تراجع أمام باكستان.. لماذا تمتنع طالبان عن الرد العسكري؟
هددت طالبان بـ«الرد في أقرب وقت ممكن» بعد الغارات الجوية الباكستانية على عدد من الولايات الأفغانية، لكن بعد مرور عدة أيام على هذه الهجمات، اقتصر رد الحركة على استدعاء السفير الباكستاني وإصدار البيانات والتحذيرات اللفظية.
ويرى خبراء أن المخاوف من شنّ باكستان هجمات جديدة، واحتمال استهداف قادة طالبان، إلى جانب مساعي إسلام آباد لتوسيع ضغوطها السياسية والعسكرية، وضعت الحركة في موقف صعب يتسم بالعجز عن اتخاذ خطوات فعلية في مواجهة باكستان.
وشنّت باكستان غارات جوية على ولايتي كونر وبكتيكا ليلة 21 سبتمبر، ثم قصفت ولايات قندهار وبكتيا وخوست ليلة 24 سبتمبر، قبل أن تستهدف مجدداً كونر وهلمند ليلة 30 سبتمبر.
وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، عقب هجوم 23 سبتمبر، إن الأفغان سيردون «بالشكل المناسب». كما شدد عقب هجوم 25 سبتمبر على اتخاذ «موقف حازم» وتقديم «رد مناسب».
ويختلف هذا النهج بشكل واضح عن ردود فعل طالبان على الغارات الجوية الباكستانية السابقة، إذ كانت الحركة، إلى جانب إدانة الهجمات، تصعّد الاشتباكات الحدودية وتعلن تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة وعمليات داخل الأراضي الباكستانية.
لكن هذه المرة، اتخذت طالبان موقفاً مختلفاً حتى تجاه الاتهامات بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة.
فبعد الغارات الجوية الباكستانية على قندهار وبكتيا وخوست في 25 سبتمبر، أعلن الجيش الباكستاني أن طالبان أرسلت ثماني طائرات مسيّرة باتجاه باكستان رداً على الهجمات، وأن هذه الطائرات أُسقطت بالقرب من تورخم وكوهات.
وسارعت طالبان إلى نفي هذه الاتهامات. وقال ذبيح الله مجاهد: «هذا غير صحيح. لم يُنفذ أي هجوم عبر الحدود أو أي هجوم آخر من الأراضي الأفغانية باتجاه باكستان».
ووصف مجاهد، في بيان، مزاعم عبور الطائرات المسيّرة من أفغانستان بأنها «شائعات» تروّجها دوائر عسكرية باكستانية لتبرير ما وصفه بـ«العدوان السافر».
ويرى مراقبون أن هذا التحول في موقف طالبان يعكس حذراً شديداً في تعامل الحركة مع باكستان.
باكستان تصعّد تهديداتها
في المقابل، واصل المسؤولون الباكستانيون التحذير من استمرار الضربات ضد مواقع الجماعات المسلحة داخل أفغانستان.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، شريف تشودري، عقب الهجمات الأخيرة، إن إسلام آباد «لن تساوم» على سلامة أراضيها وأمنها، وستتخذ «كل الإجراءات اللازمة» لمواجهة التهديدات المنطلقة من الأراضي الأفغانية.
تقول باكستان إن هجماتها تركز على استهداف مخابئ الإرهابيين.
كما أكد رانا ثناء الله، مستشار رئيس الوزراء الباكستاني، أن إسلام آباد تحتفظ بحقها في استهداف مواقع الجماعات الإرهابية.
ووصف المسؤولون الباكستانيون الهجمات الأخيرة بأنها محدودة النطاق، لكن رسالتها السياسية واضحة: تريد إسلام آباد إيصال رسالة إلى طالبان مفادها أنها مستعدة لتوسيع نطاق عملياتها داخل أفغانستان إذا استمرت هجمات حركة طالبان باكستان على الأراضي الباكستانية.
ويؤكد المسؤولون الباكستانيون باستمرار أن لديهم مطلباً واحداً من طالبان، يتمثل في منع شنّ هجمات على باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، ووقف دعم حركة طالبان باكستان.
لكن طالبان لم تُبدِ حتى الآن استعداداً للاستجابة الكاملة لهذا المطلب.
عجز طالبان عن الرد
قال مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، لأفغانستان إنترناشيونال، إن طالبان لا تمتلك في الظروف الراهنة القدرة على توجيه رد عسكري فعّال ضد باكستان.
وأوضح أن الحركة نفذت في السابق بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة، لكنها كانت موجهة أساساً للاستهلاك الدعائي والداخلي، ولم تتمكن من إلحاق أضرار مؤثرة بباكستان.
وبحسب مدثر، فإن أي رد عسكري من طالبان قد يدفع باكستان إلى تصعيد هجماتها.
ويرى مدثر أن طالبان تخشى حالياً أن يؤدي الرد العسكري على الهجمات الباكستانية إلى فتح مرحلة جديدة من المواجهة، قد يصبح فيها قادة الحركة أنفسهم أهدافاً لهجمات مباشرة.
وأضاف أن الغارات الباكستانية الأخيرة، ولا سيما في قندهار وهلمند، حملت رسالة «خطيرة ومدروسة» إلى طالبان.
وأفادت بعض المصادر أيضاً بأن الغارة على قندهار استهدفت وحدة الحراسة الخاصة بالملا هبة الله أخوند زاده، زعيم طالبان.
كما قوبلت الهجمات الحدودية التي شنتها طالبان بردود عسكرية باكستانية واسعة، أسفرت عن مقتل عشرات من عناصر الحركة.
وتزعم باكستان أنها قتلت أكثر من 700 عنصر من طالبان خلال عملية «غضب للحق»، فيما تنفي الحركة هذه المزاعم.
ومن جهة أخرى، لا ترغب دول إقليمية، بينها تركيا وقطر والصين، في تصاعد التوتر بين طالبان وباكستان. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يُفهم امتناع طالبان عن التصعيد بوصفه رسالة مفادها أن الحركة لا تسعى إلى الحرب والمواجهة، في مقابل اتهام باكستان بالسعي إلى التصعيد العسكري.
مخاوف من استهداف قادة طالبان
قال محلل مطلع على العلاقات الداخلية لطالبان في كابل لأفغانستان إنترناشيونال إن الحركة لم تكن ترغب، منذ بداية الأزمة مع باكستان، في الدخول في مواجهة مباشرة معها، نظراً إلى استمرار الروابط العميقة بين مصير طالبان وباكستان.
