مسؤولة أممية: إقصاء النساء والفتيات في أفغانستان بصورة ممنهجة من الحياة العامة
قالت سيما بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن النساء والفتيات في أفغانستان يُقصَين بصورة ممنهجة من الحياة العامة ويُحرمن من الإسهام في رسم مستقبل بلادهن.
وحذّرت من أن مشاركة النساء في جهود السلام تتقلص بالتزامن مع تصاعد الحروب.
وقالت بحوث، يوم الثلاثاء، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن، إن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر للحروب والنزوح، لكنهن يُستبعدن من اتخاذ القرارات بشأن إنهاء النزاعات ومستقبل مجتمعاتهن. ووصفت الوضع في أفغانستان بأنه مثال أكثر وضوحاً على هذا الإقصاء.
وشدّدت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة على أن استبعاد النساء من المفاوضات في البلدان ليس مصادفة، بل يتجذر في العوائق المؤسسية وعلاقات القوة غير المتكافئة والتصورات القائمة على النوع الاجتماعي.
وبحسب بحوث، شكّلت النساء العام الماضي خمسة في المئة فقط من المفاوضين في ٥٧ عملية تفاوض شملتها الدراسة، بعدما كانت النسبة سابقاً سبعة في المئة. كما جرى نحو ٨٠ في المئة من المفاوضات الجارية دون مشاركة امرأة واحدة.
وأضافت أن أياً من اتفاقات وقف إطلاق النار الـ١٣ المبرمة العام الماضي لم يتضمن إشارة جوهرية إلى النساء والفتيات، ولم يحظر أي منها العنف الجنسي، في حين تضاعفت الحالات المؤكدة للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات خلال عام واحد.
وحذّرت بحوث من أن عدداً غير مسبوق يبلغ ٧٥٦ مليون امرأة وفتاة يعشن حالياً ضمن نطاق ٥٠ كيلومتراً من النزاعات المسلحة. وقالت إن التقنيات العسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي أوجدت أيضاً مخاطر جديدة تهدد حماية المدنيين والمساءلة.
وبحسب قولها، ارتفعت في بعض المناطق نسبة النساء والفتيات بين القتلى المدنيين، فيما تستهدف الهجمات مستشفياتهن ومدارسهن وأسواقهن ومنازلهن.
وقالت بحوث إن احتمال وفاة النساء بسبب مضاعفات الحمل والولادة التي يمكن الوقاية منها في المناطق المتضررة من الحروب يبلغ خمسة أمثال نظيره في المناطق المستقرة، فيما يبلغ احتمال انقطاع الفتيات عن الدراسة ضعفين ونصف الضعف. ويعيش نحو ٤٠ في المئة من النساء والفتيات اللواتي يعانين الفقر المدقع في مناطق متأثرة بالنزاعات.
وأضافت أن النساء، أثناء النزوح وتعطل الخدمات، يواجهن مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، إلى جانب رعاية الأطفال والجرحى وكبار السن.
كما حذّرت بحوث من الأزمة المالية التي تواجهها المنظمات النسائية. وبحسب دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تدهور الوضع المالي لـ٦١ في المئة من هذه المنظمات في مناطق الأزمات مقارنة بالعام السابق، فيما لا يتوفر لدى ٤٥ في المئة منها تمويل يكفي لستة أشهر.
وشدّدت على أن هذه المنظمات تؤدي دوراً حيوياً في الوساطة لتسوية الخلافات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم ضحايا العنف، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.
ودعت بحوث إلى ضمان ألا تقل نسبة مشاركة النساء في عمليات السلام عن الثلث، وتخصيص ما لا يقل عن ١٥ في المئة من المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى البلدان المتأثرة بالحروب لتعزيز المساواة بين الجنسين. وقالت إن واحداً في المئة على الأقل من هذه المساعدات يجب أن يصل إلى المنظمات النسائية.
كما طالبت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بإنهاء إفلات مرتكبي القتل والاغتصاب والاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي من العقاب، وحماية صانعات السلام والمدافعات عن حقوق الإنسان. وأكدت أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية لتقاسم السلطة وتحويل التعهدات إلى إجراءات فعلية.
حذّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من تصاعد قمع حقوق النساء والفتيات في أفغانستان، مؤكداً أنهن يواجهن قيوداً شديدة. كما شدّد على دعم المؤسسات المحلية التي تقودها النساء في البلاد.
