لماذا اشتعل إقليم بلوشستان الباكستاني؟

شهد إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان، خلال الأسبوع الجاري، موجة من الهجمات "الإرهابية" التي أسفرت، وفقاً لمسؤولين حكوميين، عن مقتل عشرات من عناصر الجيش والشرطة الباكستانيين،

شهد إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان، خلال الأسبوع الجاري، موجة من الهجمات "الإرهابية" التي أسفرت، وفقاً لمسؤولين حكوميين، عن مقتل عشرات من عناصر الجيش والشرطة الباكستانيين،
وكانت أعقد هذه الهجمات استهداف مركز للشرطة في منطقة "زيارت"، حيث أسر المهاجمون 15 عنصراً أمنياً ونزعوا أسلحتهم، ثم نقلوهم إلى منطقة جبلية قرب كويته وقتلوهم، فيما لا يزال عدد آخر من العناصر محتجزاً لديهم.
كما تعرضت دوريات للجيش الباكستاني لهجمات في منطقتي "خاران" و"دالبندين"، واستُهدف منزل شفيق خان منغل في "خضدار"، فيما وقع أحدث هجوم على منشآت حكومية وتجارية في منطقة "تشاغي". ويقود شفيق خان جماعة مسلحة موالية للحكومة الباكستانية، وهو أيضاً عضو في حزب الشعب الباكستاني.
وأعلن جيش تحرير بلوشستان مسؤوليته عن الهجوم على منزل شفيق خان منغل واستهداف منشآت تشاغي، بينما تبنت حركة طالبان باكستان بقية الهجمات.
وبحسب إحصاءات وسائل الإعلام الباكستانية، بلغ عدد الهجمات الإرهابية في بلوشستان خلال مايو من العام الجاري 71 هجوماً، قبل أن يتراجع إلى 49 هجوماً في يونيو.
ورأى معظم المحللين أن عمليات القوات العسكرية والأمنية الباكستانية وجهت ضربات تكتيكية مؤثرة إلى حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان، ما أدى إلى انخفاض عدد هجمات الجماعتين في الإقليم.
لكن وتيرة الهجمات الإرهابية وشدتها وعدد ضحاياها ارتفعت بصورة كبيرة خلال الأسبوع الأول من يوليو، ما ألحق أضراراً جسيمة بسمعة الجيش والقوات الأمنية الباكستانية. ودفع ذلك المتحدث باسم الجيش الباكستاني إلى عقد مؤتمر صحفي، أعقبه إصدار قائد قوات الدفاع الباكستانية، المشير عاصم منير، بياناً سعى من خلاله إلى طمأنة المواطنين بأن عمليات التمشيط الرامية إلى إضعاف قدرات حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان لا تزال مستمرة، وأن الجيش والقوات الأمنية لم يفقدا زمام المبادرة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار الآثار النفسية السلبية لهذه الهجمات على المواطنين العاديين.
ويشير عدد الهجمات ومستوى تعقيدها وطريقة تنفيذها ودرجة التنسيق بين الجماعات المنفذة إلى وجود منظومة قيادة وإدارة منظمة تتولى التخطيط لهذه العمليات وتنفيذها.
ومن الواضح أن هذه الهجمات تهدف إلى إخراج أجزاء من بلوشستان من سيطرة الحكومة، وتقويض ثقة السكان بفاعلية المؤسسات، وتعميق الانقسامات الاجتماعية، والإضرار بالأنشطة الاقتصادية في الإقليم.
دخول حركة طالبان باكستان ساحة التمرد في بلوشستان
أدى نشاط حركة طالبان باكستان في ساحة التمرد داخل بلوشستان إلى هذا الوضع. وكان الاعتقاد السائد سابقاً أن الحركة تنشط في إقليم خيبر بختونخوا، بينما يقتصر القتال في بلوشستان على الجماعات الانفصالية البلوشية.
وكان التصور العام أن الجماعات الانفصالية البلوشية، أو التحالف الذي يجمع بينها، تحتكر ساحة التمرد في بلوشستان. إلا أن هجمات الأسبوع الجاري تظهر أن حركة طالبان باكستان أصبحت تنشط في الإقليم بمستوى يوازي الجماعات الانفصالية.
