• پښتو
  • فارسی
  • English
BrandBrand
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • المظهر
  • اللغة
    • پښتو
    • فارسی
    • English
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
جميع الحقوق محفوظة، يُسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

من جذور العنف في المجتمعات الإسلامية: السلفية على مفترق طرق بين العقيدة والإيمان

24 أكتوبر 2026، 03:00 غرينتش+1

تحتلّ العقيدة موقعاً محورياً في خطاب الجماعات السلفية، وتعمل هذه الجماعات، من خلال تأكيدها الشديد على أهمية العقيدة وضرورة تنقيتها من الشوائب، على بناء هوية دينية تميّزها عن سائر الجماعات والمذاهب الإسلامية.

وهي تجعل من تعريفها الخاص للعقيدة معياراً تقيس به إيمان المسلمين الآخرين وتديّنهم، وتحدّد على أساسه مَن كانت عقيدته صحيحة وتديّنه مقبولاً، ومَن كانت عقيدته منحرفة وإيمانه ناقصاً.

ويؤدّي هذا التركيز المستمر والمكثّف على العقيدة إلى اعتقاد كثير من الشباب المسلمين المنتمين إلى تيارات أخرى بأن الدعوة إلى ما يُسمّى "تصحيح العقيدة" تمثّل واجباً دينياً بالغ الأهمية، ومحاولةً لتخليص الإيمان من الشوائب. غير أن الإلمام بتاريخ المسائل الكلامية في الإسلام يكشف عن مغالطات كبرى ينطوي عليها الخطاب السلفي؛ أولها الخلط بين العقيدة والإيمان، مع أنهما ليسا شيئاً واحداً، وثانيها المبالغة في التركيز على العقيدة وفق تعريف مخصوص لها، على نحو ينطوي على شكل خفي من عبادة الأصنام، شبيه بما يُعرف في المرويات الدينية بـ"الشرك الخفي". وسنحاول في ما يأتي توضيح هاتين المسألتين.

الإيمان والعقيدة ليسا شيئاً واحداً

تُعدّ كلمة "الإيمان"من المفردات المحورية في القرآن الكريم، وهي تنطوي على حمولة دلالية عميقة. وقد وردت، مع مشتقاتها، نحو ٨١٢ مرة في القرآن، وهو ما يدلّ في حدّ ذاته على المكانة التي يحتلها هذا المفهوم في المنظومة المفاهيمية القرآنية. وإلى جانب هذا الحضور الكثيف، استقطبت المفاهيم الأخلاقية والكلامية المستنبطة من الإيمان اهتمام النخب الفكرية في المجتمع الإسلامي منذ صدر الإسلام، وأثارت نقاشات واسعة ومتشعّبة بين مختلف التيارات الإسلامية، وما تزال هذه النقاشات مستمرة حتى اليوم.

في المقابل، لم ترد كلمة "العقيدة"ولو مرة واحدة في القرآن الكريم، أما الألفاظ المشتقة من جذرها اللغوي، التي وردت سبع مرات، فتتعلّق بمعاني العقد والربط وإبرام العهود وما شابه ذلك، ولا صلة لها بالعقيدة بمعناها الاصطلاحي المتأخر. والأمر نفسه يصدق على الأحاديث والروايات المنسوبة إلى النبي محمد؛ إذ يرد الإيمان ومشتقاته فيها بكثرة، بينما لا تظهر كلمة "العقيدة"بوصفها مصطلحاً مستقلاً وشائعاً في مصادر الحديث المشهورة. وإذا تناولنا هذه المسألة وفق المعايير التي يعتمدها السلفيون أنفسهم، أمكننا القول إن وضع العقيدة في مرتبة الإيمان وإضفاء المنزلة نفسها عليها يمثّل بدعة أُدخلت إلى المصطلحات الدينية.

وفضلاً عن ذلك، لم يكن استعمال كلمة "العقيدة"شائعاً بين أهل العلم خلال القرنين أو القرون الثلاثة الأولى من التاريخ الإسلامي، بل كانت المسائل المتعلقة بالمعتقدات تُبحث تحت عناوين مثل "الإيمان"و"التوحيد"وأحياناً "السنة". ومن أقدم المؤلفات التي تناولت المسائل الاعتقادية الرسالة المنسوبة إلى الإمام أبي حنيفة، المعروفة باسم "الفقه الأكبر"، حيث استُخدمت كلمة "الفقه"بدلاً من "العقيدة".

ولعلّ من أقدم النصوص التي تشهد على استعمال مصطلح العقيدة في الكتابات الكلامية الرسالة التي وضعها أبو جعفر الطحاوي، المحدّث الحنفي المتوفى سنة ٣٢١ للهجرة، في أوائل القرن الرابع الهجري، والتي اشتهرت باسم "العقيدة الطحاوية". ومنذ ذلك الحين أخذ هذا المصطلح يزداد انتشاراً بصورة تدريجية، وظهرت مؤلفات أخرى تحمل عنوان "العقيدة"أو "العقائد"، حتى أصبح البحث في هذه المسائل فرعاً من فروع العلوم الدينية الإسلامية.

ومن حيث المضمون أيضاً، ليس الإيمان والعقيدة مترادفين أو متطابقين. فالعقيدة تُطلق عادة على اعتقاد يتشكّل لدى الإنسان بناءً على معرفة بشيء ما. وإذا كانت تلك المعرفة قائمة على أدلة قطعية قابلة للإثبات العقلي، فإنها، في نظر بعض الباحثين، لا تدخل في نطاق العقيدة، كما هي الحال في الحقائق الرياضية القطعية وبعض الحقائق العلمية؛ فلا يستقيم، بهذا المعنى، أن يقول المرء: "أعتقد أن اثنين مضروبين في اثنين يساوي أربعة". فالعقيدة تتعلق بمعتقدات لا تتمتع بمثل هذه الدرجة من القطع.

أما ما إذا كان هذا النوع من الاعتقاد الجازم يُعدّ إيماناً أم لا، فذلك موضع خلاف. فمنذ القرون الأولى للإسلام، ذهب بعض المتكلمين إلى أن الإيمان مرادف للمعرفة أو التصديق القلبي، ورأى آخرون أنه الإقرار باللسان، بينما اعتبره فريق ثالث مجموع التصديق القلبي والإقرار اللساني، وأضاف فريق آخر العمل إلى التصديق والإقرار، وجعل هذه العناصر مجتمعة حقيقة الإيمان.

وتدلّ بعض الآيات القرآنية على أن مجرد اليقين بشيء لا يُعدّ إيماناً بالضرورة. فقد جاء في الآية الرابعة عشرة من سورة النمل:

﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.

أي إنهم أنكروها ظلماً واستكباراً، مع أن نفوسهم كانت على يقين بها. وهذا يدلّ على أن اليقين وحده لا يكفي لقيام الإيمان.

وكذلك فإن مجرد المعرفة لا يعني الإيمان؛ فإبليس، بحسب الرواية القرآنية، كان يعرف الله، لكنه كفر بسبب عصيانه المتعمّد. ولم يكن فقدانه الإيمان يعني فقدانه المعرفة بالله.

وبالمثل، لا يُعدّ مجرد الإقرار باللسان إيماناً، كما جاء في الآية الرابعة عشرة من سورة الحجرات:

﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.

ومن الطبيعي أنه لا يتّسع المجال هنا للخوض في تعقيدات مفهوم الإيمان أو استعراض مختلف المذاهب الكلامية في تعريفه. غير أن ما يمكن استخلاصه بإيجاز هو أن الإيمان مفهوم أكثر تعقيداً من العقيدة، وأن التعامل معهما بوصفهما مترادفين ينطوي على مغالطة واضحة. أما سعي السلفيين إلى وضع الإيمان والعقيدة في مرتبة واحدة، والإيحاء بأنهما يتمتعان بالأهمية نفسها، فهو حيلة أيديولوجية.

عبادة العقيدة ضرب من عبادة الأصنام

نصل الآن إلى المسألة الثانية، وهي أن المنهج السلفي ينطوي على نوع من عبادة الأصنام الخفية. وقد يبدو هذا الاتهام للوهلة الأولى شديداً، ولا سيما حين يُوجَّه إلى تيار يرى نفسه أشدّ التيارات تمسّكاً بالتوحيد وعبادة الله الواحد. غير أن توضيح الفكرة قد يُظهر أن هذا الاتهام ليس خالياً تماماً من الأساس.

وقبل ذلك، لا بدّ من التأكيد أن كاتب هذه السطور لا يتبنّى نزعة تكفيرية، بل يؤمن بالتعددية الدينية، ولا يحكم بالكفر على أي جماعة. ومن ثمّ، فإن وصف بعض ممارسات السلفيين بأنها تنطوي على عبادة أصنام خفية لا يعني تكفيرهم، بل إنني، على الرغم من هذا النقد الموجّه إليهم، ما زلت أعدّهم مؤمنين.

كيف يمكن أن تتحوّل عبادة العقيدة إلى عبادة للأصنام؟ للإجابة عن هذا السؤال، ينبغي أن ننظر أولاً في ماهية العقيدة. العقيدة أو الاعتقاد عبارة عن صور تتشكّل في أذهاننا عن الأشياء الموجودة خارج الذهن. فالأشياء الخارجية، سواء أكانت جمادات أم كائنات حيّة، تمتلك حقيقة قائمة خارج أذهاننا، ونحن نتعرّف إليها بواسطة حواسّنا. غير أن المعرفة التي تتكوّن في أذهاننا تعتمد على معطيات لا تكشف إلا عن جوانب من تلك الأشياء، وتتعلق بمستوى من وجودها يُسمّى المستوى الظاهري أو الفينومينولوجي؛ أي بما نستطيع إدراكه من مظاهر الأشياء، لا بجميع حقائقها.

وقد وضع إيمانويل كانط، من خلال تمييزه بين هذين المستويين، وبيانه أن المعرفة الإنسانية تقتصر على عالم الظواهر، وأن الوصول إلى الأشياء في ذاتها متعذّر، لبنة أساسية في نظرية المعرفة الحديثة. ومنذ ذلك الحين أصبحنا ندرك وجود مسافة لا يمكن ردمها بصورة كاملة بين الذهن والواقع العيني؛ فنحن لا نستطيع الإحاطة بالحقيقة الكاملة لأي شيء إلا إذا بلغنا مستوى الاتحاد به والتطابق معه، وهو أمر مستحيل في عالم الأشياء.

ولا تقتصر هذه المسألة على الأشياء المادية، بل تشمل أيضاً المفاهيم والأمور الميتافيزيقية، كالروح والملائكة والله وسائر القضايا الغيبية. فالمسافة بين الذهن والواقع تظلّ قائمة، ومعرفتنا بهذه الأمور لا تقوم إلا على المعطيات المتاحة لنا. وسواء أتت هذه المعطيات عن طريق الحواس، أم العقل، أم الخيال، أم الوهم، فإنها تدخل في عملية يعالجها الذهن وفق قدراته الإدراكية، ومستوى ذكائه، وخبراته، وتعليمه، وبنيته النفسية، وشفراته الثقافية، وأنظمته الرمزية، وغير ذلك من العوامل. ثم يُنشئ الذهن منها صوراً يحتفظ بها في مخزونه المعرفي.

الصورة واللغة والواقع

من هذا المنظور، تنتمي معارفنا، أياً كانت موضوعاتها، إلى عالم الصور. وقد أولى لودفيغ فيتغنشتاين، في فلسفته، اهتماماً خاصاً لدور الصورة في العلاقة بين اللغة والعالم، ولما يمكن أن تتركه الصور والصياغات اللغوية من أثر في طريقة فهمنا للواقع. فنحن نحمل صوراً عن أنفسنا، وعن الآخرين، وعن العالم والحياة، ونتخذ قراراتنا ونحدّد اختياراتنا، ونمارس الحب والبغض، انطلاقاً من هذه الصور. فالعشق والكراهية والمودّة وغيرها من الانفعالات والأفعال النفسية والسلوكية تنشأ من هذه الصور وتتأثر بها. وقد تحدّث فيتغنشتاين في كتابه "تحقيقات فلسفية"عن صورة تستولي علينا وتأسر تفكيرنا، صورة تستقرّ في لغتنا وتغلق أمامنا سُبلاً أخرى للرؤية والفهم. (فيتغنشتاين، تحقيقات فلسفية، الفقرة ١١٥).