وأوضح المحلل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية إقامته في كابل، أن طالبان تواجه حالياً معادلة صعبة: فالامتناع عن الرد العسكري قد يُفسَّر على أنه ضعف، بينما قد يؤدي الرد إلى فتح الباب أمام هجمات باكستانية أوسع نطاقاً.
وقال إن طالبان تخشى أن تقدم باكستان، في حال ردّت الحركة عسكرياً على الهجمات الأخيرة، على استهداف قادتها هذه المرة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت سعت فيه باكستان خلال الأشهر الأخيرة إلى زيادة الضغط على طالبان على مستويات متعددة، بدءاً من الضغوط الدبلوماسية والإقليمية، وصولاً إلى الإجراءات العسكرية ومحاولات تعزيز خصوم الحركة.
وبحسب المحلل، ترى طالبان أن جزءاً من المشكلة لا يكمن في إسلام آباد، بل في واشنطن.
وتعتقد الحركة أن باكستان تتحرك في كثير من الحالات وفقاً للمصالح الأميركية، وأن قضايا مثل مصير السجناء، واحتمال عودة الولايات المتحدة إلى قاعدة باغرام، وعلاقات واشنطن مع دول المنطقة، تؤثر في حسابات كابل.
وقال المحلل: «طالبان منشغلة أكثر بالمساومة مع الولايات المتحدة، بينما تنشغل واشنطن بإيران».
ومن هذا المنظور، تسعى طالبان إلى تخفيف الضغوط الباكستانية عبر التواصل مع الولايات المتحدة، في وقت تركز فيه واشنطن على أولويات إقليمية أخرى.
لماذا لا تتحرك طالبان ضد حركة طالبان باكستان؟
تُعد حركة طالبان باكستان، المعروفة اختصاراً بـ«تي تي بي»، إحدى أبرز نقاط الخلاف بين كابل وإسلام آباد.
وتطالب باكستان طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات عليها.
ورغم أن طالبان تؤكد رسمياً أنها لا تسمح باستخدام أراضي أفغانستان ضد الدول الأخرى، فإنها لم تُبدِ استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع حركة طالبان باكستان لقمعها.
وتفيد بعض المصادر بأن زعيم طالبان وجّه تحذيرات متكررة إلى حركة طالبان باكستان لوقف هجماتها على باكستان.
كما نقلت طالبان عدداً من عناصر الحركة الباكستانية من المناطق الحدودية إلى شمال أفغانستان ومناطقها الوسطى، وأصدرت مواقف دينية تعارض شنّ الهجمات على باكستان.
لكن هذه الإجراءات لم تنجح في إقناع إسلام آباد.
وتطالب باكستان طالبان بتقديم ضمانات عملية وملموسة بعدم استخدام الأراضي الأفغانية ضدها.
ولذلك، لا يقتصر الخلاف بين الطرفين على التصريحات السياسية، بل يتعلق بطبيعة الإجراءات العملية التي تتخذها طالبان ضد حركة طالبان باكستان ومدى فعاليتها.
وقال المحلل القريب من طالبان إن هذه القضية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الحركة من أن تُحل بمجرد اعتقال عناصر حركة طالبان باكستان أو قمعهم.
وأوضح أن «دخول طالبان في مواجهة مع حركة طالبان باكستان قد يؤدي إلى صدام مع مجموعة من التنظيمات المسلحة المتمركزة في أفغانستان، بما فيها المقاتلون الأويغور والشيشان والقاعدة والمسلحون الأوزبك».
وأضاف: «معاداة جماعة واحدة تعني معاداة الجميع».
وبحسب المحلل، لا تمتلك طالبان القدرة على مواجهة هذه الجماعات جميعاً في الوقت نفسه، كما أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية للقيام بذلك.
ويرى أن إسلام آباد تدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك لا تحصر ضغوطها على طالبان في قضية حركة طالبان باكستان وحدها.
وقال: «تضع باكستان في حساباتها قضايا أوسع، مثل الجماعات البلوشية وخط ديورند والترانزيت وعلاقات أفغانستان مع الهند».
وأضاف: «ربما تجد باكستان نفسها، للمرة الأولى منذ ثمانية عقود، في موقع استراتيجي وإقليمي ملائم للغاية في مواجهة أفغانستان، وتعتقد أنها تستطيع استغلال هذا الوضع للحصول على مزيد من الامتيازات».
ووصف المحلل وضع طالبان بالقول: «وجدت طالبان نفسها أمام معضلة غريبة».
واستشهد بمثل شعبي يقول: «العصفور الحذر يقع في فخّين».
انقسام داخلي في أفغانستان
يرى مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، أن طالبان لم تتمكن أيضاً من حشد دعم موحد داخل أفغانستان لمواجهة الهجمات الباكستانية.
وقال إن المجتمع الأفغاني منقسم إزاء هذه الهجمات، وإن بعض الأفغان من غير البشتون يؤيدون حتى الضربات الباكستانية ضد مواقع طالبان.
وأضاف أن محاولات طالبان تعبئة الرأي العام ضد باكستان لم تحقق نجاحاً حتى الآن.
ويتوقع مدثر أن تواصل باكستان هجماتها بوتيرة أشد، بالتزامن مع زيادة دعمها لخصوم طالبان.
وإلى جانب الضغوط الباكستانية، تواجه طالبان تصاعداً في أنشطة الجماعات المسلحة المعارضة لها.
وقد كثّفت الجبهات المعارضة لطالبان نشاطها في مناطق مختلفة من أفغانستان، بالتزامن مع تقارير عن مساعٍ باكستانية لتعزيز وتعبئة التيارات السياسية المناهضة للحركة.
ويُطرح في هذا السياق تجدد نشاط الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، ومحاولات تنظيم القوى السياسية خارج إطار سلطة طالبان.
ومن جهة أخرى، يسعى بعض معارضي طالبان إلى الاستفادة من الأساليب والمسارات نفسها التي استخدمتها الحركة في الماضي لتوسيع نفوذها.
تهديدات لم تُنفذ حتى الآن
يُعد نور الله نوري، وزير الحدود وشؤون القبائل في حكومة طالبان، من أبرز المسؤولين الذين وجّهوا تحذيرات متكررة إلى باكستان.