ويعني ذلك أن الجيش والقوات الأمنية الباكستانية باتت تواجه في بلوشستان، إلى جانب مشكلة الانفصال، تحدي حركة طالبان باكستان التي وسعت نطاق تمردها من خيبر بختونخوا إلى بلوشستان، ما يضع الأمن القومي الباكستاني أمام تحد جديد.
وتُعد بلوشستان أكبر أقاليم باكستان من حيث المساحة، وتتمتع بأهمية استراتيجية بسبب حدودها المشتركة مع إيران وأفغانستان، واتصالها ببحر العرب وإقليمي البنجاب والسند، فضلاً عن امتلاكها موارد طبيعية. وعانت بلوشستان تاريخياً من الاضطرابات، إذ شهدت منذ عام 1948 موجات متقطعة من التمرد الانفصالي.
وتتمثل الرواية الثابتة للجيش الباكستاني في أن الهند تقدم دعماً مالياً واستخباراتياً للتمرد في بلوشستان، مستفيدة من علاقاتها بالسلطات الحاكمة في أفغانستان. وكان التمرد الانفصالي في بلوشستان ذا طابع قومي تاريخياً، كما تبنت معظم الجماعات المتمردة هناك توجهات يسارية. وخلال الحرب الباردة، تعاطف معظم عناصر اليسار الراديكالي في باكستان مع التمرد في بلوشستان.
وشارك صحفيان باكستانيان بارزان على الأقل، هما نجم سيثي وأحمد رشيد، خلال سبعينات القرن الماضي، في دعم هذا التمرد بصورة نشطة. وخلال الحرب ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وكذلك أثناء حضور قوات حلف شمال الأطلسي "الناتو"، ظل التمرد في بلوشستان بعيداً عن التيارات الجهادية، واقتصر نشاط الجماعات الإرهابية في الإقليم على التنظيمات الطائفية. لكن الوضع في بلوشستان بدأ يتغير تدريجياً بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021.
من "مجلس كويته" إلى تمرد عابر للحدود
خلال وجود قوات حلف الناتو في أفغانستان، كانت كويته توصف بأنها العاصمة غير المعلنة لإمارة طالبان الأفغانية التي أُطيح بها. وفي تلك الفترة، روّج التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي كان متمركزاً في أفغانستان، مصطلح "مجلس كويته" عبر وسائل الإعلام.
وكان المصطلح يشير إلى دائرة القيادة في حركة طالبان التي كانت متمركزة في كويته وتقود القتال ضد الناتو والحكومة الأفغانية السابقة. وساد آنذاك اعتقاد بأن المؤسسة الحاكمة في باكستان سمحت لحركة طالبان باستخدام أراضي بلوشستان رداً على التمرد الانفصالي في الإقليم.
ولا شك في أن أصحاب هذا الاعتقاد توقعوا أن تؤدي عودة حركة طالبان إلى السلطة إلى إنهاء التمرد المناهض لباكستان في بلوشستان وحرمانه من قواعد الدعم. لكن من الواضح الآن أن الأمور سارت في الاتجاه المعاكس، إذ لم يعد التمرد الانفصالي وحده من يهدد الأمن القومي الباكستاني في الإقليم، بل انضم إليه أيضاً التمرد الجهادي الذي تقوده حركة طالبان باكستان.
وخلال وجود قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، وقعت بعض مناطق بلوشستان، مثل المناطق الحدودية في خيبر بختونخوا، تحت سيطرة جماعات مسلحة محلية مؤيدة لحركة طالبان. وكانت هذه الجماعات تدعم الحركة وتقاتل إلى جانبها في أفغانستان، لكن حركة طالبان باكستان لم يكن لها وجود معلن أو ميداني في بلوشستان قبل عام 2022.
وكان يُنظر إلى حركة طالبان باكستان حينذاك على أنها قوة يقتصر نفوذها وسيطرتها على قبيلتي وزير ومحسود، ولا يمتد نطاق نشاطها إلى بلوشستان. كما كان يُنظر إلى "مجلس كويته" على أنه هيكل لا يضم سوى عناصر حركة طالبان الأفغانية، ولا ينتمي إليه مواطنون من دول أخرى.
