• پښتو
  • فارسی
  • English
BrandBrand
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • المظهر
  • اللغة
    • پښتو
    • فارسی
    • English
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
جميع الحقوق محفوظة، يُسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

المسجد في أفغانستان: منارة للروحانية أم منبر للسلطة؟

محمد محق
محمد محق

الکاتب الافغانی والباحث فی شئون الجماعات الدینیة

28 أكتوبر 2026، 22:03 غرينتش+0

منذ عصور موغلة في القدم، خصّص البشر، وفقاً لمعتقداتهم واحتياجاتهم وظروف حياتهم الاجتماعية، أماكن للعبادة وإقامة الشعائر الدينية. ولم يقتصر دور المعابد ودور العبادة في المجتمعات المختلفة على أداء الطقوس الدينية،

بل كانت أحياناً أماكن للاجتماع والتعليم واتخاذ القرارات وتسيير بعض الشؤون العامة.

وقد ظهر المسجد في المجتمع الإسلامي بوصفه مكاناً مقدساً ضمن هذا المسار التاريخي. ففي صدر الإسلام، حين لم تكن كثير من المؤسسات التعليمية والإدارية والاجتماعية المعروفة اليوم قد نشأت بعد، كان المسجد، إلى جانب إقامة الصلاة، فضاءً لممارسة بعض الأنشطة العامة. غير أن هذا الدور شهد تحولات عبر التاريخ، متأثراً بعلاقات السلطة والخلافات المذهبية والتغيرات الثقافية وتبدّل احتياجات المجتمع، فاكتسب في بعض المراحل وظائف وأبعاداً مختلفة.

وقد ورد في القرآن الكريم الحديث عن «عمارة المساجد»، وهو تعبير لا يقتصر في الفهم الديني على تشييد المباني، بل يرتبط كذلك بارتياد المساجد والعبادة وأداء الواجبات الدينية. ومع ذلك، فقد أصبح بناء المساجد وتزيينها في بعض المجتمعات الإسلامية، ولا سيما في عصرنا الحاضر، يحظى باهتمام بالغ، إلى درجة تراجعت معها الأسئلة المتعلقة بالحاجة الفعلية إلى المسجد، ووظيفته الاجتماعية، وطبيعة الرسائل التي تُبثّ من منبره. وتسعى هذه المقالة إلى مناقشة هذه القضايا في سياقها التاريخي، مع التركيز على واقع أفغانستان.

من مسجد التقوى إلى مسجد الضرار:

يشير القرآن الكريم نفسه إلى إمكانية اضطلاع المسجد بوظيفتين متناقضتين. ففي الآيات من 107 إلى 110 من سورة التوبة، يعرض نموذجين مختلفين للمسجد: أحدهما أُسّس على التقوى، والآخر أُقيم بقصد الإضرار. وتذكر الروايات التاريخية أن النبي محمد أمر بهدم مسجد أُنشئ لتحقيق أغراض ضارة. وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تُظهر أن بناءً يحمل اسم المسجد قد يُشيَّد حتى في المرحلة الأولى من الإسلام، بينما تكون الغاية من إنشائه بعيدة عن العبادة والتقوى.

وعليه، فإن النظر إلى المسألة من منظور المصادر الإسلامية يقود إلى نتيجة مفادها أن مجرد إطلاق اسم «المسجد» على بناء ما لا يكفي لإثبات مشروعيته الدينية والأخلاقية. بل ينبغي التساؤل عمّن شيّده، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، والآثار التي تترتب على أنشطته في المجتمع. فقد يُبنى مسجد، لكنه يتحول في الواقع إلى وسيلة لإثارة العداوات، أو تأجيج الانقسامات، أو ممارسة القمع، أو تحقيق أهداف سياسية.

ويكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في أفغانستان اليوم: إذا تحوّل مسجد، بدلاً من أن يكون مكاناً للعبادة والسكينة، إلى مركز للدعاية السياسية أو التحريض المذهبي أو مراقبة المواطنين، فهل يجوز اعتباره مؤسسة مقدسة فوق النقد لمجرد أنه يحمل صفة دينية؟

المسجد وعلاقات السلطة في التاريخ الإسلامي:

في عهد الخلفاء الأوائل، كان المسجد في كثير من المدن الإسلامية مكاناً لممارسة أنشطة متعددة. فقد كان الحكام والولاة يحضرون إليه، ويلقون الخطب، ويعلنون فيه بعض القرارات والشؤون العامة. ولم تكن قد تشكّلت آنذاك في المجتمع الإسلامي مؤسسة دينية مستقلة ذات بنية إدارية وتسلسل هرمي واضح، على غرار المؤسسات الدينية المعروفة في العصور اللاحقة.

ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية واشتداد المنافسات السياسية، أصبح المسجد جزءاً من صراعات السلطة. ففي العصر الأموي، تحولت خطبة الجمعة إلى إحدى وسائل إعلان الولاء السياسي وترسيخ سلطة الحكم. ولم يعد المنبر مكاناً للحديث عن شؤون العبادة وحدها، بل استُخدم أيضاً لتأييد الحكام، وأحياناً لمهاجمة خصومهم. ويُظهر سلوك بعض الولاة، مثل الحجاج بن يوسف في العراق، كيف استطاعت السلطة السياسية أن تلقي بظلالها على المجال الديني في المجتمع.

وفي مواجهة هذا الاتجاه، سعى بعض العلماء والتيارات الدينية إلى الحفاظ على استقلالهم. وابتداءً من القرن الثاني الهجري، ومع اتساع الحلقات العلمية وتزايد نفوذ العلماء، تحولت مساجد عديدة إلى مراكز للتعليم والنشاط العلمي، ولم تكن جميعها خاضعة مباشرة للسلطة الحاكمة. وقد مارس أبو حنيفة في الكوفة ومالك بن أنس في المدينة، وهما من مؤسسي المذاهب الفقهية المعروفة، نشاطهما العلمي في مثل هذه البيئات. وفي تلك المراحل، أصبحت المساجد في المدن الكبرى مراكز لتدريس العلوم الدينية وغيرها من المعارف السائدة. بل إن مصطلح «الجامعة» المستخدم اليوم في العربية للدلالة على مؤسسة التعليم العالي يرتبط بذلك التقليد التاريخي، على نحو يشبه ارتباط التعليم بالكنيسة في أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث كان التعليم أحياناً خاضعاً لهيمنتها شبه الحصرية.

ومع تصاعد الخلافات السياسية والمذهبية في التاريخ الإسلامي، اقتربت بعض المساجد من تيارات بعينها. ففي مراحل مختلفة، أنشأ الشيعة والخوارج وأتباع المذاهب الفقهية وغيرهم من الجماعات أماكن دينية خاصة بهم، أو اجتمعوا في فضاءات محددة وفقاً لظروفهم الاجتماعية والسياسية. وإلى جانب المسجد، انتشرت مؤسسات دينية أخرى، مثل الخانقاه والزوايا والتكايا والحسينيات والجماعتخانات والمصليات. وقد تعددت أسباب ظهور هذه المراكز، إلا أن جانباً من هذا التطور ارتبط بالخلافات المذهبية، والاحتياجات الشعائرية، والقيود التي واجهتها بعض الجماعات في الوصول إلى أماكن العبادة المشتركة. وهكذا، لا يمكن دراسة تاريخ المسجد بمعزل عن تاريخ التنافس السياسي والمذهبي في المجتمعات الإسلامية.

