حتى للاستفسار عن أسعار محصوله.
ويؤكد المزارع أن استمرار إغلاق معبر تورخم حال دون تصدير الرمان إلى باكستان، ما ألحق به خسائر مالية فادحة.
وتعكس معاناة هذا المزارع جانباً من تداعيات أزمة عطّلت التجارة بين أفغانستان وباكستان خلال العام الماضي، وامتدت آثارها من المعابر الحدودية إلى البساتين والأسواق والحياة المعيشية للأسر.
وفي 12 أكتوبر 2025، أُغلق معبر تورخم عقب اشتباكات حدودية بين حركة طالبان وباكستان، كما تعطلت الأنشطة التجارية عبر معابر سبين بولدك وغلام خان وخرلاتشي وأنغور أده.
وتشير التقديرات إلى أن متوسط حجم التبادل التجاري اليومي بين البلدين قبل اندلاع الأزمة بلغ ما لا يقل عن 6.45 مليون دولار، وهو ما يعادل أكثر من 2.3 مليار دولار على مدار عام كامل.
وبعد مرور عام، لا تزال الخلافات الأمنية تحول دون عودة العلاقات التجارية إلى طبيعتها. وخلال هذه الفترة، حوّلت أفغانستان جزءاً كبيراً من وارداتها إلى طرق تمر عبر إيران ودول آسيا الوسطى، غير أن تراجع الصادرات والانهيار الحاد في حركة العبور التجاري وارتفاع تكاليف النقل تكشف أن الاستغناء عن الطرق الباكستانية لم يكن دون تكلفة اقتصادية.
التبادل التجاري اليومي يبلغ 6.45 مليون دولار.. وأكثر من 2.3 مليار دولار سنوياً
وفقاً لتقرير صادر عن البنك الدولي، بلغت صادرات أفغانستان إلى باكستان نحو 226 مليون دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من السنة المالية 2025. وباحتساب هذه الفترة بنحو 150 يوماً، يصل متوسط الصادرات الأفغانية اليومية إلى باكستان إلى قرابة 1.5 مليون دولار.
ويشير التقرير إلى أن إجمالي واردات أفغانستان خلال الفترة نفسها بلغ نحو 5.3 مليار دولار، استحوذت باكستان على 14٪ منها، ما يعادل واردات بقيمة تقارب 742 مليون دولار، وبمتوسط يومي يبلغ 4.95 مليون دولار.
وبناءً على هذه المعطيات، يُقدَّر إجمالي التبادل التجاري المباشر بين البلدين قبل إغلاق المعابر بما لا يقل عن 6.45 مليون دولار يومياً، أي ما يقارب 2.35 مليار دولار على مدار 365 يوماً، تشمل نحو 550 مليون دولار من صادرات أفغانستان و1.8 مليار دولار من وارداتها من باكستان.
وتقتصر هذه الأرقام على التجارة المباشرة بين البلدين، ولا تشمل تجارة العبور. وعند احتساب قيمة البضائع العابرة، قد يكون حجم التجارة المتأثرة بإغلاق المعابر أعلى بكثير. فقد جرى تحويل جزء من المبادلات التجارية إلى طرق بديلة، فيما توقفت معاملات أخرى بالكامل، واستمرت بعض الأنشطة التجارية بتكاليف أعلى.
توقف حركة العبور التجاري الأفغاني عبر باكستان بالكامل
تُعد البيانات الجمركية الباكستانية من أبرز المؤشرات التي تكشف حجم التراجع في حركة العبور التجاري بين البلدين.
ففي السنة المالية 2023، بلغ عدد الحاويات التجارية الأفغانية العابرة عبر الأراضي الباكستانية 102 ألف و886 حاوية، قبل أن ينخفض إلى 54 ألفاً و114 حاوية في السنة المالية 2024، ثم إلى 42 ألفاً و959 حاوية في السنة المالية 2025.
أما في السنة المالية 2026، فلم يُسجَّل سوى 11 ألفاً و592 حاوية، بقيمة إجمالية بلغت 367 مليون دولار. وكانت هذه الحاويات التجارية قد دخلت باكستان قبل إغلاق المعابر، فيما توقف دخول حاويات تجارية جديدة من أفغانستان إلى باكستان عقب إغلاق الحدود.
وبذلك، انخفض عدد حاويات العبور التجاري بنحو 73٪ مقارنة بالسنة المالية 2025، وبنسبة 88.7٪ مقارنة بالسنة المالية 2023. ورغم أن الاتجاه المنحدر لحركة العبور بدأ قبل اندلاع الأزمة الحدودية، فإن استمرار إغلاق المعابر لفترة طويلة أدى إلى تفاقم هذا التراجع.
وسُجل انخفاض أشد حدة في صادرات أفغانستان التي كانت تعبر الأراضي الباكستانية للوصول إلى أسواق دول ثالثة. فقد تراجعت قيمة هذه الصادرات، التي كانت تُنقل عبر معبر واغاه والموانئ الباكستانية، من 454 مليون دولار في السنة المالية 2025 إلى سبعة ملايين دولار فقط في السنة المالية 2026، بانخفاض يقارب 98.5٪.