وفي صلة ذلك بموضوعنا، أي تأكيد السلفيين على أهمية العقيدة، يمكن القول إن ما نسمّيه عقيدة ليس في نهاية المطاف سوى مجموعة من الصور التي تتشكّل في أذهاننا؛ سواء استُمدّت هذه الصور من كتب ابن تيمية وابن القيم، أم من التعلّم على يد شيخ من شيوخ الطرق الصوفية، أم من المعتقدات السائدة بين عامة الناس. فهي جميعاً، في نهاية الأمر، صور ذهنية. وحين نظنّ أن معتقداتنا خالية من كل نقص وخلل، فإننا نكون قد أضفينا صفة الإطلاق والكمال على الصور القائمة في أذهاننا، ومنحناها قداسة لا تستحقها. وهذا هو عين التحوّل إلى الوثنية الفكرية. وليست كلمة "الصنم"محصورة في التماثيل الحجرية والمعدنية، بل يمكن أن تشمل كل ما ينتمي إلى عالم المخلوقات ثم يرفعه الإنسان إلى مرتبة القداسة. وقد قال جلال الدين الرومي في المثنوي: "أمُّ الأصنامِ صنمُ النفسِ في داخلك"

عبادة الأصنام وتقديس الصورة

تقوم الصورة الشائعة لعبادة الأصنام على أن الإنسان يتّخذ تمثالاً صنعته يداه، ويعتقد أنه الخالق والرازق والمتصرّف في شؤون الكون. غير أن هذا التصوّر الشعبي لا يطابق الواقع في كثير من الحالات. ففي صور عديدة من عبادة الأصنام، تُعدّ التماثيل والمجسّمات رموزاً للأمر المقدّس أو وسائط إليه، ولا يلزم من ذلك أن يعتقد عابدوها أن الحجر أو المعدن في ذاته خالق أو رازق.

وهنا يمكن أن نستحضر القول المشهور المنسوب إلى عمر بن الخطاب حين خاطب الحجر الأسود قائلاً: "إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ". (صحيح البخاري).

فالإنسان الذي يعبد صنماً يحمل في ذهنه صورة عن شيء أو مفهوم، وتكتسب هذه الصورة عنده أهمية خاصة، بحيث لا يكون مستعداً للتشكيك فيها. فعلى سبيل المثال، تتمتع البقرة في بعض التقاليد بمكانة مقدّسة، غير أن الشخص الذي يؤمن بقداستها لا يعتقد بالضرورة أنها خالقة أو رازقة، بل يحمل عنها تصوّراً ذهنياً يرفض التشكيك فيه. وهكذا، فإن ما يمنحه الأهمية الكبرى ليس البقرة في ذاتها، بل الصورة أو الاعتقاد الذي يحمله عنها، والذي قد يدفعه إلى التعصّب لها. وعندما تشتعل الصراعات الدينية، قد يصبح مستعداً لإراقة دماء الآخرين بسبب الإساءة إلى البقرة. وفي الحقيقة، لا يفعل ذلك من أجل البقرة بوصفها كائناً مادياً، بل من أجل الصورة التي يحملها عنها في ذهنه. وهذا هو جوهر عبادة الأصنام، حين يحلّ الرمز أو التصوّر الذهني محلّ الحقيقة، ويصبح محصّناً ضدّ كل سؤال أو مراجعة.

وعبادة العقيدة لدى السلفيين من هذا القبيل أيضاً. ففي المسائل التي يمكن أن تتعدّد فيها الصور والتفسيرات، تكتسب صورة واحدة تصل إليهم عبر الكتب والمصادر السلفية قداسة تجعل أي تشكيك فيها أو تردّد بشأنها انحرافاً عقدياً ومخالفةً للمقدّس، فتندلع النزاعات حولها. ولعلّ المثال التالي يوضح هذه المسألة بصورة أكبر.

الاستواء على العرش: نموذج لاختلاف الصور الذهنية

من أبرز المسائل التي أثارت جدلاً حادّاً بين السلفيين وغيرهم من الجماعات الإسلامية مسألةٌ يدرجها السلفيون ضمن توحيد الأسماء والصفات، وتتعلق باستواء الله على العرش. وقد ورد الحديث عن استواء الله على العرش في سبع آيات من القرآن الكريم، ومن أشهرها قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾. وكانت هذه العبارة من الآيات التي أثارت خلافات واسعة بين الفرق الإسلامية.

فقد شدّد عدد من أهل الحديث والسلفيين على ضرورة فهم الاستواء وفق معناه الظاهر وإثباته من غير تأويل، مع استخدام العبارة الغامضة والملتبسة "بلا كيف"، أي إنهم لا يعرفون كيفية الاستواء.

أما الفرق الإسلامية الأخرى، كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والجهمية وغيرهم، فلم تتبنَّ جميعها هذا الموقف. فقد ذهب بعضهم إلى القول: "أمِرّوها كما جاءت"، أي اتركوا هذه العبارات كما وردت، من غير إخضاعها للتأويل. وذهب آخرون إلى التفويض، بمعنى أن إدراك المراد من هذه الآيات يتجاوز قدرة الإنسان، ولذلك ينبغي تفويض العلم بمعانيها إلى الله.

في المقابل، رأى فريق آخر أن الغاية من الكلام هي إقامة تواصل لغوي مع المخاطَب، وأن افتراض أن المتكلّم يقصد منذ البداية أن يقول كلاماً لا يستطيع المخاطَب فهم شيء منه، يجعل الكلام فاقداً لمعناه ووظيفته التواصلية. ومن هنا ذهب هؤلاء إلى ضرورة البحث عن تأويل مناسب لهذه العبارات.

ويرى الذين يسعون إلى تنزيه الله عن كل مشابهة للمخلوقات أن حمل هذه العبارات على معانيها الظاهرية يصوّر الله كما لو كان موجوداً مادياً خاضعاً للزمان والمكان، وينسب إليه خصائص الكائنات الحادثة التي لها وجود تاريخي محدود. ولرفع هذا الإشكال، يقترحون فهم الاستواء على العرش لا بمعنى الجلوس أو الاستقرار المادي، بل بمعنى مجازي. وقد فسّر بعضهم الاستواء بالاستيلاء.

فالتعبير عن استواء الله على العرش يشبه، في نظر هؤلاء، التعبير الذي يُستخدم في الحديث عن الملوك، حين يقال إن ملكاً اعتلى العرش في وقت معيّن. وليس المقصود بالضرورة أنه جلس على كرسيّ بمعناه الحرفي، بل إن العبارة تشير إلى بداية عهد من الحكم وممارسة السلطة. وفي هذا الفهم، تأتي عبارة "استوى على العرش"في سياق الحديث عن خلق العالم، لتدلّ على أن الله، بعد أن خلق الكون، كان أمر تدبيره وسلطانه بيده وحده، من غير أن يشاركه أحد في إدارة شؤونه، لا في الماضي ولا في المستقبل.

وإذا نظر المرء إلى هذه المسألة بعيداً عن التوترات المذهبية والانحياز إلى جماعة بعينها، وجد أن التفسير التنزيهي أكثر اتساقاً مع المنطق، وأقرب إلى المنهج القرآني في تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات. فهذا التفسير لا يتعارض مع سائر الآيات القرآنية، ولا ينطوي على أي انتقاص من قداسة الذات الإلهية، بل يسعى إلى تنزيهها عن الصفات التي لا تليق بالذات الأزلية السرمدية.

غير أن كثيراً من السلفيين يعدّون هذا التفسير غير صحيح، لأنه يخالف، في نظرهم، المعنى الحرفي والظاهر للآية. وقد أثاروا حول هذه المسألة نزاعات حادّة عبر التاريخ، وصلت في بعض الحالات إلى حدّ تكفير المخالفين. ولكن من أين تنشأ هذه الصرامة وهذا التعصّب؟ إن جذور ذلك تعود إلى المسألة التي تحدّثنا عنها سابقاً: الصور الذهنية والقداسة التي تكتسبها في وعي الإنسان. فهم لا يدركون أن الصورة القائمة في أذهانهم ليست معطىً مستقلاً عن العوامل البشرية، بل هي نتاج مجموعة من الافتراضات المسبقة بشأن اللغة، وطبيعة لغة الوحي، وكيفية مخاطبة الله للبشر. وهذه الافتراضات من صنع الإنسان، ونتاج التحوّلات المعرفية التي شهدها التاريخ، وليست حقائق مقدّسة في ذاتها. ومع ذلك، يتعاملون معها كما لو كانت أموراً مطلقة وحقائق لا تقبل الشك، وكأن أي مراجعة لها أو إعادة نظر فيها تؤدي بالضرورة إلى الانحراف عن الصراط المستقيم.

وهذا التعصّب للمعتقدات البشرية، وإضفاء القداسة على الفهم الإنساني للنص الديني، يعادل نوعاً من عبادة الأصنام.

إن المجتمعات الإسلامية بحاجة إلى مزيد من الوعي بهذه المسألة، حتى تتمكّن من التحرّر من التعصّبات، وفتح الطريق أمام التعايش السلمي بين الجماعات المختلفة، والحدّ من العنف والصراعات.

اختيارات المحرر

  • أربع نساء أفغانيات ومسيرتهن السياسية في أفغانستان

    أربع نساء أفغانيات ومسيرتهن السياسية في أفغانستان

  • من جذور العنف في المجتمعات الإسلامية: السلفية على مفترق طرق بين العقيدة والإيمان

    من جذور العنف في المجتمعات الإسلامية: السلفية على مفترق طرق بين العقيدة والإيمان

  • الأفغان في "سجن جغرافي": قيود التأشيرات تغلق طرق السفر القانونية أمامهم تباعاً

    الأفغان في "سجن جغرافي": قيود التأشيرات تغلق طرق السفر القانونية أمامهم تباعاً

  • لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه
    خاص

    لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه

  • بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"
    خاص

    بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"

•
•
•

المقالات ذات الصلة

من الحوثيين إلى «طالبان»... سلطة السلاح ومأزق الدولة

19 أكتوبر 2026، 18:31 غرينتش+1
•
بویا هاشمی
100%

من أفغانستان إلى اليمن، تتشابه ممارسات طالبان والحوثيين في احتكار السلطة وإقصاء الخصوم. قراءة في مأزق الانتقال من منطق الجماعة المسلحة إلى مسؤوليات الدولة وتداعياته على الاستقرار الإقليمي. يمكنكم قراءة المقال هنا

عاشت أفغانستان عقوداً من الحرب الأهلية والتدخلات الخارجية والتمرد المسلح. وعلى الرغم من مواطن ضعفها وإخفاقاتها، كانت حكومة جمهورية أفغانستان الإسلامية تحظى باعتراف دولي، وتسعى إلى إنهاء تمرد «طالبان» عبر مفاوضات السلام. لكن هذا المسار لم يُفضِ إلى تسوية سياسية، وانتهى باستيلاء الحركة على السلطة بقوة السلاح في أغسطس (آب) 2021.

قبيل عودة «طالبان»، عززت تصريحات ممثليها في الدوحة واتصالاتهم الدبلوماسية بدول المنطقة الانطباع بأن تجربة العقدين الماضيين ربما غيّرت سلوكها. وكان الرهان على أن تبدي الحركة هذه المرة مرونة إزاء المشاركة السياسية، وأن تتصرف بمسؤولية في علاقاتها مع جيرانها. غير أن ممارساتها أظهرت أن القدرة على الاحتفاظ بالسلطة لا تعني بالضرورة الاستعداد لبناء حكم يتسع للآخرين.

وقد تساعد المقارنة بين «طالبان» والحوثيين في اليمن على إيضاح هذه الإشكالية. فالمقارنة لا تفترض تطابق المنطلقات المذهبية أو البنى التنظيمية أو الارتباطات الخارجية؛ بل تركز على العلاقة بالسلطة: حركة مسلحة تسيطر على مؤسسات الحكم، لكنها تتمسك باحتكار القرار ومنطق القوة، بدلاً من الانتقال إلى المشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، يطرح مقال الكاتب والمحلل السعودي عبد الرحمن الراشد، «لِمَ لا نتعامل مع الحوثي بدلاً من محاربته؟»، سؤالاً يمكن إسقاطه على الحالة الأفغانية: هل يؤدي منح الفرص والامتيازات لجماعة مسلحة، من دون تغيير ملموس في سلوكها، إلى الاعتدال وتحمل مسؤوليات الحكم؟

100%

تنمية متعثرة وإقصاء سياسي

تتشابه أفغانستان واليمن، رغم اختلافاتهما التاريخية والاجتماعية، في معاناتهما من الفقر وتدنّي مستويات التنمية. فبحسب تقرير التنمية البشرية لعام 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي استناداً إلى بيانات عام 2023، حلّت أفغانستان في المرتبة 181 بقيمة مؤشر بلغت 0.496، واليمن في المرتبة 184 بقيمة 0.470، من بين 193 دولة وإقليماً. ويصنّف هذا المؤشر، الذي يقيس الصحة والتعليم والدخل، البلدين ضمن فئة «التنمية البشرية المنخفضة».

لا تفسر هذه المؤشرات وحدها صعود الجماعات المسلحة، لكنها توضح حجم التحديات التي تتطلب مؤسسات قادرة على تقديم الخدمات وإشراك المجتمع في القرار. ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار احتكار «طالبان» للسلطة أحد أبرز العوائق أمام خروج أفغانستان من أزمتها؛ وهو ما يتيح مقارنتها بالحوثيين، الذين أسهم اعتمادهم على القوة العسكرية واحتكار القرار السياسي في تعقيد مسار التسوية في اليمن.