التحولات الاجتماعية وتراجع الوظائف التقليدية للمسجد:

في المجتمعات القديمة، كانت أنشطة كثيرة تُمارَس في دور العبادة أو في محيطها، بينما تتولاها اليوم مؤسسات مستقلة ومتخصصة. ومن بين تلك الأنشطة التعليم، والاجتماعات العامة، وتسوية بعض النزاعات، وإدارة عدد من الشؤون الاجتماعية. ومع تطور المجتمعات واتساع نطاق المعرفة وظهور المؤسسات المتخصصة، بدأت هذه الوظائف تنفصل تدريجياً عن أماكن العبادة. فتولّت المدارس والجامعات مسؤولية التعليم، ونشأت المؤسسات القضائية والإدارية لإدارة الشؤون العامة، وتوسعت المراكز العلمية والبحثية في أنشطتها المتخصصة.

وفي أوروبا، جرى انفصال التعليم عن المؤسسات الكنسية عبر عملية تاريخية طويلة بدأت قبل الثورة الصناعية. أما في المجتمعات الإسلامية، فقد انتقل جزء كبير من وظائف التعليم التقليدي في المساجد إلى مؤسسات مستقلة مع دخول العصر الحديث. واستمر تعليم القرآن والعلوم الدينية في كثير من المساجد، لكن المسجد لم يعد قادراً على أداء ذلك الطيف الواسع من الوظائف العلمية والاجتماعية الذي اضطلع به في الماضي. وكان هذا التحول نتيجة طبيعية لازدياد تعقيد الحياة الاجتماعية وتنوع مؤسساتها. غير أن تراجع بعض الوظائف التقليدية للمسجد لم يؤدِّ إلى تراجع أهميته بالنسبة إلى القوى السياسية. بل على العكس، جعلت المكانة الدينية للمسجد وصلته المباشرة بالناس منه مؤسسة جذابة للحكومات والجماعات الأيديولوجية.

الإسلام السياسي والتنافس على السيطرة على المسجد:

خلال القرن العشرين، ولا سيما في أجواء الصراعات الأيديولوجية التي شهدتها الحرب الباردة، أولت تيارات سياسية مختلفة اهتماماً متزايداً بالمسجد بوصفه وسيلة لتوسيع نفوذها في المجتمعات الإسلامية. وقد أدركت حركات الإسلام السياسي أن المسجد يتمتع، بخلاف مؤسسات كثيرة أخرى، بشبكة واسعة من العلاقات الاجتماعية وبمكانة دينية راسخة. فإمام المسجد يتواصل بصورة منتظمة مع مجموعة من الناس، ويمكن للمنبر أن ينقل الرسائل السياسية في قالب من الخطاب الديني. ولهذا سعت بعض التيارات إلى استمالة الأئمة والخطباء، بينما اتجهت تيارات أخرى إلى إنشاء مساجد مرتبطة بتوجهاتها الفكرية والتنظيمية.

وفي شبه القارة الهندية وباكستان، تحولت بعض المساجد التابعة للتيارات الديوبندية والبريلوية وأهل الحديث والشيعية وغيرها إلى معاقل للمواجهة والصراع الطائفي، فتراجع دورها الروحي أمام هذه الانقسامات. ويشهد العالم العربي، بدرجات متفاوتة، ظواهر مشابهة. ولم تكن أفغانستان بعيدة عن هذا المسار؛ إذ أثّرت الحروب المتواصلة خلال العقود الماضية، وانتشار الجماعات الجهادية، ونفوذ التيارات الدينية الإقليمية، والتنافسات السياسية، في وظائف بعض المساجد. وفي مثل هذه الظروف، يتحول المسجد أحياناً من مكان مفتوح للعبادة العامة إلى قاعدة لنشاط تيار بعينه. وبدلاً من أن يجد المصلّي فضاءً روحياً هادئاً يتفرغ فيه للعبادة، يجد نفسه أمام دعاية سياسية وتصنيفات مذهبية وخطابات تصنع عداوات وهمية.

ويتخذ التوظيف السياسي للمسجد شكلين رئيسيين: فقد تستخدمه جماعات معارضة لتعبئة الناس ضد السلطة الحاكمة، وقد تسعى الحكومات نفسها إلى السيطرة على المنابر والأئمة لترسيخ نفوذها. وفي الحالتين، يصبح المسجد أداة لخدمة أهداف سياسية.

طالبان وتوظيف المسجد في السيطرة على المجتمع:

في أفغانستان الخاضعة لحكم طالبان، تبدو محاولات وضع المسجد في خدمة جهاز السلطة واضحة. فحكومة طالبان لا تسعى إلى التأثير في الأنشطة الدينية فحسب، بل تحاول أيضاً التحكم في مضمون الرسائل التي تُنقل إلى الناس عبر المنابر. وتصدر وزارة الإرشاد والحج والأوقاف التابعة لطالبان موضوعات ونصوصاً لخطب الجمعة. ولا تقتصر هذه الموضوعات على المسائل التعبدية، بل تشمل قضايا مرتبطة بسياسات الحكومة، وطاعة الحاكم، والتفسير الرسمي الذي تتبناه طالبان للمسائل الاجتماعية. وعندما تتولى الحكومة تحديد موضوعات الخطب، وتدفع الخطباء إلى ترديد الرسائل التي ترغب في نشرها، فإن المنبر يقترب من التحول من فضاء ديني إلى أداة للدعاية الحكومية.

ولا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، فإن توظيف بعض أئمة المساجد لأغراض استخباراتية، والاستفادة من الشبكات الدينية لمراقبة المجتمع، يمثلان أيضاً خطراً جدياً قد ينشأ عن هذا المسار. فالمسجد الذي يُفترض أن يكون مكاناً للطمأنينة والثقة، يمكن أن يتحول في مثل هذه الظروف إلى فضاء يشعر فيه المواطنون بأنهم تحت المراقبة، ويفقدون فيه الإحساس بالأمان. وإذا أصبح إمام المسجد، بدلاً من الاهتمام بالاحتياجات الروحية والاجتماعية للمصلين، مكلفاً بنقل رسائل الحكومة أو جمع المعلومات عن الناس، فإن دوره يتغير جذرياً، وتتراجع الثقة التي اعتاد المواطنون منحها للمسجد. وتلجأ الحكومات، ولا سيما تلك التي تؤسس شرعيتها على تفسير خاص للدين، إلى استثمار المكانة الدينية للمسجد في تثبيت سلطتها. وفي هذا السياق، قد يُصوَّر الاعتراض على سياسات الحكومة كما لو كان اعتراضاً على الدين نفسه. وهذه واحدة من أخطر نتائج امتزاج المنبر بالسلطة السياسية.

لماذا تُبنى المساجد؟

ليست الدوافع وراء بناء المساجد واحدة في جميع الحالات. فكثير من الناس يساهمون في تشييدها انطلاقاً من إيمانهم الديني ورغبتهم في توفير أماكن للعبادة. غير أن جميع مشاريع بناء المساجد لا يمكن تفسيرها بالإيمان وحسن النية وحدهما. فقد يصبح بناء المسجد أحياناً وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية. ويرغب بعض الأفراد في تخليد أسمائهم بوصفهم مؤسسين لمسجد، أو في تعزيز نفوذهم الديني والاجتماعي من خلال ذلك. وفي الظروف التي تدعم فيها الحكومة الأنشطة الدينية، قد يتحول بناء المسجد أيضاً إلى وسيلة للتقرب من أصحاب السلطة. أما في المجتمعات التي يسودها الخوف والضغط السياسي، فقد تؤثر دوافع الحذر والحسابات المصلحية في سلوك الأفراد. ومن ثم، فإن ازدياد عدد المساجد لا يشكل بالضرورة دليلاً على ازدياد الإيمان أو تعمق الروحانية في المجتمع. ولتقييم القيمة الحقيقية لهذه الأنشطة، ينبغي النظر في الاحتياجات التي تلبيها، والموارد التي تُنفق عليها، والجهات التي تستفيد منها.

