شكّل رحيل آية الله محمد إسحاق الفياض في النجف نهاية مسار شخصية بدأت من إحدى أكثر مناطق أفغانستان حرماناً، ووصلت إلى واحدة من أعلى المواقع المؤسسية في العالم الشيعي، حيث أعلن مكتب فياض في 4 يونيو الجاري خبر وفاته، وأشار في البيان نفسه على عقود من التدريس وتربية التلاميذ والنشاط العلمي.
كان وصول آية الله الفياض إلى مقام المرجعية العالمية بين شيعة العالم نتيجة مسار طويل وشاق وبعيد عن المراكز التقليدية للسلطة الدينية. وُلد عام 1930 في ولاية غزني بأفغانستان، في أسرة هزارة زراعية.
وتُذكر في سيرته أن والده محمد رضا كان مزارعاً بسيطاً، وأن الأسرة كانت تعيش في ظروف معيشية صعبة.
لم تكن حياة الفياض مجرد سيرة دينية فحسب، بل كانت أيضاً رواية اجتماعية؛ رواية شخص خرج من هامش جغرافي وطبقي ليدخل إحدى أكثر المؤسسات الدينية مركزية في العالم الشيعي. وكان لهذا الأمر، خصوصاً بالنسبة إلى مجتمع الهزارة والشيعة في أفغانستان، معنى يتجاوز النجاح الفردي.
وفاة الأم والبحث عن آفاق أبعد
تعلّم فياض في طفولته النصوص التمهيدية، وتلقى تعليمه في مدرسة دينية محلية. وفي سن المراهقة، شكّلت وفاة والدته ضربة مؤلمة له. وتقول سيرته إن هذا الفقد أثّر فيه إلى درجة أنه مرض فترة من الزمن. ومع ذلك، تحولت تلك المرحلة الصعبة إلى نقطة تغيير في مساره. بعد ذلك، توجّه إلى مشهد لمواصلة دراسته، وهي مدينة كانت في ذلك الوقت، لكثير من طلبة العلوم الدينية من أفغانستان وآسيا الوسطى، إحدى المحطات التعليمية المهمة قبل النجف.
المكانة العلمية في النجف.. من طالب مهاجر إلى أستاذ مؤثر
بعد مدينة مشهد، توجّه إسحاق الفياض إلى النجف، المدينة التي لم تكن بالنسبة إليه مجرد وجهة دراسية، بل مركزاً لإحدى أكثر التقاليد التعليمية والفقهية رسوخاً في العالم الشيعي. وخلال هذا المسار، واجه صعوبات مثل البعد عن الوطن، والضائقة الاقتصادية، وصغر السن، وقلة التجربة في الحياة، والضغط النفسي الناجم عن فقدان والدته. ومع ذلك، قطع في عام 1369هـ جزءاً من الطريق سيراً على الأقدام، حتى دخل النجف في النهاية.
بعد وصوله إلى النجف، واصل الفياض مساره التعليمي بسرعة، فأكمل دروسه السابقة، ثم درس المتون الأساسية في المراحل العليا، مثل "كفاية الأصول" و"الرسائل" و"المكاسب"، على أيدي أساتذة بارزين.
وفي الوقت نفسه، بدأ تدريس الطلبة المبتدئين، وهو أمر يُعد في تقاليد الحوزة علامة على القدرة العلمية وثقة الأساتذة. واجتاز هذه المرحلة في مدة أقصر من المعتاد، ثم دخل مرحلة البحث الخارج.
كان دخوله البحث الخارج في مطلع العشرينات من عمره نقطة تحول في مساره العلمي. وبعد حضوره عدة حلقات دراسية، اختار درس آية الله أبو القاسم الخوئي، أحد أبرز المراجع وأساتذة الفقه والأصول في النجف. وشارك فياض خمسة عشر عاماً متواصلة في دروسه في البحث الخارج، ودوّن الملاحظات، وأكمل تدريجياً تقريراته. وكانت ثمرة هذا الجهد عملاً بعنوان "المحاضرات في أصول الفقه"، نُشر لاحقاً، وكتب الخوئي تقريظاً عليه، وأشاد بقدراته العلمية وكتابته.