100%

وقد أحكم الحوثيون قبضتهم على السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، وضيّقوا مساحة المشاركة السياسية الحرة، من خلال قمع المعارضين والتمييز ضد الأقليات الدينية. ووثقت تقارير دولية ممارسات استهدفت خصوصاً أبناء الطائفة البهائية.

ويتشابه هذا النمط مع جوانب من ممارسات «طالبان»، سواء خلال فترة حكمها الأولى أو بعد عودتها إلى السلطة في 15 أغسطس (آب) 2021. فقد اقترن حكم الحركة بإقصاء الخصوم وتقييد المشاركة السياسية، فيما وثقت تقارير دولية تهميشاً وتمييزاً بحق جماعات قومية ودينية. كما حظرت الحركة نشاط الأحزاب السياسية عام 2023، مغلقةً بذلك إحدى القنوات الأساسية للعمل السياسي المنظم.

باكستان واختبار مسؤوليات الحكم

تؤدي باكستان، في هذه المقارنة، دوراً تجاه أفغانستان يمكن مقارنته بدور السعودية تجاه اليمن؛ فهي جار مؤثر يربط التطورات على الجانب الآخر من الحدود بأمنه الوطني. ورغم اختلاف العلاقات التاريخية وأشكال التدخل، سعى البلدان إلى التأثير في المعادلات السياسية والأمنية لدى جاريهما.

وهنا يبرز وجه آخر للتشابه بين «طالبان» والحوثيين: فكلاهما أظهر، في مراحل مختلفة، ميلاً إلى المواجهة والضغط العسكري في التعامل مع الجار المؤثر، بما يعرقل بناء الثقة والتعاون المستدام. وتكشف تجربة الحوثيين مع السعودية، وعلاقة «طالبان» المتوترة بباكستان، أن السيطرة على مؤسسات الحكم لا تعني بالضرورة التخلي عن منطق الجماعة المسلحة.

لكن ثمة فارقاً أساسياً؛ فقد دعمت إسلام آباد «طالبان» خلال سنوات تمردها على الحكومة الأفغانية، بينما قادت السعودية تحالفاً عسكرياً لمواجهة الحوثيين في اليمن. ولذلك، تكتسب التوترات بين «طالبان» وباكستان دلالة خاصة؛ إذ لم تتحول عودة الحركة إلى السلطة إلى ضمان لأمن حليفها القديم، ولم يؤدِّ الدعم السابق إلى علاقة مستقرة قائمة على الثقة.

وتتهم باكستان سلطات «طالبان» بإيواء «حركة طالبان باكستان» والسماح لها باستخدام الأراضي الأفغانية لتهديد الأمن الباكستاني، فيما تنفي «طالبان» السماح باستخدام أراضي أفغانستان ضد الدول الأخرى. ويضع استمرار هذا الخلاف الحركة أمام اختبار جوهري: مدى قدرتها واستعدادها لتقديم مسؤوليات الحكم وأمن الجوار على روابطها بشبكات التمرد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه التوترات عن إرث التدخلات الباكستانية والخلافات الحدودية بين البلدين.

ومن هذه الزاوية، لا ينبغي اعتبار انفتاح دول آسيا الوسطى على «طالبان» دليلاً كافياً على الثقة بها؛ فالحوار والتجارة والتعاون الحدودي قد تكون أيضاً أدوات لاحتواء المخاطر ومنع امتداد الاضطرابات. ذلك أن الانتقال من التمرد إلى الحكم لا يُقاس بالسيطرة على المؤسسات وحدها، بل كذلك بالقدرة على منع التهديدات العابرة للحدود، واحترام الالتزامات المتبادلة، وتسوية الخلافات عبر الدبلوماسية.

التقارب مع طهران وحدود المقارنة

أما العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتطرح تساؤلات تتجاوز إدارة المصالح المعتادة بين جارين. فقد ترى طهران في التعاون مع «طالبان» وسيلة لحماية مصالحها الأمنية وتوسيع هامش نفوذها، بينما قد تجد الحركة في هذا التعاون مصدراً للدعم وفرصة لتخفيف الضغوط الخارجية.

ولا يشكل الاختلاف المذهبي بالضرورة حاجزاً أمام تقاطع المصالح. لكن التقارب، في حد ذاته، لا يكفي لإثبات أن «طالبان» أصبحت جزءاً من شبكة النفوذ الإيرانية، أو أن علاقتها بطهران تطابق علاقة الحوثيين أو «حزب الله» بها.

مع ذلك، يظل احتمال تعمق اعتماد الحركة على الدعم الإيراني جديراً بالمراقبة. فإذا تجاوز التعاون حدود المصالح المتبادلة إلى تبعية أمنية أو سياسية، فقد تتحول أفغانستان إلى ساحة إضافية للتنافس الإقليمي، وتتقلص قدرة القرار الأفغاني على الاستقلال عن حسابات القوى الخارجية.

ومن هنا، فإن الحديث عن احتمال تحول «طالبان» إلى نسخة أفغانية من الحوثيين أو «حزب الله» ينبغي طرحه بوصفه سيناريو تحذيرياً مشروطاً، لا حقيقة قائمة أو نتيجة حتمية.

الإقصاء وخطر تجدد الصراع

يرتبط هذا البعد الخارجي بالأزمة الداخلية الأفغانية. فبإقصاء التيارات السياسية وإغلاق أبواب المشاركة السلمية، تهيئ «طالبان» بيئة قد تعيد إنتاج الصراع. وحين تنعدم فرص التغيير عبر السياسة، تزداد احتمالات اتجاه بعض المعارضين إلى العمل المسلح.

وفي قراءة تحليلية نشرتها «آسيا تايمز»، يبرز التمييز بين السيطرة على الأرض وتحقيق الاستقرار: فقد تحتفظ الحركة بتفوقها العسكري، بينما تسهم طريقة ممارستها للحكم في توليد دوافع مقاومة جديدة. وهذا لا يعني أن حرباً أهلية شاملة باتت وشيكة، لكنه يستدعي الحذر من مساواة غياب المنافس العسكري القادر على إسقاط الحكم بوجود سلام مستدام.

لذلك، لا يمكن النظر إلى «طالبان» بوصفها مجرد سلطة تواجه خطر تجدد الحرب؛ إذ قد تكون سياساتها الإقصائية نفسها أحد العوامل التي تغذي هذا الخطر. كما أن الانقسامات وضعف البدائل السياسية لا يمنحان احتكار السلطة مقومات الاستقرار الدائم.

السيطرة لا تكفي لبناء الدولة

ترسيخ سلطة «طالبان» لا يعني بالضرورة استقرار أفغانستان. فالحكم الذي يعتمد على الإقصاء والقمع قد ينجح في فرض السيطرة، لكنه يضعف فرص بناء شرعية سياسية أوسع. وإذا اقترن ذلك باعتماد متزايد على قوى خارجية، فقد تتداخل مخاطر الصراع الداخلي مع ضغوط التنافس الإقليمي.

وهنا تبرز دلالة المقارنة مع الحوثيين: ليست المشكلة في انتقال جماعة مسلحة إلى مؤسسات الحكم وحده، بل في استمرارها في إدارة تلك المؤسسات بعقلية الجماعة واحتكارها للسلاح والقرار.

وعليه، لا يقتصر السؤال على كيفية التعامل مع «طالبان»، بل يشمل الشروط التي تجعل هذا التعامل داعماً للمشاركة السياسية واستقلال القرار الأفغاني. فمن دون انفتاح داخلي ومسؤولية تجاه الجوار، قد تتحول السيطرة الراهنة إلى مرحلة تؤجل الأزمة بدلاً من إنهائها.

فی أفغانستان: بناء الخطاب التكفيري ووصم الخصوم بالعلمانية

13 أكتوبر 2026، 21:30 غرينتش+1
•
محمد محق
100%

يعمد الأصوليون المتطرفون في أفغانستان، من سلفيين وإخوانيين وطالبان، إلى وصف كثير من مخالفيهم فكرياً، سواء كانوا متدينين أم غير متدينين، بأنهم «علمانيون». وغالباً ما يفتقر مستخدمو هذا المصطلح إلى تعريف واضح له،

غير أن بعض منظّري هذه الجماعات، على ما يبدو، يتعمّدون استخدام لفظ يندرج، بحسب اصطلاح علم المنطق، ضمن "الكلي المشكّك"، أي المفهوم الذي يمكن إطلاقه على مصاديق متفاوتة وغير متجانسة.

فـ"العلماني" في هذا الخطاب قد يُستخدم أحياناً بمعنى يعادل الكافر، وأحياناً بمعنى المؤمن الناقص الإيمان، أو الفاسق، أو المسلم الذي يتبنّى تفسيراً مختلفاً للدين أو لبعض تعاليمه. وهذا التعدد الدلالي هو بالضبط ما يجعل المصطلح أداة فعالة. فمن جهة، يمكن استخدامه للنيل من المكانة الدينية للخصوم في نظر الناس، ومن جهة أخرى، يتيح تجنّب تكفيرهم بصورة صريحة. وهكذا تصل الرسالة المقصودة إلى المتلقي، من دون أن يضطر قائلها إلى تحمّل التبعات الشرعية والاجتماعية لحكم تكفيري صريح.

للتكفير الصريح كلفة باهظة؛ فهو، من الناحية الشرعية، يصطدم بقيود وأدلة واضحة تجعل الدفاع عنه أمراً صعباً، كما أن التيارات التكفيرية مرفوضة فكرياً في قطاعات واسعة من الرأي العام في العالم الإسلامي، ومنبوذة أخلاقياً، ومحل ريبة شديدة من الناحية الأمنية. أما وصف الخصم بـ"العلماني"، ولا سيما حين يأتي ملتبساً وموحياً، فيمكن أن يؤدي جانباً من الوظيفة نفسها من دون تحمّل الكلفة ذاتها.

وهنا لا تعود المسألة مجرد استخدام لمصطلح، بل تصبح محاولة لبناء خطاب غايته إقصاء المنافسين من الساحة واحتكار حق التحدث باسم الدين وامتلاك الحقيقة. تبدأ العملية بترسيخ فكرة أن للدين تفسيراً صحيحاً واحداً لا غير، ثم يجري تخطئة كل تفسير يخالف التفسير الذي تتبناه هذه الجماعات.

وللطعن في التفسيرات الأخرى مخزون قديم من الأسماء والتصنيفات الموروثة عن الصراعات المذهبية: تفسير مرجئي، أو معتزلي، أو شيعي، أو أشعري، أو باطني، أو عصري، أو متغرّب، وما شابه ذلك. غير أن عبارة "التفسير العلماني للدين"، بسبب ما يكتنف كلمة "علماني" من غموض، قد تكون أكثر فاعلية في ظروف أفغانستان الراهنة. فمن جهة، لا تصطدم هذه العبارة بالخطاب الرسمي لسلطة طالبان، ومن جهة أخرى، يمكن أن تدفع معارضي الخطاب التكفيري ممن يعيشون داخل أفغانستان أو يترددون عليها إلى الصمت، وأن تجرّدهم من القدرة على المواجهة.

الوصم: سلاح قديم

للوصم تاريخ طويل في العالم الإسلامي، وقد كان من الأسلحة الشائعة في الصراعات المذهبية. ففي مراحل مختلفة، استخدمت الجماعات المنخرطة في النزاعات السياسية والدينية تسميات ذات حمولة عقدية ثقيلة بهدف نزع المصداقية عن خصومها.

وفي الصراعات المبكرة، لم تكن أوصاف مثل "المرجئ" و"الرافضي" و"الناصبي" تُستخدم دائماً بوصفها توصيفات محايدة لاتجاهات فكرية، بل كانت في حالات كثيرة أسلحة في النزاعات السياسية والمذهبية. وفي بعض مراحل الحكم العباسي، حين وقع المعتزلة تحت غضب السلطة، كان اتهام الأشخاص بالاعتزال كفيلاً بأن يعرّضهم للضغط والتعذيب. ومع بروز مفهوم "أهل السنة"، ولا سيما منذ عهد المتوكل العباسي، اكتسب مصطلح "البدعة" حضوراً أكبر في المنازعات الدينية، وأصبح من السهل إدراج المخالفين فكرياً في عداد "أهل البدع".

وبعد اتساع حركة ترجمة المؤلفات اليونانية والهندية والفارسية، واحتكاك المسلمين بأفكار الشعوب الأخرى وتقاليدها الفكرية، شاع مصطلح "الزنديق" على نطاق واسع. ولم يكن هذا المصطلح، شأنه شأن كثير من الأوصاف المشابهة، يحمل دائماً معنى واحداً دقيقاً، بل أمكن استخدامه في المنازعات الفكرية ضد طيف واسع من الخصوم.

