وخلال العقدين التاليين، تمكن جيل كامل من الالتحاق بالمدارس والجامعات، وحصل على فرص للعمل وبناء مستقبله. لكن مع عودة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تبددت كثير من تلك الآمال.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لبدء هذه الهجمات، يروي عدد من المواطنين الأفغان ذكرياتهم عن تلك المرحلة، بدءاً من مشاعر الخوف والأمل خلال أيام الحرب، مروراً بالفرص التي أتاحتها حقبة الجمهورية، وصولاً إلى مرارة عودة طالبان إلى الحكم.
حامد من كابل
كنت في الخامسة والعشرين من عمري آنذاك، وأقيم في السكن الجامعي. كان يوماً خريفياً، وكان الطلاب يتنقلون بقلق وارتباك في الممرات. لم يكن عددهم كبيراً، لأن كثيرين منهم كانوا قد غادروا السكن قبل ذلك.
كنا نسمع أصوات القاذفات، لكننا لم نكن نرى الطائرات. وسرعان ما أدركنا أن الأوضاع بدأت تتغير.
في اليوم التالي للهجوم، كانت كابل قد تغيرت. لم يعد هناك أي أثر لطالبان في المدينة، فقد فرّ جميع عناصرها. وكانت المؤسسات الحكومية خالية، وأُغلقت نقاط التفتيش والجامعات، فيما بدأت قوات الجبهة المتحدة بالدخول إلى كابل من جهة الشمال.
لم أكن أعرف ما الذي يحمله المستقبل، أو ما الذي سيحدث للبلاد، لكنني كنت أعتقد أن أي وضع سيكون أفضل من حكم طالبان.
بعد ذلك، سمعنا أخبار وصول القوات الأجنبية، ثم عُقد مؤتمر بون وتشكلت حكومة جديدة.
تمكنت من مواصلة دراستي، ولكن هذه المرة في بيئة مختلفة، مع عدد أكبر من الطلاب، وإلى جانب الفتيات والنساء.
عادت الفتيات إلى الجامعات بعد خمس سنوات من الحرمان من التعليم، وأتيحت أمام البلاد فرصة جيدة.
تخرجت من الجامعة، وبنيت لنفسي حياة ناجحة، وانشغلت خلال تلك السنوات بالعمل وشؤون الحياة.
معصومة من هرات
عندما بدأت الهجمات الأميركية على أفغانستان، كنت أماً شابة أعيش في هرات.
كانت أصوات الطائرات والانفجارات مخيفة، لكن وسط كل ذلك الخوف، كنت أشعر بالأمل. كنت أقول لنفسي: ربما نتخلص أخيراً من قبضة طالبان.
كان لدي حلم بسيط، وهو أن ترحل طالبان وتُفتح أبواب المدارس مجدداً أمام الفتيات.
وكانت كثير من النساء اللواتي أعرفهن يتشاركن معي الحلم نفسه.
كانت أصوات الانفجارات تثير الخوف في نفوسنا، لكننا في الوقت ذاته كنا نتطلع إلى رحيل طالبان وقدوم الحرية.
فرهاد من هولندا
كان اغتيال أحمد شاه مسعود، قائد القوات المناهضة لطالبان، قد قضى على أملنا الوحيد في التغيير.
وبعد يومين، شن تنظيم القاعدة هجماته على الولايات المتحدة. وبعد ذلك، حذر جورج بوش حركة طالبان من أنه سيهاجم أفغانستان إذا لم تسلّم أسامة بن لادن.
وأعاد ذلك التحذير الأمل بالتغيير إلى نفسي.
عندما بدأت الولايات المتحدة هجومها، كنت لاجئاً في إيران.
وكان الاعتقاد السائد بيننا أن الولايات المتحدة ستقضي على طالبان، وتحول أفغانستان إلى دولة متقدمة مثل كوريا الجنوبية.
حتى أصدقائي الإيرانيون كانوا يعتقدون أن أفغانستان ستتطور يوماً إلى درجة تدفع الإيرانيين إلى الهجرة إليها. لكن ذلك التصور كان خاطئاً.
بعد سقوط طالبان، أصبح المجتمع أكثر انفتاحاً، وتمتع الناس بقدر أكبر من الحرية، فعُدنا من إيران إلى أفغانستان.
لكن لم تكن هناك إرادة للقضاء على طالبان بشكل كامل.