لكن ردود الفعل على مستوى قيادة الحركة كانت أكثر حذراً، فيما التزم عدد من كبار مسؤولي طالبان الصمت إزاء الهجمات الأخيرة.
كما قال وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، خلال اجتماع موسكو، إن الخلاف مع باكستان يمكن حله عن طريق المفاوضات.
ويحمل هذا الموقف، إلى جانب نفي الحركة تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد باكستان، رسالة واضحة مفادها أن طالبان لا ترغب في المرحلة الراهنة في الدخول في مواجهة قد يصعب عليها السيطرة عليها.
لكن العلاقات بين الطرفين تجاوزت مرحلة باتت معها العودة إلى الوضع الطبيعي أمراً صعباً.
ففي بداية الأزمة، تحدثت طالبان عن رد قاسٍ، والتقدم نحو بيشاور، بل وحتى السيطرة على البنجاب.
أما الآن، فبدلاً من تنفيذ هذه التهديدات، تسعى الحركة إلى تجنب تصعيد المواجهة.
ولذلك، فإن ما يظهر اليوم في موقف طالبان تجاه باكستان أقرب إلى تراجع محسوب منه إلى سياسة هجومية.
ويُعزى هذا التراجع إلى محدودية القدرات العسكرية لطالبان، ومخاوفها من استهداف قادتها، والخلاف بشأن حركة طالبان باكستان، والضغوط السياسية والعسكرية المتزامنة التي تمارسها إسلام آباد.
أفادت مجلة «ذا دبلومات» في تقرير بأن توسّع حركة طالبان في استخدام الطائرات المسيّرة أضاف بُعداً جديداً إلى المواجهة بينها وبين باكستان.
ووفقاً للمجلة، لا يقتصر القلق الرئيسي لإسلام آباد على هجمات طالبان بالطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى احتمال وقوع طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة التكلفة نسبياً في أيدي الجماعات الإرهابية.
ويمكن لهذه الطائرات أن تعزز قدرات هذه الجماعات على استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات، ما يجعل احتواء التهديدات الأمنية أكثر صعوبة.
وأعلن الجيش الباكستاني أنه أسقط ثماني طائرات مسيّرة، فجر 23 سبتمبر 2026، بعد دخولها المجال الجوي الباكستاني من جهة أفغانستان. وبحسب مسؤولين باكستانيين، جرى اعتراض أربع طائرات بالقرب من معبر تورخم الحدودي، وأربع أخرى في محيط مدينة كوهات بإقليم خيبر بختونخوا.
وأعلنت إسلام آباد في اليوم التالي أنها شنّت غارات جوية استهدفت عشرة مواقع داخل أفغانستان رداً على الحادث. وزعم مسؤولون باكستانيون أن هذه المواقع كانت تُستخدم لتخزين الطائرات المسيّرة وإطلاقها.
في المقابل، نفت سلطات طالبان هذه الاتهامات. وقال المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، إن أي هجوم على باكستان لم ينطلق من الأراضي الأفغانية، واصفاً مزاعم عبور الطائرات المسيّرة بأنها «شائعات» تهدف إلى تبرير الغارات الجوية الباكستانية.
ومع ذلك، يسلط الحادث الضوء على مخاوف أمنية أوسع نطاقاً، إذ لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات للمراقبة والدعاية، بل أصبحت تُستخدم أيضاً في استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات.
وبالنسبة إلى باكستان، يتخذ التهديد بُعدين رئيسيين؛ أولهما الاستخدام المباشر للطائرات المسيّرة من جانب طالبان ضد المواقع الأمنية وأهداف أخرى داخل باكستان، وثانيهما احتمال وصول هذه التكنولوجيا إلى الجماعات المسلحة، ولا سيما حركة طالبان باكستان.
ويمكن لهذه الجماعات استخدام الطائرات المسيّرة لاستطلاع النقاط الأمنية ومراقبة تحركات القوات وتنفيذ الهجمات.
وبحسب المجلة، فإن انتشار تكنولوجيا الطائرات المسيّرة قد يعزز قدرات الجماعات المسلحة ويزيد من تعقيد التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان.
من الدعاية إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة
بدأت طالبان استخدام الطائرات من دون طيار عام 2016، وكانت تُستخدم في البداية بصورة رئيسية لالتقاط الصور وإنتاج المواد الدعائية. لكن استخدامها توسّع تدريجياً ليشمل الاستطلاع والمراقبة وحمل المواد المتفجرة.
وفي أواخر فبراير وأوائل مارس 2026، ادعت وزارة الدفاع في حكومة طالبان أنها شنّت هجمات على منشآت عسكرية باكستانية، من بينها قاعدة كوهات العسكرية، ونشرت مقطع فيديو يُظهر تحليق طائرة مسيّرة.
في المقابل، أعلنت باكستان أنها عطّلت عدداً من الطائرات المسيّرة البدائية المعدّلة من نماذج تجارية باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية.
وتشير الحرب الإلكترونية إلى الإجراءات المستخدمة لتعطيل الاتصالات أو أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة. ويمكن لهذه الوسائل، في بعض الحالات، قطع الاتصال بين الطائرة ومشغّلها أو إخراجها عن مسارها، لكنها ليست فعالة ضد جميع أنواع الطائرات المسيّرة.
ووفقاً لمصادر أمنية باكستانية، تحصل طالبان على طائراتها المسيّرة عبر عدة قنوات، تشمل شراء النماذج التجارية، والاستفادة من شبكات التوريد الإقليمية، وتجميع المعدات أو تعديلها محلياً.
ويجعل توفر الطائرات المسيّرة التجارية وإمكانية تعديلها لأغراض أخرى، الحد من انتشار هذه التكنولوجيا أمراً أكثر صعوبة.
وتشير تقارير من باكستان أيضاً إلى أن كتيبة 313 المرتبطة بشبكة حقاني تستخدم طائرات مسيّرة انتحارية، أو ما يُعرف بالطائرات ذات «الهجوم أحادي الاتجاه».
ويُرسل هذا النوع من الطائرات للاصطدام بالهدف، وعادةً لا يعود بعد تنفيذ الهجوم.
وبحسب هذه التقارير، تُطلق الطائرات المسيّرة من مناطق تشمل قندهار وننغرهار وبكتيا وبكتيكا، فيما تُعد كويته وبيشاور وإسلام آباد ومناطق وزيرستان من المواقع المعرضة للتهديد.