وتجاوز تأثير هذه الذهنية أحياناً الدوائر العلمية والسياسية ليصل إلى عامة الناس. يروي ابن الجوزي في كتابه "أخبار الحمقى والمغفلين" حكاية تكشف بوضوح الأثر النفسي لهذا النوع من الوصم. فقد قدم أعرابي إلى المدينة ودخل مسجداً للصلاة، فوجد رجلاً يدرّس تلاميذه علم النحو، ويشرح لهم مصطلحات من قبيل النكرة والمعرفة والمنصرف وغير المنصرف. وكان الأعرابي يجهل هذه المصطلحات، لكنه سمع عن ظهور الزنادقة في المدن، فرفع عصاه وهجم عليهم صارخاً: "اخرجوا من بيت الله يا أعداء الله، يا زنادقة!".

وتكمن دلالة هذه الحكاية، بعيداً عن طابعها الطريف، في أنها تكشف الآلية الاجتماعية للوصم: فقد تترسخ كلمة ذات حمولة عقدية ثقيلة في الوعي العام إلى درجة تجعل من لا يعرف معناها الدقيق مستعداً لاعتبار كل ما يجهله مصداقاً لها.

وفي مراحل لاحقة، اكتسب وصف "الملحد" وظيفة مشابهة. ولأن هذا المصطلح لم يكن يُستخدم دائماً في المنازعات المذهبية وفق تعريف جامع مانع، فقد لجأ بعض أصحاب الجدل إلى إلصاقه بخصومهم الفكريين.

ويُعد ابن تيمية من أبرز شخصيات هذا التقليد الجدلي. فقد اتهم محيي الدين ابن عربي صراحة بالإلحاد في عدد من مؤلفاته. وفي كتابه "بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية أهل الإلحاد"، يهاجم طيفاً من الشخصيات والتيارات الفكرية، وتَرِد في سياق هذه السجالات أسماء مثل صدر الدين القونوي، وابن هود، والتلمساني، وابن سبعين، وابن سينا، وفخر الدين الرازي، وأبي حامد الغزالي، وأبي الحسن الأشعري.

وبالطبع، لم تكن هذه الطريقة حكراً على ابن تيمية أو على مدرسة بعينها. فمن يتتبع تاريخ منازعات الملل والنحل يرى أن جماعات مختلفة، في عصور متعددة، كانت تبتكر تسميات لخصومها، أو تستخدم تسميات موجودة بطريقة تحمل في طياتها حكماً عقدياً عليهم. وكلما اشتدت النزعة الطائفية والمذهبية، ازداد الميل إلى إحلال التصنيف محل الاستدلال. فالوصم في مثل هذه الأجواء ليس مجرد كلمة، بل مقدمة لإخراج الخصم من دائرة الشرعية.

حين يحلّ الوصم محل الاستدلال

لماذا يبدو الوصم مغرياً إلى هذا الحد؟

يقول مولانا جلال الدين الرومي في عبارة شهيرة: "پای استدلالیان چوبین بود"؛ أي إن ساق أصحاب الاستدلال خشبية. فإذا أراد المرء أن يواجه خصومه الفكريين بالدليل والمنطق، وأن يبرهن على خطأ أفكارهم، فلن تكون مهمته سهلة دائماً. عليه أولاً أن ينقل كلام الطرف الآخر بأمانة، ويستمع إلى حججه، ثم يقدم في مواجهتها حجة أقوى. وفي كثير من الحالات قد تأتي المناظرة بنتيجة معاكسة، فتكشف ضعف حجج الناقد أكثر مما تكشف ضعف الفكرة التي ينتقدها.

ولعل هذا ما يفسر توصية بعض متقدمي مدرسة أهل الحديث، ومنهم سفيان الثوري، بعدم نقل أقوال من كانوا يسمونهم "أهل البدع"، حتى بقصد الرد عليهم. فقد كان الخوف أن يسمع المتلقي حجة الطرف الآخر فيجدها مثيرة للاهتمام أو معقولة، فيميل إلى الفكرة نفسها بدلاً من الاقتناع بنقدها. والتجربة كانت تظهر أن سماع الناس لحجج الطرفين لا يؤدي دائماً إلى النتيجة التي يتوقعها أصحاب مذهب معين.

الوصم طريق مختصر لتجاوز هذه الصعوبة. فمن خلال توجيه اتهام ثقيل، ولا سيما اتهام يمسّ الدين في مجتمع مؤمن، يمكن إقامة حاجز نفسي بين المتلقي والشخص المتهم قبل أن يبدأ النقاش أصلاً. وقبل أن يستمع المتلقي إلى كلامه بعناية ويميز بين صوابه وخطئه، قد يكون قد وضعه مسبقاً ضمن فئة من لا ينبغي الاستماع إليهم أساساً.

هنا تحل آلية نفسية محل الاستدلال العقلي. ولم يعد المطلوب بيان سبب خطأ كلام الخصم؛ بل يكفي تعريف هويته بطريقة تجعل كلامه فاقداً للمصداقية مسبقاً.

وتشبه هذه الطريقة بعض أساليب التسويق التي تسعى إلى التأثير نفسياً في اختيار المستهلك قبل أن تتاح له فرصة تقييم الجودة الحقيقية للسلعة. غير أن مجال العلم والمعرفة ليس سوقاً تجارية. فغاية المعرفة، على الأقل من حيث المبدأ، ينبغي أن تكون اكتشاف الحقيقة، لا زيادة عدد الزبائن والأتباع.

وفي السياق نفسه، تنظر بعض التيارات إلى كثرة جمهورها بوصفها دليلاً على صحة موقفها، فتملأ الدنيا ضجيجاً بالحديث عن حجم الاستقبال الذي حظي به أحد رموزها، أو عدد المشاركين في جنازة إحدى شخصياتها. وهذا يذكّر بقوله تعالى: "أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ".

غير أن صحة الأفكار أو خطأها لا علاقة لها بكثرة أنصارها أو قلتهم. فقد عرف التاريخ أفكاراً علمية ظلت زمناً طويلاً مجهولة أو مرفوضة أو مهمشة، في حين حظيت معتقدات خرافية، بل وضارة أحياناً، بقبول ملايين البشر لفترات طويلة. وما ينبغي الاحتكام إليه في تقويم الأفكار هو أدلتها، لا عدد مؤيديها أو معارضيها.

"العلماني" بوصفه أداة للإقصاء

ينبغي فهم الاستخدام الراهن لوصف "العلماني" ضمن هذا السياق. فالمشكلة ليست في أن هذا المصطلح يخلو من معنى علمي أو سياسي. العلمانية موضوع معروف في الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع وتاريخ الأفكار، ويمكن مناقشة تعريفاتها وأنماطها ونتائجها.

تبدأ المشكلة عندما يُفرغ المصطلح من معناه المحدد ويتحول إلى وصمة تطلق على طيف واسع من الخصوم. ففي هذا الاستخدام لا يعود مهماً ما إذا كان الشخص المعني يعدّ نفسه علمانياً أم لا، ولا كيف يفهم العلاقة بين الدين والسياسة، ولا مدى تدينه، ولا طبيعة خلافه الحقيقي مع التيار الأصولي. يكفي أن يخالف القراءة المهيمنة في قضية مهمة حتى يصبح وصف العلماني بمثابة إشارة تحذير لدى المتلقي.

وهكذا يتحول نقاش فكري حول تفسير الدين أو السياسة أو حقوق المرأة أو الحرية أو الحكم أو المجتمع إلى نقاش حول إيمان الشخص وهويته. وبدلاً من السؤال: "هل حجته صحيحة؟" يصبح السؤال: "من يكون هذا الشخص أصلاً، وما مدى انتمائه إلى الدين؟".

وهذه هي النقطة التي يلتقي فيها الوصم مع المنطق التكفيري، حتى في غياب تكفير صريح. فالخطاب التكفيري لا يتشكل فقط حين يصف شخصٌ شخصاً آخر بالكفر صراحة؛ بل يمكن تهيئة أرضيته أيضاً عندما يُدفع المخالف الفكري تدريجياً إلى خارج دائرة الشرعية الدينية، ويترسخ لدى المتلقي أن كلامه، بسبب الهوية أو العقيدة المنسوبة إليه، لا يستحق أن يُسمع من الأساس.

أفغانستان اليوم والجدار الأقصر: الخصوم الفكريون

تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة في أفغانستان اليوم، حيث أُسكتت أصوات ناقدة كثيرة، وضاقت مساحة التعبير الحر عن الآراء المختلفة إلى حد كبير. وفي مثل هذه الأجواء تصبح مساءلة السلطة والحديث عن المشكلات الملموسة للمجتمع أمراً مكلفاً.

وثمة قضايا كثيرة تتطلب مناقشتها الجادة قدراً من الشجاعة الأخلاقية: التمييز والظلم، وحرمان النساء، والتوترات العرقية، والعداوات القبلية، والفقر الواسع، وإسناد المناصب الحكومية إلى أشخاص غير مؤهلين، ونهب المناجم والموارد الطبيعية، والفساد في العقود الحكومية، والمحسوبية، والتعصب المذهبي، والعلاقات المختلة مع المنطقة والعالم، ووجود الجماعات المتطرفة والعنيفة أو نشاطها. وهذه، إلى جانب عشرات المشكلات البنيوية الأخرى، ترتبط مباشرة بحياة الشعب الأفغاني ومستقبله.

غير أن الحديث عن مثل هذه القضايا ليس سهلاً. وبالنسبة إلى من لا يملكون الشجاعة لمواجهة هذه الوقائع، لا يوجد جدار أقصر من جدار خصومهم الفكريين، ولا سيما أولئك الذين لا تنظر إليهم السلطة الحاكمة بعين الرضا.

وهكذا يمكن للهجوم على "العلمانيين" أن يسد فراغ المضمون، من دون أن يرتب كلفة كبيرة على صاحبه. فمن لا يملك القدرة أو الجرأة على نقد بنية السلطة يستطيع أن يصنع عدواً فكرياً قليل الخطورة، أو حتى عدواً متخيلاً، ويواصل تقديم نفسه في صورة المدافع عن الدين وصاحب الرسالة الاجتماعية. بل قد يكسب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، رضا الحكام أيضاً.

وعليه، فالمشكلة الأساسية ليست في كلمة العلماني ذاتها. يمكن للمرء أن يؤيد العلمانية أو يعارضها، وأن يقدم حججه في كلا الحالين. تبدأ المشكلة عندما لا يُستخدم هذا اللفظ بوصفه مفهوماً قابلاً للتعريف والنقاش، بل كسلاح للنيل من المكانة الدينية للمخالف وإغلاق باب الحوار.

إذا رأى شخص أن فكرة ما خاطئة، فالطريق السليم هو أن يعرضها كما عبّر عنها صاحبها، وأن يفحص أدلتها، ثم يبيّن بالحجة لماذا يراها خاطئة. أما إذا بدأ، بدلاً من ذلك، باختيار اسم لصاحب الفكرة يثير خوف المتلقي من مجرد الاستماع إليه، فنحن لا نكون أمام نقد فكري، بل أمام محاولة لإدارة ذهن الجمهور بواسطة الوصم.

ومن هنا تحديداً ينبغي التمييز بين نقد العلمانية ووصم الخصوم بالعلمانية بهدف إقصائهم. الأول يمكن أن يكون جزءاً من سجال فكري طبيعي، أما الثاني، ولا سيما في مجتمع لا تتوافر فيه حرية النقاش وفرص متكافئة للدفاع عن الرأي، فيمكن أن يتحول إلى أداة لاحتكار الحقيقة وإسكات المخالفين وإعادة إنتاج الخطاب التكفيري نفسه، لكن بلغة أكثر غموضاً وأقل كلفة من التكفير الصريح.

تراجع أمام باكستان.. لماذا تمتنع طالبان عن الرد العسكري؟

9 أكتوبر 2026، 14:30 غرينتش+1
100%

هددت طالبان بـ«الرد في أقرب وقت ممكن» بعد الغارات الجوية الباكستانية على عدد من الولايات الأفغانية، لكن بعد مرور عدة أيام على هذه الهجمات، اقتصر رد الحركة على استدعاء السفير الباكستاني وإصدار البيانات والتحذيرات اللفظية.

ويرى خبراء أن المخاوف من شنّ باكستان هجمات جديدة، واحتمال استهداف قادة طالبان، إلى جانب مساعي إسلام آباد لتوسيع ضغوطها السياسية والعسكرية، وضعت الحركة في موقف صعب يتسم بالعجز عن اتخاذ خطوات فعلية في مواجهة باكستان.

وشنّت باكستان غارات جوية على ولايتي كونر وبكتيكا ليلة 21 سبتمبر، ثم قصفت ولايات قندهار وبكتيا وخوست ليلة 24 سبتمبر، قبل أن تستهدف مجدداً كونر وهلمند ليلة 30 سبتمبر.

وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، عقب هجوم 23 سبتمبر، إن الأفغان سيردون «بالشكل المناسب». كما شدد عقب هجوم 25 سبتمبر على اتخاذ «موقف حازم» وتقديم «رد مناسب».

ويختلف هذا النهج بشكل واضح عن ردود فعل طالبان على الغارات الجوية الباكستانية السابقة، إذ كانت الحركة، إلى جانب إدانة الهجمات، تصعّد الاشتباكات الحدودية وتعلن تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة وعمليات داخل الأراضي الباكستانية.