لماذا كان هذا الصعود مهماً للهزارة؟
ينبغي فهم أهمية مكانة فياض بالنسبة إلى مجتمع "الهزارة" في أفغانستان ضمن سياق تاريخ هذا المجتمع. فقد واجه "الهزارة" في التاريخ المعاصر لأفغانستان مراراً التمييز والقمع والتهجير القسري والإقصاء من هياكل السلطة والحرمان الاقتصادي والتعليمي. وفي مثل هذا السياق، لم يكن تحول رجل دين من الهزارة إلى أحد كبار مراجع النجف حدثاً فردياً فحسب. فمن الناحية الاجتماعية والثقافية، وضع هذا الحدث أمام هذا المجتمع احتمالاً آخر: إمكانية الحضور في أعلى مستويات إنتاج المعرفة الدينية والقيادة الدينية، بما يمكن أن يربط المجتمع الشيعي الهزاري بالشبكة الشيعية العالمية في أقصى أنحاء العالم.
بعبارة أخرى، لم يكن آية الله فياض بالنسبة إلى الهزارة مجرد مرجع تقليد؛ بل كان دليلاً على أن مجتمعاً غالباً ما دُفع إلى الهامش في بنية الدولة الوطنية الأفغانية يمكن أن يحتل موقعاً رفيعاً في القيادة الدينية داخل أحد أهم المراكز الدينية في العالم الشيعي، وهو ما يمكن أن يعني تعزيز نفوذ ومكانة المجتمع الشيعي في أفغانستان داخل عالم التشيع.
أي نوع من المرجعية كانت مرجعيته؟
في عالم التشيع، لا تعني المرجعية العليا مقاماً علمياً فقط، بل تمثل أيضاً نوعاً من السلطة العابرة للحدود والشبكية. فالمرجع الذي يصل إلى مستوى عالٍ من المرجعية يتجاوز نفوذه عادة حدود قومية واحدة أو منطقة واحدة، أو حتى دولة واحدة، ليصبح عالمياً. وقد بلغ الفياض هذا المستوى من القبول. كما تظهر قائمة مؤلفاته المنشورة في موقعه الرسمي أنه لم يتناول الفقه الكلاسيكي فقط، بل كتب أيضاً في موضوعات جديدة مثل "الحكومة الإسلامية" و"مكانة المرأة في النظام السياسي الإسلامي" و"المصرفية من منظور الإسلام" و"المسائل الطبية" و"المسائل المستحدثة" و"حقوق الملكية الفكرية". ويظهر هذا التنوع الموضوعي أن نطاق اهتمامه تجاوز العبادات والمعاملات التقليدية، وامتد إلى أسئلة العالم المعاصر.
ومع ذلك، لم تكن مرجعيته من نوع المرجعيات السياسية والمتمحورة حول الدولة. فقد كان أقرب إلى تقليد يفهم المرجعية بوصفها مؤسسة مستقلة عن الدولة؛ مؤسسة تقوم على العلم والتعليم والفتوى والسلطة الأخلاقية، لا مؤسسة تسعى إلى الاستحواذ المباشر على السلطة السياسية.
وكانت لهذه السمة دلالة أيضاً بالنسبة إلى مجتمع الهزارة. فجزء مهم من التدين بين قومية الهزارة، خصوصاً في صورته التقليدية، كان قائماً على الشعائر والعواطف الدينية والروابط الاجتماعية والمرجعية الدينية، لا بالضرورة على بناء دولة أيديولوجية. وفي هذا الإطار، بدا فياض، بوصفه مرجع تقليد، أكثر انسجاماً مع نوع من التدين التقليدي وغير الساعي إلى السلطة.
الحكومة الدينية من منظور إسحاق الفياض
كان أحد أهم جوانب فكر آية الله فياض نظرته إلى الحكومة وعلاقة الدين بالسلطة السياسية. ووفقاً للدكتور محمد أمين أحمدي، الأستاذ الجامعي والباحث في الدين والفلسفة، كان الفياض يميز بوضوح بين "تطبيق الأحكام الدينية" و"الشرعية الإلهية للحكومة". فمن وجهة نظره، ليست الحكومة الدينية مجرد حكومة تستخدم لغة الدين أو تطبق الشريعة؛ بل هي حكومة يكون على رأسها شخص يملك حق ممارسة السلطة من جانب الله. وكان يرى أنه في عصر الغيبة، الذي يؤمن به الشيعة الاثنا عشرية، فإن الفقيه الجامع للشروط، الذي يكون أعلم فقهاء زمانه، هو وحده من يتمتع بهذه الولاية والسلطة التي تمكنه من ممارسة الحكم والتصرف في المصير الجماعي للناس وأموالهم وأنفسهم. وبحسب تعبير الدكتور أحمدي، فإن الله، في نظر آية الله محمد إسحاق الفياض، لا يمنح هذه الأهلية إلا لمثل هذا الشخص، الذي قد يكون في كل زمن فرداً واحداً فقط.
