فيما يعاني كثير من العمال البطالة، رغم ازدهار مشاريع البناء والتشييد في المدينة.
وعلى خلاف الركود الذي تشهده قطاعات اقتصادية أخرى، تشهد مزار شريف توسعاً غير مسبوق في أعمال البناء وإنشاء المجمعات السكنية والشقق، مدفوعاً باستثمارات رجال الأعمال في سوق العقارات. غير أن هذه المشاريع لم توفر فرص عمل كافية للعمال العائدين، بل تحولت سوق العمل إلى أزمة بسبب الزيادة الكبيرة في أعداد الباحثين عن وظائف.
ويُعد عظيم، أحد العائدين من إيران بعد سنوات من العمل في مصانع الطوب ومواقع البناء في طهران، مثالاً على هذه المفارقة.
وقال عظيم لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن أعمال البناء منتشرة في مختلف أنحاء مزار شريف، لكن أعداد العمال العائدين ارتفعت إلى درجة تجعل العثور على عمل أمراً صعباً في معظم الأيام. وأضاف أن مئات العمال يتزاحمون للحصول على فرص عمل محدودة، ما دفع أصحاب العمل إلى خفض الأجور بصورة كبيرة.
وأدى هذا التكدس السكاني إلى ازدحام أماكن تجمع العمال في مزار شريف، ولا سيما في مناطق كامغار وسيد آباد وبوابة بلخ، منذ ساعات الصباح الأولى، بعمال يحملون معاولهم بحثاً عن عمل يومي. ورغم خبرتهم واستمرار مشاريع البناء، يعود كثير منهم دون الحصول على أي عمل بسبب كثرة الباحثين عن وظائف.
ارتفاع الإيجارات يدفع العمال إلى أطراف المدينة
بالتزامن مع عودة المهاجرين، شهدت سوق الإسكان في مزار شريف ارتفاعاً حاداً في إيجارات المنازل. وتُعرض الشقق الجديدة، التي شيد مستثمرون جزءاً كبيراً منها، بأسعار مرتفعة تجعل الحصول على مسكن أمراً بعيد المنال بالنسبة للعائدين.
ويقول عظيم، الذي وضع أمتعته المغطاة بالغبار داخل خيمة على أطراف المدينة، إن المنازل الشاغرة ليست قليلة، لكن إيجاراتها ارتفعت إلى مستويات تتجاوز قدرة العمال.
وأضاف متسائلاً كيف يمكن لعامل يعاني قلة فرص العمل وانخفاض الأجور أن يدفع إيجاراً شهرياً يتراوح بين 10 آلاف و15 ألف أفغاني، أي ما يعادل نحو 154 إلى 231 دولاراً.
وأوضح أن معظم العائدين اضطروا إلى الإقامة على أطراف المدينة في أراضٍ غير مخصصة للسكن.
الضغط السكاني يمتد إلى المناطق المجاورة
دفعت تكاليف المعيشة والإيجارات المرتفعة في مزار شريف عائلات فقيرة إلى البحث عن مساكن خارج حدود ولاية بلخ.
ويربط الطريق الدائري، الممتد لمسافة تقارب 60 كيلومتراً، مركز بلخ بمديرية آقجه في ولاية جوزجان المجاورة، وأصبح هذا الطريق ممراً لانتقال أعداد متزايدة من السكان إلى المديرية.
وفي آقجه، أدى التدفق السكاني إلى ارتفاع كبير في أسعار الأراضي.
وقال نظيف أحمد، ممثل إحدى قرى مديرية آقجه، لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "قبل بدء موجة الترحيل من إيران وباكستان، كان سعر الجريب الواحد من الأراضي في هذه المنطقة يبلغ نحو 100 ألف أفغاني، أي نحو 1540 دولاراً، لكنه ارتفع مع تدفق المهاجرين والطلب العاجل على المساكن إلى قرابة مليون أفغاني، نحو 15 ألفاً و400 دولار".
وأوضح أن الزيادة السريعة في عدد السكان أدت إلى تحويل مساحات من الأراضي الزراعية المحيطة بآقجه إلى مناطق تجارية وسكنية.
وأضاف أن مئات المحال الجديدة افتُتحت لبيع الملابس والستائر والأثاث المستعمل، غير أن هذه الأنشطة التجارية الصغيرة لا تستوعب الأعداد الكبيرة من الشباب الباحثين عن العمل.