لكن هذه المرة، اتخذت طالبان موقفاً مختلفاً حتى تجاه الاتهامات بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة.

فبعد الغارات الجوية الباكستانية على قندهار وبكتيا وخوست في 25 سبتمبر، أعلن الجيش الباكستاني أن طالبان أرسلت ثماني طائرات مسيّرة باتجاه باكستان رداً على الهجمات، وأن هذه الطائرات أُسقطت بالقرب من تورخم وكوهات.

وسارعت طالبان إلى نفي هذه الاتهامات. وقال ذبيح الله مجاهد: «هذا غير صحيح. لم يُنفذ أي هجوم عبر الحدود أو أي هجوم آخر من الأراضي الأفغانية باتجاه باكستان».

ووصف مجاهد، في بيان، مزاعم عبور الطائرات المسيّرة من أفغانستان بأنها «شائعات» تروّجها دوائر عسكرية باكستانية لتبرير ما وصفه بـ«العدوان السافر».

ويرى مراقبون أن هذا التحول في موقف طالبان يعكس حذراً شديداً في تعامل الحركة مع باكستان.

باكستان تصعّد تهديداتها

في المقابل، واصل المسؤولون الباكستانيون التحذير من استمرار الضربات ضد مواقع الجماعات المسلحة داخل أفغانستان.

وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، شريف تشودري، عقب الهجمات الأخيرة، إن إسلام آباد «لن تساوم» على سلامة أراضيها وأمنها، وستتخذ «كل الإجراءات اللازمة» لمواجهة التهديدات المنطلقة من الأراضي الأفغانية.

100%
تقول باكستان إن هجماتها تركز على استهداف مخابئ الإرهابيين.

كما أكد رانا ثناء الله، مستشار رئيس الوزراء الباكستاني، أن إسلام آباد تحتفظ بحقها في استهداف مواقع الجماعات الإرهابية.

ووصف المسؤولون الباكستانيون الهجمات الأخيرة بأنها محدودة النطاق، لكن رسالتها السياسية واضحة: تريد إسلام آباد إيصال رسالة إلى طالبان مفادها أنها مستعدة لتوسيع نطاق عملياتها داخل أفغانستان إذا استمرت هجمات حركة طالبان باكستان على الأراضي الباكستانية.

ويؤكد المسؤولون الباكستانيون باستمرار أن لديهم مطلباً واحداً من طالبان، يتمثل في منع شنّ هجمات على باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، ووقف دعم حركة طالبان باكستان.

لكن طالبان لم تُبدِ حتى الآن استعداداً للاستجابة الكاملة لهذا المطلب.

عجز طالبان عن الرد

قال مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، لأفغانستان إنترناشيونال، إن طالبان لا تمتلك في الظروف الراهنة القدرة على توجيه رد عسكري فعّال ضد باكستان.

وأوضح أن الحركة نفذت في السابق بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة، لكنها كانت موجهة أساساً للاستهلاك الدعائي والداخلي، ولم تتمكن من إلحاق أضرار مؤثرة بباكستان.

وبحسب مدثر، فإن أي رد عسكري من طالبان قد يدفع باكستان إلى تصعيد هجماتها.

وقال: «كلما ردّت طالبان، ازدادت حساسية باكستان، ووسّعت اختراقها للحدود، ووجّهت ضربات أشد إلى الحركة».

ويرى مدثر أن طالبان تخشى حالياً أن يؤدي الرد العسكري على الهجمات الباكستانية إلى فتح مرحلة جديدة من المواجهة، قد يصبح فيها قادة الحركة أنفسهم أهدافاً لهجمات مباشرة.

وأضاف أن الغارات الباكستانية الأخيرة، ولا سيما في قندهار وهلمند، حملت رسالة «خطيرة ومدروسة» إلى طالبان.

وأفادت بعض المصادر أيضاً بأن الغارة على قندهار استهدفت وحدة الحراسة الخاصة بالملا هبة الله أخوند زاده، زعيم طالبان.

كما قوبلت الهجمات الحدودية التي شنتها طالبان بردود عسكرية باكستانية واسعة، أسفرت عن مقتل عشرات من عناصر الحركة.

وتزعم باكستان أنها قتلت أكثر من 700 عنصر من طالبان خلال عملية «غضب للحق»، فيما تنفي الحركة هذه المزاعم.

ومن جهة أخرى، لا ترغب دول إقليمية، بينها تركيا وقطر والصين، في تصاعد التوتر بين طالبان وباكستان. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يُفهم امتناع طالبان عن التصعيد بوصفه رسالة مفادها أن الحركة لا تسعى إلى الحرب والمواجهة، في مقابل اتهام باكستان بالسعي إلى التصعيد العسكري.

مخاوف من استهداف قادة طالبان

قال محلل مطلع على العلاقات الداخلية لطالبان في كابل لأفغانستان إنترناشيونال إن الحركة لم تكن ترغب، منذ بداية الأزمة مع باكستان، في الدخول في مواجهة مباشرة معها، نظراً إلى استمرار الروابط العميقة بين مصير طالبان وباكستان.

وأوضح المحلل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية إقامته في كابل، أن طالبان تواجه حالياً معادلة صعبة: فالامتناع عن الرد العسكري قد يُفسَّر على أنه ضعف، بينما قد يؤدي الرد إلى فتح الباب أمام هجمات باكستانية أوسع نطاقاً.

وقال إن طالبان تخشى أن تقدم باكستان، في حال ردّت الحركة عسكرياً على الهجمات الأخيرة، على استهداف قادتها هذه المرة.

وتأتي هذه المخاوف في وقت سعت فيه باكستان خلال الأشهر الأخيرة إلى زيادة الضغط على طالبان على مستويات متعددة، بدءاً من الضغوط الدبلوماسية والإقليمية، وصولاً إلى الإجراءات العسكرية ومحاولات تعزيز خصوم الحركة.

وبحسب المحلل، ترى طالبان أن جزءاً من المشكلة لا يكمن في إسلام آباد، بل في واشنطن.

وتعتقد الحركة أن باكستان تتحرك في كثير من الحالات وفقاً للمصالح الأميركية، وأن قضايا مثل مصير السجناء، واحتمال عودة الولايات المتحدة إلى قاعدة باغرام، وعلاقات واشنطن مع دول المنطقة، تؤثر في حسابات كابل.

وقال المحلل: «طالبان منشغلة أكثر بالمساومة مع الولايات المتحدة، بينما تنشغل واشنطن بإيران».

ومن هذا المنظور، تسعى طالبان إلى تخفيف الضغوط الباكستانية عبر التواصل مع الولايات المتحدة، في وقت تركز فيه واشنطن على أولويات إقليمية أخرى.

لماذا لا تتحرك طالبان ضد حركة طالبان باكستان؟

تُعد حركة طالبان باكستان، المعروفة اختصاراً بـ«تي تي بي»، إحدى أبرز نقاط الخلاف بين كابل وإسلام آباد.

وتطالب باكستان طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات عليها.

ورغم أن طالبان تؤكد رسمياً أنها لا تسمح باستخدام أراضي أفغانستان ضد الدول الأخرى، فإنها لم تُبدِ استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع حركة طالبان باكستان لقمعها.

وتفيد بعض المصادر بأن زعيم طالبان وجّه تحذيرات متكررة إلى حركة طالبان باكستان لوقف هجماتها على باكستان.

كما نقلت طالبان عدداً من عناصر الحركة الباكستانية من المناطق الحدودية إلى شمال أفغانستان ومناطقها الوسطى، وأصدرت مواقف دينية تعارض شنّ الهجمات على باكستان.

لكن هذه الإجراءات لم تنجح في إقناع إسلام آباد.

وتطالب باكستان طالبان بتقديم ضمانات عملية وملموسة بعدم استخدام الأراضي الأفغانية ضدها.

ولذلك، لا يقتصر الخلاف بين الطرفين على التصريحات السياسية، بل يتعلق بطبيعة الإجراءات العملية التي تتخذها طالبان ضد حركة طالبان باكستان ومدى فعاليتها.

وقال المحلل القريب من طالبان إن هذه القضية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الحركة من أن تُحل بمجرد اعتقال عناصر حركة طالبان باكستان أو قمعهم.

وأوضح أن «دخول طالبان في مواجهة مع حركة طالبان باكستان قد يؤدي إلى صدام مع مجموعة من التنظيمات المسلحة المتمركزة في أفغانستان، بما فيها المقاتلون الأويغور والشيشان والقاعدة والمسلحون الأوزبك».

وأضاف: «معاداة جماعة واحدة تعني معاداة الجميع».

وبحسب المحلل، لا تمتلك طالبان القدرة على مواجهة هذه الجماعات جميعاً في الوقت نفسه، كما أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية للقيام بذلك.

ويرى أن إسلام آباد تدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك لا تحصر ضغوطها على طالبان في قضية حركة طالبان باكستان وحدها.

وقال: «تضع باكستان في حساباتها قضايا أوسع، مثل الجماعات البلوشية وخط ديورند والترانزيت وعلاقات أفغانستان مع الهند».

وأضاف: «ربما تجد باكستان نفسها، للمرة الأولى منذ ثمانية عقود، في موقع استراتيجي وإقليمي ملائم للغاية في مواجهة أفغانستان، وتعتقد أنها تستطيع استغلال هذا الوضع للحصول على مزيد من الامتيازات».

ووصف المحلل وضع طالبان بالقول: «وجدت طالبان نفسها أمام معضلة غريبة».

واستشهد بمثل شعبي يقول: «العصفور الحذر يقع في فخّين».

انقسام داخلي في أفغانستان

يرى مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، أن طالبان لم تتمكن أيضاً من حشد دعم موحد داخل أفغانستان لمواجهة الهجمات الباكستانية.

وقال إن المجتمع الأفغاني منقسم إزاء هذه الهجمات، وإن بعض الأفغان من غير البشتون يؤيدون حتى الضربات الباكستانية ضد مواقع طالبان.

وأضاف أن محاولات طالبان تعبئة الرأي العام ضد باكستان لم تحقق نجاحاً حتى الآن.

ويتوقع مدثر أن تواصل باكستان هجماتها بوتيرة أشد، بالتزامن مع زيادة دعمها لخصوم طالبان.

وإلى جانب الضغوط الباكستانية، تواجه طالبان تصاعداً في أنشطة الجماعات المسلحة المعارضة لها.

وقد كثّفت الجبهات المعارضة لطالبان نشاطها في مناطق مختلفة من أفغانستان، بالتزامن مع تقارير عن مساعٍ باكستانية لتعزيز وتعبئة التيارات السياسية المناهضة للحركة.

ويُطرح في هذا السياق تجدد نشاط الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، ومحاولات تنظيم القوى السياسية خارج إطار سلطة طالبان.

ومن جهة أخرى، يسعى بعض معارضي طالبان إلى الاستفادة من الأساليب والمسارات نفسها التي استخدمتها الحركة في الماضي لتوسيع نفوذها.

تهديدات لم تُنفذ حتى الآن

يُعد نور الله نوري، وزير الحدود وشؤون القبائل في حكومة طالبان، من أبرز المسؤولين الذين وجّهوا تحذيرات متكررة إلى باكستان.

لكن ردود الفعل على مستوى قيادة الحركة كانت أكثر حذراً، فيما التزم عدد من كبار مسؤولي طالبان الصمت إزاء الهجمات الأخيرة.

كما قال وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، خلال اجتماع موسكو، إن الخلاف مع باكستان يمكن حله عن طريق المفاوضات.

ويحمل هذا الموقف، إلى جانب نفي الحركة تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد باكستان، رسالة واضحة مفادها أن طالبان لا ترغب في المرحلة الراهنة في الدخول في مواجهة قد يصعب عليها السيطرة عليها.

لكن العلاقات بين الطرفين تجاوزت مرحلة باتت معها العودة إلى الوضع الطبيعي أمراً صعباً.

ففي بداية الأزمة، تحدثت طالبان عن رد قاسٍ، والتقدم نحو بيشاور، بل وحتى السيطرة على البنجاب.

أما الآن، فبدلاً من تنفيذ هذه التهديدات، تسعى الحركة إلى تجنب تصعيد المواجهة.

ولذلك، فإن ما يظهر اليوم في موقف طالبان تجاه باكستان أقرب إلى تراجع محسوب منه إلى سياسة هجومية.

ويُعزى هذا التراجع إلى محدودية القدرات العسكرية لطالبان، ومخاوفها من استهداف قادتها، والخلاف بشأن حركة طالبان باكستان، والضغوط السياسية والعسكرية المتزامنة التي تمارسها إسلام آباد.