وذكر غوتيريش، يوم الثلاثاء خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن، أفغانستان إلى جانب مالي واليمن والصومال ضمن الدول التي تواجه فيها النساء والفتيات قيوداً شديدة وقمعاً متزايداً لحقوقهن.
وقال الأمين العام للأمم المتحدة إن النساء والفتيات ما زلن يتعرضن للعنف والتمييز والإقصاء وسوء المعاملة. وأضاف أن الفتيات يُحرمن من التعليم، وهو حق أساسي لهن، فيما تتعرض السياسيات والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان للتهميش والاستهداف.
وعدّ غوتيريش دعم المؤسسات المحلية التي تقودها النساء في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وسوريا من بين جهود الأمم المتحدة للنهوض بأجندة المرأة والسلام والأمن.
وحذّر من أن تراجع التمويل فاقم أوضاع النساء والفتيات، وأجبر بعض المنظمات النسائية على وقف أنشطتها. وقال إن إغلاق العيادات والمساحات الآمنة وفقدان الدعم الإنساني الحيوي من تداعيات خفض التمويل.
وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة أنه بينما بلغ الإنفاق العسكري العالمي العام الماضي نحو ٢٫٩ تريليون دولار، لا تزال المساعدات الإنسانية تشهد تراجعاً حاداً.
ودعا الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بشأن المساعدات الإنمائية، واستئناف تمويل المنظمات الداعمة للنساء والفتيات في مناطق النزاع فوراً.
وانتقد غوتيريش الفجوة بين التعهدات والإجراءات على المستوى العالمي، قائلاً إنه بعد مرور ٢٦ عاماً على اعتماد قرار مجلس الأمن رقم ١٣٢٥، «قيل الكثير ولم يُتخذ ما يكفي من إجراءات» في كثير من الحالات.
وشدّد على أن مشاركة النساء في عمليات السلام ليست رمزية، وأن حضورهن الفعّال يزيد فرص تحقيق سلام مستدام. وقال إن المجتمعات تصبح أقوى حين تتمكن النساء والفتيات من العيش بعيداً عن الخوف والعنف.
وأوضح غوتيريش أن النساء شكّلن العام الماضي خمسة في المئة فقط من المفاوضين في ٥٧ عملية سلام، وأن أقل من خُمس اتفاقات السلام تضمّن إشارة واحدة على الأقل إلى النساء أو الفتيات أو النوع الاجتماعي أو العنف الجنسي. ووصف هذه الفجوة في تنفيذ الالتزامات بأنها «غير مقبولة».
وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بوضع أهداف وحصص ملزمة لمشاركة النساء، مؤكداً ضرورة أن تنعكس احتياجاتهن ومطالبهن في جميع المحادثات واتفاقات وقف إطلاق النار واتفاقات السلام.
وقال أيضاً إن حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات التي تحققت منها الأمم المتحدة تجاوزت العام الماضي ٩ آلاف و٧٠٠ حالة، وإن الأعداد الحقيقية أعلى بلا شك.
وحدّد غوتيريش ثلاث أولويات عاجلة، هي حضور النساء على جميع طاولات مفاوضات السلام، وزيادة التمويل، والتصدي للعنف ضد النساء والفتيات، داعياً إلى مساءلة مرتكبي العنف مساءلة كاملة.
وحثّ الدول على إدراج الالتزامات المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن في قوانينها وسياساتها الداخلية، وضمان الأمن الاقتصادي للنساء. وقال غوتيريش: «المساواة ليست حلماً، بل قرار».
أعلن برنامج الأغذية العالمي أن خدمة النقل الجوي الإنساني التابعة للأمم المتحدة نفذت أكثر من 1500 رحلة جوية في أفغانستان خلال الأشهر التسعة الماضية، ما أتاح لـ85 منظمة إنسانية إيصال المساعدات إلى المناطق النائية في البلاد.