النزعة إلى الترف والمباهاة في بناء المساجد

من الظواهر اللافتة للنظر انتشار موضة بناء المساجد الفخمة والمترفة. وتتضمن المصادر الإسلامية روايات تحذّر من المبالغة والإسراف في زخرفة المساجد وتزيينها. وتكتسب هذه الروايات أهمية خاصة بالنسبة إلى من يعتقدون أن تشييد المساجد الفاخرة يمثل في حد ذاته خدمة عظيمة للدين. فقد ورد في سنن أبي داود، الحديث رقم 448، عن النبي محمد قوله: "مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ". أي إنه لم يُؤمر بالمبالغة في تشييد المساجد وإقامة الأبنية الفخمة لها. وجاء في تتمة الرواية قول ابن عباس:«لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى». أي إن المسلمين سيُقبلون على زخرفة مساجدهم كما زخرف اليهود والنصارى دور عبادتهم. وفي حديث آخر، يرويه أنس بن مالك، ورد عن النبي: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ." (سنن أبي داود، الحديث رقم 449).) وفي رواية أخرى ورد:«يَتَبَاهَوْنَ بِالْمَسَاجِدِ وَلَا يَعْمُرُونَهَا إِلَّا قَلِيلًا».

وقد رُويت هذه العبارة في صحيح ابن خزيمة وبعض المصادر الأخرى، وهي تشير إلى التفاخر بأبنية المساجد مع ضعف الاهتمام بعمارتها المعنوية. وعلى الرغم من اختلاف هذه الروايات في ألفاظها ومراتبها الحديثية، فإنها تثير سؤالاً مشتركاً: إذا أصبحت مباني المساجد أكثر فخامة يوماً بعد يوم، بينما تراجعت فيها العبادة والأخلاق والمسؤولية الاجتماعية، فما الذي جرت عمارته بالفعل؟ وفي صحيح البخاري أيضاً، في باب «بنيان المسجد»، ورد عن عمر بن الخطاب أنه قال عند إعادة بناء المسجد:«أَكِنَّ النَّاسَ مِنَ الْمَطَرِ، وَإِيَّاكَ أَنْ تُحَمِّرَ أَوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ». أي وفّر للناس ما يحميهم من المطر، واحذر المبالغة في تزيين المسجد بالألوان بما يشغلهم ويفتنهم. ويُظهر هذا القول أن توفير مأوى مناسب للمصلين كان، حتى في نظر أحد أوائل الخلفاء المسلمين، أولى من الإنفاق الباهظ على الزخارف والمظاهر الجمالية.

وهنا يمكن توجيه سؤال إلى الذين يعتبرون تشييد المساجد الفاخرة من أعظم أعمال البر: إذا كانت المصادر الدينية المعتبرة تتضمن مثل هذه التحذيرات، فكيف يمكن تبرير التنافس في إقامة القباب المكلفة والمآذن الشاهقة والزخارف الباهظة من دون مراعاة الاحتياجات الفعلية للناس؟

الحرمان الواسع ومسألة الأولويات في أفغانستان:

تُعد أفغانستان من أفقر بلدان المنطقة، ويواجه قطاع واسع من سكانها البطالة وضعف الدخل والحرمان من التعليم والمشكلات الصحية وغياب الخدمات الأساسية. وفي ظل هذه الظروف، يثير إنفاق موارد مالية ضخمة على تشييد مساجد جديدة تساؤلات جدية، ولا سيما في المناطق التي تتوافر فيها مساجد كافية.

فقبل الشروع في بناء أي مسجد، ينبغي التساؤل: هل يحتاج السكان إليه بالفعل؟ وهل تعجز المساجد القائمة عن استيعاب المصلين؟ وهل يواجه الناس نقصاً حقيقياً في أماكن أداء العبادة؟ أم أن الدافع الأساسي يتمثل في التنافس على تشييد مبانٍ أكبر واكتساب المكانة الاجتماعية؟ ففي المنطقة نفسها، قد يكون هناك أطفال محرومون من المدارس، ومرضى لا يستطيعون الوصول إلى المراكز الصحية، وأسر عاجزة عن توفير الغذاء، وشباب تدفعهم البطالة واليأس إلى الإدمان. فلماذا ينبغي، في مثل هذه الظروف، إعطاء الأولوية لبناء مسجد جديد على حساب معالجة هذه الاحتياجات؟ وإذا كان الهدف من التبرع المالي هو فعل الخير وابتغاء مرضاة الله، فهل تقل قيمة علاج مريض، أو تعليم طفل، أو توفير فرصة عمل لشاب، أو إنقاذ أسرة من الفقر، عن قيمة بناء مسجد؟

وينبغي توجيه هذا السؤال بصورة خاصة إلى الذين يقدمون على بناء المساجد بدوافع دينية. فالقرآن الكريم يؤكد مراراً أهمية مساعدة المحتاجين ورعاية الأيتام والإنفاق في وجوه الخير وتجنب الإسراف. وفي سورة الماعون، يوجّه القرآن نقداً شديداً إلى الذين يهملون الأيتام والمساكين، ويجعلون من عبادتهم وسيلة للرياء والتظاهر بالتدين. وإذا كانت هذه التعاليم تحظى بمكانة معتبرة لدى المؤمنين، فلماذا يُفضَّل في حالات كثيرة تشييد المباني الدينية على تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة؟ ومن هذا المنطلق، لا توجد ضرورة تفرض تخصيص جميع الموارد الخيرية لبناء المساجد أو المدارس الدينية. فالمجتمع يحتاج إلى المدارس والمستشفيات ومراكز علاج الإدمان وخدمات الصحة النفسية ورعاية الأيتام والأسر الفقيرة ومياه الشرب وفرص العمل. وهناك آلاف السبل لمساعدة البشر، يمكن أن تنسجم تماماً مع المعتقدات الدينية للمتبرعين والمحسنين.

فالقضية ليست معارضة بناء المساجد، بل الاعتراض على تشييدها من دون دراسة الحاجة الفعلية إليها، ومن دون مراعاة أولويات المجتمع، وهي ممارسة تنطوي على مؤشرات مقلقة تستحق المناقشة.

المسجد وإنتاج الانقسامات المذهبية:

من المشكلات الخطيرة الأخرى المرتبطة بالمساجد في بعض المجتمعات الإسلامية، استخدام المنابر لتوسيع الخلافات المذهبية والسياسية. ففي بعض المساجد، يُخصَّص جانب كبير من الخطب، بدلاً من معالجة القضايا الأخلاقية واحتياجات الناس، للهجوم على الجماعات والتيارات الأخرى. وقد تتفاقم الخلافات بين الشيعة والسنة، والحنفية والسلفية، والصوفية وأتباع التيار البنجپيري، والإخوانيين والعلمانيين، وغيرها من الاتجاهات، بفعل الخطابات التي تُلقى من بعض المنابر.

