حرب المسيّرات بين طالبان وباكستان ومخاوف وصولها للجماعات الإرهابية

أفادت مجلة «ذا دبلومات» في تقرير بأن توسّع حركة طالبان في استخدام الطائرات المسيّرة أضاف بُعداً جديداً إلى المواجهة بينها وبين باكستان.

أفادت مجلة «ذا دبلومات» في تقرير بأن توسّع حركة طالبان في استخدام الطائرات المسيّرة أضاف بُعداً جديداً إلى المواجهة بينها وبين باكستان.
ووفقاً للمجلة، لا يقتصر القلق الرئيسي لإسلام آباد على هجمات طالبان بالطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى احتمال وقوع طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة التكلفة نسبياً في أيدي الجماعات الإرهابية.
ويمكن لهذه الطائرات أن تعزز قدرات هذه الجماعات على استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات، ما يجعل احتواء التهديدات الأمنية أكثر صعوبة.
وأعلن الجيش الباكستاني أنه أسقط ثماني طائرات مسيّرة، فجر 23 سبتمبر 2026، بعد دخولها المجال الجوي الباكستاني من جهة أفغانستان. وبحسب مسؤولين باكستانيين، جرى اعتراض أربع طائرات بالقرب من معبر تورخم الحدودي، وأربع أخرى في محيط مدينة كوهات بإقليم خيبر بختونخوا.
وأعلنت إسلام آباد في اليوم التالي أنها شنّت غارات جوية استهدفت عشرة مواقع داخل أفغانستان رداً على الحادث. وزعم مسؤولون باكستانيون أن هذه المواقع كانت تُستخدم لتخزين الطائرات المسيّرة وإطلاقها.
في المقابل، نفت سلطات طالبان هذه الاتهامات. وقال المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، إن أي هجوم على باكستان لم ينطلق من الأراضي الأفغانية، واصفاً مزاعم عبور الطائرات المسيّرة بأنها «شائعات» تهدف إلى تبرير الغارات الجوية الباكستانية.
ومع ذلك، يسلط الحادث الضوء على مخاوف أمنية أوسع نطاقاً، إذ لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات للمراقبة والدعاية، بل أصبحت تُستخدم أيضاً في استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات.
وبالنسبة إلى باكستان، يتخذ التهديد بُعدين رئيسيين؛ أولهما الاستخدام المباشر للطائرات المسيّرة من جانب طالبان ضد المواقع الأمنية وأهداف أخرى داخل باكستان، وثانيهما احتمال وصول هذه التكنولوجيا إلى الجماعات المسلحة، ولا سيما حركة طالبان باكستان.
ويمكن لهذه الجماعات استخدام الطائرات المسيّرة لاستطلاع النقاط الأمنية ومراقبة تحركات القوات وتنفيذ الهجمات.
وبحسب المجلة، فإن انتشار تكنولوجيا الطائرات المسيّرة قد يعزز قدرات الجماعات المسلحة ويزيد من تعقيد التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان.
بدأت طالبان استخدام الطائرات من دون طيار عام 2016، وكانت تُستخدم في البداية بصورة رئيسية لالتقاط الصور وإنتاج المواد الدعائية. لكن استخدامها توسّع تدريجياً ليشمل الاستطلاع والمراقبة وحمل المواد المتفجرة.
وفي أواخر فبراير وأوائل مارس 2026، ادعت وزارة الدفاع في حكومة طالبان أنها شنّت هجمات على منشآت عسكرية باكستانية، من بينها قاعدة كوهات العسكرية، ونشرت مقطع فيديو يُظهر تحليق طائرة مسيّرة.
في المقابل، أعلنت باكستان أنها عطّلت عدداً من الطائرات المسيّرة البدائية المعدّلة من نماذج تجارية باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية.
وتشير الحرب الإلكترونية إلى الإجراءات المستخدمة لتعطيل الاتصالات أو أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة. ويمكن لهذه الوسائل، في بعض الحالات، قطع الاتصال بين الطائرة ومشغّلها أو إخراجها عن مسارها، لكنها ليست فعالة ضد جميع أنواع الطائرات المسيّرة.
ووفقاً لمصادر أمنية باكستانية، تحصل طالبان على طائراتها المسيّرة عبر عدة قنوات، تشمل شراء النماذج التجارية، والاستفادة من شبكات التوريد الإقليمية، وتجميع المعدات أو تعديلها محلياً.
ويجعل توفر الطائرات المسيّرة التجارية وإمكانية تعديلها لأغراض أخرى، الحد من انتشار هذه التكنولوجيا أمراً أكثر صعوبة.
وتشير تقارير من باكستان أيضاً إلى أن كتيبة 313 المرتبطة بشبكة حقاني تستخدم طائرات مسيّرة انتحارية، أو ما يُعرف بالطائرات ذات «الهجوم أحادي الاتجاه».
