ورجّح أن تستخدم إسلام آباد هذه الفصائل ورقة ضغط على طالبان، قبل أن تتخلى عن دعمها في حال التوصل إلى اتفاق مع الحركة.
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد أفادت بأن مسؤولين عسكريين واستخباراتيين باكستانيين عقدوا لقاءات مع قادة جماعات مسلحة معارضة لطالبان، وطرحوا خلالها إمكانية تقديم الدعم لهذه الجماعات.
وقال ويل سيلبر، الضابط السابق في القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، إن التعاون المحتمل مع إسلام آباد، رغم أنه قد يفتح الباب أمام حصول معارضي طالبان على دعم عسكري، قد يؤدي إلى تفاقم خلافاتهم الداخلية والإضرار بمصداقيتهم السياسية لدى الأفغان.
وكتب سيلبر في تحليل نشرته مجلة «لونغ وور جورنال»، يوم الاثنين، أن الجماعات المناهضة لطالبان تواجه معضلة صعبة؛ فهي بحاجة إلى دعم خارجي لمواصلة القتال، لكن باكستان هي الدولة التي دعمت طالبان لعقود، ولعبت دوراً مهماً في عودتها إلى السلطة.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤول استخباراتي باكستاني وعضو بارز في المقاومة المناهضة لطالبان، أن مسؤولين عسكريين واستخباراتيين باكستانيين التقوا خلال الأشهر الماضية ممثلين عن عدد من الجماعات المعارضة للحركة، وبحثوا معهم إمكانية تقديم الدعم.
وجرت هذه الاتصالات في ظل تدهور حاد في العلاقات بين باكستان وطالبان، الحليفتين السابقتين، ووصول التوترات بينهما إلى مواجهات عسكرية.
كما أثارت العلاقات المحتملة بين جبهات المقاومة وباكستان انتقادات، خصوصاً من مسؤولين كبار سابقين في حكومتي حامد كرزاي وأشرف غني، الذين وصفوا هذا التقارب بأنه محفوف بالمخاطر.
وتتهم إسلام آباد طالبان بالسماح لحركة طالبان باكستان، وجماعة «اتحاد المجاهدين»، وغيرها من الجماعات المسلحة الباكستانية، باستخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد قوات الأمن الباكستانية.
في المقابل، تنفي طالبان هذه الاتهامات، وتعتبر أن تدهور الوضع الأمني في باكستان شأن داخلي.
ومع ذلك، نفت باكستان، يوم السبت 24 أكتوبر (تشرين الأول)، التقارير المتعلقة بدعمها معارضي طالبان. ووصفت وزارة الإعلام الباكستانية هذه المزاعم بأنها لا أساس لها من الصحة، رداً على تصريحات زلماي خليل زاد، المبعوث الأميركي السابق إلى أفغانستان.
لماذا قد تتقارب الجماعات المناهضة لطالبان مع باكستان؟
يرى سيلبر أن غياب الدعم الخارجي الفاعل يُعد أحد أبرز العوامل التي قد تدفع الجماعات المعارضة لطالبان إلى التعاون مع باكستان، رغم أن شخصيات بارزة في جبهات المقاومة كانت في السابق من أشد المنتقدين لاعتماد طالبان على الدعم الباكستاني خلال حربها ضد الحكومة الأفغانية السابقة.
وبحسب تحليله، فمن المستبعد أن تقدم طاجيكستان، التي اتسمت علاقاتها مع طالبان بالفتور منذ عودة الحركة إلى السلطة، دعماً واسعاً للجماعات المسلحة المعارضة، خصوصاً في ظل توسع العلاقات بين روسيا وطالبان.
أما إيران، فرغم احتفاظها بعلاقات مع أحمد مسعود، قائد جبهة المقاومة الوطنية، وشخصيات أخرى معارضة لطالبان، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم دعم واسع لهذه الجماعات.
وأشار سيلبر إلى أن طهران استقبلت أحمد مسعود وعدداً من معارضي طالبان خلال مراسم تشييع علي خامنئي، لكنه اعتبر أن الحرب التي خاضتها إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل حدّت من مواردها وقدرتها على دعم المعارضة الأفغانية.
وفي المقابل، ركزت الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة بصورة أساسية على التفاوض مع طالبان بشأن مواطنيها المحتجزين لدى الحركة.
ورغم أن كيث كيلوغ، المبعوث السابق للرئيس دونالد ترامب لشؤون أوكرانيا، دعا أخيراً واشنطن إلى التواصل مع الجماعات المعارضة لطالبان في أفغانستان، فإن مؤشرات تغيير سياسة إدارة ترامب تجاه الحركة لا تزال غائبة.