وفي مثل هذه الأجواء، يتحول المسجد من مكان للسكينة والتضامن الاجتماعي إلى مركز لرسم الحدود بين الجماعات وصناعة الخصومات والعداوات. وعندما يصبح المسجد منبراً لنشر الكراهية الدينية أو المذهبية أو العرقية أو السياسية، ويُستخدم لإهانة الآخرين والتحريض على العداء وتبرير العنف، فإن جمال مبناه وضخامة تكاليف تشييده لا يستطيعان إضفاء المشروعية الأخلاقية على هذه الممارسات. فمثل هذا الدور يتعارض مع الفلسفة الأساسية للمسجد بوصفه مكاناً للعبادة والارتقاء الروحي.

المسجد وحقوق الناس والمسؤولية الاجتماعية:

لا يحتاج المجتمع إلى أماكن العبادة وحدها. فالناس يحتاجون أيضاً إلى الأمن والحرية والتعليم والعلاج والعمل والطمأنينة النفسية واحترام كرامتهم الإنسانية. ولا تستطيع أي حكومة أن تعوّض حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية عن طريق بناء المساجد أو تكثيف الأنشطة الدينية الرسمية. كما لا يجوز لأي تيار ديني أن يتخذ من التوسع في بناء المساجد ذريعة للتنصل من مسؤوليته تجاه الفقر والتمييز ومعاناة البشر. وإذا أصبح المسجد مكاناً للإشادة بسياسات الحكومة، بينما يسود الصمت تجاه حرمان الناس ومعاناتهم، فمن المشروع التساؤل: في خدمة مَن تعمل هذه المؤسسة؟ وإذا أمضى خطيب المسجد ساعات في مناقشة المسائل الفقهية الخلافية، لكنه تجاهل الأطفال المحرومين من التعليم، والمرضى الذين لا يجدون العلاج، والأسر التي تعاني الفقر، فمن حق المجتمع أن يتساءل عن علاقة هذا الخطاب بالمسؤولية الأخلاقية. وإذا شُيّد مسجد بتكاليف باهظة، بينما يفتقر سكان المنطقة نفسها إلى أبسط مقومات الحياة، فلا بد من التساؤل عما إذا كانت موارد المجتمع قد استُخدمت على الوجه الصحيح. وهذه الأسئلة لا تعبّر عن معارضة للدين، ولا عن إنكار لحق الناس في العبادة. بل إنها، على العكس، تضع المؤمنين أمام المعايير التي يؤمنون بها أنفسهم، من عدالة وإحسان وتكافل اجتماعي وتجنب للإسراف.

كلمة أخيرة:

إن المسار الذي تشهده أفغانستان اليوم، والذي تشجعه السلطة الحاكمة، يدفع باتجاه ترسيخ نمط من التدين الاستعراضي، المشوب بالنزعة الطائفية والمرتبط بالأهداف السياسية. وقد يؤدي هذا النهج، في ظاهره، إلى زيادة المظاهر الدينية التي يغلب عليها الرياء والتظاهر بالتقوى، لكنه لا يستطيع بالضرورة الإسهام في الارتقاء بالأخلاق، أو تعميق الروحانية، أو تنمية الإنسان نفسياً وروحياً. ولهذا لا تزال مشاعر الحقد والغضب ونزعات العنف تجد لها أرضية خصبة في هذا المجتمع، كما تظل احتمالات اندلاع حروب وصراعات واسعة النطاق قائمة. فالمساجد ودور العبادة، حين تُدار وفق هذا المنطق، لا تؤدي دوراً يُذكر في تحقيق المقاصد الدينية التي تدعو إلى التقارب بين البشر وترسيخ روح الأخوة والمساواة بينهم.

ومن هذه الزاوية، تبدو بعض المجتمعات العلمانية أكثر نجاحاً بدرجات كبيرة في تحقيق هذه الغايات الإنسانية. فيمكن ملاحظة مستويات أفضل من التعايش السلمي بين المواطنين في بلدان مثل دول إسكندنافيا واليابان وكندا وأستراليا وغيرها. وفي المقابل، لا تزال مجتمعات إسلامية كثيرة تعاني انقسامات عميقة على أسس قومية ولغوية وعرقية ومذهبية وسياسية، وهي انقسامات تُبقي نيران الكراهية والعداء مشتعلة. ولم تنجح الزيادة في أعداد المساجد ودور العبادة في إخماد هذه العصبيات أو تخفيف حدة تلك الصراعات، بل تحولت بعض هذه المؤسسات أحياناً إلى طرف يضيف المزيد من الحطب إلى نار الفتنة. وإذا تحوّل بناء المساجد، في مثل هذه الظروف، إلى سباق للمباهاة والتنافس، فقد ترجح آثامه، من المنظور الديني نفسه، على ما يُرجى منه من ثواب.

اختيارات المحرر

  • أربع نساء أفغانيات ومسيرتهن السياسية في أفغانستان

    أربع نساء أفغانيات ومسيرتهن السياسية في أفغانستان

  • من جذور العنف في المجتمعات الإسلامية: السلفية على مفترق طرق بين العقيدة والإيمان

    من جذور العنف في المجتمعات الإسلامية: السلفية على مفترق طرق بين العقيدة والإيمان

  • الأفغان في "سجن جغرافي": قيود التأشيرات تغلق طرق السفر القانونية أمامهم تباعاً

    الأفغان في "سجن جغرافي": قيود التأشيرات تغلق طرق السفر القانونية أمامهم تباعاً

  • لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه
    خاص

    لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه

  • بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"
    خاص

    بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"

•
•
•

المقالات ذات الصلة

أطباء: طالبان حظرت عمليات زراعة القرنية

28 أكتوبر 2026، 19:30 غرينتش+0
100%

حرمت إدارة طالبان، بحظرها عمليات زراعة القرنية، مئات المرضى في أفغانستان من علاج قد يعيد إليهم البصر. ويقول أطباء إن هذا القرار أوقف برنامجاً جديداً أُطلق لتوفير العلاج المجاني للمرضى المحتاجين في البلاد.

وقال عدد من الأطباء والمرضى لصحيفة «تلغراف» البريطانية إن سلطات طالبان أمرت الأطباء بوقف عمليات زراعة القرنية، باعتبارها مخالفة للتعاليم الإسلامية.

والقرنية هي الطبقة الشفافة في مقدمة العين التي يمر الضوء عبرها. وقد يؤدي تضررها أو تعتّمها إلى تراجع شديد في القدرة على الإبصار أو إلى العمى. وفي بعض الحالات، يمكن لزراعة القرنية أن تحسّن بصر المريض أو تعيده إليه.

وقال الدكتور نور زمان هاشم، وهو اسم مستعار لطبيب في مستشفى نور للعيون بكابل، لصحيفة «تلغراف» إن أطباء المستشفى أجروا ٩٠ عملية زراعة قرنية خلال الأشهر الأخيرة، لكنهم اضطروا إلى وقف البرنامج بعد صدور أمر شفهي من طالبان.

وبحسب قوله، لا يزال عدد المرضى المنتظرين لزراعة القرنية في تزايد. ومعظم هؤلاء من الشباب الذين فقدوا بصرهم جراء انفجارات وحوادث مختلفة وأثناء العمل بأجهزة اللحام.

وقال الدكتور هاشم إن عقوداً من الحرب ألحقت أضراراً بالغة بالنظام الصحي في أفغانستان، وإن البلاد تعاني نقصاً في أطباء العيون المتخصصين والقرنيات المتبرع بها.