ويُرسل هذا النوع من الطائرات للاصطدام بالهدف، وعادةً لا يعود بعد تنفيذ الهجوم.
وبحسب هذه التقارير، تُطلق الطائرات المسيّرة من مناطق تشمل قندهار وننغرهار وبكتيا وبكتيكا، فيما تُعد كويته وبيشاور وإسلام آباد ومناطق وزيرستان من المواقع المعرضة للتهديد.
وفي المقابل، تسعى طالبان أيضاً إلى إيجاد وسائل للتصدي للطائرات المسيّرة الباكستانية.
وأفادت وسائل إعلام، في 9 سبتمبر 2026، بأن وفداً من وزارة الدفاع في حكومة طالبان، برئاسة عبد اللطيف حكيمي، مسؤول التفتيش في الوزارة، أجرى تقييماً لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة في الفيلق العسكري 205 بقندهار والمناطق القريبة من سبين بولدك.
وتتكون أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة من مجموعة أدوات مخصصة لرصد الطائرات المهاجمة واعتراضها أو تعطيلها.
وكان الهدف من تقييم هذه الأنظمة التصدي لنشاط الطائرات المسيّرة الباكستانية في المناطق الحدودية. ولا تزال أنواع هذه الأنظمة وأعدادها ومدى فعاليتها لدى طالبان غير معروفة.
تتزايد مخاوف باكستان عندما لا يقتصر استخدام الطائرات المسيّرة على طالبان، بل يمتد إلى جماعات مثل حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان.
فانخفاض التكلفة النسبية للطائرات المسيّرة التجارية الصغيرة وسهولة الحصول عليها يجعلان هذه التكنولوجيا أكثر قابلية للاستخدام من جانب الجماعات المسلحة.
وصُممت بعض هذه الطائرات أساساً للتصوير والاستخدامات المدنية، لكن يمكن تعديلها لأغراض استطلاع الأهداف أو حمل المتفجرات.
ولذلك، لا يقتصر التهديد على امتلاك أسطول كبير ومتطور من الطائرات المسيّرة؛ إذ يمكن لجماعة تمتلك عدداً محدوداً من الطائرات الصغيرة استخدامها لاستطلاع نقطة أمنية أو مراقبة تحركات القوات أو اختبار استجابة أنظمة الدفاع.
وإذا جرى تجهيز هذه الطائرات بمواد متفجرة، فقد تتحول إلى أدوات لتنفيذ الهجمات.
وكان تقرير صادر عن مجلس الأمن الدولي في أغسطس الماضي قد أشار، نقلاً عن إحدى الدول الأعضاء، إلى تلقي عناصر من جيش تحرير بلوشستان تدريبات إلى جانب مقاتلي حركة طالبان باكستان داخل أفغانستان، بما في ذلك التدريب على استخدام الطائرات المسيّرة.
كما أشار التقرير إلى حصول هذه الجماعة على بعض المعدات التي خلّفتها القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومنها طائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع.
ولا تثبت هذه المعلومات وحدها أن جميع الجماعات المسلحة تستخدم شبكة إمداد مشتركة، أو أن التكنولوجيا تنتقل بينها عبر مسار محدد.
لكنها تشير إلى أن انتشار المعرفة والمعدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة بين عدة جماعات مسلحة في المنطقة أصبح مصدر قلق أمني متزايد.
وبالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر تداعيات هذا التطور على زيادة عدد الهجمات، بل يمكن للطائرات المسيّرة الصغيرة أن ترفع تكلفة حماية المنشآت العسكرية والنقاط الأمنية والبنية التحتية الحيوية.
وقد تضطر القوات الأمنية إلى تخصيص المزيد من الموارد لمواجهة تهديد يمكن أن ينشأ من اتجاهات متعددة وباستخدام معدات منخفضة التكلفة.
وحتى إذا لم تتسبب طائرة مسيّرة في أضرار مادية كبيرة، فإن تحليقها فوق منشأة حساسة قد يؤدي إلى تعطيل الأنشطة وإثارة المخاوف ورفع مستوى التأهب الأمني.
ومن هنا، لا يقتصر قلق إسلام آباد على الهجمات واسعة النطاق، بل يشمل انتشار أدوات يمكن استخدامها بصورة متكررة وفي مواقع مختلفة.
تمتلك باكستان خبرة في تصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة المخصصة للاستطلاع والعمليات القتالية.
ومع ذلك، فإن مواجهة الطائرات الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة تتطلب أنظمة قادرة على اكتشاف هذه الأهداف واعتراضها قبل وصولها إلى وجهتها.
وتتمثل المرحلة الأولى في الرصد والكشف؛ إذ قد تواجه الرادارات التقليدية صعوبات في اكتشاف بعض الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، خصوصاً في المناطق الجبلية أو الحضرية.