ولم تقتصر تداعيات الأزمة على تجارة باكستان المباشرة مع أفغانستان، إذ تشير بيانات نشرتها الحكومة الباكستانية إلى تراجع إجمالي التبادل التجاري بين باكستان وخمس دول في آسيا الوسطى بنسبة 50.6٪ خلال السنة المالية 2026 مقارنة بالعام السابق، من 443.7 مليون دولار إلى 219.1 مليون دولار.
وخلال الفترة نفسها، انخفضت صادرات باكستان إلى دول آسيا الوسطى بنسبة 4.1٪، فيما تراجعت وارداتها من هذه الدول بنسبة 88.3٪. ومع ذلك، يرتبط جزء من هذا الانخفاض بإغلاق المعابر الحدودية، في حين ركزت باكستان خلال هذه الفترة على تطوير طرق تجارية بديلة مع دول آسيا الوسطى.
انخفاض صادرات أفغانستان بنسبة 18٪
وفقاً لأحدث تقرير صادر عن البنك الدولي، بلغت صادرات أفغانستان في أغسطس 2026 نحو 145.6 مليون دولار، مسجلة انخفاضاً بنسبة 18٪ مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي. كما أفادت الهيئة الوطنية للإحصاء والمعلومات التابعة لحركة طالبان بتراجع الصادرات بنسبة تقارب 18٪.
وكان قطاع المواد الغذائية، الذي يشكل 68٪ من إجمالي صادرات أفغانستان، الأكثر تضرراً. فقد بلغت قيمة صادرات هذا القطاع 98.5 مليون دولار في أغسطس، لكنها سجلت انخفاضاً بنسبة 36٪ مقارنة بالعام الماضي.
وفي قطاع الفحم الحجري، تراجعت صادرات أفغانستان إلى الصفر خلال أغسطس 2026، بعدما كانت باكستان تمثل إحدى الأسواق الرئيسية لهذه السلعة خلال السنوات الماضية.
وفي المقابل، ارتفعت صادرات المنسوجات إلى 22.3 مليون دولار، محققة نمواً بنسبة 212٪ مقارنة بأغسطس من العام الماضي. ويعكس هذا التفاوت اختلاف تأثير التحولات في طرق التصدير والأسواق على السلع الأفغانية.
ولا تقتصر معاناة أصحاب البساتين على الأرقام المتعلقة بتراجع الصادرات. ففي مقطع فيديو أرسله مزارع من كابل إلى "أفغانستان إنترناشيونال"، يقول إن شح المياه أضر بمحصول التفاح، فيما أدى غياب الأسواق المناسبة إلى صعوبة تسويق المنتجات.
وأدت القيود المفروضة على التصدير إلى باكستان، وارتفاع تكاليف النقل، ونقص مستودعات التبريد ومرافق التعبئة والتغليف، إلى زيادة هشاشة قطاع المنتجات الزراعية والبستانية.
وبالنسبة إلى السلع سريعة التلف، فإن إطالة مسافات النقل قد تؤدي إلى تراجع جودة المنتجات وفقدان المشترين، وبالتالي تكبد المنتجين خسائر مباشرة.
ومع ذلك، لا يمكن إرجاع تراجع الصادرات إلى إغلاق المعابر مع باكستان وحده، إذ أسهمت الاضطرابات التي شهدتها طرق التجارة عبر إيران، وارتفاع تكاليف النقل، والقيود المفروضة على الوصول إلى الأسواق النهائية، في تفاقم هذا الوضع.
إيران وآسيا الوسطى تستحوذان على أكثر من 95٪ من طرق الواردات الأفغانية
شهدت الجغرافيا التجارية لأفغانستان خلال العام الماضي تحولاً كبيراً، يُعد من أبرز تداعيات الأزمة الحدودية مع باكستان.
فبعدما كانت باكستان أكبر وجهة للصادرات الأفغانية، فقدت هذه المكانة، ولم تعد ضمن الأسواق الرئيسية المستقبلة للمنتجات الأفغانية.
ووفقاً لتقرير البنك الدولي الصادر في أغسطس 2026، تمر 56.6٪ من واردات أفغانستان عبر إيران، مقابل 38.9٪ عبر دول آسيا الوسطى. وعلى مستوى الدول المصدرة إلى أفغانستان، تصدرت إيران قائمة موردي السلع بحصة بلغت 32.9٪ من إجمالي الواردات.
ويشير هذا التحول إلى أن أفغانستان تمكنت من تأمين جزء كبير من احتياجاتها من الواردات دون المرور بالأراضي الباكستانية، غير أن الطرق البديلة لم تعوض حتى الآن جميع المزايا الاقتصادية واللوجستية التي كانت توفرها الطرق السابقة.
ولا تزال حالة عدم اليقين الإقليمي المرتبطة بالطرق المارة عبر إيران، إلى جانب محدودية الطاقة الاستيعابية وارتفاع تكاليف النقل عبر الطرق الشمالية، تجعل التجارة الأفغانية عرضة للمخاطر.