وفي المقابل، تسعى طالبان أيضاً إلى إيجاد وسائل للتصدي للطائرات المسيّرة الباكستانية.
وأفادت وسائل إعلام، في 9 سبتمبر 2026، بأن وفداً من وزارة الدفاع في حكومة طالبان، برئاسة عبد اللطيف حكيمي، مسؤول التفتيش في الوزارة، أجرى تقييماً لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة في الفيلق العسكري 205 بقندهار والمناطق القريبة من سبين بولدك.
وتتكون أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة من مجموعة أدوات مخصصة لرصد الطائرات المهاجمة واعتراضها أو تعطيلها.
وكان الهدف من تقييم هذه الأنظمة التصدي لنشاط الطائرات المسيّرة الباكستانية في المناطق الحدودية. ولا تزال أنواع هذه الأنظمة وأعدادها ومدى فعاليتها لدى طالبان غير معروفة.
نتشار الطائرات المسيّرة الرخيصة بين الجماعات المسلحة
تتزايد مخاوف باكستان عندما لا يقتصر استخدام الطائرات المسيّرة على طالبان، بل يمتد إلى جماعات مثل حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان.
فانخفاض التكلفة النسبية للطائرات المسيّرة التجارية الصغيرة وسهولة الحصول عليها يجعلان هذه التكنولوجيا أكثر قابلية للاستخدام من جانب الجماعات المسلحة.
وصُممت بعض هذه الطائرات أساساً للتصوير والاستخدامات المدنية، لكن يمكن تعديلها لأغراض استطلاع الأهداف أو حمل المتفجرات.
ولذلك، لا يقتصر التهديد على امتلاك أسطول كبير ومتطور من الطائرات المسيّرة؛ إذ يمكن لجماعة تمتلك عدداً محدوداً من الطائرات الصغيرة استخدامها لاستطلاع نقطة أمنية أو مراقبة تحركات القوات أو اختبار استجابة أنظمة الدفاع.
وإذا جرى تجهيز هذه الطائرات بمواد متفجرة، فقد تتحول إلى أدوات لتنفيذ الهجمات.
وكان تقرير صادر عن مجلس الأمن الدولي في أغسطس الماضي قد أشار، نقلاً عن إحدى الدول الأعضاء، إلى تلقي عناصر من جيش تحرير بلوشستان تدريبات إلى جانب مقاتلي حركة طالبان باكستان داخل أفغانستان، بما في ذلك التدريب على استخدام الطائرات المسيّرة.
كما أشار التقرير إلى حصول هذه الجماعة على بعض المعدات التي خلّفتها القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومنها طائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع.
ولا تثبت هذه المعلومات وحدها أن جميع الجماعات المسلحة تستخدم شبكة إمداد مشتركة، أو أن التكنولوجيا تنتقل بينها عبر مسار محدد.
لكنها تشير إلى أن انتشار المعرفة والمعدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة بين عدة جماعات مسلحة في المنطقة أصبح مصدر قلق أمني متزايد.
وبالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر تداعيات هذا التطور على زيادة عدد الهجمات، بل يمكن للطائرات المسيّرة الصغيرة أن ترفع تكلفة حماية المنشآت العسكرية والنقاط الأمنية والبنية التحتية الحيوية.
وقد تضطر القوات الأمنية إلى تخصيص المزيد من الموارد لمواجهة تهديد يمكن أن ينشأ من اتجاهات متعددة وباستخدام معدات منخفضة التكلفة.
وحتى إذا لم تتسبب طائرة مسيّرة في أضرار مادية كبيرة، فإن تحليقها فوق منشأة حساسة قد يؤدي إلى تعطيل الأنشطة وإثارة المخاوف ورفع مستوى التأهب الأمني.
ومن هنا، لا يقتصر قلق إسلام آباد على الهجمات واسعة النطاق، بل يشمل انتشار أدوات يمكن استخدامها بصورة متكررة وفي مواقع مختلفة.
كيف يمكن لباكستان مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة؟
تمتلك باكستان خبرة في تصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة المخصصة للاستطلاع والعمليات القتالية.
ومع ذلك، فإن مواجهة الطائرات الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة تتطلب أنظمة قادرة على اكتشاف هذه الأهداف واعتراضها قبل وصولها إلى وجهتها.
وتتمثل المرحلة الأولى في الرصد والكشف؛ إذ قد تواجه الرادارات التقليدية صعوبات في اكتشاف بعض الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، خصوصاً في المناطق الجبلية أو الحضرية.
ولذلك، يمكن أن يوفر دمج الرادارات قصيرة المدى مع الكاميرات الكهروبصرية ومستشعرات الأشعة تحت الحمراء وأجهزة رصد الإشارات اللاسلكية صورة أكثر دقة للوضع الأمني.
وتلتقط الكاميرات الكهروبصرية الصور المرئية، بينما تكشف مستشعرات الأشعة تحت الحمراء بعض البصمات الحرارية. أما أجهزة رصد الإشارات اللاسلكية فتُستخدم لاكتشاف إشارات الاتصال بين الطائرات المسيّرة ومشغّليها.
ولا تستطيع أي من هذه الأدوات وحدها العمل بفعالية في جميع الظروف، لكن الجمع بينها يزيد من فرص اكتشاف الطائرات.
أما المرحلة الثانية فتتمثل في اعتراض الطائرات المسيّرة أو تعطيلها. ففي بعض الظروف، يمكن استخدام وسائل الحرب الإلكترونية للتشويش على اتصالات الطائرة أو أنظمة توجيهها.
وفي حالات أخرى، قد تكون هناك حاجة إلى أنظمة اعتراض أو وسائل دفاع جوي تقليدية. ويتوقف اختيار الوسيلة المناسبة على نوع الطائرة وطريقة توجيهها وبيئة تحليقها.
وتتمثل المرحلة الثالثة في تحليل المعلومات، إذ يمكن أن تساعد دراسة مسارات الطيران وتوقيت الهجمات ونقاط الإطلاق المحتملة وطبيعة الأهداف، القوات الأمنية على تحديد الأنماط المتكررة.
كما يمكن لأدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أن تسهم في تصنيف المعلومات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تشكل بديلاً عن المعلومات الميدانية أو القرارات البشرية.
وينبغي أيضاً أن تتناسب إجراءات حماية المنشآت الحساسة مع أهمية كل موقع ومستوى المخاطر التي يواجهها.