وقال البرنامج في منشور على منصة "إكس" يوم الأربعاء، مرفق بمقطع فيديو يوثق عمليات الإغاثة في ولاية بدخشان، إن الخدمة الجوية الإنسانية التابعة للأمم المتحدة حافظت منذ بداية العام وحتى أكتوبر على شبكة رحلات منتظمة لنقل العاملين في المجال الإنساني إلى المناطق الأفغانية التي يصعب الوصول إليها. وأكدت مسؤولة الإمدادات اللوجستية في برنامج الأغذية العالمي بأفغانستان جيسيكا كوكرين، عقب زيارة إلى مدينة فيض آباد، أن الوصول براً إلى ولاية بدخشان قد يستغرق ساعات أو أياماً بسبب الطرق الجبلية الوعرة، لكن الرحلات الجوية التابعة للأمم المتحدة ساعدت في استمرار عمليات إيصال المساعدات. وخلال زيارتها للمستودع الميداني للبرنامج في مركز ولاية بدخشان، تابعت كوكرين عمليات تخزين المواد الغذائية وفحص جودتها، بما فيها الدقيق والقمح والزيوت النباتية والبقوليات. وأوضحت أن جميع الشحنات التي تصل إلى المستودع بواسطة الشاحنات تخضع للفحص والتعداد الفعلي للتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية، وضمان توزيع الحصص الغذائية المناسبة على الأسر المحتاجة بسرعة ودون هدر. وتستمر هذه العمليات في وقت حذر فيه برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الغذائية خلال الشتاء المقبل. وأظهرت بيانات مؤسسات الأمن الغذائي المنشورة في 13 أكتوبر أن نحو 15.9 مليون شخص في أفغانستان يواجهون حالياً الجوع الحاد وأوضاعاً غذائية متأزمة. وتتوقع هذه المؤسسات ارتفاع العدد إلى 19.2 مليون شخص، أي ما يعادل 38٪ من سكان أفغانستان، خلال الفترة الممتدة من أواخر نوفمبر 2026 إلى مايو 2027. ومن المتوقع أيضاً أن يصل نحو خمسة ملايين شخص إلى مرحلة الطوارئ من الجوع، وهو ضعف العدد المسجل خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري. وتعزو المنظمات الإنسانية أزمة المعيشة في أفغانستان إلى القيود التي تفرضها حركة طالبان، والبطالة والفقر الواسع وارتفاع أسعار المواد الغذائية والتراجع الكبير في المساعدات الدولية، إلى جانب الترحيل القسري للمهاجرين الأفغان من إيران وباكستان خلال العام الجاري. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، سيحتاج نحو أربعة ملايين امرأة وطفل في أفغانستان إلى علاج سوء التغذية الحاد خلال السنة الأفغانية الممتدة من مارس 2027 إلى مارس 2028. ويشكل الانخفاض الحاد في الموارد المالية تحدياً أمام قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى هذه الفئات الأكثر ضعفاً.
في عام 2019، أقنع صحفي حربي بولندي، وهو نجل وزير خارجية بولندا الأسبق، زوجته ذات الأصول الروسية بالسفر معه آلاف الكيلومترات بالسيارة إلى بلد لم يكن كثيرون يعرفونه إلا من خلال عناوين الأخبار المتعلقة بالحروب.
وأسفرت الرحلة عن تجربة غيّرت حياتهما، وألهمتهما تأليف كتاب، ونسجت صداقات ما زالت تربطهما بأفغانستان حتى اليوم. لسنوات طويلة، ظل الصحفي أندجي ميلر يروي لزوجته إلينور قصصاً عن أفغانستان. لم يكن يحدثها عن أفغانستان التي تظهر في الأخبار العاجلة والاجتماعات العسكرية وتقارير الحروب، بل عن البلد الذي عرفه خلال سنوات عمله الصحفي، بما يتمتع به من طبيعة خلابة وتاريخ عريق، وقبل كل شيء، شعب يتميز بصفات استثنائية. ويقول أندجي: "كنت أعمل صحفياً في أفغانستان، وأتيحت لي أحياناً فرصة السفر إلى مناطق مختلفة من البلاد، وقد وقعت في حب أفغانستان. وبعد سنوات، أردت أن أُري زوجتي هذا البلد الرائع والفريد من نوعه". واشترى أندجي سيارة تخييم مستعملة في وارسو، وجهز مستلزمات السفر، وانطلق برفقة إلينور في رحلة برية كانت كابل وجهتها النهائية.