المضاربة العقارية واستغلال حاجة المهاجرين
يرى خبراء محليون أن ارتفاع أسعار الأراضي في آقجه إلى عشرة أضعاف يعود إلى المضاربات العقارية وخوف العائلات من البقاء دون مأوى.
واستغل سماسرة العقارات ومكاتب الوساطة المدخرات المحدودة التي جمعها المهاجرون خلال سنوات عملهم في إيران وباكستان، وباعوا لهم أراضي بوراً وأخرى تعتمد على مياه الأمطار بأسعار مرتفعة.
واضطرت عائلات، خشية استنزاف مدخراتها في دفع إيجارات مزار شريف المرتفعة، إلى شراء قطع أراضٍ في آقجه تفتقر إلى البنية التحتية والمياه والكهرباء، أملاً في بناء مساكن طينية بسيطة تؤويها.
الفوارق الثقافية والعزلة الاجتماعية
إلى جانب أزمتي العمل والسكن، تشكل الاختلافات الثقافية واللهجات عائقاً إضافياً أمام اندماج المهاجرين العائدين.
فالعمال الذين أمضوا سنوات في المدن ومواقع العمل الإيرانية يواجهون صعوبات في التأقلم مع المجتمعات المحلية المحافظة في شمال أفغانستان بعد عودتهم المفاجئة.
وقالت الباحثة في علم الاجتماع والهجرة ثريا رحماني لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "إن الاختلافات في اللهجات والثقافات الفرعية التي تشكلت خلال سنوات الهجرة تجعل قبول العمال العائدين واندماجهم في شبكات الثقة داخل الأسواق المحلية أكثر صعوبة. وفي غياب الدعم الاجتماعي، يصبح هؤلاء أكثر عرضة للعزلة الاقتصادية وتشكّل مناطق سكنية عشوائية على أطراف مدن بلخ وجوزجان".
الركود الاقتصادي وانتشار الأعمال الهامشية
وقال الخبير الاقتصادي شهيم أحمدي لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "تعكس هذه الظاهرة تضخماً مفروضاً نتيجة الصدمة السكانية. فأموال المهاجرين لم تتجه إلى القطاعات الصناعية المنتجة، بل أُنفقت على شراء الأراضي والمساكن. ومن ناحية أخرى، فإن انتشار محال بيع الأثاث والسلع المستعملة في آقجه يشير إلى تراجع حاد في القدرة الشرائية للسكان، إذ إن تكاثر المحال في غياب البنية التحتية للإنتاج والتصدير لا يؤدي إلا إلى تقليص دخل التجار".
ويرى خبير التنمية الحضرية رامين ناصري أن التوسع في المشاريع العقارية التجارية بمزار شريف، بدلاً من توفير مساكن ميسرة، تحول إلى وسيلة للمضاربة المالية من جانب المستثمرين.
وأضاف أن استمرار تحويل الأراضي الزراعية في آقجه إلى مناطق سكنية وتجارية يزيد من حدة أزمة الأمن الغذائي في شمال أفغانستان.
الجفاف ونقص الموارد يضاعفان الأزمة
وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، أدت عودة ملايين المهاجرين إلى ارتفاع عدد سكان ولاية بلخ بنسبة 11.4٪، فيما زاد عدد سكان مديرية آقجه في جوزجان بنسبة لا تقل عن 26٪.
وتحدث هذه الزيادة السكانية المفاجئة في منطقة تعاني منذ سنوات الجفاف المتواصل والانخفاض الحاد في مستويات المياه الجوفية وجفاف قنوات الري التقليدية.
وحذرت منظمات دولية من أن الضغوط المتزايدة على البنية التحتية والموارد الطبيعية، إلى جانب المنافسة الشديدة على فرص العمل والمياه، قد تهيئ الظروف لنشوء نزاعات اجتماعية.
ومع اقتراب غروب الشمس، يعود عظيم وعشرات العمال المنهكين إلى غرفهم وخيامهم المتواضعة على أطراف المدينة، حاملين معاولهم على أكتافهم دون أن يحصلوا على عمل.
ويقترب فصل الشتاء، فيما تتواصل أعمال تشييد الأبراج المرتفعة في مزار شريف، أمام أعين عمال لا يستطيعون حتى تحمل إيجار غرفة بسيطة.