وخلال فترة الجمهورية، فقدت الأمل في تحسن الأوضاع، واضطررت إلى الهجرة مجدداً، وهذه المرة إلى أوروبا.
لم تصبح أفغانستان كوريا الجنوبية، بل أُعيد تسليمها إلى طالبان.
محبوبة من مزار شريف
في 7 أكتوبر 2001، كنت في إيران، وسمعت عبر الراديو نبأ الهجوم الأميركي على أفغانستان. قلت لنفسي: ربما تتمكن الفتيات من العودة إلى المدارس مرة أخرى.
عندما سيطرت طالبان على كابل عام 1996، كنت في الصف الحادي عشر. كنت أحب مادة الأحياء، وأحلم بأن أصبح طبيبة.
بعد إغلاق المدارس، واصلت الدراسة لبعض الوقت في صف تعليمي سري.
لكن عائلتي كانت تخشى أن تختطفني طالبان أو تجبرني على الزواج، ولذلك لم أتمكن من مواصلة تعليمي أو الالتحاق بالجامعة.
وبعد عام، أصبحت أماً. ومع اشتداد الحرب، لجأت إلى إيران وأنا حامل وأحمل طفلاً رضيعاً بين ذراعي.
تعلمت الخياطة وتصفيف الشعر، وعملت حتى يتمكن أطفالي من الدراسة.
كنت أقول لنفسي دائماً: أنا لم أتمكن من تحقيق حلمي، لكن يجب أن تتمكن بناتي من ذلك.
بعد سقوط طالبان، وعندما بلغت ابنتي الكبرى سن الدراسة، عدت معها إلى أفغانستان.
وفي اليوم الذي خرجت فيه من المنزل حاملة حقيبتها المدرسية، شعرت بأنها قد تتمكن من تحقيق الحلم الذي حُرمت أنا منه.
لكن في أغسطس 2021، عادت طالبان إلى السلطة، وأُغلقت أبواب المدارس من جديد.
وهذه المرة، رأيت بناتي يُحرمن من التعليم كما حُرمت أنا سابقاً.
لقد فقدت حلمي بأن أصبح طبيبة مرة واحدة، وأمضيت سنوات أحاول أن أضمن لبناتي فرصة التعليم، لكنهن اليوم أيضاً يقفن أمام أبواب المدارس المغلقة.
لا أعرف كم مرة يجب على الأم أن تشهد تحطم أحلامها وأحلام بناتها.
أكبر من فرنسا
قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت طفلاً في العاشرة من عمري، أعيش في منطقة خيرخانه بالعاصمة كابل.
لم أكن أفهم شيئاً عن السياسة والحرب، وكنت أعرف فقط أصوات قاذفات «بي-52».
وكلما حلقت تلك الطائرات في سماء كابل، كنا نلجأ مع عائلتنا إلى قبو منزل أحد الجيران.
بعد سقوط طالبان، تغيرت حياة الناس. وخلال السنوات العشرين التالية، التحقنا بالمدارس والجامعات، وأتيحت لنا فرصة العمل من أجل بناء مستقبلنا.
أما شقيقتاي الأكبر سناً، اللتان حُرمتا من التعليم خلال حكم طالبان الأول، فقد تمكنتا من العودة إلى الدراسة، وتخرجتا من المدرسة وأصبحتا معلمتين.
لكن مع عودة طالبان، سُلبت منا هذه المكاسب.
فشقيقتي الثالثة، التي كانت تدرس علوم الحاسوب في الجامعة، لم تتمكن من مواصلة تعليمها.
هذه المرة، لم أعد ذلك الطفل البالغ من العمر عشر سنوات، وكنت أدرك تماماً ما تعنيه عودة طالبان إلى الحكم.
عشت ثلاث سنوات تحت حكم الحركة، واختبرت القيود اليومية والإهانات ومعاملة عناصر هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الشوارع.
كنت أرى الحريات تتقلص، والفرص تتلاشى أمام الناس، وأصبح تحمل هذا الواقع أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.
وفي النهاية، مثل مئات الآلاف من الشباب الآخرين، فضّلت الغربة والعيش بعيداً عن الوطن على البقاء تحت حكم طالبان.
قبل خمسة وعشرين عاماً، كنت أختبئ في قبو خوفاً من أصوات قاذفات «بي-52».
واليوم، وأنا أعيش بعيداً عن أفغانستان، أدرك بصورة أعمق حجم التأثير الذي تركته تلك الحرب والأحداث التي أعقبتها على حياة جيلنا.