رحلة إلى عالم آخر بالنسبة إلى إلينور، تشكلت صورة أفغانستان في مخيلتها قبل أن تطأ قدماها أرضها. وتقول: "كان أندجي يروي لي دائماً قصصاً عن أفغانستان. وكان يقول باستمرار إن هذا البلد وشعبه مختلفان عن أي شيء رأيته في مكان آخر، وإن عليّ أن أعيش هذه التجربة بنفسي". لكن شيئاً لم يكن كافياً لإعدادها لتجربتها الأولى مع أفغانستان. وتضيف: "كان الأمر أشبه بالدخول إلى عالم آخر. وكأنك تعبر باباً في فيلم خيالي فتجد نفسك في عالم مختلف. كان كل شيء جديداً ومختلفاً". ومن بين المشاهد الأولى التي ما زالت عالقة في ذاكرتها لحظة دخولها أفغانستان. وتقول: "أول ما أتذكره غرفة حراسة صغيرة عند معبر إسلام قلعة الحدودي في هرات. كان هناك حارس يجلس داخلها، وأردت أن أجلس بجواره. كان كل شيء مختلفاً ومثيراً لاهتمامي".
بعيداً عن عناوين الأخبار رغم أن الجبال والمواقع التاريخية والماضي العريق لأفغانستان أثرت في المسافرين، فإن أندجي يؤكد أن جوهر الرحلة الحقيقي كان الشعب الأفغاني. وتحولت الرحلة جزئياً إلى رحلة بحث عن أصدقاء قدامى وزملاء تعرف إليهم خلال سنوات عمله الصحفي في أفغانستان. ويقول: "زميلي المفضل لا يعرف القراءة ولا الكتابة. لم يكن لدي رقم هاتفه ولا عنوانه، لكنه كان إنساناً رائعاً". ولم يكن العثور عليه سهلاً، لكن أندجي يرى أن المحاولة كانت تستحق العناء. ويضيف: "لم أكن أستطيع أن أشرح لإلينور نوعية الأشخاص الذين ستلتقي بهم في أفغانستان. كان أهم جزء من هذه الرحلة بالنسبة إليّ لقاء الأشخاص الذين أدوا دوراً مهماً في حياتي". وخلال الرحلة، من هرات إلى بنجشير وباميان، استضافت عائلات أفغانية الزوجين في منازلها مرات عديدة. وبالنسبة إلى إلينور، كان التواصل مع الناس أهم جوانب الرحلة. وتقول: "كان احترام التقاليد أمراً طبيعياً تماماً بالنسبة إليّ. أردت أن أعرف كيف تشعر المرأة الأفغانية". وما زالت تتذكر ردود فعل صديقاتها الأفغانيات عندما خرجت من المنزل مرتدية الحجاب للمرة الأولى. وتقول: "كم أصبحت جميلة". وتضيف: "كان الأمر مثيراً للاهتمام بالنسبة إليّ، فعندما ارتديت الحجاب، اعتقدن أنني أبدو أكثر جمالاً".
من بنجشير إلى باميان كانت لكل ولاية أفغانية قصة مختلفة في ذاكرة الزوجين. ففي بنجشير، حلّا ضيفين على مترجم سابق، وتعرفا من خلاله إلى تفاصيل الحياة اليومية لسكان الوادي. وفي باميان، زارا موقع تمثالي بوذا العملاقين اللذين دمرتهما حركة طالبان عام 2001. وتقول إلينور: "أكثر ما أثر فيّ كان رؤية تمثالي بوذا المدمرين. كنا ننظر مراراً إلى تلك التجاويف الفارغة في قلب الجبل، وظل ذلك المشهد محفوراً في ذاكرتي إلى الأبد". وتحولت تجارب هذه الرحلة لاحقاً إلى كتاب بعنوان "رحلة برية إلى كابل"، يجمع بين المغامرة والصداقة والتاريخ والفكاهة. ويقول أندجي إن الكتاب أثار تفاعلاً عاطفياً كبيراً لدى القراء. وحظي الكتاب باهتمام في إيطاليا أيضاً، حيث لا يزال كثير من القراء الأكبر سناً يتذكرون رحلاتهم إلى أفغانستان خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي. ففي تلك الفترة، كانت أفغانستان إحدى المحطات الشهيرة على طريق "الهيبيز"، الذي كان يسلكه آلاف السياح الغربيين من أوروبا باتجاه جنوب آسيا. ويقول أندجي: "إنهم يعرفون الطريق الذي سلكناه. كانت ردود الفعل مذهلة حقاً".