وبناء على ذلك، لا يتمتع أي شخص آخر غير الفقيه الأعلم الجامع للشروط بحق إلهي في الحكم، ولا تُعد حكومته دينية. ولهذا، كان الفياض يصرح بأنه لا توجد في عالم اليوم أي حكومة دينية، وأن جميع الحكومات التي تدعي أنها دينية هي في الواقع حكومات غير دينية ولا تتمتع بشرعية دينية. وفي الوقت نفسه، كان يرى أن الفقيه الأعلم الجامع للشروط، إذا لم يكن مبسوط اليد، لا يكون مكلفاً بتشكيل حكومة دينية أو السعي إلى إقامتها؛ لأن مثل هذا الإجراء قد يؤدي إلى الفتنة والفساد والحرب وإراقة الدماء. ومن جهة أخرى، كان يعتبر وجود الحكومة ضرورياً ولا مفر منه لحفظ النظام العام.
ويرى أحمدي أن هذا الفهم يؤدي عملياً إلى نتيجة مفادها أن الحكومات القائمة في عصر الغيبة هي، في معظمها، حكومات مدنية وعرفية تقوم على ضرورة النظام الاجتماعي، لا حكومات دينية بالمعنى الكامل واللاهوتي. وهنا تكمن أيضاً نقطة الاختلاف بين رؤية الفياض ونموذج ولاية الفقيه في إيران. ففي نظره، تُعد ولاية الفقيه من شؤون المرجعية الدينية العليا، ولا تتعلق إلا بفقيه تقبل به الأغلبية الساحقة من المؤمنين بوصفه الفقيه الأعلم والمطاع؛ ومن ثم لا يمكن فصل الولاية عن المرجعية.
في المقابل، في نظرية ولاية الفقيه في إيران، وباقتراح من مؤسس النظام، أُزيل شرط المرجعية والأعلمية من شروط القيادة، بالنظر إلى مقتضيات إدارة الحكم، وعُدّل الدستور في هذا الاتجاه أيضاً. ونتيجة لذلك، نشأ فصل بين ولاية الفقيه والمرجعية الدينية. وهذا الفصل، الذي كان نابعاً من مصلحة سياسية أكثر من كونه متجذراً في أسس فقهية ولاهوتية، أتاح، من وجهة نظر المدافعين عنه، إمكانية تحقق الحكومة الدينية؛ لكنه من منظور الفياض لا يجعل هذه الحكومة دينية، ولا يمنحها حق الادعاء بامتلاك حق الحاكمية الإلهية، بل يجعلها كسائر الحكومات العرفية وغير الدينية.
واستناداً إلى هذا التمييز، فإن ما يمكن تحققه عملياً هو الحكومات المدنية. وهذه النظرة تمنع تحويل الدين والعلماء والحوزات الشيعية إلى أدوات في المنافسات السياسية. وفي المجتمعات التي تضررت من تسييس الدين وأدلجة الهوية المذهبية، يمكن لمثل هذا الفهم أن يوفر أرضية لنوع من التدين المدني الأقل توتراً والأقل تعبئة.
ويعتقد أحمدي أن هذه الرؤية أدت دوراً مهماً أيضاً في العراق، البلد المتعدد القوميات والمذاهب. فقد ساعدت على ألا يسعى الشيعة، رغم أنهم يشكلون أغلبية سكان البلاد، إلى إقامة حكومة دينية، وأن يتوافقوا مع القوى السياسية الأخرى، وخصوصاً الأكراد، على إدراج بنية الجمهورية البرلمانية الفيدرالية للعراق في الدستور؛ وهي بنية لا تحمل صفة "الإسلامية"، وتتمتع عملياً بسمات قريبة من نظام علماني.وفي هذا السياق، ينقل أحمدي عن الراحل آية الله علوي، الرئيس السابق لمكتب الاستفتاءات التابع لآية الله الفياض، الذي توفي خلال جائحة كورونا، قوله: "لو أصر شيعة العراق على تشكيل حكومة دينية، فإن تلك الحكومة، بالنظر إلى أغلبيتهم السكانية، كانت ستتحول حتماً إلى حكومة شيعية، وعندها كان العراق سيتفكك".
النساء.. فقه تقليدي يميل إلى قراءة أكثر انفتاحاً
في مجال القضايا الاجتماعية، وخصوصاً حقوق المرأة ومكانتها، كانت مواقف آية الله الفياض لافتة مقارنة ببعض القراءات الأكثر تشدداً للفقه الشيعي. وتظهر في قائمة مؤلفاته الرسمية أيضاً كتاب "مكانة المرأة في النظام السياسي الإسلامي". ويوضح الدكتور محمد أمين أحمدي آراء الفياض في هذا المجال قائلاً: "لم يكن فياض يرى أي مانع شرعي أو ديني أمام مشاركة النساء في المجالات الاجتماعية والسياسية، بل وحتى توليهن مستويات عليا من الإدارة والقيادة والقضاء، خصوصاً في الحكومات المدنية وغير الدينية.