دور المدارس الدينية في نشأة طالبان وقمع المجتمع

8 أكتوبر 2026، 19:32 غرينتش+1
100%

ليست العلاقة بين المدارس الدينية والجماعة المعروفة باسم طالبان علاقة ترادف وتساوٍ بحيث يستلزم وجود إحداهما وجود الأخرى بصورة حتمية. وبلغة علم المنطق، يمكن اعتبار العلاقة بينهما من قبيل «العموم والخصوص المطلق»؛

أي إن المدارس الدينية ليست كلها طالبانية، لكن جميع عناصر طالبان خرجوا من المدارس الدينية. وقد يكون هناك، في مراحل لاحقة، أشخاص من خارج دائرة خريجي المدارس الدينية انضموا إلى هذه الجماعة بوصفها تنظيماً سياسياً ـ عسكرياً، إلا أن هذا الاستثناء لا يغيّر أصل المسألة.

ويمكن توضيح هذه العلاقة بطريقة أخرى أيضاً: كان من الممكن أن توجد المدارس الدينية من دون طالبان، لكن من الصعب تصور طالبان، بالصورة التي عرفناهم بها خلال العقود الثلاثة الأخيرة، من دون البيئة التي وفّرتها المدارس الدينية. ومن هنا، فإن نشوء حركة عنيفة مثل طالبان، التي تحولت إلى واحدة من أكبر المعضلات السياسية والأمنية في أفغانستان والمنطقة، يرتبط ارتباطاً جدياً بالمدارس الدينية.

يمكن تصور عالم لم تكن طالبان موجودة فيه، وفي هذه الحالة لم يكن جزء مهم من الحروب والمجازر والدمار الذي ترتب على ظهور هذه الجماعة ونشاطها في أفغانستان وباكستان ليحدث. لكن طالبان لم تكن قدراً محتوماً على أفغانستان. فقد كانت نتاج مجموعة من الظروف التاريخية والسياسية والأمنية، وكانت المدارس الدينية من أهم البيئات التي وفّرت الموارد البشرية والفكرية لهذه الظاهرة. وإذا أردنا فهم أزمة أفغانستان والعثور على سبيل لتحقيق استقرارها على المدى البعيد، فلا يمكننا تجاهل دور هذه المدارس بصورة مباشرة في نشوء هذه الجماعة، وبصورة غير مباشرة في المجازر التي وقعت. وبعبارة أخرى، نشأت بين المدارس الدينية والدم والعنف علاقة عضوية.

ولا شك أن أزمة أفغانستان ليست أحادية العامل، وأنه حتى من دون طالبان كانت هناك توترات سياسية وقومية ولغوية واجتماعية بين مختلف الجماعات الأفغانية، كما أن عوامل داخلية وخارجية عديدة أسهمت في استمرار الأزمة. ومع ذلك، أظهرت تجربة العقود القليلة الماضية أن قسماً مهماً من القوى السياسية الأفغانية اكتسب تدريجياً القدرة على التعامل بعضها مع بعض. فقد تجاوزت جانباً من التوترات الناجمة عن عدم النضج السياسي، واتجه كثير من هذه التيارات، على الأقل خلال فترة الجمهورية، إلى التنافس السياسي في إطار القانون واستخدام الوسائل المدنية.

أما الجماعة الوحيدة التي ظلت دائماً تغرّد خارج السرب ولم تتوافق مع أحد فهي طالبان، التي بقيت تياراً أيديولوجياً متصلباً وصدامياً وغير مرن تجاه سائر القوى السياسية. وكان الفارق الأساسي بين هذه الجماعة وغيرها أن الحرب والعنف تحولا إلى عنصرين من عناصر تكوينها الذاتي، وأنها رفضت باستمرار الاستجابة للتحول أو التخلي عن النزعة العسكرية العنيفة. ومن هنا تكتسب دراسة المدارس الدينية، بوصفها البيئة الفكرية والتعليمية التي خرج منها مثل هذا التيار، أهمية خاصة لفهم أزمة أفغانستان.

من مؤسسة تقليدية للتعليم إلى فاعل اجتماعي جديد

من الناحية التاريخية، كانت المدارس الدينية جزءاً من نسيج النظام التعليمي التقليدي في أفغانستان وبلدان المنطقة. وقبل انتشار التعليم الحديث، كان جزء كبير من التعليم الرسمي وشبه الرسمي يجري في هذه المؤسسات. ومع توسع النظام التعليمي الحديث، أخذ التعليم المدني يسلك مساراً مستقلاً بصورة تدريجية، وفقدت المدارس الدينية احتكارها التاريخي لمجال التعليم، وأصبحت تتولى بصورة أكبر مهمة التعليم الديني المتخصص.

قامت فلسفة التعليم الحديث على أساس السؤال عن المعارف والمهارات التي يحتاج إليها المجتمع؛ بدءاً من الطب والزراعة، وصولاً إلى الإدارة والهندسة والاقتصاد وسائر التخصصات. والغاية منه إعداد الموارد البشرية القادرة على الاستجابة للاحتياجات المتنوعة للمجتمع وتحسين ظروف الحياة. ولا يعني هذا، بطبيعة الحال، أن المجتمع مستغنٍ تماماً عن التعليم الديني. ففي المجتمعات التي يؤدي فيها الدين دوراً مهماً في الحياة الفردية والاجتماعية، يحتفظ التعليم الديني بوظيفته المحددة أيضاً. وقد وجدت في كثير من البلدان الإسلامية مؤسسات لهذا الغرض، من الأزهر في مصر ودار العلوم ديوبند في شبه القارة الهندية إلى الزيتونة في تونس. غير أن ما نقل المدارس الدينية من مستوى المؤسسة التعليمية إلى مؤسسة متعددة الأغراض ذات وظائف اجتماعية وسياسية وعسكرية، كان السياسات التي انسجمت مع اللعبة الكبرى في حقبة الحرب الباردة.

وينبغي البحث عن نقطة التحول المهمة في تاريخ المدارس في هذه المنطقة في سياسات الدولة الباكستانية خلال عهد ضياء الحق. يكتب بروس ريدل أن أحد مؤشرات التحول الذي شهدته باكستان في عهد ضياء كان النمو الهائل للمدارس الدينية: ففي عام 1971، وقبل ضياء الحق، كان في البلاد نحو 900 مدرسة دينية؛ وبحلول عام 1988 ارتفع الرقم إلى 8,000 مدرسة رسمية، إضافة إلى نحو 25,000 مدرسة غير مسجلة. كما يشير إلى أن شهادات المدارس الدينية عودلت في عهد ضياء بالشهادات الجامعية، وأن نفوذها الاجتماعي ازداد. واستمر هذا المسار التصاعدي بعد ذلك. ففي بداية القرن الحادي والعشرين كان عدد المدارس المسجلة يقدَّر بنحو سبعة آلاف؛ وسجل الإحصاء الوطني للتعليم لعامي 2005–2006 ما مجموعه 12,153 مدرسة تضم أكثر من 1.5 مليون طالب. وفي عام 2012 تحدثت الحكومة الباكستانية عن نحو 24 ألف مدرسة مسجلة، وفي عام 2019 طُرحت خطة لدمج أكثر من 30 ألف مدرسة، تضم نحو 2.5 مليون طالب، في النظام التعليمي. أما أحدث الإحصاءات التعليمية الرسمية لعامي 2023–2024، والتي تشمل أيضاً بيانات اتحادات وتنظيمات المدارس، فتشير إلى قرابة 65 ألف مدرسة ونحو 3.3 ملايين طالب. وعلى الرغم من بعض الفوارق الجزئية بين هذه الإحصاءات، فإنها تدل على التوسع الهائل الذي شهدته شبكة المدارس الدينية في باكستان خلال نصف القرن الأخير.

وكانت أفغانستان، قبل عقود الحروب الأخيرة، تمتلك هي الأخرى مدارس دينية رسمية أسهمت الدولة في إنشائها وإدارتها، إلا أن عددها كان محدوداً بما يتناسب مع حاجات المجتمع في ذلك الوقت. ومع بدء الحرب ضد القوات السوفيتية وانطلاق موجة الهجرة إلى البلدان المجاورة، أخذ عدد المدارس الدينية بالازدياد، سواء بين المهاجرين أو داخل البلاد. وقد ذكرت «الاستراتيجية الوطنية للتعليم في أفغانستان» أنه لم يكن قبل عام 1371هـ ش [1992م] سوى 13 مدرسة دينية وداراً رسمية لتحفيظ القرآن؛ ثم ارتفع عددها بين عامي 1371 و1375هـ ش إلى 314. واستمر هذا الاتجاه التصاعدي، وفي فترة حكم طالبان الأولى، ووفقاً لبعض التقارير، تجاوز عدد المدارس ودور تحفيظ القرآن غير الرسمية ألف مؤسسة، وكان عدد طلابها يقدّر بمئة ألف. وبعد سقوط نظام طالبان الأول، وعند إعداد التقرير المذكور، كانت هناك 275 مدرسة ودار تحفيظ رسمية، تضم 58,528 طالباً، تحت إشراف الدولة.

الحرب الباردة وتسييس الدين

لفهم هذا التحول ينبغي العودة إلى النصف الثاني من القرن العشرين، ولا سيما حقبة الحرب الباردة. فقد أدى إخفاق مشاريع مختلفة لبناء الدولة والتنمية في عدد من بلدان المنطقة، إلى جانب أزمة الشرعية التي واجهتها بعض التيارات القومية والعلمانية، إلى توفير بيئة اجتماعية ملائمة لنمو التيارات الإسلامية والأصولية. وفي الوقت نفسه، أدت تنافسات الحرب الباردة إلى دخول الدين والتيارات الدينية في الحسابات الأمنية والجيوسياسية للقوى الإقليمية والعالمية واكتسابها أهمية متزايدة فيها.

لم تقتصر سياسة الأسلمة التي انتهجها ضياء الحق على مجال القوانين، بل شملت التعليم والمؤسسات الدينية أيضاً. وقد أظهرت الدراسات الأكاديمية أن السياسات التعليمية في عهد ضياء كانت هي الأخرى جزءاً من مشروع الأسلمة هذا. وكان ضياء الحق ينظر إلى الإسلاموية، من جهة، بوصفها أداة لتعزيز شرعيته الداخلية، ومن جهة أخرى، بوصفها عاملاً يمكن استخدامه في الحسابات الأمنية الباكستانية في المنطقة. فعلى المستوى الداخلي كان الإسلام قادراً على توفير مظلة مشتركة لمجتمع يعاني انقسامات قومية ولغوية وسياسية، وعلى المستوى الإقليمي كان من شأنه تعزيز قدرة باكستان على التقارب مع البلدان الإسلامية، ولا سيما الدول العربية.

وبالتزامن مع حرب أفغانستان ضد الاتحاد السوفيتي، اكتسبت هذه السياسة أهمية أمنية أكبر. فقد أتاح نظام الزكاة الرسمي في عهد ضياء موارد جديدة للمؤسسات الدينية؛ كما دفعت حرب أفغانستان ملايين اللاجئين إلى باكستان وأدخلت إلى المنطقة مصادر تمويل خارجية جديدة. وقد تحدثت دراسات مختلفة عن دور المساعدات العربية، ولا سيما الأموال السعودية والخليجية، في توسع قسم من المدارس الباكستانية.

وعلى الرغم من تفاوت الإحصاءات المتعلقة بأعداد طلاب هذه المدارس في تلك الفترة، فإن أهميتها السياسية تبقى قائمة. فحصة مؤسسة ما من مجموع السكان الطلاب لا تتطابق بالضرورة مع مقدار نفوذها السياسي والأيديولوجي. إذ يمكن لخريج المدرسة أن يصبح لاحقاً إمام مسجد أو خطيباً أو مدرساً أو ناشطاً في شبكة دينية وسياسية، وأن يؤثر في عدد من الناس يفوق بكثير عدد طلاب المدرسة نفسها. ومن هذه الزاوية، لا يكفي عدد الطلاب وحده لقياس أهمية المدارس؛ بل ينبغي أيضاً أخذ الشبكة الاجتماعية والسياسية المحيطة بها في الحسبان.

عندما دخلت المدرسة لعبة الجيوبوليتيك

أدى تزامن عدة تحولات إلى إدخال قسم من المدارس الدينية مرحلة جديدة: سياسات الدولة الباكستانية، وتدفق الأموال الخارجية، والتنافس الإيراني السعودي، وحرب أفغانستان، وانسجام القتال ضد الاتحاد السوفيتي مع استراتيجية الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين. وفي مثل هذه الأجواء، لم يعد قسم من المدارس الدينية مجرد مراكز لتدريس الفقه والحديث والتفسير والعلوم التقليدية. فقد أمكن استخدام الشبكة البشرية لهذه المدارس في التعبئة السياسية، وفي بعض الحالات في التعبئة العسكرية. وما يجعل مثل هذا التحول ممكناً هو ارتباط المدرسة بمصادر التمويل والمنظمات السياسية والأجهزة الأمنية والنزاعات العسكرية. وفي مثل هذه الحالة يمكن لمؤسسة أنشئت لتعليم الدين أن تؤدي وظائف تختلف اختلافاً كبيراً عن مهمتها الأصلية.