عندما سقطت أفغانستان لم تنته علاقة أندجي وإلينور بأفغانستان بعد عودتهما إلى أوروبا. ففي صيف عام 2021، ومع التقدم السريع لقوات حركة طالبان، توصل أندجي إلى قناعة بأن الدولة الأفغانية ستسقط. وقبل أسابيع من سقوط كابل، بدأ جمع التبرعات لمساعدة أصدقائه الأفغان. ويقول: "عندما سقطت الدولة، تضاعفت التبرعات فجأة مرات عديدة. كان الناس يرسلون الأموال كل دقيقة". في البداية، استُخدمت هذه الأموال لتوفير الوثائق اللازمة أو نقل الأشخاص إلى الدول المجاورة، لكن أنشطته توسعت تدريجياً. وطلب منه بعض أصدقائه في الدولة البولندية المساعدة في عمليات إجلاء الأفغان. ولأشهر طويلة، لم يتوقف هاتفه عن الرنين. ويقول: "كنت أتلقى الرسائل ليلاً ونهاراً. وكان الأفغان يحصلون على رقم هاتفي من خلال أصدقائهم ومعارفهم". ويقدر أندجي أنه ساعد عشرات الأشخاص على مغادرة أفغانستان أو النجاة من ظروف خطيرة. ومن بين الحالات التي تعامل معها ستة مهندسين أفغان متخصصين في تكنولوجيا المعلومات، علقوا قرب الحدود بين بولندا وبيلاروسيا. وبدأت القصة عندما تلقى رسالة في منتصف الليل من أحد أصدقائه الأفغان في هرات. وجاء في الرسالة: "اسمع يا أندجي، هناك ستة مهندسين في تكنولوجيا المعلومات بالقرب من منزلك. هل يمكنك معرفة ما حدث لهم؟". وكان الشبان الستة عالقين آنذاك على الجانب البيلاروسي من الحدود. ويقول أندجي إنه أمضى عدة أيام في محاولة مساعدتهم، ونجح في نهاية المطاف في حشد دعم بعض السياسيين والصحفيين البولنديين. ويضيف: "بعد جهود كثيرة، تمكنا أخيراً من إنقاذهم. وهم يعيشون اليوم بأمان في ألمانيا". وكان لإلينور أيضاً دور نشط في هذه الجهود. فقد شاركت في تنسيق المساعدات للاجئين الأفغان في بولندا، وحافظت على تواصلها مع نساء أفغانيات تعرفت إليهن خلال رحلتها. وكانت إحدى صديقاتها ترفض مغادرة أفغانستان لأنها لم تكن تستطيع ترك عائلتها وحدها. وبعد سنوات، تمكنت المرأة نفسها أخيراً من الوصول إلى أوروبا برفقة زوجها. وتقول إلينور مبتسمة: "هذا أيضاً جزء من قصتنا".
أبعد من روايات المؤثرين بعد خمس سنوات من تلك الرحلة البرية، ما زالت أفغانستان جزءاً من حياة الزوجين. ويواصل أندجي متابعة التطورات في أفغانستان، ويحافظ على التواصل مع أصدقائه الأفغان كلما استطاع. ويأمل أن يعود يوماً إلى البلاد، رغم ما يرافق هذا القرار من تردد ومخاوف. ويقول: "أشتاق إلى أفغانستان. أخشى قليلاً العودة إليها، لكنني أريد أن أعود". وأكثر ما يزعجه الآن موجة مقاطع الفيديو التي ينشرها بعض المؤثرين وصناع المحتوى الغربيين على مواقع التواصل الاجتماعي عن أفغانستان. ويرى أن كثيراً من هذه المقاطع يقدم أفغانستان باعتبارها مجرد وجهة سياحية غريبة وجذابة، متجاهلاً واقعها المعقد وتاريخها. ويقول: "بصراحة، أغلق هذه المقاطع عندما أشاهدها. ربما بدأت أتقدم في السن، لكنها تزعجني حقاً. كل ما تراه في هذه الفيديوهات أشخاص يركبون الدراجات الهوائية أو يصافحون عناصر طالبان. نعم، ربما أصبح السفر في بعض المناطق أكثر أماناً اليوم مما كان عليه سابقاً، لكن هذا ليس سوى جزء من قصة أفغانستان". ويؤكد أندجي أنه يرغب هو أيضاً في اصطحاب مجموعة من السياح البولنديين إلى أفغانستان يوماً ما، لكن ليس بهدف تكرار تلك الصور السطحية. ويقول: "أريد أن يتعرف الناس إلى تاريخ أفغانستان. ما نراه اليوم ليس سوى فصل قصير