بل كانت أحياناً أماكن للاجتماع والتعليم واتخاذ القرارات وتسيير بعض الشؤون العامة.
وقد ظهر المسجد في المجتمع الإسلامي بوصفه مكاناً مقدساً ضمن هذا المسار التاريخي. ففي صدر الإسلام، حين لم تكن كثير من المؤسسات التعليمية والإدارية والاجتماعية المعروفة اليوم قد نشأت بعد، كان المسجد، إلى جانب إقامة الصلاة، فضاءً لممارسة بعض الأنشطة العامة. غير أن هذا الدور شهد تحولات عبر التاريخ، متأثراً بعلاقات السلطة والخلافات المذهبية والتغيرات الثقافية وتبدّل احتياجات المجتمع، فاكتسب في بعض المراحل وظائف وأبعاداً مختلفة.
وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن «عمارة المساجد»، وهو تعبير لا يقتصر في الفهم الديني على تشييد المباني، بل يرتبط كذلك بارتياد المساجد والعبادة وأداء الواجبات الدينية. ومع ذلك، فقد أصبح بناء المساجد وتزيينها في بعض المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في عصرنا الحاضر، يحظى باهتمام بالغ، إلى درجة تراجعت معها الأسئلة المتعلقة بالحاجة الفعلية إلى المسجد، ووظيفته الاجتماعية، وطبيعة الرسائل التي تُبثّ من منبره. وتسعى هذه المقالة إلى مناقشة هذه القضايا في سياقها التاريخي، مع التركيز على واقع أفغانستان.
من مسجد التقوى إلى مسجد الضرار:
يشير القرآن الكريم نفسه إلى إمكانية اضطلاع المسجد بوظيفتين متناقضتين. ففي الآيات من 107 إلى 110 من سورة التوبة، يعرض نموذجين مختلفين للمسجد: أحدهما أُسّس على التقوى، والآخر أُقيم بقصد الإضرار. وتذكر الروايات التاريخية أن النبي محمد أمر بهدم مسجد أُنشئ لتحقيق أغراض ضارة. وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تُظهر أن بناءً يحمل اسم المسجد قد يُشيَّد حتى في المرحلة الأولى من الإسلام، بينما تكون الغاية من إنشائه بعيدة عن العبادة والتقوى.
وعليه، فإن النظر إلى المسألة من منظور المصادر الإسلامية يقود إلى نتيجة مفادها أن مجرد إطلاق اسم «المسجد» على بناء ما لا يكفي لإثبات مشروعيته الدينية والأخلاقية. بل ينبغي التساؤل عمّن شيّده، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، والآثار التي تترتب على أنشطته في المجتمع. فقد يُبنى مسجد، لكنه يتحول في الواقع إلى وسيلة لإثارة العداوات، أو تأجيج الانقسامات، أو ممارسة القمع، أو تحقيق أهداف سياسية.
ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في أفغانستان اليوم: إذا تحوّل مسجد، بدلاً من أن يكون مكاناً للعبادة والسكينة، إلى مركز للدعاية السياسية أو التحريض المذهبي أو مراقبة المواطنين، فهل يجوز اعتباره مؤسسة مقدسة فوق النقد لمجرد أنه يحمل صفة دينية؟
المسجد وعلاقات السلطة في التاريخ الإسلامي:
في عهد الخلفاء الأوائل، كان المسجد في كثير من المدن الإسلامية مكاناً لممارسة أنشطة متعددة. فقد كان الحكام والولاة يحضرون إليه، ويلقون الخطب، ويعلنون فيه بعض القرارات والشؤون العامة. ولم تكن قد تشكّلت آنذاك في المجتمع الإسلامي مؤسسة دينية مستقلة ذات بنية إدارية وتسلسل هرمي واضح، على غرار المؤسسات الدينية المعروفة في العصور اللاحقة.
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واشتداد المنافسات السياسية، أصبح المسجد جزءاً من صراعات السلطة. ففي العصر الأموي، تحولت خطبة الجمعة إلى إحدى وسائل إعلان الولاء السياسي وترسيخ سلطة الحكم. ولم يعد المنبر مكاناً للحديث عن شؤون العبادة وحدها، بل استُخدم أيضاً لتأييد الحكام، وأحياناً لمهاجمة خصومهم. ويُظهر سلوك بعض الولاة، مثل الحجاج بن يوسف في العراق، كيف استطاعت السلطة السياسية أن تلقي بظلالها على المجال الديني في المجتمع.
