ولا تزال تتذكر باب منزلها حين أخبرها الجيران أن "طالبان أقفلته من الخارج".
طلبت بيبي ناز المساعدة من جيرانها، لكن أحداً لم يجرؤ على مساعدتها، لأن المنزل كان مختوماً بختم "إمارة" طالبان ومقفلاً.
وقالت بيبي ناز لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كانت إحدى بناتي متزوجة، لكنني أعدتها إلى منزلي بسبب العنف الأسري. وكان صهري السابق مقاتلاً في حركة طالبان، وكان يحاول أخذ ابنتي معه".
وازدادت التهديدات عندما هدد صهرها السابق بأن يعقد صديقه في حركة طالبان قرانه على شقيقة طليقته غير المتزوجة.
وتعيل بيبي ناز الآن أطفالها من خلال خياطة الملابس في منزل من غرفتين في إسلام آباد، لكنها تواجه مشكلات جديدة بسبب حملات توقيف اللاجئين وتراجع فرص العمل والفقر.
وقالت وهي تنظر في كل لحظة من النافذة إلى الشارع خشية وصول الشرطة: "بناتي لا يستطعن الذهاب إلى المدرسة. ابني يبلغ سبعة أعوام، وأحياناً لا نأكل خلال 24 ساعة سوى مرة واحدة، وحتى ذلك لا يحدث إلا عندما تغادر الشرطة المنطقة".
وقدمت ملفها إلى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لكنه لم يشهد أي تقدم حتى الآن.
ملفات عالقة وفترات انتظار طويلة
تعكس قصة بيبي ناز صورة مريرة لحياة آلاف النساء الأفغانيات اللواتي غادرن أفغانستان بسبب التحولات السياسية والتهديدات وانعدام الأمن، لكنهن وجدن أنفسهن في باكستان أمام مشكلات جديدة تتعلق بالوثائق القانونية والعمل والتعليم والصعوبات الاقتصادية والخوف من الترحيل.
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، عبر آلاف الأفغان إلى باكستان بسبب المخاوف الأمنية والخشية المرتبطة بوظائفهم وعلاقاتهم السابقة، فيما غادر بعضهم بحثاً عن مكان آمن يضمن لبناتهم التعليم ومستقبلاً أفضل.
وبحسب بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، لا تزال باكستان تستضيف ملايين الأفغان، بينهم لاجئون مسجلون وحاملو بطاقات المواطنة الأفغانية، إضافة إلى أشخاص يعيشون هناك من دون وضوح بشأن وضعهم القانوني.
وخلال الأعوام الخمسة الماضية، تحولت إسلام آباد إلى محطة لآلاف الأسر التي تنتظر إعادة التوطين في دولة ثالثة أو الحصول على تأشيرات أو معرفة مصير ملفاتها. ولدى قسم من اللاجئين الأفغان ملفات مسجلة لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرامج تابعة لدول أخرى، لكن طول الإجراءات الإدارية ومحدودية الفرص وارتفاع عدد الطلبات أبقى كثيراً من هذه الملفات من دون حسم منذ سنوات.
ويحاول كثير من الأفغان البقاء داخل منازلهم بسبب القيود المفروضة على العمل والخوف من توقيفهم على أيدي الشرطة واحتمال ترحيلهم. كما حُرم أطفال كثير من الأسر من التعليم، فيما فقد الشباب فرص العمل.
وقالت ورانغي، وهي أم لثلاثة أطفال من ذوي الإعاقة وكانت تعمل معلمة خلال فترة الحكومة السابقة، لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن زوجها قُتل في هجوم انتحاري أمام مبنى البرلمان في كابل. وبعد وفاة زوجها، كانت قادرة على إعالة أطفالها الصغار من خلال عملها في المدرسة، لكنها اضطرت إلى البقاء في المنزل بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة.
وقدمت ورانغي وثائقها إلى الجهات المعنية من أجل الانتقال إلى كندا، لكنها تواجه صعوبات في باكستان. وذات مرة حطمت الشرطة باب شقتها المستأجرة، إذ لم يكن بمقدورها الفرار بسبب أطفالها من ذوي الإعاقة. وبعد ذلك نُقلت إلى مخيم ورُحلت إلى أفغانستان، لكنها عادت إلى باكستان لمتابعة ملفها.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "ما إن وصلت إلى بيشاور حتى اعتقلتني الشرطة مجدداً ونقلتني إلى المخيم. لم تكن هناك أي مقومات للحياة في المخيم، وكنت أواجه ظروفاً شديدة الصعوبة".
ورُحلت ورانغي إلى أفغانستان للمرة الثانية، لكنها عادت مجدداً إلى باكستان عبر سبين بولدك.
وبينما كانت تلقي باللوم على حركة طالبان، قالت ورانغي: "أي ألم من آلام الحياة أروي؟ إحدى بناتي من ذوي الإعاقة، والأخرى لديها ثقب في القلب، والثالثة لا تسمع بأذنيها".
ودعت ورانغي المجتمع الدولي والمنظمات الداعمة للنساء إلى توفير مسارات آمنة للنساء الأفغانيات وتسهيل حصولهن على التأشيرات.