وأضاف: «أصدرت طالبان إلينا أمراً شفهياً بوقف زراعة القرنية. ولا يجرؤ أحد على مخالفة هذا الأمر، خشية التعرض لعقوبات شديدة».

وبحسب التقرير، أُوقف أيضاً برنامج زراعة القرنية في مستشفى جلال آباد للعيون بأمر من طالبان. وكان هذا البرنامج قد أُطلق حديثاً في أفغانستان.

وكانت جمعية الأطباء من أصل باكستاني في أميركا الشمالية، وهي مؤسسة خيرية مقرها ولاية إلينوي الأميركية، توفّر منذ عام ٢٠١٧ قرنيات متبرعاً بها لإجراء عمليات زراعة مجانية في باكستان.

ووسّعت الجمعية نشاطها إلى أفغانستان خلال العام الجاري، وأتاحت إجراء أكثر من ١٥٠ عملية زراعة قرنية. كما تلقى ثلاثة أطباء عيون أفغان تدريباً على إجراء هذه العمليات في بيشاور بباكستان.

وقال الدكتور فؤاد ظفر، مسؤول برنامج زراعة القرنية في الجمعية ورئيس مؤسسة ظفر مير في الولايات المتحدة، لصحيفة «تلغراف» إن نحو ١٠ آلاف مريض في باكستان استفادوا من خدمات البرنامج منذ إطلاقه عام ٢٠١٧.

وأضاف أن البرنامج توسّع إلى أفغانستان قبل نحو أربعة أشهر، نظراً إلى حاجة مئات المرضى فيها إلى زراعة القرنية. لكن قرار طالبان وضع عقبة كبيرة أمام استمرار عمله.

وطالبت الجمعية طالبان، في بيان، بإلغاء الحظر والسماح للأطباء باستئناف عمليات زراعة القرنية. وأكدت أن الشعب الأفغاني، بعد عقود من الحرب، يحتاج إلى الخدمات الطبية المتخصصة أكثر من أي وقت مضى.

مرضى فقدوا الأمل في استعادة بصرهم

وتناولت صحيفة «تلغراف» في تقريرها قصص عدد من المرضى الذين حُرموا من العلاج بسبب حظر زراعة القرنية.

فقد سلامت خان، وهو بائع عصير قصب السكر في كابل، بصره عام ٢٠٢٣ إثر انفجار أسطوانة غاز. وبعد علمه ببرنامج زراعة القرنية المجاني، توجّه إلى المستشفى، وكان من المقرر أن يخضع للعملية في شهر سنبلة. لكن الأطباء أبلغوه لاحقاً بأن البرنامج متوقف منذ شهر أسد بأمر من طالبان.

وخديجة بيغُم، البالغة من العمر ٤٠ عاماً، والتي أُصيبت في عينها جراء انفجار في جلال آباد، من بين المرضى الذين ينتظرون استئناف البرنامج.

وقالت إنها سجلت اسمها قبل شهرين في مستشفى جلال آباد للعيون لإجراء زراعة قرنية، لكنها أُبلغت الشهر الماضي بأن طالبان حظرت هذه العملية لمخالفتها التعاليم الإسلامية.

طالبان: بيع الأعضاء البشرية وشراؤها يخالف الكرامة الإنسانية

وكانت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لطالبان قد أعلنت سابقاً أن البند السابع من المادة ١٨ من قانون الوزارة يحظر بيع أعضاء جسم الإنسان وشراءها واستخدامها، بما فيها الكلى والكبد والعين والشعر.

وقالت الوزارة إن الهدف من الحظر هو صون عزة الإنسان وكرامته، مضيفةً: «لجسم الإنسان حرمة خاصة، ولا يجوز أن تتحول أعضاؤه، تحت أي ظرف، إلى وسيلة للتجارة والتربح».

كما أكدت وزارة الأمر بالمعروف التابعة لطالبان أن شراء أعضاء جسم الإنسان واستخدامها لا يتوافقان مع الكرامة الإنسانية وأحكام الشريعة الإسلامية.

لكن التوضيحات التي نشرتها الوزارة لم تبيّن ما إذا كان حظر بيع الأعضاء البشرية وشرائها يشمل أيضاً زراعة القرنيات المتبرع بها لعلاج المرضى.

والآن، قال أطباء لصحيفة «تلغراف» إن طالبان أصدرت أوامر شفهية بوقف هذه العمليات استناداً إلى اعتبارات شرعية، رغم أن القرنيات المستخدمة في البرنامج الخيري المذكور كانت متبرعاً بها، ولم يكن المرضى يدفعون أي أموال مقابل الحصول عليها.

مسؤولة أممية: إقصاء النساء والفتيات في أفغانستان بصورة ممنهجة من الحياة العامة

28 أكتوبر 2026، 17:30 غرينتش+0
100%

قالت سيما بحوث، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، إن النساء والفتيات في أفغانستان يُقصَين بصورة ممنهجة من الحياة العامة ويُحرمن من الإسهام في رسم مستقبل بلادهن.

وحذّرت من أن مشاركة النساء في جهود السلام تتقلص بالتزامن مع تصاعد الحروب.

وقالت بحوث، يوم الثلاثاء، خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن، إن النساء والفتيات يتحملن العبء الأكبر للحروب والنزوح، لكنهن يُستبعدن من اتخاذ القرارات بشأن إنهاء النزاعات ومستقبل مجتمعاتهن. ووصفت الوضع في أفغانستان بأنه مثال أكثر وضوحاً على هذا الإقصاء.

وشدّدت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة على أن استبعاد النساء من المفاوضات في البلدان ليس مصادفة، بل يتجذر في العوائق المؤسسية وعلاقات القوة غير المتكافئة والتصورات القائمة على النوع الاجتماعي.

وبحسب بحوث، شكّلت النساء العام الماضي خمسة في المئة فقط من المفاوضين في ٥٧ عملية تفاوض شملتها الدراسة، بعدما كانت النسبة سابقاً سبعة في المئة. كما جرى نحو ٨٠ في المئة من المفاوضات الجارية دون مشاركة امرأة واحدة.

وأضافت أن أياً من اتفاقات وقف إطلاق النار الـ١٣ المبرمة العام الماضي لم يتضمن إشارة جوهرية إلى النساء والفتيات، ولم يحظر أي منها العنف الجنسي، في حين تضاعفت الحالات المؤكدة للعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات خلال عام واحد.

وحذّرت بحوث من أن عدداً غير مسبوق يبلغ ٧٥٦ مليون امرأة وفتاة يعشن حالياً ضمن نطاق ٥٠ كيلومتراً من النزاعات المسلحة. وقالت إن التقنيات العسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي أوجدت أيضاً مخاطر جديدة تهدد حماية المدنيين والمساءلة.

وبحسب قولها، ارتفعت في بعض المناطق نسبة النساء والفتيات بين القتلى المدنيين، فيما تستهدف الهجمات مستشفياتهن ومدارسهن وأسواقهن ومنازلهن.

وقالت بحوث إن احتمال وفاة النساء بسبب مضاعفات الحمل والولادة التي يمكن الوقاية منها في المناطق المتضررة من الحروب يبلغ خمسة أمثال نظيره في المناطق المستقرة، فيما يبلغ احتمال انقطاع الفتيات عن الدراسة ضعفين ونصف الضعف. ويعيش نحو ٤٠ في المئة من النساء والفتيات اللواتي يعانين الفقر المدقع في مناطق متأثرة بالنزاعات.