من تاريخ هذا البلد، ولا أحد يعرف كيف ستكون نهايته". وبالنسبة إليه، فإن أفغانستان أكبر بكثير من الصورة التي تقدمها مقاطع الفيديو القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي. فهي بلد يجمع بين الجمال والمعاناة والمقاومة والتاريخ، ولا يمكن اختزال قصته في بضعة مقاطع مصورة. أفغانستان في منزل ببولندا عندما سأل طاهر قادري، صحفي "أفغانستان إنترناشيونال"، إلينور عما تتذكره أكثر من رحلتها، تراوحت إجابتها بين اللغة والطعام. فهي ما زالت تتذكر محاولاتها تعلم كلمات من اللغة الدرية، وتروي ضاحكة كيف كانت كل كلمة جديدة تمثل مغامرة صغيرة بالنسبة إليها. وتركت الأطعمة الأفغانية أيضاً أثراً لا يُنسى في ذاكرتها. وتقول: "كل شيء أكلته في أفغانستان كان ألذ بمئتي مرة من أي طعام تذوقته من قبل". لكن ربما كان أهم ما احتفظ به الزوجان من أفغانستان شيئاً يصعب وصفه بالكلمات. فلم تكن الجبال أو المواقع التاريخية أو حتى الرحلة الطويلة من وارسو إلى كابل، بل دفء الناس وطيبتهم التي لمسها الزوجان خلال سفرهما. كانت الرحلة تهدف في الأصل إلى تعريف إلينور بأفغانستان، لكنها انتهت بأن أصبحت أفغانستان جزءاً من حياة الزوجين معاً. من الصداقات التي نشأت في هرات وباميان، إلى العلم الأفغاني الذي يرفرف فوق منزلهما في بولندا، ظلت الروابط التي جمعتهما بالبلاد حاضرة رغم مرور السنوات. وإذا عادا يوماً إلى أفغانستان، فقد يُكتب فصل جديد من هذه القصة، أو ربما تكون هناك، كما تقول إلينور، "أفغانستان أخرى" تنتظر الاكتشاف.
أدى إغلاق طرق العبور مع باكستان إلى ركود سوق الرمان في قندهار. ويقول المزارعون والتجار إن تراجع الصادرات أدى إلى انخفاض أسعار الرمان، فيما يخشى كثير من المنتجين ألا يتمكنوا حتى من تغطية تكاليف عام كامل من العمل.
يقول أصحاب البساتين في مديريات أرغنداب وزهري وشاه ولي كوت في قندهار إن موسم حصاد الرمان، الذي عادةً ما يكون أكثر فترات العام ازدهاراً بالنسبة إليهم، اقترن هذا العام بالخسائر، وإن عائدات بيع المحصول لا تغطي تكاليف العناية بالبساتين طوال عام كامل.
وقال سلام جان، أحد أصحاب البساتين في أرغنداب، لأفغانستان إنترناشيونال، إنه أمضى سنوات في رعاية بستانه، لكن انخفاض أسعار الرمان ألحق به الآن خسائر مالية. وأضاف: «عملت في هذا البستان طوال العام، والأشجار لا تثمر إلا مرة واحدة في السنة، لكنني الآن لا أستطيع حتى تغطية تكاليفي».
انخفاض أسعار الرمان بنسبة ٤٠ في المئة
بحسب التجار وأصحاب البساتين، أدى إغلاق طرق العبور مع باكستان وغياب مسارات بديلة للتصدير إلى تضييق سوق رمان قندهار بشدة.
ويقولون إن سعر كل «مَنّ» من الرمان، أي ما يعادل نحو خمسة كيلوغرامات، انخفض من ٥٠٠ أفغاني إلى ٣٠٠ أفغاني؛ أي بتراجع يقارب ٤٠ في المئة.
ويأتي هذا الانخفاض في الأسعار بعدما ظل رمان قندهار لسنوات أحد أشهر المنتجات التصديرية الأفغانية، وكان الجزء الأكبر منه يُصدَّر عبر باكستان إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
«٨٠ في المئة من محصول الرمان بقي داخل البلاد»
يقول التجار إن نحو ١٠ في المئة فقط من رمان قندهار صُدِّر إلى الخارج هذا العام، فيما بقي قرابة ٨٠ في المئة منه في السوق المحلية. وبحسب قولهم، فإن تقييد الصادرات عبر باكستان صعّب أيضاً الوصول إلى أسواق كانت سابقاً من أبرز المشترين لرمان قندهار.