فالمطارات ومحطات الطاقة والمراكز العسكرية والمنشآت النفطية والمباني الحكومية ومراكز الاتصالات تحتاج إلى تدابير أمنية تتناسب مع طبيعة التهديدات المحتملة.
وفي المناطق الحدودية، لا يكفي الاعتماد على الأسلاك الشائكة والنقاط الأمنية الثابتة والدوريات البرية وحدها.
ويمكن أن يسهم الجمع بين المراقبة الأرضية وأجهزة الاستشعار ووسائل الاستطلاع الجوي وقوات الاستجابة السريعة في تحسين اكتشاف التهديدات والتعامل معها.
كما تكتسب عملية التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية أهمية خاصة لتبادل المعلومات وتجنب الاستجابات غير المنسقة.
وإلى جانب ذلك، يمكن أن تسهم القدرة على تصنيع المعدات وصيانتها وتطويرها محلياً في تقليل اعتماد باكستان على المورّدين الأجانب.
وفي الأزمات الممتدة، تكتسب استدامة الحصول على قطع الغيار والقدرة على تعديل الأنظمة وفقاً للاحتياجات العملياتية أهمية متزايدة.
المفاوضات سبيل لمنع تصعيد المواجهة
يزيد انتشار حرب الطائرات المسيّرة من خطر تحول أي حادث حدودي إلى هجوم انتقامي جديد.
وقد تعتبر باكستان ضرباتها الجوية رداً ضرورياً على التهديدات الأمنية، في حين تصف طالبان هذه الهجمات بأنها انتهاك لسيادة أفغانستان.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لكل طرف تصوير أفعاله على أنها دفاعية، واعتبار إجراءات الطرف الآخر أعمالاً عدوانية.
ولا تستطيع الغارات الجوية وحدها تحقيق أمن مستدام على الحدود، إذ قد تتسبب في سقوط ضحايا مدنيين، وتزيد من احتمالات الرد المتبادل، وتحدّ من فرص الحلول الدبلوماسية.
ووفقاً لمجلة «ذا دبلومات»، فإن عودة طالبان إلى طاولة المفاوضات تكتسب أهمية في خفض التوترات.
ولا تعني المفاوضات التخلي عن المخاوف الأمنية الباكستانية، بل يمكن أن تهيئ الظروف للتوصل إلى التزامات واضحة وقابلة للتحقق.
وقد تشمل هذه الالتزامات منع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على باكستان، والحيلولة دون وصول الجماعات المسلحة إلى التكنولوجيا العسكرية، وإنشاء آلية للتحقيق في الحوادث الحدودية، والحفاظ على قناة اتصال مباشرة بين الطرفين خلال الأزمات.
ومن دون مثل هذه الآلية، قد يتحول كل هجوم بطائرة مسيّرة إلى ذريعة لشن غارة جوية جديدة، فيما تمهّد كل غارة جوية الطريق لرد انتقامي آخر.
وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي انتشار الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة التكلفة بين الجماعات المسلحة إلى زيادة صعوبة احتواء الصراع ومنع تصعيده.
أعلن محسن زنكنه، رئيس إحدى لجان البرلمان الإيراني، التوصل إلى اتفاق مبدئي لتخصيص أكثر من 110 هكتارات من الأراضي في ميناء تشابهار لأفغانستان، بهدف توفير فرص للأنشطة التجارية والاستثمارية أمام الشركات ورجال الأعمال الأفغان.
وقال زنكنه، الخميس، في مقابلة مع قناة سحر الإيرانية: «اتفقنا خلال المحادثات مع وزير الصناعة في حكومة طالبان على أن تكون لأفغانستان أرض خاصة بها في المنطقة الحرة بميناء تشابهار».
وأضاف أن طالبان طلبت تخصيص مساحة أكبر من الأراضي على ساحل تشابهار، لكن محدودية الأراضي المتاحة في هذه المنطقة حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن، مشيراً إلى استمرار المحادثات بهذا الشأن.
وأوضح البرلماني الإيراني أن الجانبين بحثا، خلال زيارة الوفد الإيراني إلى كابل، توسيع التعاون الصناعي، وإنشاء مدينة أو مجمع صناعي مشترك، ورفع حجم التبادل التجاري بين إيران وأفغانستان إلى 10 مليارات دولار.
واعتبر زنكنه أن هذا التفاهم يأتي امتداداً للاتفاق الثلاثي بين إيران والهند وأفغانستان، الذي وُقّع عام 2016 بحضور الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، بهدف تطوير التعاون التجاري والترانزيت عبر ميناء تشابهار.
وبرز ميناء تشابهار خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد البدائل للموانئ الباكستانية في التجارة الأفغانية. ولعبت الهند دوراً في تطوير الميناء وتشغيله، إلا أن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أثّرت في الاستثمارات والأنشطة التجارية فيه.
وزادت التوترات الحدودية بين طالبان وباكستان، والإغلاق المتكرر للمعابر التجارية، بما في ذلك الطرق التي تربط أفغانستان بميناء كراتشي، من أهمية تشابهار بالنسبة إلى طالبان، التي تسعى إلى تقليص اعتماد أفغانستان التجاري على باكستان من خلال توسيع استخدام طرق التجارة عبر إيران.
ويُعد تشابهار أيضاً أحد محاور التعاون الاقتصادي بين طالبان والهند. وخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت طالبان اتصالاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع نيودلهي، وطالبت بتوسيع استخدام الميناء في التجارة الأفغانية.
وتعتبر الهند ميناء تشابهار ممراً استراتيجياً للوصول إلى أسواق أفغانستان وآسيا الوسطى، وقد استثمرت في تطوير بنيته التحتية وتشغيله.
وفي سياق متصل، بحث دين محمد حنيف، وزير الاقتصاد في حكومة طالبان، مع محمد سعيد أربابي، المدير العام لمنطقة تشابهار الحرة في إيران، سبل زيادة التجارة وحركة الترانزيت الأفغانية عبر الميناء، إضافة إلى فرص الاستثمار.
وأعلنت وزارة الاقتصاد في حكومة طالبان، الخميس 8 أكتوبر، أن حنيف أكد خلال اللقاء امتلاك أفغانستان فرصاً استثمارية واسعة في قطاعات الزراعة والتعدين والصناعة والطاقة، داعياً إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع إيران.
وبحسب الوزارة، استعرض محمد سعيد أربابي الإمكانات والتسهيلات التي توفرها منطقة تشابهار الحرة، وأعرب عن استعدادها لتعزيز التعاون مع التجار والمستثمرين الأفغان.