وأضافت أن النساء، أثناء النزوح وتعطل الخدمات، يواجهن مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال الجنسي والاتجار بالبشر، إلى جانب رعاية الأطفال والجرحى وكبار السن.

كما حذّرت بحوث من الأزمة المالية التي تواجهها المنظمات النسائية. وبحسب دراسة أجرتها هيئة الأمم المتحدة للمرأة، تدهور الوضع المالي لـ٦١ في المئة من هذه المنظمات في مناطق الأزمات مقارنة بالعام السابق، فيما لا يتوفر لدى ٤٥ في المئة منها تمويل يكفي لستة أشهر.

وشدّدت على أن هذه المنظمات تؤدي دوراً حيوياً في الوساطة لتسوية الخلافات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، ودعم ضحايا العنف، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان.

ودعت بحوث إلى ضمان ألا تقل نسبة مشاركة النساء في عمليات السلام عن الثلث، وتخصيص ما لا يقل عن ١٥ في المئة من المساعدات الإنمائية الرسمية المقدمة إلى البلدان المتأثرة بالحروب لتعزيز المساواة بين الجنسين. وقالت إن واحداً في المئة على الأقل من هذه المساعدات يجب أن يصل إلى المنظمات النسائية.

كما طالبت المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة بإنهاء إفلات مرتكبي القتل والاغتصاب والاضطهاد القائم على النوع الاجتماعي من العقاب، وحماية صانعات السلام والمدافعات عن حقوق الإنسان. وأكدت أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إرادة سياسية لتقاسم السلطة وتحويل التعهدات إلى إجراءات فعلية.

الأمين العام للأمم المتحدة: تصاعد قمع حقوق النساء والفتيات في أفغانستان

28 أكتوبر 2026، 16:30 غرينتش+0
100%

حذّر أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، من تصاعد قمع حقوق النساء والفتيات في أفغانستان، مؤكداً أنهن يواجهن قيوداً شديدة. كما شدّد على دعم المؤسسات المحلية التي تقودها النساء في البلاد.

وذكر غوتيريش، يوم الثلاثاء خلال جلسة لمجلس الأمن بشأن المرأة والسلام والأمن، أفغانستان إلى جانب مالي واليمن والصومال ضمن الدول التي تواجه فيها النساء والفتيات قيوداً شديدة وقمعاً متزايداً لحقوقهن.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة إن النساء والفتيات ما زلن يتعرضن للعنف والتمييز والإقصاء وسوء المعاملة. وأضاف أن الفتيات يُحرمن من التعليم، وهو حق أساسي لهن، فيما تتعرض السياسيات والصحفيات والمدافعات عن حقوق الإنسان للتهميش والاستهداف.

وعدّ غوتيريش دعم المؤسسات المحلية التي تقودها النساء في أفغانستان وجمهورية الكونغو الديمقراطية وسوريا من بين جهود الأمم المتحدة للنهوض بأجندة المرأة والسلام والأمن.

وحذّر من أن تراجع التمويل فاقم أوضاع النساء والفتيات، وأجبر بعض المنظمات النسائية على وقف أنشطتها. وقال إن إغلاق العيادات والمساحات الآمنة وفقدان الدعم الإنساني الحيوي من تداعيات خفض التمويل.

وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة أنه بينما بلغ الإنفاق العسكري العالمي العام الماضي نحو ٢٫٩ تريليون دولار، لا تزال المساعدات الإنسانية تشهد تراجعاً حاداً.

ودعا الدول إلى الوفاء بالتزاماتها بشأن المساعدات الإنمائية، واستئناف تمويل المنظمات الداعمة للنساء والفتيات في مناطق النزاع فوراً.

وانتقد غوتيريش الفجوة بين التعهدات والإجراءات على المستوى العالمي، قائلاً إنه بعد مرور ٢٦ عاماً على اعتماد قرار مجلس الأمن رقم ١٣٢٥، «قيل الكثير ولم يُتخذ ما يكفي من إجراءات» في كثير من الحالات.

وشدّد على أن مشاركة النساء في عمليات السلام ليست رمزية، وأن حضورهن الفعّال يزيد فرص تحقيق سلام مستدام. وقال إن المجتمعات تصبح أقوى حين تتمكن النساء والفتيات من العيش بعيداً عن الخوف والعنف.

وأوضح غوتيريش أن النساء شكّلن العام الماضي خمسة في المئة فقط من المفاوضين في ٥٧ عملية سلام، وأن أقل من خُمس اتفاقات السلام تضمّن إشارة واحدة على الأقل إلى النساء أو الفتيات أو النوع الاجتماعي أو العنف الجنسي. ووصف هذه الفجوة في تنفيذ الالتزامات بأنها «غير مقبولة».

وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بوضع أهداف وحصص ملزمة لمشاركة النساء، مؤكداً ضرورة أن تنعكس احتياجاتهن ومطالبهن في جميع المحادثات واتفاقات وقف إطلاق النار واتفاقات السلام.

وقال أيضاً إن حالات العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات التي تحققت منها الأمم المتحدة تجاوزت العام الماضي ٩ آلاف و٧٠٠ حالة، وإن الأعداد الحقيقية أعلى بلا شك.

وحدّد غوتيريش ثلاث أولويات عاجلة، هي حضور النساء على جميع طاولات مفاوضات السلام، وزيادة التمويل، والتصدي للعنف ضد النساء والفتيات، داعياً إلى مساءلة مرتكبي العنف مساءلة كاملة.

وحثّ الدول على إدراج الالتزامات المتعلقة بالمرأة والسلام والأمن في قوانينها وسياساتها الداخلية، وضمان الأمن الاقتصادي للنساء. وقال غوتيريش: «المساواة ليست حلماً، بل قرار».

الأمم المتحدة: تنفیذ أكثر من 1500 رحلة جوية لإيصال المساعدات الإنسانية في أفغانستان

28 أكتوبر 2026، 10:00 غرينتش+0
100%

أعلن برنامج الأغذية العالمي أن خدمة النقل الجوي الإنساني التابعة للأمم المتحدة نفذت أكثر من 1500 رحلة جوية في أفغانستان خلال الأشهر التسعة الماضية، ما أتاح لـ85 منظمة إنسانية إيصال المساعدات إلى المناطق النائية في البلاد.