والجدير بالانتباه أن نظرة الناس العاديين والتقليديين إلى المدارس بقيت في الغالب على صورتها التاريخية: فالمدرسة مكان لتعلم الدين والحفاظ على القيم الدينية ونشر الفضائل الأخلاقية. لكن نظرة بعض الدول والمنظمات السياسية والأجهزة الأمنية لم تعد تقتصر على ذلك. فقد أدركت هذه الجهات الإمكانات المتعددة الأغراض لشبكة تتمتع بشرعية دينية، وتصل إلى الشرائح التقليدية من المجتمع، وقادرة على تعبئة أعداد كبيرة من الموارد البشرية. ومن هنا تحولت المدرسة الدينية، بالنسبة إلى بعض الفاعلين، إلى «قدرة» سياسية وأمنية إلى جانب كونها مؤسسة تعليمية. وفي هذه المرحلة بالذات خرجت حركة طالبان من تراكم رأس المال البشري لهذه المدارس، وتحولت إلى أهم تيار مثير للمشكلات في المعادلات السياسية والأمنية.

جمهورية أفغانستان وتوسع المدارس

مع تزايد أهمية المدارس الدينية في هذه المعادلات، وفي ضوء التهديد الذي كان يشكله طلابها وخريجوها لأمن البلاد وما كان ينذر به ذلك من اتساع الحرب وانعدام الأمن، اضطرت الحكومة الأفغانية السابقة إلى إعادة النظر في سياستها في هذا المجال. وكان من مخاوف حكومة الجمهورية أن يتوجه الشباب الأفغان الفقراء إلى مدارس باكستان طلباً للتعليم الديني، فيجدوا أنفسهم في بيئات لا تملك الحكومة الأفغانية أي رقابة عليها. وكحل لهذه المشكلة، سعت الحكومة إلى توسيع المدارس الدينية داخل أفغانستان حتى تتم تلبية جزء من هذا الطلب داخل البلاد. وفي الوقت نفسه، أنشئت مدارس خاصة عديدة خارج رقابة الدولة.

وكان حجم توسع التعليم الديني في السنوات الأخيرة من عمر الجمهورية لافتاً. ففي عام 2017 أعلنت وزارة الحج والأوقاف الأفغانية وجود 4,093 مدرسة و«مركزاً لتعليم القرآن» مسجلاً، تضم أكثر من 370 ألف طالب. وبعد عام واحد أعلنت أن عدد المراكز المسجلة بلغ 4,500، وأن عدد الطلاب تجاوز 300 ألف.

وفي مثل هذه الأجواء، تحولت بعض المدارس إلى بيئات لترويج رؤى تعارض بشدة الديمقراطية والتعددية والتسامح وحقوق الإنسان وغيرها من قيم النظام الجديد. وحتى عندما لم تكن هناك دعوة مباشرة إلى الحرب، كان من الممكن إنتاج خطاب يوفر الأرضية الفكرية اللازمة لإضفاء الشرعية على التيارات العنيفة. وكانت هذه مفارقة جديرة بالتأمل: فمن جهة كان النظام الجمهوري يقاتل طالبان والجماعات المسلحة، ومن جهة أخرى كان يتيح، في جزء من المجال التعليمي والديني في البلاد، إمكان إعادة إنتاج خطابات تشكك في شرعية النظام نفسه. ومن هنا جرى إعداد عشرات بل مئات الآلاف من القوى المتطرفة، بالقوة والفعل، داخل البلاد، وأصبحت آلة الحرب تدور بقوة أكبر من السابق.

طالبان ومرحلة جديدة من بناء المدارس

مع سقوط الجمهورية وعودة طالبان إلى السلطة، دخلت المسألة مرحلة جديدة تماماً. فطالبان أنفسهم نتاج تاريخي لبيئة أدت فيها المدرسة الدينية دوراً محورياً. وبعد سيطرتهم مجدداً على أفغانستان، وفضلاً عن استمرار المدارس السابقة في نشاطها، أُدرج إنشاء شبكة من المدارس المدعومة من الحكومة وتوسيعها ضمن برامج السلطة الجديدة.

وتظهر أبحاث Afghanistan Analysts Network أن التعليم المدرسي الديني المدعوم من حكومة طالبان توسع أكثر بعد عام 2021. فقد تحدثت وزارة معارف طالبان عن إنشاء مدرسة حكومية كبيرة في كل ولاية، كما طرحت وزارة الحج والأوقاف برنامجاً لإنشاء مدرستين في كل مديرية. ويبين البحث نفسه أن عدداً من كبار مسؤولي طالبان يملكون هم أيضاً مدارس دينية خاصة بهم.

وإلى جانب المدارس الدينية المعتادة، أنشأت طالبان منذ عام 2022 نوعاً آخر تحت عنوان «المدارس الجهادية». وقد ميّز تقرير SIGAR بين مناهج هذه المدارس ومناهج المدارس الدينية المعتادة، وذكر أن المدارس الجهادية تمولها وزارة المعارف الخاضعة لإدارة طالبان، وأن حصة العلوم الحديثة في مناهجها أقل. وفي أحدث التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام في هذا الشأن، قُدّر عدد المدارس، نقلاً عن بعض مسؤولي طالبان، بما يصل إلى 22 ألف مدرسة، وهو ما يرسم صورة لقفزة كمية مثيرة للقلق. ولا ينبع القلق من زيادة عدد المدارس وحدها، بل بدرجة أكبر من أن شبكة كهذه يمكن أن تصبح على المدى البعيد إحدى القنوات الرئيسية لإعادة إنتاج الموارد البشرية لنظام طالبان: جيل لا يُعدّ للشؤون الدينية فحسب، بل للحضور في البنية الإدارية والاجتماعية والأمنية للنظام أيضاً. وفي هذه المرحلة لم تعد المدرسة مجرد مؤسسة قائمة إلى جانب الدولة؛ بل يمكن أن تصبح إحدى أدوات إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه وقمع المجتمع.

تكاثر المدارس وخطر تكاثر طالبان

لا يعني ما تقدم أن كل مدرسة دينية تنتج بالضرورة عنصراً طالبانياً. لكن المسألة هي أنه كلما أعيد إنتاج النوع نفسه من التعليم المنغلق، والبنية الفكرية ذاتها، ومصادر التمويل غير الشفافة نفسها، والعلاقة ذاتها بين المدرسة والأيديولوجيا والسلطة السياسية على نطاق أوسع، اتسعت كذلك البيئة الاجتماعية الملائمة لإعادة إنتاج طالبان أو تيارات تنتمي إلى العائلة الفكرية نفسها. والخطر الأساسي لا يتمثل حتى في مجرد ازدياد عدد أعضاء تنظيم يحمل اسم طالبان. فالخطر الأعمق هو ترسيخ نوع من الثقافة السياسية والاجتماعية تصبح فيه حصرية الحقيقة، والطاعة الأيديولوجية، وعدم تحمل الآخر، والتمييز ضد قطاعات من المجتمع، ومقاومة الحقوق المتساوية للمواطنة في هذا البلد أموراً مؤسسية راسخة.

ومن هذه الزاوية، لا تقتصر أهمية تجربة أفغانستان على أفغانستان وحدها. فالبلدان التي تفسح المجال أمام التوسع غير المنضبط لشبكات مشابهة من المدارس من دون الالتفات إلى تجربتي أفغانستان وباكستان، ينبغي لها أن تأخذ بجدية احتمال ما يترتب على ذلك من آثار سياسية واجتماعية بعيدة المدى. فالمدرسة التي يُنظر إليها اليوم على أنها مجرد مركز للتعليم الديني قد تكتسب غداً وظيفة بالغة الخطورة إذا دخلت في شبكة من المال والأيديولوجيا والتنافس السياسي ـ الأمني.

الاقتصاد الديني

أدى تغير المناخ السياسي لمصلحة المدارس إلى دخول فاعلين غير حكوميين إلى الميدان أيضاً. فعدد من التجار والشركات التجارية والميسورين يساعدون هذه المدارس بدافع ديني، ويعتقدون أنهم بذلك يؤدون جانباً من مسؤوليتهم الدينية. وبالنسبة إلى آخرين، تشكل مساعدة المدارس وسيلة لاكتساب وجاهة اجتماعية أو إقامة علاقة مناسبة مع بنية السلطة. وفي مجتمع تقل فيه فرص العمل والنشاط الاقتصادي، يمكن أن يصبح إنشاء مدرسة وجمع التبرعات لها أيضاً نوعاً من التجارة والنشاط الاقتصادي. ويسافر القائمون الأكثر قدرة على هذه الشبكات إلى بلدان أخرى لجمع التبرعات وإقامة العلاقات المالية، وينشئون شبكات عابرة للحدود. ومن هذه الزاوية يمكن الحديث عن تشكل نوع من «الاقتصاد الديني»: مجال تتقاطع فيه الموارد المالية والدين والمكانة الاجتماعية والشبكات السياسية والمصالح الاقتصادية.

النوايا الحسنة والنتائج السيئة

وفي هذا السياق، لا تقع المسؤولية على عاتق الحكومات وحدها. فالناس، ولا سيما التجار والشركات التجارية الذين يسهمون بحسن نية، وباعتقاد أنهم يؤدون رسالة دينية، في التوسع غير المحسوب لهذه المدارس، يتحملون هم أيضاً مسؤولية في هذا المجال. فالنية الدينية والخيرية وحدها لا تضمن أن تكون النتيجة الاجتماعية للفعل خيرية كذلك. وإذا وُضع رأس المال في تصرف مؤسسة تسهم عملياً في إعادة إنتاج التعصب ونفي التعدد والتمييز ومعارضة حقوق المواطنة أو إضفاء الشرعية على العنف، فإن المموّل، حتى وإن كان ذلك من غير قصد، يشارك في توفير الموارد المادية لاستمرار تلك الحلقة.

والمسألة تتجاوز حتى العنف المباشر. ففي مجتمع فقير ذي موارد محدودة، ينطوي كل خيار اقتصادي واسع النطاق أيضاً على «تكلفة فرصة بديلة». فالمال الذي يمكن إنفاقه على المدرسة النظامية والجامعة والتعليم المهني والطب والتكنولوجيا والزراعة والإنتاج وتوفير فرص العمل، إذا خُصص بصورة غير متناسبة لتكثير نوع معين من التعليم، فإنه يؤثر كذلك في تكوين رأس المال البشري للمجتمع. فالمجتمع لا يحتاج من أجل التنمية المتوازنة إلى عالم ديني فحسب؛ بل يحتاج أيضاً إلى طبيب ومهندس ومعلم ومتخصص في الزراعة واقتصادي ومدير وعالم وفني وعشرات الأنواع الأخرى من التخصصات والمهارات.

ومن هذا المنظور، لا يمثل التمويل الواسع للمدارس مجرد خيار شخصي في مجال الصدقات والخيرات. فعندما تتم هذه المساعدات على نطاق واسع، تتحول إلى اختيار بشأن نوع المجتمع الذي يجري بناؤه. والمجتمع الذي يضع موارده المحدودة بصورة غير متوازنة في خدمة إعادة إنتاج جهاز أيديولوجي، يحرم نفسه في الوقت ذاته من الإمكانات اللازمة للتنمية المتوازنة وبناء الدولة الحديثة وتحقيق حقوق المواطنين.

الهدف ليس إغلاق المدارس الدينية

لا ينبغي فهم هذا النقاش على أنه دعوة إلى إغلاق المدارس الدينية أو إنكار ضرورة التعليم الديني. ففي مجتمع مثل أفغانستان يشكل الدين فيه جزءاً مهماً من حياة الناس، يمثل التعليم الديني حاجة اجتماعية حقيقية. والمشكلة ليست في وجود المدرسة الدينية؛ بل في حجمها وعددها، وجودة تعليمها، ومصادر تمويلها، وطبيعة مناهجها، والمكان الذي تشغله في مجمل النظام التعليمي والتنموي للبلاد. وينبغي أن يكون الهدف المعقول إعادة المدارس الدينية إلى حجم يتناسب مع حاجة المجتمع، والارتقاء بجودتها، ووضعها في حالة انسجام مع مجمل النظام التعليمي، لا إلغاءها.

وتظهر تجارب البلدان الإسلامية وجود نماذج مختلفة لتحقيق ذلك. ففي مصر يمتلك الأزهر نظاماً رسمياً ومنظماً للتعليم الديني، وقد أدخلت إصلاحاته التاريخية حتى العلوم غير الدينية، ثم تخصصات مثل الطب والهندسة والزراعة والتجارة، في بنيته التعليمية. وفي تركيا تشكل مدارس إمام خطيب جزءاً من البنية الرسمية للتعليم تحت إشراف وزارة التربية الوطنية. وفي ماليزيا أيضاً تعمل أشكال مختلفة من المدارس الدينية في إطار هياكل تنظيمية حكومية وعلى مستوى الولايات، وتقدم بعض المدارس الدينية المنهج الوطني إلى جانب التعليم الإسلامي.