وفي مواجهة هذا الاتجاه، سعى بعض العلماء والتيارات الدينية إلى الحفاظ على استقلالهم. وابتداءً من القرن الثاني الهجري، ومع اتساع الحلقات العلمية وتزايد نفوذ العلماء، تحولت مساجد عديدة إلى مراكز للتعليم والنشاط العلمي، ولم تكن جميعها خاضعة مباشرة للسلطة الحاكمة. وقد مارس أبو حنيفة في الكوفة ومالك بن أنس في المدينة، وهما من مؤسسي المذاهب الفقهية المعروفة، نشاطهما العلمي في مثل هذه البيئات. وفي تلك المراحل، أصبحت المساجد في المدن الكبرى مراكز لتدريس العلوم الدينية وغيرها من المعارف السائدة. بل إن مصطلح «الجامعة» المستخدم اليوم في العربية للدلالة على مؤسسة التعليم العالي يرتبط بذلك التقليد التاريخي، على نحو يشبه ارتباط التعليم بالكنيسة في أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث كان التعليم أحياناً خاضعاً لهيمنتها شبه الحصرية.
ومع تصاعد الخلافات السياسية والمذهبية في التاريخ الإسلامي، اقتربت بعض المساجد من تيارات بعينها. ففي مراحل مختلفة، أنشأ الشيعة والخوارج وأتباع المذاهب الفقهية وغيرهم من الجماعات أماكن دينية خاصة بهم، أو اجتمعوا في فضاءات محددة وفقاً لظروفهم الاجتماعية والسياسية. وإلى جانب المسجد، انتشرت مؤسسات دينية أخرى، مثل الخانقاه والزوايا والتكايا والحسينيات والجماعتخانات والمصليات. وقد تعددت أسباب ظهور هذه المراكز، إلا أن جانباً من هذا التطور ارتبط بالخلافات المذهبية، والاحتياجات الشعائرية، والقيود التي واجهتها بعض الجماعات في الوصول إلى أماكن العبادة المشتركة. وهكذا، لا يمكن دراسة تاريخ المسجد بمعزل عن تاريخ التنافس السياسي والمذهبي في المجتمعات الإسلامية.
التحولات الاجتماعية وتراجع الوظائف التقليدية للمسجد:
في المجتمعات القديمة، كانت أنشطة كثيرة تُمارَس في دور العبادة أو في محيطها، بينما تتولاها اليوم مؤسسات مستقلة ومتخصصة. ومن بين تلك الأنشطة التعليم، والاجتماعات العامة، وتسوية بعض النزاعات، وإدارة عدد من الشؤون الاجتماعية. ومع تطور المجتمعات واتساع نطاق المعرفة وظهور المؤسسات المتخصصة، بدأت هذه الوظائف تنفصل تدريجياً عن أماكن العبادة. فتولّت المدارس والجامعات مسؤولية التعليم، ونشأت المؤسسات القضائية والإدارية لإدارة الشؤون العامة، وتوسعت المراكز العلمية والبحثية في أنشطتها المتخصصة.
وفي أوروبا، جرى انفصال التعليم عن المؤسسات الكنسية عبر عملية تاريخية طويلة بدأت قبل الثورة الصناعية. أما في المجتمعات الإسلامية، فقد انتقل جزء كبير من وظائف التعليم التقليدي في المساجد إلى مؤسسات مستقلة مع دخول العصر الحديث. واستمر تعليم القرآن والعلوم الدينية في كثير من المساجد، لكن المسجد لم يعد قادراً على أداء ذلك الطيف الواسع من الوظائف العلمية والاجتماعية الذي اضطلع به في الماضي. وكان هذا التحول نتيجة طبيعية لازدياد تعقيد الحياة الاجتماعية وتنوع مؤسساتها. غير أن تراجع بعض الوظائف التقليدية للمسجد لم يؤدِّ إلى تراجع أهميته بالنسبة إلى القوى السياسية. بل على العكس، جعلت المكانة الدينية للمسجد وصلته المباشرة بالناس منه مؤسسة جذابة للحكومات والجماعات الأيديولوجية.