وقال البرنامج في منشور على منصة "إكس" يوم الأربعاء، مرفق بمقطع فيديو يوثق عمليات الإغاثة في ولاية بدخشان، إن الخدمة الجوية الإنسانية التابعة للأمم المتحدة حافظت منذ بداية العام وحتى أكتوبر على شبكة رحلات منتظمة لنقل العاملين في المجال الإنساني إلى المناطق الأفغانية التي يصعب الوصول إليها.
وأكدت مسؤولة الإمدادات اللوجستية في برنامج الأغذية العالمي بأفغانستان جيسيكا كوكرين، عقب زيارة إلى مدينة فيض آباد، أن الوصول براً إلى ولاية بدخشان قد يستغرق ساعات أو أياماً بسبب الطرق الجبلية الوعرة، لكن الرحلات الجوية التابعة للأمم المتحدة ساعدت في استمرار عمليات إيصال المساعدات.
وخلال زيارتها للمستودع الميداني للبرنامج في مركز ولاية بدخشان، تابعت كوكرين عمليات تخزين المواد الغذائية وفحص جودتها، بما فيها الدقيق والقمح والزيوت النباتية والبقوليات.
وأوضحت أن جميع الشحنات التي تصل إلى المستودع بواسطة الشاحنات تخضع للفحص والتعداد الفعلي للتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية، وضمان توزيع الحصص الغذائية المناسبة على الأسر المحتاجة بسرعة ودون هدر.
وتستمر هذه العمليات في وقت حذر فيه برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة من تفاقم الأزمة الغذائية خلال الشتاء المقبل.
وأظهرت بيانات مؤسسات الأمن الغذائي المنشورة في 13 أكتوبر أن نحو 15.9 مليون شخص في أفغانستان يواجهون حالياً الجوع الحاد وأوضاعاً غذائية متأزمة.
وتتوقع هذه المؤسسات ارتفاع العدد إلى 19.2 مليون شخص، أي ما يعادل 38٪ من سكان أفغانستان، خلال الفترة الممتدة من أواخر نوفمبر 2026 إلى مايو 2027.
ومن المتوقع أيضاً أن يصل نحو خمسة ملايين شخص إلى مرحلة الطوارئ من الجوع، وهو ضعف العدد المسجل خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري.
وتعزو المنظمات الإنسانية أزمة المعيشة في أفغانستان إلى القيود التي تفرضها حركة طالبان، والبطالة والفقر الواسع وارتفاع أسعار المواد الغذائية والتراجع الكبير في المساعدات الدولية، إلى جانب الترحيل القسري للمهاجرين الأفغان من إيران وباكستان خلال العام الجاري.
ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، سيحتاج نحو أربعة ملايين امرأة وطفل في أفغانستان إلى علاج سوء التغذية الحاد خلال السنة الأفغانية الممتدة من مارس 2027 إلى مارس 2028.
ويشكل الانخفاض الحاد في الموارد المالية تحدياً أمام قدرة المنظمات الدولية على الوصول إلى هذه الفئات الأكثر ضعفاً.

الحب على طريق كابل: قصة رحلة برية لزوجين بولنديين غيّرت حياتهما

28 أكتوبر 2026، 09:00 غرينتش+0
100%

في عام 2019، أقنع صحفي حربي بولندي، وهو نجل وزير خارجية بولندا الأسبق، زوجته ذات الأصول الروسية بالسفر معه آلاف الكيلومترات بالسيارة إلى بلد لم يكن كثيرون يعرفونه إلا من خلال عناوين الأخبار المتعلقة بالحروب.

وأسفرت الرحلة عن تجربة غيّرت حياتهما، وألهمتهما تأليف كتاب، ونسجت صداقات ما زالت تربطهما بأفغانستان حتى اليوم.
لسنوات طويلة، ظل الصحفي أندجي ميلر يروي لزوجته إلينور قصصاً عن أفغانستان.
لم يكن يحدثها عن أفغانستان التي تظهر في الأخبار العاجلة والاجتماعات العسكرية وتقارير الحروب، بل عن البلد الذي عرفه خلال سنوات عمله الصحفي، بما يتمتع به من طبيعة خلابة وتاريخ عريق، وقبل كل شيء، شعب يتميز بصفات استثنائية.
ويقول أندجي: "كنت أعمل صحفياً في أفغانستان، وأتيحت لي أحياناً فرصة السفر إلى مناطق مختلفة من البلاد، وقد وقعت في حب أفغانستان. وبعد سنوات، أردت أن أُري زوجتي هذا البلد الرائع والفريد من نوعه".
واشترى أندجي سيارة تخييم مستعملة في وارسو، وجهز مستلزمات السفر، وانطلق برفقة إلينور في رحلة برية كانت كابل وجهتها النهائية.

رحلة إلى عالم آخر
بالنسبة إلى إلينور، تشكلت صورة أفغانستان في مخيلتها قبل أن تطأ قدماها أرضها.
وتقول: "كان أندجي يروي لي دائماً قصصاً عن أفغانستان. وكان يقول باستمرار إن هذا البلد وشعبه مختلفان عن أي شيء رأيته في مكان آخر، وإن عليّ أن أعيش هذه التجربة بنفسي".
لكن شيئاً لم يكن كافياً لإعدادها لتجربتها الأولى مع أفغانستان.
وتضيف: "كان الأمر أشبه بالدخول إلى عالم آخر. وكأنك تعبر باباً في فيلم خيالي فتجد نفسك في عالم مختلف. كان كل شيء جديداً ومختلفاً".
ومن بين المشاهد الأولى التي ما زالت عالقة في ذاكرتها لحظة دخولها أفغانستان.
وتقول: "أول ما أتذكره غرفة حراسة صغيرة عند معبر إسلام قلعة الحدودي في هرات. كان هناك حارس يجلس داخلها، وأردت أن أجلس بجواره. كان كل شيء مختلفاً ومثيراً لاهتمامي".

بعيداً عن عناوين الأخبار
رغم أن الجبال والمواقع التاريخية والماضي العريق لأفغانستان أثرت في المسافرين، فإن أندجي يؤكد أن جوهر الرحلة الحقيقي كان الشعب الأفغاني.
وتحولت الرحلة جزئياً إلى رحلة بحث عن أصدقاء قدامى وزملاء تعرف إليهم خلال سنوات عمله الصحفي في أفغانستان.
ويقول: "زميلي المفضل لا يعرف القراءة ولا الكتابة. لم يكن لدي رقم هاتفه ولا عنوانه، لكنه كان إنساناً رائعاً".
ولم يكن العثور عليه سهلاً، لكن أندجي يرى أن المحاولة كانت تستحق العناء.
ويضيف: "لم أكن أستطيع أن أشرح لإلينور نوعية الأشخاص الذين ستلتقي بهم في أفغانستان. كان أهم جزء من هذه الرحلة بالنسبة إليّ لقاء الأشخاص الذين أدوا دوراً مهماً في حياتي".
وخلال الرحلة، من هرات إلى بنجشير وباميان، استضافت عائلات أفغانية الزوجين في منازلها مرات عديدة.
وبالنسبة إلى إلينور، كان التواصل مع الناس أهم جوانب الرحلة.
وتقول: "كان احترام التقاليد أمراً طبيعياً تماماً بالنسبة إليّ. أردت أن أعرف كيف تشعر المرأة الأفغانية".
وما زالت تتذكر ردود فعل صديقاتها الأفغانيات عندما خرجت من المنزل مرتدية الحجاب للمرة الأولى.
وتقول: "كم أصبحت جميلة". وتضيف: "كان الأمر مثيراً للاهتمام بالنسبة إليّ، فعندما ارتديت الحجاب، اعتقدن أنني أبدو أكثر جمالاً".

من بنجشير إلى باميان
كانت لكل ولاية أفغانية قصة مختلفة في ذاكرة الزوجين.
ففي بنجشير، حلّا ضيفين على مترجم سابق، وتعرفا من خلاله إلى تفاصيل الحياة اليومية لسكان الوادي.
وفي باميان، زارا موقع تمثالي بوذا العملاقين اللذين دمرتهما حركة طالبان عام 2001.
وتقول إلينور: "أكثر ما أثر فيّ كان رؤية تمثالي بوذا المدمرين. كنا ننظر مراراً إلى تلك التجاويف الفارغة في قلب الجبل، وظل ذلك المشهد محفوراً في ذاكرتي إلى الأبد".
وتحولت تجارب هذه الرحلة لاحقاً إلى كتاب بعنوان "رحلة برية إلى كابل"، يجمع بين المغامرة والصداقة والتاريخ والفكاهة.
ويقول أندجي إن الكتاب أثار تفاعلاً عاطفياً كبيراً لدى القراء.
وحظي الكتاب باهتمام في إيطاليا أيضاً، حيث لا يزال كثير من القراء الأكبر سناً يتذكرون رحلاتهم إلى أفغانستان خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي.
ففي تلك الفترة، كانت أفغانستان إحدى المحطات الشهيرة على طريق "الهيبيز"، الذي كان يسلكه آلاف السياح الغربيين من أوروبا باتجاه جنوب آسيا.
ويقول أندجي: "إنهم يعرفون الطريق الذي سلكناه. كانت ردود الفعل مذهلة حقاً".