وقال حاجي نظر محمد، أحد مصدّري الرمان، إنه استأجر بساتين العام الماضي لجني محصولها، لكنه تكبد خسائر فادحة بسبب صعوبات التصدير. ولم يستأجر هذا العام أي بستان، كما لم يشترِ الرمان. وأضاف: «حين لا يوجد طريق للتصدير، إلى أين نأخذ المحصول ولمن نبيعه؟».
ويقول شفيع الله، وهو تاجر فواكه آخر في قندهار، إنه لم يتصور يوماً أن يُباع رمان قندهار بمثل هذه الأسعار المتدنية. وأضاف أن إغلاق الطرق التجارية ألحق خسائر بأصحاب البساتين والتجار، وكذلك بإدارة طالبان.
أصحاب البساتين يفكرون في قطع الأشجار
يقول أصحاب البساتين إن العناية ببساتين الرمان تتطلب نفقات باهظة. فالري والتسميد ورعاية الأشجار ومكافحة الأمراض، كلها أعمال تُنجز قبل الحصاد، بينما تعتمد العائدات النهائية على أوضاع السوق والتصدير.
ويقول غل محمد، وهو صاحب بستان آخر في أرغنداب، إنه تكبد خسائر لعامين متتاليين. ويحذر من أنه إذا بقيت الأسعار عند المستوى نفسه العام المقبل، فقد يقطع أشجار الرمان ويزرع القمح بدلاً منها.
تراجع الإنتاج إلى جانب أزمة السوق
تفاقمت مشكلات السوق في وقت أثّر فيه الجفاف والأمراض النباتية أيضاً على بساتين الرمان في قندهار.
وبحسب معلومات مديرية الزراعة التابعة لطالبان في قندهار، انخفض إنتاج الرمان هذا العام بنسبة تتراوح بين ٢٠ و٣٠ في المئة مقارنة بالعام الماضي، فيما يواجه نحو ٣٠ في المئة من البساتين مشكلات مختلفة.
يقول أصحاب البساتين في قندهار إن موجات الجفاف المتتالية وانخفاض منسوب المياه الجوفية وجفاف قنوات الري الجوفية التقليدية باتت تهدد مئات الجريبات من بساتين الرمان بالاندثار، وأجبرت بعض الأسر على قطع أشجار بساتينها ومغادرة مناطق سكنها.
وقدّرت المديرية إنتاج الرمان في قندهار هذا العام بنحو ٢٢٠ ألف طن، مقابل نحو ٢٧٥ ألف طن أُعلن عنها لعام ٢٠٢٥. وبذلك، انخفض الإنتاج بنحو ٥٥ ألف طن مقارنة بالعام الماضي.
كما حذر مسؤولو طالبان المحليون من أن ما يصل إلى ٣٠ في المئة من أشجار الرمان في مديرية أرغستان معرضة للجفاف.
المسارات البديلة لا تزال غير كافية
رداً على القيود المفروضة على التصدير عبر باكستان، حاول عدد من التجار تصدير رمان قندهار إلى روسيا والهند وقطر وبعض دول آسيا الوسطى. لكن التجار يقولون إن هذه الصادرات المحدودة لا يمكن أن تعوّض مسارات التصدير التقليدية والواسعة التي كانت متاحة سابقاً.
وكان مسؤولون في غرفة التجارة والاستثمار بقندهار ومديرية الزراعة التابعة لطالبان قد أعلنوا أن نحو ٢٣ ألف طن من رمان قندهار صُدِّرت إلى الأسواق العالمية في مارس ٢٠٢٦. ومع ذلك، يقول التجار إن هذا الحجم من الصادرات لا يزال غير كافٍ لتلبية احتياجات السوق، وإن وتيرة التصدير لم تكن مستقرة.
وقال عبد الباقي بينا، نائب رئيس غرفة التجارة والاستثمار بقندهار، لأفغانستان إنترناشيونال، إن إغلاق مسارات التصدير حال دون وصول التجار إلى الأسواق الخارجية، رغم جودة محصول هذا العام وكمياته المناسبة. ويعدّ إغلاق معبري تشمن وسبين بولدك، إلى جانب الاضطرابات على طريق إسلام قلعة، من الأسباب الرئيسية لانخفاض الأسعار.
وبحسب قوله، يعمل في قندهار مصنعان لتصنيع الرمان، يحوّلان جزءاً من المحصول إلى عصير ودبس الرمان، لكن طاقتهما الإنتاجية لا تكفي لاستيعاب المحصول بأكمله.