كذلك كان يُعتقد أن القبائل البشتونية الممتدة من منطقة قندهار إلى بلوشستان بعيدة عن نفوذ حركة طالبان باكستان. لكن عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021 أحدثت تحولاً لم يتصوره واضعو السياسات الأمنية في باكستان، إذ لم تتغلغل حركة طالبان باكستان في المناطق ذات الغالبية البشتونية في بلوشستان فحسب، بل امتد نفوذها أيضاً إلى المناطق البلوشية، وانضمت إليها جماعات بلوشية مسلحة كانت موالية سابقاً لـ"مجلس كويته".
انضمام الجماعات البلوشية إلى حركة طالبان باكستان
في يونيو 2022، أفادت وسائل إعلام باكستانية بأن الجماعة المسلحة التابعة لملا أسلم بلوش، التي كانت تنشط في منطقة نوشكي، انضمت إلى حركة طالبان باكستان. وكانت الحركة آنذاك ملتزمة باتفاق لوقف إطلاق النار مع الجيش الباكستاني، لذلك لم يحظ الخبر باهتمام كبير.
لكن في ديسمبر من العام نفسه، وبعد انتهاء وقف إطلاق النار، أعلنت جماعة ملا مظهر بلوش، التي تنشط في منطقة مكران، مبايعة زعيم حركة طالبان باكستان، مفتي نور ولي محسود. ورأى بعض المراقبين في هذا التطور جرس إنذار.
وفي عام 2023، أعلنت جماعتان مسلحتان أخريان انضمامهما إلى حركة طالبان باكستان، إحداهما جماعة ملا أكرم بلوش في قلات، والأخرى جماعة ملا محمد عاصم في منطقة قريبة من كويته.
وكانت جميع هذه الجماعات تعمل لمصلحة "مجلس كويته" خلال وجود قوات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان، ويقاتل مسلحوها إلى جانب حركة طالبان ضد القوات الدولية والحكومة الأفغانية السابقة، من دون أن تثير مشكلات للحكومة الباكستانية. لكن المشهد انقلب بعد وصول حركة طالبان إلى السلطة.
ورفع انضمام هذه الجماعات إلى حركة طالبان باكستان قدراتها العملياتية وإمكاناتها في مجال التمرد بصورة كبيرة. ولذلك بدأت الحركة نشاطها في بلوشستان عام 2023، ونشرت مواد دعائية باللغة البلوشية.
وفي عام 2024، قسمت حركة طالبان باكستان إقليم بلوشستان، ضمن هيكلها التنظيمي، إلى منطقتين أو ولايتين، هما ولاية مكران وقلات ذات الغالبية البلوشية، وولاية "جوب" ذات الغالبية البشتونية، وعيّنت مسؤولاً لكل منهما. وأظهر ذلك عزم الحركة على توسيع نشاطها في بلوشستان، التي انزلقت، على غرار خيبر بختونخوا، إلى دوامة انعدام الأمن.
التنسيق بين حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان
عثرت حركة طالبان باكستان أيضاً على قناة أخرى لتعزيز نفوذها في ساحة التمرد ببلوشستان، إذ تمكنت من إقامة تنسيق عملياتي مع جيش تحرير بلوشستان. ويُعد نشوء تعاون وتنسيق بين جماعة جهادية وأخرى قومية ذات توجهات يسارية من أكثر التطورات إثارة للدهشة في جنوب آسيا.
ويبدو أن حركة طالبان باكستان استخدمت نفوذها على سلطة حركة طالبان في أفغانستان لتهيئة الظروف أمام جيش تحرير بلوشستان من أجل استخدام الأراضي الأفغانية قاعدة له. وفي المقابل، أتاح جيش تحرير بلوشستان لحركة طالبان باكستان الوصول إلى المناطق البلوشية النائية في الإقليم.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، إذ تبنت حركة طالبان باكستان جزءاً من خطاب جيش تحرير بلوشستان. وتصف المواد الإعلامية للحركة البلوش والبشتون باستمرار بأنهم من العرقيات المظلومة في باكستان. كما تقدم الحركة البلوش، على غرار القوميين البلوش المتشددين، بوصفهم جماعة عرقية محرومة من حقوقها ولا تستطيع الوصول إلى العدالة ولا تستفيد من عائدات الموارد الطبيعية في بلوشستان.