معالجة 90 ألف ملف
قالت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، في أحدث تقرير مشترك لهما، إن حملات توقيف الأفغان واحتجازهم وترحيلهم قسراً في باكستان اتسعت بعد بدء تطبيق "خطة إعادة الأجانب غير النظاميين"، وأعربتا عن القلق أيضاً بشأن الأفغان الذين لديهم ملفات لإعادة التوطين أو طلب اللجوء في دول ثالثة.
ومن 15 سبتمبر 2023 حتى 16 مايو 2026، عاد ما مجموعه 2.39 مليون أفغاني من باكستان إلى أفغانستان. ومن بين هؤلاء، رُحل نحو 247 ألف شخص قسراً، فيما عاد 319 ألفاً بمساعدة منظمات دولية، وعاد الباقون طوعاً أو نتيجة الضغوط.
ويظهر التقرير أنه خلال الفترة من 10 إلى 16 مايو 2026 وحدها، عاد 41 ألفاً و672 أفغانياً إلى أفغانستان، بينهم 1,283 شخصاً رُحلوا قسراً.
ونفذت الحكومة الباكستانية خلال عام 2025 عدة مراحل لترحيل الأفغان. واستهدفت في البداية الأفغان الذين لا يحملون وثائق، ثم أصبح حاملو بطاقات المواطنة الأفغانية "إيه سي سي" عرضة للترحيل، ولاحقاً واجه حاملو بطاقات إثبات التسجيل "بي أو آر" الخطر نفسه. وقال كثير من الأفغان العائدين إنهم رجعوا إلى بلادهم بسبب الخوف من التوقيف والاحتجاز والترحيل.
وطلبت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة ومنظمة العفو الدولية مراراً من باكستان استثناء الأفغان المحتاجين إلى الحماية الدولية، وحاملي ملفات إعادة التوطين في دول ثالثة، وغيرهم من الفئات الأكثر عرضة للخطر، من الترحيل القسري، واحترام المبادئ الإنسانية الدولية وقواعد الهجرة.
وقالت وزارة الخارجية الباكستانية، رداً على هذه المخاوف في أواخر يوليو، إنها تتعاون بشأن الإقامة القانونية للمواطنين الأفغان ونقلهم إلى دول ثالثة.
وبحسب الوزارة، ساعدت إسلام آباد حتى الآن في انتقال أكثر من 90 ألف أفغاني إلى دول ثالثة.
أما سلطانة، التي تعيل عدة أشخاص وتنتظر الانتقال إلى دولة ثالثة، فقد اعتقلتها الشرطة الباكستانية مرات عدة، وفي كل مرة كانت تُفرج عنها مقابل دفع المال.
وتقول سلطانة إنها سجلت ملفاً أيضاً لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وتأمل أن توفر لها إحدى السفارات سبيلاً آمناً للخروج. وغادرت ننغرهار بعدما قالت إن قائداً محلياً في حركة طالبان أراد تزويج ابنتها البالغة 11 عاماً وشقيقتها البالغة 12 عاماً قسراً لأبنائه.
ويتلقى بعض الأفغان المقيمين في إسلام آباد وبيشاور، ممن ينتظرون معالجة ملفاتهم ونقلهم إلى دول ثالثة، دعماً من مؤسسات مختلفة. فعلى سبيل المثال، توفر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي لبعض الأفغان، الذين سُجلت ملفاتهم لدى الجهات المعنية بالانتقال واعتُبروا مؤهلين لذلك، إقامة مؤقتة في فنادق.
لكن اللاجئين الأفغان الذين لا يحصلون على دعم مالي أو سكني مماثل يضطرون إلى العمل لتأمين احتياجاتهم الأساسية. ولا يستطيع هؤلاء اللاجئون العثور على عمل ثابت ودائم أو بدء عمل خاص بهم بسبب الخوف من مراقبة الشرطة وعمليات التفتيش والتوقيف.
وبدأ "الله محمد حسنزي"، المقيم في إسلام آباد، ببيع الذرة، لكنه كان عملاً موسمياً فعاد إلى البطالة. وبعد ذلك تعلم، بمساعدة أحد أصدقائه، العمل في الأحجار الكريمة، لكن ضياع ممتلكات للناس تسبب له بخسارة بلغت 95 ألف روبية، كما تضررت سمعته في السوق.
وزادت حملات توقيف اللاجئين ومشكلات الوثائق والقيود المفروضة على العمل من صعوبة حياته.
وقال حسنزي: "لا أعرف إلى أي اتجاه سيمضي مستقبلي، وكل ما أعرفه أن الهجرة أصبحت مرتبطة بمصيرنا".
ولا يقتصر الأمر في بيشاور وإسلام آباد على عدد قليل من الأفغان الذين خاضوا بعد الحروب وانعدام الأمن تجربة الهجرة إلى باكستان للمرة الثانية، ويقضون الآن، للمرة الثالثة، أيامهم ولياليهم بانتظار برامج الهجرة وإعادة التوطين في دول أجنبية، أملاً في مستقبل آمن ومستقر.