وفي ظل هذه الظروف، قد تصبح باكستان أحد الخيارات القليلة المتاحة أمام الجماعات المناهضة لطالبان للحصول على الدعم العسكري والملاذ الآمن.
ثلاثة مخاطر للتعاون مع باكستان
حدد سيلبر في تحليله ثلاثة مخاطر رئيسية قد تواجه الجماعات المناهضة لطالبان في حال قررت التعاون مع باكستان.
أولاً: احتمال استغلال باكستان للمعارضة الأفغانية
يرى الكاتب أن الهدف الأساسي لإسلام آباد من التقارب مع جبهات المقاومة قد لا يكون إسقاط حكم طالبان، بل دفع الحركة إلى اتخاذ إجراءات ضد حركة طالبان باكستان والجماعات المسلحة الأخرى المناهضة للحكومة الباكستانية.
وبحسب سيلبر، لا ترغب باكستان في إرسال قوات برية للضغط على طالبان. وبدلاً من ذلك، قد يشكل دعم الجماعات المسلحة المناهضة للحركة، إلى جانب الاستفادة من التفوق الجوي الباكستاني، أداة ضغط فعالة بيد إسلام آباد.
لكن إذا استجابت طالبان للمطالب الباكستانية واتخذت إجراءات لكبح الجماعات المسلحة المناهضة لإسلام آباد، فقد تتخلى باكستان عن دعم جبهات المقاومة وتعود إلى التعاون مع طالبان.
ويذكّر سيلبر بأن باكستان دعمت طالبان لما يقارب ثلاثة عقود، وقد تسعى إلى تحسين علاقاتها مع الحركة مجدداً إذا تحققت مطالبها الأمنية.
ثانياً: تعميق الانقسامات بين الجماعات المناهضة لطالبان
يشير سيلبر إلى تجربة الحروب الأهلية في أفغانستان، موضحاً أن باكستان أسهمت خلال فترة الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي في تأجيج المنافسة والخلافات بين فصائل المجاهدين، من خلال تقديم دعم خاص للحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار.
ويرى أن تنافس الجماعات المناهضة لطالبان على الحصول على الأموال والأسلحة والمعدات العسكرية من باكستان قد يؤدي إلى تكرار تجربة مماثلة.
ويحذّر الضابط الأميركي السابق من أن غياب الوحدة السياسية والعسكرية بين جبهات المقاومة قد يتيح لباكستان التدخل في شؤونها واستغلال خلافاتها الداخلية.
ثالثاً: تراجع المصداقية السياسية للمعارضة لدى الأفغان
يعتقد سيلبر أن التعاون مع دولة يحمّلها كثير من الأفغان مسؤولية جانب من الحروب والاضطرابات الأمنية التي شهدتها بلادهم خلال العقود الماضية، قد يؤدي إلى تراجع التأييد الشعبي لجماعات المقاومة.
ويطرح تساؤلاً حول ما إذا كانت الجماعات المناهضة لطالبان ستظل قادرة، بعد تلقي الدعم الباكستاني، على إدانة الغارات الجوية التي تشنها باكستان داخل أفغانستان وسقوط المدنيين الأفغان جراءها.
وفي المقابل، يتساءل عما إذا كانت إسلام آباد ستواصل تقديم الدعم العسكري لهذه الجماعات إذا أدانت الهجمات الباكستانية.
ويرى سيلبر أن على معارضي طالبان أخذ التداعيات السياسية والاجتماعية لهذا التعاون في الحسبان، ولا سيما في بلد عانى سكانه ما يقارب خمسة عقود من الحروب والتدخلات الخارجية.
وفي ختام تحليله، يؤكد سيلبر أن دعم باكستان لطالبان على مدى عقود لم يحقق الأمن الذي كانت إسلام آباد تتطلع إليه.
ويعتبر أن الاتصالات المحتملة بين باكستان والجماعات المناهضة لطالبان تعكس مدى تدهور العلاقات بين الحليفتين السابقتين.
ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت المحادثات التي تحدثت عنها التقارير ستؤدي إلى تقديم دعم عسكري فعلي ومستدام للجماعات المعارضة لطالبان.
ويخلص الكاتب إلى أن باكستان تدرس اليوم التعاون مع خصوم الحركة التي أسهمت بنفسها في إيصالها إلى السلطة.
وفي المقابل، يتعين على الجماعات المناهضة لطالبان أن تقرر ما إذا كان الحصول على دعم من دولة أسهمت في هزيمتها سابقاً يستحق تحمل المخاطر السياسية والعسكرية المترتبة على هذا التعاون.