عندما سقطت أفغانستان
لم تنته علاقة أندجي وإلينور بأفغانستان بعد عودتهما إلى أوروبا.
ففي صيف عام 2021، ومع التقدم السريع لقوات حركة طالبان، توصل أندجي إلى قناعة بأن الدولة الأفغانية ستسقط.
وقبل أسابيع من سقوط كابل، بدأ جمع التبرعات لمساعدة أصدقائه الأفغان.
ويقول: "عندما سقطت الدولة، تضاعفت التبرعات فجأة مرات عديدة. كان الناس يرسلون الأموال كل دقيقة".
في البداية، استُخدمت هذه الأموال لتوفير الوثائق اللازمة أو نقل الأشخاص إلى الدول المجاورة، لكن أنشطته توسعت تدريجياً.
وطلب منه بعض أصدقائه في الدولة البولندية المساعدة في عمليات إجلاء الأفغان.
ولأشهر طويلة، لم يتوقف هاتفه عن الرنين.
ويقول: "كنت أتلقى الرسائل ليلاً ونهاراً. وكان الأفغان يحصلون على رقم هاتفي من خلال أصدقائهم ومعارفهم".
ويقدر أندجي أنه ساعد عشرات الأشخاص على مغادرة أفغانستان أو النجاة من ظروف خطيرة.
ومن بين الحالات التي تعامل معها ستة مهندسين أفغان متخصصين في تكنولوجيا المعلومات، علقوا قرب الحدود بين بولندا وبيلاروسيا.
وبدأت القصة عندما تلقى رسالة في منتصف الليل من أحد أصدقائه الأفغان في هرات.
وجاء في الرسالة: "اسمع يا أندجي، هناك ستة مهندسين في تكنولوجيا المعلومات بالقرب من منزلك. هل يمكنك معرفة ما حدث لهم؟".
وكان الشبان الستة عالقين آنذاك على الجانب البيلاروسي من الحدود.
ويقول أندجي إنه أمضى عدة أيام في محاولة مساعدتهم، ونجح في نهاية المطاف في حشد دعم بعض السياسيين والصحفيين البولنديين.
ويضيف: "بعد جهود كثيرة، تمكنا أخيراً من إنقاذهم. وهم يعيشون اليوم بأمان في ألمانيا".
وكان لإلينور أيضاً دور نشط في هذه الجهود.
فقد شاركت في تنسيق المساعدات للاجئين الأفغان في بولندا، وحافظت على تواصلها مع نساء أفغانيات تعرفت إليهن خلال رحلتها.
وكانت إحدى صديقاتها ترفض مغادرة أفغانستان لأنها لم تكن تستطيع ترك عائلتها وحدها.
وبعد سنوات، تمكنت المرأة نفسها أخيراً من الوصول إلى أوروبا برفقة زوجها.
وتقول إلينور مبتسمة: "هذا أيضاً جزء من قصتنا".

أبعد من روايات المؤثرين
بعد خمس سنوات من تلك الرحلة البرية، ما زالت أفغانستان جزءاً من حياة الزوجين.
ويواصل أندجي متابعة التطورات في أفغانستان، ويحافظ على التواصل مع أصدقائه الأفغان كلما استطاع.
ويأمل أن يعود يوماً إلى البلاد، رغم ما يرافق هذا القرار من تردد ومخاوف.
ويقول: "أشتاق إلى أفغانستان. أخشى قليلاً العودة إليها، لكنني أريد أن أعود".
وأكثر ما يزعجه الآن موجة مقاطع الفيديو التي ينشرها بعض المؤثرين وصناع المحتوى الغربيين على مواقع التواصل الاجتماعي عن أفغانستان.
ويرى أن كثيراً من هذه المقاطع يقدم أفغانستان باعتبارها مجرد وجهة سياحية غريبة وجذابة، متجاهلاً واقعها المعقد وتاريخها.
ويقول: "بصراحة، أغلق هذه المقاطع عندما أشاهدها. ربما بدأت أتقدم في السن، لكنها تزعجني حقاً. كل ما تراه في هذه الفيديوهات أشخاص يركبون الدراجات الهوائية أو يصافحون عناصر طالبان. نعم، ربما أصبح السفر في بعض المناطق أكثر أماناً اليوم مما كان عليه سابقاً، لكن هذا ليس سوى جزء من قصة أفغانستان".
ويؤكد أندجي أنه يرغب هو أيضاً في اصطحاب مجموعة من السياح البولنديين إلى أفغانستان يوماً ما، لكن ليس بهدف تكرار تلك الصور السطحية.
ويقول: "أريد أن يتعرف الناس إلى تاريخ أفغانستان. ما نراه اليوم ليس سوى فصل قصير من تاريخ هذا البلد، ولا أحد يعرف كيف ستكون نهايته".
وبالنسبة إليه، فإن أفغانستان أكبر بكثير من الصورة التي تقدمها مقاطع الفيديو القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.
فهي بلد يجمع بين الجمال والمعاناة والمقاومة والتاريخ، ولا يمكن اختزال قصته في بضعة مقاطع مصورة.
أفغانستان في منزل ببولندا
عندما سأل طاهر قادري، صحفي "أفغانستان إنترناشيونال"، إلينور عما تتذكره أكثر من رحلتها، تراوحت إجابتها بين اللغة والطعام.
فهي ما زالت تتذكر محاولاتها تعلم كلمات من اللغة الدرية، وتروي ضاحكة كيف كانت كل كلمة جديدة تمثل مغامرة صغيرة بالنسبة إليها. وتركت الأطعمة الأفغانية أيضاً أثراً لا يُنسى في ذاكرتها.
وتقول: "كل شيء أكلته في أفغانستان كان ألذ بمئتي مرة من أي طعام تذوقته من قبل".
لكن ربما كان أهم ما احتفظ به الزوجان من أفغانستان شيئاً يصعب وصفه بالكلمات.
فلم تكن الجبال أو المواقع التاريخية أو حتى الرحلة الطويلة من وارسو إلى كابل، بل دفء الناس وطيبتهم التي لمسها الزوجان خلال سفرهما.
كانت الرحلة تهدف في الأصل إلى تعريف إلينور بأفغانستان، لكنها انتهت بأن أصبحت أفغانستان جزءاً من حياة الزوجين معاً.
من الصداقات التي نشأت في هرات وباميان، إلى العلم الأفغاني الذي يرفرف فوق منزلهما في بولندا، ظلت الروابط التي جمعتهما بالبلاد حاضرة رغم مرور السنوات.
وإذا عادا يوماً إلى أفغانستان، فقد يُكتب فصل جديد من هذه القصة، أو ربما تكون هناك، كما تقول إلينور، "أفغانستان أخرى" تنتظر الاكتشاف.