ولا يخلو أي من هذه النماذج من العيوب، كما أن ظروف هذه البلدان ليست مطابقة لظروف أفغانستان، لكن أهمية هذه التجارب تكمن في أنها تظهر وجود خيار ثالث إلى جانب خيارَي «الإغلاق الكامل للمدارس الدينية» أو «تركها حرة بصورة كاملة»: الاعتراف بالتعليم الديني مع مراعاة الاحتياجات التعليمية والتنموية، وإعطاء الأولوية للحقوق والحريات الأساسية للمواطنين.

مدرسة لم تعد مجرد مدرسة

تظهر تجربة العقود القليلة الماضية أن المجتمع بحاجة إلى فهم جديد لدور المدارس الدينية في أفغانستان والمنطقة. فقد كانت المدرسة الدينية، في صورتها الكلاسيكية، مؤسسة لتدريس العلوم الدينية، لكن كثيراً من المدارس الدينية اليوم أصبحت مرتبطة بمشاريع سياسية ومصادر تمويل غير شفافة وأجهزة أمنية وتعبئة عسكرية ومنافسات جيوسياسية. وفي مثل هذه الحالة يمكن أن تتغير وظيفتها بصورة جذرية.

وبالنسبة إلى أسرة ما، قد تبقى المدرسة مكاناً يتعلم فيه ابنها القرآن والفقه؛ وبالنسبة إلى القائم عليها قد تكون مصدراً للدخل والوجاهة الاجتماعية؛ وبالنسبة إلى تيار سياسي قد تكون شبكة لتعبئة الأنصار؛ وبالنسبة إلى جهاز استخباراتي قد تكون بيئة للنفوذ؛ وبالنسبة إلى نظام أيديولوجي قد تكون أداة لتنشئة الجيل المقبل وإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا لم يعد السؤال الأساسي عن المدارس الدينية في أفغانستان مقتصراً على: ماذا يُدرَّس فيها؟ بل أصبح السؤال الأهم هو: في أي شبكة من المال والسلطة والأيديولوجيا والسياسة تقع هذه المدارس؟ ومن يمولها؟ وأي نوع من البشر تُنشئ؟ وما الدور الذي يُراد لهذا الإنسان أن يؤديه في مجتمع أفغانستان المستقبلي؟

ومن دون الإجابة عن هذه الأسئلة، سيظل فهم ظاهرة طالبان ناقصاً. فلا يمكن دراسة طالبان في ميدان الحرب وحده؛ ولفهم كيفية نشأتهم وإعادة إنتاجهم، ينبغي النظر إلى البيئات التي تتشكل فيها الموارد البشرية والرؤية إلى العالم والشرعية الاجتماعية لمثل هذا التيار. وما ينبغي ألا يتكرر مرة أخرى هو ذلك المزيج الذي يحول المدرسة من مؤسسة للتعليم الديني إلى أداة للأيديولوجيا والسلطة والصراع.

وإذا لم تتشكل سياسة معقولة لتنظيم هذا المجال، وإذا لم ينشأ لدى الناس، ولا سيما أولئك الذين يوفرون الموارد المالية لهذه الشبكة، وعي كافٍ بعواقبها، فلن يكون الخطر مجرد ازدياد عدد المدارس. الخطر هو أن الحلقة التي أسهمت ذات مرة في نشأة طالبان ووصولهم إلى السلطة قد تترسخ هذه المرة على نطاق أوسع في النسيج السياسي والاجتماعي للمنطقة. وعندئذ لن تكون المسألة ظهور جماعة اسمها طالبان؛ بل إعادة إنتاج لا تنتهي للبيئات التي تضمن استمرار العنف وقمع المواطنين والتخلف وصعوبة تشكل الدولة الحديثة.

كيف يتذكر الأفغان الهجمات الأميركية للإطاحة بطالبان؟

8 أكتوبر 2026، 19:30 غرينتش+1
100%
مقاتلون مناهضون لطالبان يراقبون الدخان المتصاعد من مواقع الحركة في تورا بورا، 16 ديسمبر 2001.

قبل 25 عاماً، وتحديداً في 7 أكتوبر 2001، بدأت الولايات المتحدة وحلفاؤها الأفغان شن هجمات على مواقع حركة طالبان، أدت إلى سقوط حكم الحركة الأول، وأحيت لدى كثير من الأفغان آمالاً بالحرية وإعادة فتح المدارس وتحقيق حياة أفضل.

وخلال العقدين التاليين، تمكن جيل كامل من الالتحاق بالمدارس والجامعات، وحصل على فرص للعمل وبناء مستقبله. لكن مع عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تبددت كثير من تلك الآمال.

وفي الذكرى الخامسة والعشرين لبدء هذه الهجمات، يروي عدد من المواطنين الأفغان ذكرياتهم عن تلك المرحلة، بدءاً من مشاعر الخوف والأمل خلال أيام الحرب، مروراً بالفرص التي أتاحتها حقبة الجمهورية، وصولاً إلى مرارة عودة طالبان إلى الحكم.

حامد من كابل

كنت في الخامسة والعشرين من عمري آنذاك، وأقيم في السكن الجامعي. كان يوماً خريفياً، وكان الطلاب يتنقلون بقلق وارتباك في الممرات. لم يكن عددهم كبيراً، لأن كثيرين منهم كانوا قد غادروا السكن قبل ذلك.

كنا نسمع أصوات القاذفات، لكننا لم نكن نرى الطائرات. وسرعان ما أدركنا أن الأوضاع بدأت تتغير.

في اليوم التالي للهجوم، كانت كابل قد تغيرت. لم يعد هناك أي أثر لطالبان في المدينة، فقد فرّ جميع عناصرها. وكانت المؤسسات الحكومية خالية، وأُغلقت نقاط التفتيش والجامعات، فيما بدأت قوات الجبهة المتحدة بالدخول إلى كابل من جهة الشمال.

لم أكن أعرف ما الذي يحمله المستقبل، أو ما الذي سيحدث للبلاد، لكنني كنت أعتقد أن أي وضع سيكون أفضل من حكم طالبان.

بعد ذلك، سمعنا أخبار وصول القوات الأجنبية، ثم عُقد مؤتمر بون وتشكلت حكومة جديدة.

تمكنت من مواصلة دراستي، ولكن هذه المرة في بيئة مختلفة، مع عدد أكبر من الطلاب، وإلى جانب الفتيات والنساء.

عادت الفتيات إلى الجامعات بعد خمس سنوات من الحرمان من التعليم، وأتيحت أمام البلاد فرصة جيدة.

تخرجت من الجامعة، وبنيت لنفسي حياة ناجحة، وانشغلت خلال تلك السنوات بالعمل وشؤون الحياة.

معصومة من هرات

عندما بدأت الهجمات الأميركية على أفغانستان، كنت أماً شابة أعيش في هرات.

كانت أصوات الطائرات والانفجارات مخيفة، لكن وسط كل ذلك الخوف، كنت أشعر بالأمل. كنت أقول لنفسي: ربما نتخلص أخيراً من قبضة طالبان.

كان لدي حلم بسيط، وهو أن ترحل طالبان وتُفتح أبواب المدارس مجدداً أمام الفتيات.

وكانت كثير من النساء اللواتي أعرفهن يتشاركن معي الحلم نفسه.

كانت أصوات الانفجارات تثير الخوف في نفوسنا، لكننا في الوقت ذاته كنا نتطلع إلى رحيل طالبان وقدوم الحرية.

فرهاد من هولندا

كان اغتيال أحمد شاه مسعود، قائد القوات المناهضة لطالبان، قد قضى على أملنا الوحيد في التغيير.

وبعد يومين، شن تنظيم القاعدة هجماته على الولايات المتحدة. وبعد ذلك، حذر جورج بوش حركة طالبان من أنه سيهاجم أفغانستان إذا لم تسلّم أسامة بن لادن.

وأعاد ذلك التحذير الأمل بالتغيير إلى نفسي.

عندما بدأت الولايات المتحدة هجومها، كنت لاجئاً في إيران.

وكان الاعتقاد السائد بيننا أن الولايات المتحدة ستقضي على طالبان، وتحول أفغانستان إلى دولة متقدمة مثل كوريا الجنوبية.

حتى أصدقائي الإيرانيون كانوا يعتقدون أن أفغانستان ستتطور يوماً إلى درجة تدفع الإيرانيين إلى الهجرة إليها. لكن ذلك التصور كان خاطئاً.

بعد سقوط طالبان، أصبح المجتمع أكثر انفتاحاً، وتمتع الناس بقدر أكبر من الحرية، فعُدنا من إيران إلى أفغانستان.

لكن لم تكن هناك إرادة للقضاء على طالبان بشكل كامل.

وخلال فترة الجمهورية، فقدت الأمل في تحسن الأوضاع، واضطررت إلى الهجرة مجدداً، وهذه المرة إلى أوروبا.

لم تصبح أفغانستان كوريا الجنوبية، بل أُعيد تسليمها إلى طالبان.

محبوبة من مزار شريف

في 7 أكتوبر 2001، كنت في إيران، وسمعت عبر الراديو نبأ الهجوم الأميركي على أفغانستان. قلت لنفسي: ربما تتمكن الفتيات من العودة إلى المدارس مرة أخرى.

عندما سيطرت طالبان على كابل عام 1996، كنت في الصف الحادي عشر. كنت أحب مادة الأحياء، وأحلم بأن أصبح طبيبة.

بعد إغلاق المدارس، واصلت الدراسة لبعض الوقت في صف تعليمي سري.

لكن عائلتي كانت تخشى أن تختطفني طالبان أو تجبرني على الزواج، ولذلك لم أتمكن من مواصلة تعليمي أو الالتحاق بالجامعة.

وبعد عام، أصبحت أماً. ومع اشتداد الحرب، لجأت إلى إيران وأنا حامل وأحمل طفلاً رضيعاً بين ذراعي.

تعلمت الخياطة وتصفيف الشعر، وعملت حتى يتمكن أطفالي من الدراسة.

كنت أقول لنفسي دائماً: أنا لم أتمكن من تحقيق حلمي، لكن يجب أن تتمكن بناتي من ذلك.

بعد سقوط طالبان، وعندما بلغت ابنتي الكبرى سن الدراسة، عدت معها إلى أفغانستان.

وفي اليوم الذي خرجت فيه من المنزل حاملة حقيبتها المدرسية، شعرت بأنها قد تتمكن من تحقيق الحلم الذي حُرمت أنا منه.

لكن في أغسطس 2021، عادت طالبان إلى السلطة، وأُغلقت أبواب المدارس من جديد.

وهذه المرة، رأيت بناتي يُحرمن من التعليم كما حُرمت أنا سابقاً.

لقد فقدت حلمي بأن أصبح طبيبة مرة واحدة، وأمضيت سنوات أحاول أن أضمن لبناتي فرصة التعليم، لكنهن اليوم أيضاً يقفن أمام أبواب المدارس المغلقة.

لا أعرف كم مرة يجب على الأم أن تشهد تحطم أحلامها وأحلام بناتها.

أكبر من فرنسا

قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت طفلاً في العاشرة من عمري، أعيش في منطقة خيرخانه بالعاصمة كابل.

لم أكن أفهم شيئاً عن السياسة والحرب، وكنت أعرف فقط أصوات قاذفات «بي-52».

وكلما حلقت تلك الطائرات في سماء كابل، كنا نلجأ مع عائلتنا إلى قبو منزل أحد الجيران.

بعد سقوط طالبان، تغيرت حياة الناس. وخلال السنوات العشرين التالية، التحقنا بالمدارس والجامعات، وأتيحت لنا فرصة العمل من أجل بناء مستقبلنا.

أما شقيقتاي الأكبر سناً، اللتان حُرمتا من التعليم خلال حكم طالبان الأول، فقد تمكنتا من العودة إلى الدراسة، وتخرجتا من المدرسة وأصبحتا معلمتين.

لكن مع عودة طالبان، سُلبت منا هذه المكاسب.

فشقيقتي الثالثة، التي كانت تدرس علوم الحاسوب في الجامعة، لم تتمكن من مواصلة تعليمها.

هذه المرة، لم أعد ذلك الطفل البالغ من العمر عشر سنوات، وكنت أدرك تماماً ما تعنيه عودة طالبان إلى الحكم.

عشت ثلاث سنوات تحت حكم الحركة، واختبرت القيود اليومية والإهانات ومعاملة عناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشوارع.

كنت أرى الحريات تتقلص، والفرص تتلاشى أمام الناس، وأصبح تحمل هذا الواقع أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.

وفي النهاية، مثل مئات الآلاف من الشباب الآخرين، فضّلت الغربة والعيش بعيداً عن الوطن على البقاء تحت حكم طالبان.

قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت أختبئ في قبو خوفاً من أصوات قاذفات «بي-52».

واليوم، وأنا أعيش بعيداً عن أفغانستان، أدرك بصورة أعمق حجم التأثير الذي تركته تلك الحرب والأحداث التي أعقبتها على حياة جيلنا.