كما أن اعتماد أكثر من 95٪ من واردات البلاد على هاتين المجموعتين من الطرق التجارية أوجد شكلاً جديداً من الاعتماد على مسارات عبور محددة.
وفي أغسطس 2026، ارتفعت واردات أفغانستان إلى نحو 1.19 مليار دولار، فيما بلغ العجز التجاري الخارجي 1.05 مليار دولار، بزيادة قدرها 8٪ مقارنة بأغسطس من العام الماضي.
وتكشف هذه الأرقام أن تغيير طرق الاستيراد لم يعالج المشكلة الهيكلية الأساسية للاقتصاد الأفغاني، المتمثلة في الاعتماد الواسع على السلع الأجنبية ومحدودية القدرة على التصدير.
التضخم يبلغ 7.6٪.. تداعيات تعطل التجارة تصل إلى الأسواق المحلية
لم تقتصر تداعيات إغلاق المعابر الحدودية على التجارة الخارجية، بل امتدت إلى الأسواق الداخلية والظروف المعيشية للسكان.
فقد أدى تحويل الواردات إلى طرق أطول وأكثر تكلفة، بما فيها الطرق الشمالية، إلى ارتفاع تكاليف توفير السلع وزيادة الأعباء المالية على المستهلكين.
ووفقاً لأحدث تقديرات البنك الدولي، بلغ معدل التضخم السنوي في أفغانستان 6.7٪ خلال أغسطس 2026، مقارنة بـ7.5٪ في يوليو. وسُجل التضخم في أسعار المواد الغذائية عند 7٪، وفي السلع غير الغذائية عند 6.4٪.
وتشير بيانات الهيئة الوطنية للإحصاء والمعلومات التابعة لحركة طالبان أيضاً إلى تصاعد الضغوط التضخمية خلال الأشهر التي أعقبت اندلاع الأزمة الحدودية.
ففي سبتمبر وأكتوبر 2025، بلغ معدل التضخم السنوي 2.9٪ على مستوى أفغانستان، و5.1٪ في كابل، قبل أن يرتفع بحلول مايو ويونيو 2026 إلى 7.6٪ على مستوى البلاد و8.6٪ في العاصمة كابل.
ومع ذلك، لم يكن إغلاق المعابر مع باكستان العامل الوحيد وراء تصاعد الضغوط التضخمية.
فقد أدت عودة نحو 6.5 مليون أفغاني من إيران وباكستان خلال الفترة الممتدة من سبتمبر 2023 إلى أغسطس 2026 إلى زيادة الطلب على المساكن والمواد الغذائية والخدمات.
كما أسهم تقلب أسعار الطاقة نتيجة الأزمة في إيران، وارتفاع تكاليف النقل عبر الطرق البديلة، في زيادة الضغوط على الأسعار.
ورغم الانخفاض النسبي لمعدل التضخم خلال الأشهر الأخيرة، فإن المستوى العام للأسعار لا يزال أعلى مما كان عليه في السابق.
وإلى جانب ذلك، أدى تراجع الأنشطة التجارية الحدودية إلى ضغوط إضافية على دخل السائقين والحمّالين والعمال والشركات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالتجارة.
تغيرت طرق التجارة.. لكن تكاليفها ارتفعت
أدى استمرار إغلاق معبر تورخم وغيره من المعابر الحدودية بين أفغانستان وباكستان لمدة عام إلى تغيير هيكل التجارة الإقليمية.
فقد خسرت باكستان جزءاً من حصتها في السوق الأفغانية ومن مكانتها بوصفها ممراً تجارياً لعبور البضائع، فيما واجهت أفغانستان تراجعاً في الصادرات وانهياراً في حركة العبور التجاري وارتفاعاً في تكاليف الوصول إلى الأسواق.
وتشير البيانات إلى أن أفغانستان تمكنت من تحويل جزء كبير من تجارتها إلى طرق تمر عبر إيران ودول آسيا الوسطى، إلا أن هذا التحول لم يعوض بالكامل المزايا التي كانت توفرها الطرق الباكستانية من حيث سرعة النقل وقصر المسافات وانخفاض التكاليف.
وأثبت عام من إغلاق المعابر أن الطرق التجارية المارة عبر باكستان، رغم توسع تجارة أفغانستان عبر إيران وآسيا الوسطى، لا يمكن الاستغناء عنها بالكامل من حيث المسافات والتكاليف والوصول إلى الأسواق، ولا سيما الوصول إلى المياه الدولية المفتوحة والسوق الهندية والأسواق الغربية.
كما أن استمرار التوتر بين حركة طالبان وباكستان لا يهدد التجارة وحركة العبور بين البلدين فحسب، بل يضع أيضاً تنفيذ المشروعات الإقليمية الكبرى وآفاق الربط الاقتصادي بين آسيا الجنوبية وآسيا الوسطى أمام تحديات جسيمة.