كما شدد الجانبان على أهمية تسهيل أنشطة القطاع الخاص، وزيادة الاستفادة من الإمكانات التجارية وخدمات الترانزيت التي يوفرها ميناء تشابهار.
ويُعد ميناء تشابهار أحد المنافذ التي تتيح لأفغانستان الوصول إلى المياه الدولية، كما يكتسب أهمية خاصة في تجارتها مع الهند، نظراً إلى الدور الذي تؤديه نيودلهي في تطويره وتشغيله.
ومع تصاعد التوترات بين طالبان وباكستان وتعطل الطرق التجارية بين البلدين، ازدادت أهمية تشابهار بالنسبة إلى أفغانستان. وسعت طالبان خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز تجارتها عبر إيران بهدف تقليل الاعتماد على طرق الترانزيت الباكستانية.
ومع ذلك، لا تزال العقوبات الأميركية على إيران تمثل أحد أبرز التحديات أمام توسيع الأنشطة التجارية والاستثمارية في تشابهار، إذ شهدت الإعفاءات الأميركية المتعلقة بالأنشطة الهندية في الميناء تغييرات في مراحل مختلفة.
وفي المقابل، سعت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع طالبان، ليصبح ميناء تشابهار أحد المحاور الرئيسية للتعاون التجاري والترانزيت بين الجانبين.
كشفت ثلاثة مصادر طبية لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" أن حركة طالبان فرضت قيوداً على خدمات الاستشارات النفسية في المراكز الصحية والصيدليات والمؤسسات والمنظمات العاملة في ولاية قندهار،
وألغت بعض الوظائف المخصصة لمستشاري الصحة النفسية في المستشفيات الحكومية، رغم تزايد الحاجة إلى هذه الخدمات في أفغانستان. ووفقاً لبيانات المنظمات الصحية الدولية، تواجه أفغانستان حاجة واسعة إلى خدمات الصحة النفسية، إلى جانب نقص في الكوادر المتخصصة. وقال ثلاثة أطباء في قندهار لقناة "أفغانستان إنترناشيونال" إن طالبان فرضت قيوداً على أنشطة الاستشارات النفسية في المراكز الصحية والصيدليات والمنظمات والمؤسسات الأخرى. وأوضح الأطباء أن بعض الوظائف المخصصة لمستشاري الصحة النفسية في المستشفيات الحكومية أُلغيت أيضاً، وطُلب من العاملين المعنيين وقف أنشطتهم في هذا المجال. وأشار الأطباء، الذين طلبوا عدم الكشف عن هوياتهم لأسباب أمنية، إلى أن أعداداً كبيرة من الشباب، ولا سيما النساء والفتيات، يعانون حالياً من مشكلات نفسية في ظل حكم طالبان، مرجعين ذلك إلى القيود الاجتماعية التي تفرضها الحركة، والبطالة، وتفاقم الأزمات الاقتصادية للأسر، وحظر تعليم الفتيات وعمل النساء، فضلاً عن الغموض الذي يحيط بمستقبل البلاد. وقالت المصادر إنه بعد فرض القيود على خدمات الصحة النفسية، شهدت قندهار وحدها خلال العامين الماضيين نحو 8 حالات انتحار، بينها حالتان لامرأتين. وأوضح الأطباء أنه رغم إرجاع طالبان معظم هذه الحوادث إلى مشكلات أسرية وقضايا شخصية، فإن مثل هذه الحالات تحدث نتيجة الأضرار النفسية التي يتعرض لها الأفراد. وأضافت المصادر الطبية في قندهار أن غالبية الأشخاص الذين كانوا يلجأون إلى خدمات الاستشارات النفسية من الشباب الذين فقدوا وظائفهم أو واجهوا قيوداً اجتماعية وصعوبات اقتصادية داخل أسرهم. ووفقاً للمصادر، شكلت النساء والفتيات نحو ثلث المراجعين الذين كانوا يطلبون المساعدة بسبب اضطرابات عصبية ونفسية. وأشارت إلى أن طالبان تسعى منذ عامين إلى فرض قيود على هذا القطاع، لكنها شددت هذه الإجراءات خلال الفترة الأخيرة. وتعاني أفغانستان من تداعيات عقود من الحروب والفقر والبطالة والنزوح والمشكلات الأسرية والقيود الاجتماعية، وهي عوامل يقول العاملون في القطاع الصحي إنها تؤثر سلباً في الصحة النفسية للسكان. وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت في تقرير نشرته في مايو 2025 إنشاء مركز للصحة النفسية يضم 20 سريراً في مستشفى "عينو مينه" بولاية قندهار، بدعم من المنظمة. وأشار التقرير نفسه إلى أن معظم المستشفيات الإقليمية في ولايات أفغانستان الـ34 لا تزال تفتقر إلى خدمات متخصصة في الصحة النفسية. ووفقاً للمصادر، سبق أن قرر مجلس علماء طالبان في قندهار، خلال عام 2024، وقف خدمات الاستشارات النفسية والاجتماعية في الولاية. ولم تقدم طالبان حتى الآن أي مبرر علني للقيود المفروضة على أنشطة الاستشارات النفسية. وتؤدي الاستشارات النفسية دوراً مهماً في مساعدة الأشخاص على التعامل مع الاكتئاب والقلق والصدمات النفسية والمشكلات الأسرية وغيرها من الضغوط النفسية والاجتماعية. وقد يؤدي تقييد هذه الخدمات إلى تفاقم معاناة الأشخاص الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج في المراكز الخاصة. ويؤكد العاملون في القطاع الصحي أن حصول النساء والفتيات على خدمات الصحة النفسية يكتسب أهمية خاصة، مشيرين إلى أن القيود المفروضة على التعليم والبطالة والضغوط الأسرية والاجتماعية والعقبات التي تحول دون الوصول إلى الرعاية الصحية تؤثر في حالتهن النفسية. ويحذر العاملون في القطاع الصحي من اتساع الحاجة إلى خدمات الصحة النفسية في مختلف أنحاء أفغانستان، مؤكدين أن فرض مزيد من القيود على الخدمات المتاحة سيجعل الحصول على المساعدة أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم النفسي.