الإسلام السياسي والتنافس على السيطرة على المسجد:
خلال القرن العشرين، ولا سيما في أجواء الصراعات الأيديولوجية التي شهدتها الحرب الباردة، أولت تيارات سياسية مختلفة اهتماماً متزايداً بالمسجد بوصفه وسيلة لتوسيع نفوذها في المجتمعات الإسلامية. وقد أدركت حركات الإسلام السياسي أن المسجد يتمتع، بخلاف مؤسسات كثيرة أخرى، بشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية وبمكانة دينية راسخة. فإمام المسجد يتواصل بصورة منتظمة مع مجموعة من الناس، ويمكن للمنبر أن ينقل الرسائل السياسية في قالب من الخطاب الديني. ولهذا سعت بعض التيارات إلى استمالة الأئمة والخطباء، بينما اتجهت تيارات أخرى إلى إنشاء مساجد مرتبطة بتوجهاتها الفكرية والتنظيمية.
وفي شبه القارة الهندية وباكستان، تحولت بعض المساجد التابعة للتيارات الديوبندية والبريلوية وأهل الحديث والشيعية وغيرها إلى معاقل للمواجهة والصراع الطائفي، فتراجع دورها الروحي أمام هذه الانقسامات. ويشهد العالم العربي، بدرجات متفاوتة، ظواهر مشابهة. ولم تكن أفغانستان بعيدة عن هذا المسار؛ إذ أثّرت الحروب المتواصلة خلال العقود الماضية، وانتشار الجماعات الجهادية، ونفوذ التيارات الدينية الإقليمية، والتنافسات السياسية، في وظائف بعض المساجد. وفي مثل هذه الظروف، يتحول المسجد أحياناً من مكان مفتوح للعبادة العامة إلى قاعدة لنشاط تيار بعينه. وبدلاً من أن يجد المصلّي فضاءً روحياً هادئاً يتفرغ فيه للعبادة، يجد نفسه أمام دعاية سياسية وتصنيفات مذهبية وخطابات تصنع عداوات وهمية.
ويتخذ التوظيف السياسي للمسجد شكلين رئيسيين: فقد تستخدمه جماعات معارضة لتعبئة الناس ضد السلطة الحاكمة، وقد تسعى الحكومات نفسها إلى السيطرة على المنابر والأئمة لترسيخ نفوذها. وفي الحالتين، يصبح المسجد أداة لخدمة أهداف سياسية.
طالبان وتوظيف المسجد في السيطرة على المجتمع:
في أفغانستان الخاضعة لحكم طالبان، تبدو محاولات وضع المسجد في خدمة جهاز السلطة واضحة. فحكومة طالبان لا تسعى إلى التأثير في الأنشطة الدينية فحسب، بل تحاول أيضاً التحكم في مضمون الرسائل التي تُنقل إلى الناس عبر المنابر. وتصدر وزارة الإرشاد والحج والأوقاف التابعة لطالبان موضوعات ونصوصاً لخطب الجمعة. ولا تقتصر هذه الموضوعات على المسائل التعبدية، بل تشمل قضايا مرتبطة بسياسات الحكومة، وطاعة الحاكم، والتفسير الرسمي الذي تتبناه طالبان للمسائل الاجتماعية. وعندما تتولى الحكومة تحديد موضوعات الخطب، وتدفع الخطباء إلى ترديد الرسائل التي ترغب في نشرها، فإن المنبر يقترب من التحول من فضاء ديني إلى أداة للدعاية الحكومية.
ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فإن توظيف بعض أئمة المساجد لأغراض استخباراتية، والاستفادة من الشبكات الدينية لمراقبة المجتمع، يمثلان أيضاً خطراً جدياً قد ينشأ عن هذا المسار. فالمسجد الذي يُفترض أن يكون مكاناً للطمأنينة والثقة، يمكن أن يتحول في مثل هذه الظروف إلى فضاء يشعر فيه المواطنون بأنهم تحت المراقبة، ويفقدون فيه الإحساس بالأمان. وإذا أصبح إمام المسجد، بدلاً من الاهتمام بالاحتياجات الروحية والاجتماعية للمصلين، مكلفاً بنقل رسائل الحكومة أو جمع المعلومات عن الناس، فإن دوره يتغير جذرياً، وتتراجع الثقة التي اعتاد المواطنون منحها للمسجد. وتلجأ الحكومات، ولا سيما تلك التي تؤسس شرعيتها على تفسير خاص للدين، إلى استثمار المكانة الدينية للمسجد في تثبيت سلطتها. وفي هذا السياق، قد يُصوَّر الاعتراض على سياسات الحكومة كما لو كان اعتراضاً على الدين نفسه. وهذه واحدة من أخطر نتائج امتزاج المنبر بالسلطة السياسية.