ويطالب التجار وأصحاب البساتين طالبان بإيجاد مسارات بديلة ومستدامة لتصدير الرمان، واتخاذ خطوات عملية للوصول إلى أسواق خارجية جديدة. ويقولون إن الأزمة الحالية قد تشكل تهديداً خطيراً لمستقبل أحد أهم محاصيل البساتين في أفغانستان، ما لم يتوفر مسار منتظم وموثوق للتصدير.
يعاني سكان ثماني مناطق في مديريتي كيتي وخدير بولاية دايكندي منذ سنوات ضعف خدمات الإنترنت التي لا تزال تقتصر على الجيل الثاني. وقال سكان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إنهم يضطرون إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام وتسلق الجبال
لساعات للوصول إلى أماكن يمكنهم فيها الاتصال بالإنترنت. وفي المناطق الواقعة على الحدود بين مديريتي كيتي وخدير، ظلت خدمات الاتصالات لسنوات عند مستويات متدنية للغاية. ففي منطقة كومي، لا يعمل سوى برج اتصالات واحد تابع لشركة "روشن"، ويتعين عليه توفير خدمات الاتصال لثماني مناطق مكتظة بالسكان على الأقل، رغم الطبيعة الجبلية للمنطقة. وقال السكان إن خدمات الإنترنت التي يوفرها البرج لا تزال محصورة في شبكة الجيل الثاني (2G) منذ سنوات، وهي شبكة لا تكفي حتى لإرسال رسالة صوتية بسيطة أو تحميل صفحات الإنترنت الأساسية. وبسبب التضاريس الوعرة وضعف تغطية الشبكة، يضطر السكان إلى مغادرة منازلهم وصعود التلال بحثاً عن إشارة للاتصال. وقال أحد سكان المنطقة لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "تبلغ المسافة من المنزل إلى المكان الذي يمكن فيه التقاط إشارة ضعيفة ومتقطعة للإنترنت نحو 500 متر عبر طريق جبلي، لكن سكان القرى الأبعد يضطرون إلى المشي ساعتين إلى ثلاث ساعات على الأقل للوصول إلى نطاق تغطية برج الاتصالات".
ارتفاع الأسعار والفقر يزيدان معاناة السكان لا تقتصر أزمة الاتصالات في مديرية كيتي على ضعف الإنترنت، بل تتفاقم بسبب غياب الكهرباء الحكومية وانتشار الفقر. وتعتمد المنازل في هذه المناطق الجبلية على الطاقة الشمسية، ما يجعل شحن الهواتف أمراً صعباً خلال الأيام الغائمة والأمطار وبرد الشتاء، ويؤدي إلى انقطاع وسائل الاتصال عن العائلات. وفي ظل غياب شبكات اتصالات مستقرة، انتشرت خدمات بيع الإنترنت اللاسلكي (واي فاي) بأسعار مرتفعة. ووفقاً للسكان، يبيع مزودو الخدمة المحليون كل غيغابايت من الإنترنت مقابل 30 أفغانياً، أي نحو 46 سنتاً أميركياً، فيما تصل تكلفة الاشتراك الشهري إلى نحو 400 أفغاني، أي قرابة 6 دولارات. وتشكل هذه المبالغ عبئاً على معظم سكان القرى والعائلات التي تعتمد على العمل اليومي. وقال سكان وشباب المنطقة إنهم طالبوا مسؤولي حركة طالبان وشركات الاتصالات مراراً بتطوير برج كومي، نظراً إلى الكثافة السكانية في المناطق الثماني التي يخدمها، لكنهم لم يتلقوا أي استجابة حتى الآن. وتواصل صحفي في "أفغانستان إنترناشيونال" مع شركة "روشن" للاستفسار عن ضعف الإنترنت وتردي جودة الخدمات وتهالك المعدات في بعض قرى المديريتين، لكنه لم يتلق رداً حتى نشر التقرير. وفي المقابل، تعلن شركات الاتصالات عن توسيع خدمات الجيل الرابع (4G) في مراكز المدن. وكانت هيئة تنظيم خدمات الاتصالات الأفغانية (أترا) قد أطلقت خلال السنوات الماضية مشاريع لتطوير شبكات الاتصالات في المناطق الريفية بتمويل من صندوق تنمية خدمات الاتصالات. غير أن سكان كيتي يقولون إن المناطق المحرومة في دايكندي لم تستفد إلا بقدر ضئيل من هذه المشاريع، ولا تزال خدمات الاتصال الأساسية والإنترنت بعيدة عن متناولهم.