ومن منظوره، إذا كان بعض الفقهاء قد اشترطوا الذكورة لتولي مناصب مثل المرجعية أو القضاء أو رئاسة الحكومة، فإن هذا الشرط، في حال وجود دليل معتبر من القرآن والسنة، يتعلق فقط بالحكومة الدينية، ولا يمكن تعميمه على الحكومات غير الدينية. ومع ذلك، كان هو نفسه يصرح بأنه لا يوجد أساساً دليل كافٍ ومعتبر من القرآن والسنة يجعل الذكورة شرطاً لتولي هذه المناصب، أو يعد الأنوثة مانعاً من ذلك".
إضافة إلى ذلك، كان الفياض يقر للنساء بحق العمل والحضور المشروع في المجال العام، ويرى أن الزوج لا يستطيع منع زوجته من العمل المشروع خارج المنزل.
وتنبع أهمية هذه المواقف من أنها تصدر من داخل التقليد الفقهي وبلغة الاجتهاد الديني، لا من خارجه.
بعبارة أخرى، كان إسحاق الفياض يسعى، في إطار الفقه الكلاسيكي، إلى فتح طريق للإجابة عن قضايا واحتياجات العالم المعاصر. وفي مجتمع مثل أفغانستان، حيث كانت قضية المرأة دائماً ميدان مواجهة بين قراءات دينية متشددة ومشاريع حداثية غالباً ما تكون تجريدية، كان يمكن لمثل هذا النهج أن يحمل معنى عملياً وواقعياً ومعتدلاً.
الفقه في مواجهة الحياة المعاصرة
لم يكن الفياض فقيه نصوص كلاسيكية فحسب. وتظهر أعماله الرسمية أنه تناول موضوعات مثل المسائل الطبية، والمصرفية، والقضايا المستجدة، وحقوق الملكية الفكرية، والحكومة. وهذا يدل على أنه لم يكن يرى الفقه علماً ساكناً ومحاصراً في أسئلة تاريخية، بل علماً ملزماً بالإجابة عن تحولات الحياة المعاصرة.
وبحسب الدكتور أحمدي، كان الفياض ينظر إلى المعرفة الحديثة والتعليم والصحة والتكنولوجيا بوصفها أدوات ضرورية لتحسين أوضاع المجتمعات المسلمة. وقد انعكست هذه النظرة أيضاً في الأنشطة الاجتماعية المحيطة بمرجعيته، مثل بناء المراكز العلاجية، ومنح المنح الدراسية، ودعم الفقراء، وحفر آبار المياه في أفغانستان. وبهذا المعنى، لم تكن مرجعيته مجرد بنية لإصدار الفتاوى؛ بل امتد جزء من وظيفتها نحو المنفعة العامة والتعليم والرفاه الاجتماعي.
الحياة مع تقاطع الدين والمجتمع
يمكن تلخيص حياة آية الله محمد إسحاق الفياض في ثلاثة محاور: الهجرة من الهامش إلى المركز، والتثبت داخل تقليد علمي صارم، وتمثيل نوع من المرجعية المستقلة عن السلطة السياسية. فقد بدأ من قرية نائية في أفغانستان، وعبر الفقر والغربة والفاجعة العائلية، وأصبح في النجف أحد أبرز تلامذة آية الله الخوئي، ثم وصل في النهاية إلى مكانة اكتسبت معناها على مستوى يتجاوز أفغانستان، بل ويتجاوز قومية الهزارة.
بالنسبة إلى الهزارة، لم يكن مجرد فقيه بارز أو مرجع تقليد؛ بل كان علامة على إمكانية الحضور المؤثر في أحد أهم ميادين إنتاج السلطة الدينية في العالم الشيعي. وبالنسبة إلى النجف، كان جزءاً من استمرار تقليد يرى العلم والتدريس واستقلال الحوزة أهم من الدولة والاستعراض السياسي. أما بالنسبة إلى المراقبين من الخارج، فكان نموذجاً لكيف يمكن لشخصية دينية تقليدية أيضاً أن تتبنى، في مجالات مثل الحكم والمرأة والقضايا الجديدة والرفاه الاجتماعي، مواقف تتسم بدرجة لافتة من التعقيد والمرونة.