لماذا تُبنى المساجد؟
ليست الدوافع وراء بناء المساجد واحدة في جميع الحالات. فكثير من الناس يساهمون في تشييدها انطلاقاً من إيمانهم الديني ورغبتهم في توفير أماكن للعبادة. غير أن جميع مشاريع بناء المساجد لا يمكن تفسيرها بالإيمان وحسن النية وحدهما. فقد يصبح بناء المسجد أحياناً وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية. ويرغب بعض الأفراد في تخليد أسمائهم بوصفهم مؤسسين لمسجد، أو في تعزيز نفوذهم الديني والاجتماعي من خلال ذلك. وفي الظروف التي تدعم فيها الحكومة الأنشطة الدينية، قد يتحول بناء المسجد أيضاً إلى وسيلة للتقرب من أصحاب السلطة. أما في المجتمعات التي يسودها الخوف والضغط السياسي، فقد تؤثر دوافع الحذر والحسابات المصلحية في سلوك الأفراد. ومن ثم، فإن ازدياد عدد المساجد لا يشكل بالضرورة دليلاً على ازدياد الإيمان أو تعمق الروحانية في المجتمع. ولتقييم القيمة الحقيقية لهذه الأنشطة، ينبغي النظر في الاحتياجات التي تلبيها، والموارد التي تُنفق عليها، والجهات التي تستفيد منها.
النزعة إلى الترف والمباهاة في بناء المساجد
من الظواهر اللافتة للنظر انتشار موضة بناء المساجد الفخمة والمترفة. وتتضمن المصادر الإسلامية روايات تحذّر من المبالغة والإسراف في زخرفة المساجد وتزيينها. وتكتسب هذه الروايات أهمية خاصة بالنسبة إلى من يعتقدون أن تشييد المساجد الفاخرة يمثل في حد ذاته خدمة عظيمة للدين. فقد ورد في سنن أبي داود، الحديث رقم 448، عن النبي محمد قوله: "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". أي إنه لم يُؤمر بالمبالغة في تشييد المساجد وإقامة الأبنية الفخمة لها. وجاء في تتمة الرواية قول ابن عباس:«لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى». أي إن المسلمين سيُقبلون على زخرفة مساجدهم كما زخرف اليهود والنصارى دور عبادتهم. وفي حديث آخر، يرويه أنس بن مالك، ورد عن النبي: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ." (سنن أبي داود، الحديث رقم 449).) وفي رواية أخرى ورد:«يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَلَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا».
وقد رُويت هذه العبارة في صحيح ابن خزيمة وبعض المصادر الأخرى، وهي تشير إلى التفاخر بأبنية المساجد مع ضعف الاهتمام بعمارتها المعنوية. وعلى الرغم من اختلاف هذه الروايات في ألفاظها ومراتبها الحديثية، فإنها تثير سؤالاً مشتركاً: إذا أصبحت مباني المساجد أكثر فخامة يوماً بعد يوم، بينما تراجعت فيها العبادة والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، فما الذي جرت عمارته بالفعل؟ وفي صحيح البخاري أيضاً، في باب «بنيان المسجد»، ورد عن عمر بن الخطاب أنه قال عند إعادة بناء المسجد:«أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ». أي وفّر للناس ما يحميهم من المطر، واحذر المبالغة في تزيين المسجد بالألوان بما يشغلهم ويفتنهم. ويُظهر هذا القول أن توفير مأوى مناسب للمصلين كان، حتى في نظر أحد أوائل الخلفاء المسلمين، أولى من الإنفاق الباهظ على الزخارف والمظاهر الجمالية.
وهنا يمكن توجيه سؤال إلى الذين يعتبرون تشييد المساجد الفاخرة من أعظم أعمال البر: إذا كانت المصادر الدينية المعتبرة تتضمن مثل هذه التحذيرات، فكيف يمكن تبرير التنافس في إقامة القباب المكلفة والمآذن الشاهقة والزخارف الباهظة من دون مراعاة الاحتياجات الفعلية للناس؟
الحرمان الواسع ومسألة الأولويات في أفغانستان:
تُعد أفغانستان من أفقر بلدان المنطقة، ويواجه قطاع واسع من سكانها البطالة وضعف الدخل والحرمان من التعليم والمشكلات الصحية وغياب الخدمات الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، يثير إنفاق موارد مالية ضخمة على تشييد مساجد جديدة تساؤلات جدية، ولا سيما في المناطق التي تتوافر فيها مساجد كافية.
