى الأفغانية.
وكان البنتاغون حريصاً على عدم تضخيم دور نفسه في حرب المخدرات كي لا يشتّت الانتباه عن الهدف الأساسي وهو مكافحة طالبان والجماعات المتطرفة.
ومع ذلك، قال عدد من كبار مسؤولي الـCIA ووزارة الخارجية سابقاً إنّ برنامج رشّ البذور المعدّلة أظهر تأثيراً مؤقتاً في بعض المناطق، وإن نجح جزئياً لكنه كلف كثيراً واستنزف جزءاً كبيراً من ميزانية مركز جرائم المخدّرات.
من جهة أخرى، أشار بعض المطلعين إلى أن تأثير هذه العملية لم يكن ذا أثر دائم وملموس على إنتاج الأفيون أفغانستانياً، بل إنّها قدّمت للمسؤولين في إدارة بوش متنفساً لتأجيل اتخاذ قرارات أصعب في مسألة مكافحة المخدرات.
وقد ذكر تقرير المفتش العام الخاص بالولايات المتحدة (SIGAR) في 2018 أن «لا برنامج لمكافحة المخدرات نفّذته الولايات المتحدة أو حلفاؤها أو حكومة أفغانستان حقّق انخفاضاً مستداماً في زراعة الخشخاش أو إنتاج الأفيون». كما أشار التقرير إلى أن SIGAR لم تكن على علم ببرنامج الـCIA السري بشأن تعديل مزارع الخشخاش.
قدّرت الولايات المتحدة منذ 2001 بنحو 9 مليارات دولار نفقات متصلة بمحاربة تدفّق الهيروين من أفغانستان. ورغم تراجع زراعة الخشخاش بين 2007 و2011، عاد إنتاجها للارتفاع بعد 2011 وبلغ ذروته بعد 2016.
ورغم استفادة طالبان المالية من تجارة المخدرات لسنوات، ظلّت تقديرات واعتمادية طالبان على هذه العائدات محلّ خلاف بين مسؤولين أميركيين.
نقاش حول الرشّ بالمبيدات وتداعياته البيئية والسياسية
تطرّق التقرير أيضاً إلى سجال قديم حول استخدام الرشّ بالمبيدات، حيث سبق للولايات المتحدة أن مولت عمليات رشّ جوي واسعة للمبيدات في كولومبيا لمحاصرة زراعة الكوكا.
وفي أفغانستان اقترح مكتب الشؤون الدولية لمكافحة المخدرات بوزارة الخارجية الأميركية اعتماد نموذج كولومبيا باستخدام المبيد «جليفوسيت»، لكن وزارة الدفاع الأميركية والـCIA وحكومة بريطانيا عارضت هذا المقترح خشية انعكاساته السلبية على دعم السكان المحليين للحكومة المركزية وتحويلهم إلى صفّ طالبان.
وحذّر مسؤولون أفغان كبار من أن هذه المواد الكيميائية قد تلوّث مصادر المياه الجوفية وتتسبب بكارثة للمجتمعات الزراعية المحلية.
ونقلت الصحيفة عن قصة طريفة مفادها أن السفير الأميركي لدى أفغانستان آنذاك، ويليام وود، الذي شغل أيضاً منصب سفير الولايات المتحدة في كولومبيا، كان من أشدّ المناصرين لسياسة الرشّ إلى درجة أنه اقترح أن يجلس داخل برميل يحتوي على جليفوسيت ليرتدي لباس سباحة ليبرهن أنه آمن، حتى أطلق عليه زملاؤه لقب «بيل الكيماوي».
وادّعى التقرير أن إدارة بوش كانت متوقعة موافقة الحكومة الأفغانية على الرشّ، حتى إنّ معدات وجليفوسيت أُرسِلَت إلى كابل استعداداً للاستخدام الأرضي، لكن مجلس الوزراء الأفغاني رفض في يناير 2007 تنفيذ حملة رشّ واسعة، وبناءً عليه لم تجرَ أي عملية رشّ شاملة للبذور أو المبيدات على نطاق واسع.