قالت مجلة "ذا دبلومات" الأميركية إن قادة حركة طالبان استفادوا من أخطاء فترة حكمهم الأولى، وأصبحوا أكثر قدرة على إحكام السيطرة على أفغانستان وترسيخ سلطتهم وإدارة البلاد بأساليب أكثر تعقيداً،
لكنها أكدت أن هذه التحولات في أساليب الحكم لم يصاحبها أي تغيير في أيديولوجية الحركة ومعتقداتها الأساسية. وذكرت المجلة، في مقال نشرته الخميس بعنوان "الدروس التي تعلمتها طالبان"، أن الحركة عززت سيطرتها على أفغانستان من خلال توسيع نفوذها داخل المجتمعات المحلية، وتعزيز انتشارها في أنحاء البلاد، وإقامة نقاط تفتيش لمراقبة السكان وتنظيم تحركاتهم. وأوضحت كاتبة المقال، أغنيشكا بيكوليكا، أن طالبان أصبحت أكثر قدرة على مراقبة المجتمع وإدارة حركة المواطنين مقارنة بفترة حكمها الأولى، لكن تطور أدوات السيطرة والإدارة لا يعني حدوث تغيير في الأفكار والمعتقدات الأساسية التي تتبناها الحركة. وبحسب المقال، فإن أحد أبرز الدروس التي استخلصتها طالبان من تجربتها السابقة يتمثل في إدراك أهمية التغلغل داخل الهياكل المحلية، وإنشاء آليات تتيح لها الاحتفاظ بالسيطرة على المجتمع ومنع تراجع نفوذها. وأشارت الكاتبة إلى أن الاستقرار الأمني الذي تتحدث عنه طالبان خلال فترة حكمها الحالية ترافق مع فرض قيود واسعة على حقوق المواطنين وحرياتهم. ولفتت إلى أن حرمان الفتيات من التعليم بعد الصف السادس، وفرض القيود على عمل النساء ومشاركتهن في الحياة العامة، وقمع وسائل الإعلام والمنتقدين، تمثل أبرز ملامح أسلوب الحكم الذي تتبعه الحركة. وأكدت المجلة أن تحسن قدرة طالبان على الاحتفاظ بالسلطة لم يؤد بالضرورة إلى تحسين أوضاع حقوق الإنسان أو توسيع الحريات الاجتماعية في أفغانستان. وتناول المقال أيضاً الأزمات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد، ومنها البطالة والفقر وانعدام الأمن الغذائي، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الموارد والخدمات العامة نتيجة العودة الواسعة للمهاجرين الأفغان من إيران وباكستان. وذكرت المجلة أنه رغم نجاح طالبان في ترسيخ سيطرتها على البلاد، فإن شريحة واسعة من الأفغان لا تزال تواجه صعوبات معيشية وأزمات اقتصادية حادة. وتطرق المقال إلى مواقف دول المنطقة من حركة طالبان، مشيراً إلى أن الصين وروسيا وبعض دول آسيا الوسطى أقامت علاقات وتعاملات مع الحركة، في مؤشر على أن عدداً من الأطراف الإقليمية بات يتعامل مع سيطرتها على أفغانستان بوصفها واقعاً سياسياً قائماً. وأكدت المجلة أن هذا الانفتاح والتعامل الإقليمي مع طالبان لا يمثل في حد ذاته دليلاً على تغير أيديولوجية الحركة أو تخليها عن معتقداتها السابقة.
قالت الناشطة الأفغانية في مجال الحقوق المدنية وصانعة الأفلام الوثائقية، مروة حبيبي، إنها شهدت بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021 وقائع غيّرت حياتها ونظرتها إلى الظلم وغياب العدالة،
مؤكدة أن إقصاء النساء من المؤسسات القضائية والقانونية حرم الأفغانيات من سبل الحماية والمطالبة بحقوقهن. وقالت حبيبي: "قبل عام 2021، كانت أيامي تمر بين المدرسة والتايكوندو والمكتبة". وأضافت أنها كانت تحلم في تلك المكتبة بأن تصبح محامية، لكنها أدركت لاحقاً أن المرأة الأفغانية التي تتعرض للعنف المنزلي أو الزواج القسري أو تفقد حق حضانة أطفالها، لم يعد لديها مكان آمن تلجأ إليه لطلب المساعدة. وأضافت: "مع مرور الوقت وبعد وصول طالبان إلى السلطة، أصبحت حياتي مليئة بالحسرة. لم تكن المشكلة تقتصر على إغلاق المدارس وحرمان الفتيات من التعليم، بل ازدادت أشكال الظلم الأخرى أيضاً، وأدركت حينها ما الذي فقدناه. ما فقدناه كان العدالة الحقيقية". وأوضحت أن النظام القضائي يفترض أن يكون ملاذاً يلجأ إليه الناس للحصول على الحماية والإنصاف عندما تتعرض حقوقهم للانتهاك، لكن النساء وجدن أنفسهن مستبعدات من المؤسسات والهيئات التي أُنشئت أساساً لحمايتهن. وقبل عودة طالبان إلى السلطة، كانت النساء في أفغانستان يعملن قاضيات ومدعيات عامات ومحاميات. وتظهر وثائق الأمم المتحدة أن أكثر من 250 امرأة كن يعملن في سلك القضاء مطلع عام 2021. ووفقاً للوثائق نفسها، كان يعمل في مكتب المدعي العام أكثر من 3500 مدعٍ عام، شكلت النساء 15٪ منهم، فيما بلغ عدد المحامين المسجلين لدى نقابة المحامين المستقلة في أفغانستان 3235 محامياً، شكلت النساء 21٪ منهم. وتعكس هذه الأرقام حجم مشاركة النساء في النظام القانوني الأفغاني قبل وصول طالبان إلى السلطة. وأفادت هيئة الأمم المتحدة للمرأة بأن وصول النساء إلى العدالة تراجع بصورة كبيرة، بعدما أُقصيت القاضيات والمحاميات والمدعيات العامات والموظفات في المحاكم من وظائفهن، واستُبدل الرجال بجميعهن تقريباً. وفي الوقت نفسه، اختفت إلى حد كبير المؤسسات التي كانت تقدم المساعدة القانونية والملاجئ الآمنة للنساء، فيما زادت القيود المفروضة على حركة النساء من صعوبة وصولهن إلى