فقبل الشروع في بناء أي مسجد، ينبغي التساؤل: هل يحتاج السكان إليه بالفعل؟ وهل تعجز المساجد القائمة عن استيعاب المصلين؟ وهل يواجه الناس نقصاً حقيقياً في أماكن أداء العبادة؟ أم أن الدافع الأساسي يتمثل في التنافس على تشييد مبانٍ أكبر واكتساب المكانة الاجتماعية؟ ففي المنطقة نفسها، قد يكون هناك أطفال محرومون من المدارس، ومرضى لا يستطيعون الوصول إلى المراكز الصحية، وأسر عاجزة عن توفير الغذاء، وشباب تدفعهم البطالة واليأس إلى الإدمان. فلماذا ينبغي، في مثل هذه الظروف، إعطاء الأولوية لبناء مسجد جديد على حساب معالجة هذه الاحتياجات؟ وإذا كان الهدف من التبرع المالي هو فعل الخير وابتغاء مرضاة الله، فهل تقل قيمة علاج مريض، أو تعليم طفل، أو توفير فرصة عمل لشاب، أو إنقاذ أسرة من الفقر، عن قيمة بناء مسجد؟
وينبغي توجيه هذا السؤال بصورة خاصة إلى الذين يقدمون على بناء المساجد بدوافع دينية. فالقرآن الكريم يؤكد مراراً أهمية مساعدة المحتاجين ورعاية الأيتام والإنفاق في وجوه الخير وتجنب الإسراف. وفي سورة الماعون، يوجّه القرآن نقداً شديداً إلى الذين يهملون الأيتام والمساكين، ويجعلون من عبادتهم وسيلة للرياء والتظاهر بالتدين. وإذا كانت هذه التعاليم تحظى بمكانة معتبرة لدى المؤمنين، فلماذا يُفضَّل في حالات كثيرة تشييد المباني الدينية على تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة؟ ومن هذا المنطلق، لا توجد ضرورة تفرض تخصيص جميع الموارد الخيرية لبناء المساجد أو المدارس الدينية. فالمجتمع يحتاج إلى المدارس والمستشفيات ومراكز علاج الإدمان وخدمات الصحة النفسية ورعاية الأيتام والأسر الفقيرة ومياه الشرب وفرص العمل. وهناك آلاف السبل لمساعدة البشر، يمكن أن تنسجم تماماً مع المعتقدات الدينية للمتبرعين والمحسنين.
فالقضية ليست معارضة بناء المساجد، بل الاعتراض على تشييدها من دون دراسة الحاجة الفعلية إليها، ومن دون مراعاة أولويات المجتمع، وهي ممارسة تنطوي على مؤشرات مقلقة تستحق المناقشة.
المسجد وإنتاج الانقسامات المذهبية:
من المشكلات الخطيرة الأخرى المرتبطة بالمساجد في بعض المجتمعات الإسلامية، استخدام المنابر لتوسيع الخلافات المذهبية والسياسية. ففي بعض المساجد، يُخصَّص جانب كبير من الخطب، بدلاً من معالجة القضايا الأخلاقية واحتياجات الناس، للهجوم على الجماعات والتيارات الأخرى. وقد تتفاقم الخلافات بين الشيعة والسنة، والحنفية والسلفية، والصوفية وأتباع التيار البنجپيري، والإخوانيين والعلمانيين، وغيرها من الاتجاهات، بفعل الخطابات التي تُلقى من بعض المنابر.
وفي مثل هذه الأجواء، يتحول المسجد من مكان للسكينة والتضامن الاجتماعي إلى مركز لرسم الحدود بين الجماعات وصناعة الخصومات والعداوات. وعندما يصبح المسجد منبراً لنشر الكراهية الدينية أو المذهبية أو العرقية أو السياسية، ويُستخدم لإهانة الآخرين والتحريض على العداء وتبرير العنف، فإن جمال مبناه وضخامة تكاليف تشييده لا يستطيعان إضفاء المشروعية الأخلاقية على هذه الممارسات. فمثل هذا الدور يتعارض مع الفلسفة الأساسية للمسجد بوصفه مكاناً للعبادة والارتقاء الروحي.