ومن الواضح أن هذه المواد الإعلامية تهدف إلى تجنيد مزيد من سكان القرى البلوشية. ومن اللافت أن سلطة حركة طالبان في أفغانستان تستخدم أيضاً القومية البشتونية ورفض الاعتراف الرسمي بخط ديورند في مواجهتها مع باكستان، بينما تستخدم حركة طالبان باكستان، التي تسير على خطى حركة طالبان الأفغانية، رواية القومية البلوشية الانفصالية في حربها ضد الجيش الباكستاني.
وفضلاً عن ذلك، لا يمكن لتمرد حركة طالبان باكستان في بلوشستان، وفقاً لما يقر به المسؤولون الباكستانيون، أن يستمر من دون استخدام مناطق جنوب أفغانستان قواعد خلفية له. وقد أدت هذه التحولات إلى تصاعد التمرد في بلوشستان.
الميليشيات المحلية وخيار توسيع الحرب
يتمثل أحد الأساليب المستخدمة لمواجهة التمرد في كثير من دول جنوب آسيا وأفغانستان في تعزيز الجماعات المسلحة المحلية الموالية للحكومة.
ونشرت وسائل إعلام باكستانية أخيراً تقارير تفيد بأن بعض عناصر الشرطة المحلية الأفغانية السابقة من قبيلة أتشكزي، الذين يُعدون من ضحايا حركة طالبان، بدأوا نشاطاً في بلوشستان.
ويشير ذلك إلى أن بعض المؤسسات في باكستان تستعد لمواجهة طويلة الأمد مع التمرد في بلوشستان. وربما تسعى هذه المؤسسات إلى استخدام تلك الميليشيات لتوسيع الحرب ونقلها إلى المناطق التي يستخدمها المتمردون قواعد لهم.
وبسبب نشاط الجماعات الطائفية ذات التوجه السلفي في بلوشستان وتراجع قياداتها، انضمت قواعد هذه التيارات إلى تنظيم داعش. وكان يُعتقد أن داعش هو الجماعة الإرهابية الجهادية الوحيدة الناشطة في ساحة التمرد ببلوشستان، لكن يبدو أن التنظيم تضرر بعد دخول حركة طالبان باكستان بقوة إلى هذا الإقليم المهم وتصاعد أنشطة جيش تحرير بلوشستان.
البعد الإقليمي والمواجهة مع تنظيم داعش
وأفادت وسائل إعلام باكستانية العام الماضي بأن الفرع الباكستاني لتنظيم داعش أعلن تعرضه لضربات قاسية على يد جيش تحرير بلوشستان.
وربما يهدف إبراز الأنشطة المناهضة لداعش التي تنفذها الجماعات المتمردة في بلوشستان إلى جذب اهتمام القوى الإقليمية التي تنظر إلى التنظيم بوصفه تهديداً أمنياً خطيراً.
ويستحق هذا البعد الإقليمي للقضية اهتماماً خاصاً. ومن المحتمل أن يكون الطابع المناهض لداعش في تمرد بلوشستان قد دفع سلطة حركة طالبان في أفغانستان إلى الاعتقاد بأن باكستان لن تتمكن من تشكيل إجماع إقليمي للضغط عليها.
احتمالات الضربات العابرة للحدود
كما أن هناك احتمال بأن ترد باكستان على تصاعد التمرد في بلوشستان بشن غارات جوية مكثفة عابرة للحدود على مناطق خاضعة لسيطرة حركة طالبان داخل أفغانستان.
كما يطرح بعض المراقبين في باكستان رأياً مفاده أن الحرب يجب أن تنتقل إلى أراضي الجهات الداعمة للجماعات المتمردة. ويعني ذلك أن تدعم باكستان خصوم الهند في كشمير والمعارضين المسلحين لسلطة حركة طالبان، إلا أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات واضحة على تبني مثل هذا النهج.
ويبدو أن مسار التمرد في غرب باكستان يتجه نحو مزيد من التعقيد.