العدالة. ولتوضيح هذه المعاناة، طرحت حبيبي مثالاً لامرأة تعرضت للضرب على يد زوجها، لكنها تحتاج إلى مرافقة محرم لمغادرة المنزل، متسائلة عما إذا كان الزوج الذي اعتدى عليها سيصحبها إلى المحكمة حتى يتعرض هو نفسه للعقاب بسبب العنف الذي ارتكبه. وأشارت إلى أن الزوج لن يفعل ذلك، فيما لا تستطيع المرأة مغادرة المنزل من دون محرم، ما يضطرها إلى تحمل العنف لغياب أي خيار آخر. وتساءلت عما إذا كانت هناك قوانين أو إجراءات تحمي المرأة الأفغانية حتى لو قررت المخاطرة والخروج من منزلها من دون محرم. وقالت حبيبي: "أعرف هذه المشكلات، لأن هذه الأسئلة تتكرر في ذهني كلما تحدثت مع النساء واستمعت إلى قصصهن. وعندما يروين لي ما تعرضن له من معاناة، أشعر أن عليّ تدوين شهاداتهن في تلك اللحظة، حتى يسمع العالم على الأقل حقيقة ما يجري في أفغانستان من فتاة تعيش في هذا البلد وترى كل شيء بعينيها". وروت حبيبي قصة امرأة أخبرتها أن زوجها أراد تزويج ابنتهما البالغة من العمر 10 سنوات لأحد أفراد حركة طالبان، وعندما اعترضت الأم، تعرضت للضرب على يد زوجها حتى فقدت الوعي. وأضافت: "هذه المرأة نفسها أُجبرت على الزواج عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، ولم يسألها أحد حتى عما إذا كانت تقبل بذلك الرجل زوجاً لها أم لا". وأوضحت أن المرأة، رغم أنها لم تتلقَّ تعليماً سوى حتى الصف الرابع، كانت لا تزال تحلم بالالتحاق بالجامعة والاستقلال بحياتها والحصول على دخل خاص بها، من دون الاعتماد على أموال زوجها، مشيرة إلى أن ذلك لم يكن سوى جزء من معاناتها. وقالت حبيبي: "أخبرتني أنها تبقى محبوسة في المنزل دائماً، ولا يُسمح لها بالخروج إلا في أيام العيد، بعد ارتداء البرقع وبمرافقة زوجها. أنا لا أروي قصتها لكي يشفق القراء عليها، بل لأنها تستحق أن يُسمع صوتها". وتحدثت حبيبي عن امرأة أخرى فقدت زوجها في هجوم، وأصبحت أرملة، قبل أن تحاول عائلة زوجها إجبارها على الزواج من شقيقه، باعتبار أن الأمر يتعلق بشرف العائلة. وأوضحت أن شقيق الزوج المتوفى كان أكبر منها سناً، ومتزوجاً من ثلاث نساء أخريات. وكانت المرأة تخشى أن يؤدي رفضها الزواج من شقيق زوجها إلى انتزاع ابنتها منها، فيما كانت تتمنى أن تتعلم ابنتها على الأقل القراءة والكتابة ونظم الشعر، رغم أن عمها لم يكن يسمح لها بالذهاب إلى المدرسة. وقالت حبيبي: "حتى اليوم، لم أنسَ أحاديثي مع هؤلاء النساء، لأن الوصول إلى العدالة يبدأ قبل وقت طويل من ذهاب المرأة إلى المحكمة". وأضافت أن هذه الرحلة تبدأ بأسئلة مثل: "كيف يمكنني مغادرة المنزل من دون محرم؟ ماذا أفعل إذا لم يكن لدي زوج أو ولي أمر رجل؟ هل ستؤذيني طالبان أو تسجنني؟ هل يوجد مكان يمكنني اللجوء إليه للدفاع عن حقوقي وحقوق ابنتي؟ هل توجد محامية تستطيع مساعدتي على معرفة حقوقي والدفاع عنها؟ جميع العاملين في المحكمة رجال. وإذا ذهبت إلى هناك ولم يساعدوني، فإن شقيق زوجي سيؤذيني بالتأكيد". وفي عام 2023، أفاد خبراء تابعون للأمم المتحدة بأن حركة طالبان وضعت إجراءات إصدار تراخيص مزاولة مهنة المحاماة تحت سيطرتها، وقصرت الحق في الحصول على هذه التراخيص على الرجال فقط. وأوضح الخبراء أن هذا الإجراء حرم النساء عملياً من ممارسة المحاماة، رغم أن بعضهن ما زلن يجدن وسائل محدودة للحصول على المساعدة القانونية والاستشارات أو تقديمها. وقالت حبيبي: "لهذا السبب أتوخى الحذر عند استخدام عبارة إنه لا توجد أي محامية في أفغانستان. فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك، لكنه واضح في الوقت نفسه". وأشارت إلى أن النساء ربما ما زلن يجدن بعض الوسائل لمساعدة بعضهن بعضاً، لكن مهنة المحاماة المستقلة والمحاكم التي يفترض أن تدافع عن حقوق النساء وتحميها أصبحت تخضع لقيود شديدة. وتساءلت عن مصير النساء اللواتي لا يستطعن الإبلاغ عن حوادث العنف بأمان. وحذرت وثيقة حقوقية صادرة عن الأمم المتحدة من عدم توافر إحصاءات رسمية بشأن العنف ضد النساء في أفغانستان، مرجعة ذلك جزئياً إلى اختفاء خدمات الحماية واستمرار العقبات التي تحول دون الإبلاغ عن حوادث العنف. ودعت الوثيقة إلى إعادة توظيف القاضيات والمحاميات. وقالت حبيبي: "لا أستطيع الادعاء بأن جميع حالات قتل النساء في أفغانستان لا تُسجل، لأنني لا أملك معلومات عن ذلك. لكن يمكنني أن أتحدث عما سمعته بنفسي من النساء. فبعضهن يعشن تحت وطأة العنف والزواج القسري والخوف، من دون أن يثقن بوجود مؤسسة آمنة ومستقلة يمكنهن اللجوء إليها". وأضافت أنه عندما تدرك المرأة أن مغادرة المنزل قد تكون صعبة، وأن الحصول على المساعدة القانونية قد يكون مستحيلاً، وأن المؤسسات المحيطة بها تخضع إلى حد كبير لسيطرة الرجال، فإن المسافة بين المعاناة والوصول إلى العدالة تصبح أكبر بكثير. وأكدت حبيبي أن النساء الأفغانيات يجب ألا يُتركن للاعتماد على شجاعتهن وحدها في مواجهة هذه العقبات والسعي للحصول على حقوقهن.