المسجد وحقوق الناس والمسؤولية الاجتماعية:
لا يحتاج المجتمع إلى أماكن العبادة وحدها. فالناس يحتاجون أيضاً إلى الأمن والحرية والتعليم والعلاج والعمل والطمأنينة النفسية واحترام كرامتهم الإنسانية. ولا تستطيع أي حكومة أن تعوّض حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية عن طريق بناء المساجد أو تكثيف الأنشطة الدينية الرسمية. كما لا يجوز لأي تيار ديني أن يتخذ من التوسع في بناء المساجد ذريعة للتنصل من مسؤوليته تجاه الفقر والتمييز ومعاناة البشر. وإذا أصبح المسجد مكاناً للإشادة بسياسات الحكومة، بينما يسود الصمت تجاه حرمان الناس ومعاناتهم، فمن المشروع التساؤل: في خدمة مَن تعمل هذه المؤسسة؟ وإذا أمضى خطيب المسجد ساعات في مناقشة المسائل الفقهية الخلافية، لكنه تجاهل الأطفال المحرومين من التعليم، والمرضى الذين لا يجدون العلاج، والأسر التي تعاني الفقر، فمن حق المجتمع أن يتساءل عن علاقة هذا الخطاب بالمسؤولية الأخلاقية. وإذا شُيّد مسجد بتكاليف باهظة، بينما يفتقر سكان المنطقة نفسها إلى أبسط مقومات الحياة، فلا بد من التساؤل عما إذا كانت موارد المجتمع قد استُخدمت على الوجه الصحيح. وهذه الأسئلة لا تعبّر عن معارضة للدين، ولا عن إنكار لحق الناس في العبادة. بل إنها، على العكس، تضع المؤمنين أمام المعايير التي يؤمنون بها أنفسهم، من عدالة وإحسان وتكافل اجتماعي وتجنب للإسراف.
كلمة أخيرة:
إن المسار الذي تشهده أفغانستان اليوم، والذي تشجعه السلطة الحاكمة، يدفع باتجاه ترسيخ نمط من التدين الاستعراضي، المشوب بالنزعة الطائفية والمرتبط بالأهداف السياسية. وقد يؤدي هذا النهج، في ظاهره، إلى زيادة المظاهر الدينية التي يغلب عليها الرياء والتظاهر بالتقوى، لكنه لا يستطيع بالضرورة الإسهام في الارتقاء بالأخلاق، أو تعميق الروحانية، أو تنمية الإنسان نفسياً وروحياً. ولهذا لا تزال مشاعر الحقد والغضب ونزعات العنف تجد لها أرضية خصبة في هذا المجتمع، كما تظل احتمالات اندلاع حروب وصراعات واسعة النطاق قائمة. فالمساجد ودور العبادة، حين تُدار وفق هذا المنطق، لا تؤدي دوراً يُذكر في تحقيق المقاصد الدينية التي تدعو إلى التقارب بين البشر وترسيخ روح الأخوة والمساواة بينهم.
ومن هذه الزاوية، تبدو بعض المجتمعات العلمانية أكثر نجاحاً بدرجات كبيرة في تحقيق هذه الغايات الإنسانية. فيمكن ملاحظة مستويات أفضل من التعايش السلمي بين المواطنين في بلدان مثل دول إسكندنافيا واليابان وكندا وأستراليا وغيرها. وفي المقابل، لا تزال مجتمعات إسلامية كثيرة تعاني انقسامات عميقة على أسس قومية ولغوية وعرقية ومذهبية وسياسية، وهي انقسامات تُبقي نيران الكراهية والعداء مشتعلة. ولم تنجح الزيادة في أعداد المساجد ودور العبادة في إخماد هذه العصبيات أو تخفيف حدة تلك الصراعات، بل تحولت بعض هذه المؤسسات أحياناً إلى طرف يضيف المزيد من الحطب إلى نار الفتنة. وإذا تحوّل بناء المساجد، في مثل هذه الظروف، إلى سباق للمباهاة والتنافس، فقد ترجح آثامه، من المنظور الديني نفسه، على ما يُرجى منه من ثواب.