ولذلك، يمكن أن يوفر دمج الرادارات قصيرة المدى مع الكاميرات الكهروبصرية ومستشعرات الأشعة تحت الحمراء وأجهزة رصد الإشارات اللاسلكية صورة أكثر دقة للوضع الأمني.
وتلتقط الكاميرات الكهروبصرية الصور المرئية، بينما تكشف مستشعرات الأشعة تحت الحمراء بعض البصمات الحرارية. أما أجهزة رصد الإشارات اللاسلكية فتُستخدم لاكتشاف إشارات الاتصال بين الطائرات المسيّرة ومشغّليها.
ولا تستطيع أي من هذه الأدوات وحدها العمل بفعالية في جميع الظروف، لكن الجمع بينها يزيد من فرص اكتشاف الطائرات.
أما المرحلة الثانية فتتمثل في اعتراض الطائرات المسيّرة أو تعطيلها. ففي بعض الظروف، يمكن استخدام وسائل الحرب الإلكترونية للتشويش على اتصالات الطائرة أو أنظمة توجيهها.
وفي حالات أخرى، قد تكون هناك حاجة إلى أنظمة اعتراض أو وسائل دفاع جوي تقليدية. ويتوقف اختيار الوسيلة المناسبة على نوع الطائرة وطريقة توجيهها وبيئة تحليقها.
وتتمثل المرحلة الثالثة في تحليل المعلومات، إذ يمكن أن تساعد دراسة مسارات الطيران وتوقيت الهجمات ونقاط الإطلاق المحتملة وطبيعة الأهداف، القوات الأمنية على تحديد الأنماط المتكررة.
كما يمكن لأدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أن تسهم في تصنيف المعلومات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تشكل بديلاً عن المعلومات الميدانية أو القرارات البشرية.
وينبغي أيضاً أن تتناسب إجراءات حماية المنشآت الحساسة مع أهمية كل موقع ومستوى المخاطر التي يواجهها.
فالمطارات ومحطات الطاقة والمراكز العسكرية والمنشآت النفطية والمباني الحكومية ومراكز الاتصالات تحتاج إلى تدابير أمنية تتناسب مع طبيعة التهديدات المحتملة.
وفي المناطق الحدودية، لا يكفي الاعتماد على الأسلاك الشائكة والنقاط الأمنية الثابتة والدوريات البرية وحدها.
ويمكن أن يسهم الجمع بين المراقبة الأرضية وأجهزة الاستشعار ووسائل الاستطلاع الجوي وقوات الاستجابة السريعة في تحسين اكتشاف التهديدات والتعامل معها.
كما تكتسب عملية التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية أهمية خاصة لتبادل المعلومات وتجنب الاستجابات غير المنسقة.
وإلى جانب ذلك، يمكن أن تسهم القدرة على تصنيع المعدات وصيانتها وتطويرها محلياً في تقليل اعتماد باكستان على المورّدين الأجانب.
وفي الأزمات الممتدة، تكتسب استدامة الحصول على قطع الغيار والقدرة على تعديل الأنظمة وفقاً للاحتياجات العملياتية أهمية متزايدة.
يزيد انتشار حرب الطائرات المسيّرة من خطر تحول أي حادث حدودي إلى هجوم انتقامي جديد.
وقد تعتبر باكستان ضرباتها الجوية رداً ضرورياً على التهديدات الأمنية، في حين تصف طالبان هذه الهجمات بأنها انتهاك لسيادة أفغانستان.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لكل طرف تصوير أفعاله على أنها دفاعية، واعتبار إجراءات الطرف الآخر أعمالاً عدوانية.
ولا تستطيع الغارات الجوية وحدها تحقيق أمن مستدام على الحدود، إذ قد تتسبب في سقوط ضحايا مدنيين، وتزيد من احتمالات الرد المتبادل، وتحدّ من فرص الحلول الدبلوماسية.
ووفقاً لمجلة «ذا دبلومات»، فإن عودة طالبان إلى طاولة المفاوضات تكتسب أهمية في خفض التوترات.
ولا تعني المفاوضات التخلي عن المخاوف الأمنية الباكستانية، بل يمكن أن تهيئ الظروف للتوصل إلى التزامات واضحة وقابلة للتحقق.
وقد تشمل هذه الالتزامات منع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على باكستان، والحيلولة دون وصول الجماعات المسلحة إلى التكنولوجيا العسكرية، وإنشاء آلية للتحقيق في الحوادث الحدودية، والحفاظ على قناة اتصال مباشرة بين الطرفين خلال الأزمات.
ومن دون مثل هذه الآلية، قد يتحول كل هجوم بطائرة مسيّرة إلى ذريعة لشن غارة جوية جديدة، فيما تمهّد كل غارة جوية الطريق لرد انتقامي آخر.
وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي انتشار الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة التكلفة بين الجماعات المسلحة إلى زيادة صعوبة احتواء الصراع ومنع تصعيده.