هل تنجح الصين في وضع حد للحرب بين طالبان وباكستان؟

جمشيد يما أميري - صحفي يخوض ممثلو حركة طالبان وباكستان منذ يوم الأربعاء مفاوضات في مدينة أورومتشي الصينية، من دون الإعلان حتى الآن عن تفاصيل هذه المحادثات، وأعربت الصين عن تفاؤلها بمسار المفاوضات،

جمشيد يما أميري - صحفي يخوض ممثلو حركة طالبان وباكستان منذ يوم الأربعاء مفاوضات في مدينة أورومتشي الصينية، من دون الإعلان حتى الآن عن تفاصيل هذه المحادثات، وأعربت الصين عن تفاؤلها بمسار المفاوضات،
فيما أعلنت حركة طالبان أنها تشارك فيها بحسن نية بهدف التوصل إلى اتفاق.
بينما تتعامل باكستان بحذر مع هذه المحادثات، مؤكدة أن أي اتفاق يجب أن يكون "قابلاً للتحقق والقياس ميدانياً".
وتأتي هذه المفاوضات في وقت كانت باكستان قد رفضت سابقاً أي حوار مع حركة طالبان في أفغانستان، وأصرت على مواصلة الضربات الجوية والصاروخية ضد البنية التحتية العسكرية وأهداف طالبان داخل الأراضي الأفغانية.
وتعتقد إسلام آباد أن عملية "غضب للحق" ضد طالبان حققت نتائج، مشيرة إلى انخفاض ملحوظ في هجمات المسلحين في إقليم خيبر بختونخوا، رغم عدم وضوح ما إذا كان هذا التراجع نتيجة مباشرة للضربات الباكستانية داخل أفغانستان أم بسبب طلب طالبان من حركة طالبان باكستان تقليص هجماتها.
وتسعى دول المنطقة، ولا سيما الصين، إلى دفع طالبان وباكستان نحو اتفاق، في ظل أزمات كبيرة تواجه المنطقة، ورغبة معظم الدول في منع اندلاع أزمة جديدة في جوارها، لكن يبقى التساؤل قائماً حول إمكانية التوصل إلى اتفاق بين الجانبين.
وتشير مواقف طالبان إلى أنها أبدت مرونة تجاه باكستان وأصبحت مستعدة للتوصل إلى اتفاق بعدما أدركت خطورة التهديد الوجودي، غير أن تنفيذ مطالب إسلام آباد يبدو أمراً بالغ الصعوبة.
وتؤكد باكستان أن طالبان إذا كانت ترغب في الاتفاق فعليها تسليم قيادات حركة طالبان باكستان، ولا سيما القائد البارز حافظ غل بهادر، إضافة إلى قيادات جيش تحرير بلوشستان.
ويعد طرد المسلحين ونزع سلاحهم ونقلهم من المناطق الحدودية من أبرز مطالب إسلام آباد، التي تقول إن قيادات هاتين الحركتين موجودة داخل أفغانستان تحت حماية طالبان، وتشير تقارير مجلس الأمن الدولي إلى وجود ما لا يقل عن ستة آلاف مقاتل من حركة طالبان باكستان داخل الأراضي الأفغانية.
ويبدو تنفيذ هذا المطلب شبه مستحيل بالنسبة إلى طالبان، إذ يظهر تاريخ الحركة خلال ثلاثين عاماً أنها لم تسلم أعضاءها أو حلفاءها إلى أي دولة معادية، كما أن حركة طالبان باكستان وطالبان أفغانستان ترتبطان بعلاقات متشابكة من حيث الفكر والعقيدة والأيديولوجيا والانتماء العرقي، ما يجعل تسليمهم أمراً غير واقعي، خاصة أن حركة طالبان باكستان استضافت طالبان الأفغانية طوال عشرين عاماً وتنتظر الآن معاملة مماثلة.
وحتى لو أرادت طالبان تنفيذ هذا المطلب فإنها قد لا تكون قادرة على ذلك، لأن أي ضغط على حركة طالبان باكستان قد يؤدي إلى انقسامات داخلية في صفوف طالبان ويدفع بعض العناصر الساخطة إلى الانضمام إلى تنظيم داعش.
وتواصل باكستان المطالبة بتقديم "ضمانات مكتوبة وقابلة للتحقق" من طالبان لوقف الهجمات المنطلقة من الأراضي الأفغانية، غير أن طالبان تؤكد أنها لا تسيطر بشكل كامل على جميع الجماعات المسلحة، إذ إن بعض هذه الجماعات قريبة من داعش، وأخرى تتلقى أوامر مباشرة من تنظيم القاعدة، إلى جانب عشرات الجماعات المسلحة الإقليمية، ولذلك ترفض تحمل مسؤولية الهجمات داخل باكستان.
وخلال الأشهر الماضية لم تعد حركة طالبان باكستان هي المشكلة الوحيدة، إذ أصبحت طالبان الأفغانية نفسها هدفاً مباشراً للضربات الباكستانية، بعدما تجاوزت إسلام آباد مفهوم "طالبان الجيدة وطالبان السيئة"، وبدأت عملية "عزم استحكام" ضد حركة طالبان باكستان و"غضب للحق" ضد طالبان أفغانستان، في ظل تراجع ثقة باكستان بدور طالبان في حماية مصالحها الأمنية داخل أفغانستان.
وتشير مؤشرات إلى أن إسلام آباد تسعى إلى إضعاف طالبان عبر التعاون مع بعض القوى السياسية والجهادية السابقة المناهضة لها، في محاولة لتغيير قواعد اللعبة خلال الصيف المقبل.
وفي أفضل السيناريوهات قد يتمكن الطرفان في أورومتشي من إصدار بيان مشترك والتوصل إلى خفض مؤقت للعنف أو هدنة محدودة، خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، حيث ارتفع سعر لتر البنزين في باكستان إلى نحو 500 روبية، كما ارتفعت أسعار الوقود والمواد الغذائية في أفغانستان، وسط أولوية لمعالجة تداعيات التوترات الإقليمية المرتبطة بالحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.
لكن خفض العنف لا يعني حل الخلافات العميقة، إذ تبدو جسور الثقة بين طالبان وباكستان منهارة بالكامل، ويعتقد قادة طالبان أن باكستان تجاوزتهم، في حين ترى إسلام آباد أن هجمات الطائرات المسيرة على قلب العاصمة الباكستانية تمثل تهديداً خطيراً، وتعتقد أن هذه الطائرات ربما وصلت إلى طالبان بدعم من الهند، ما دفعها إلى اعتبار الحركة أقرب إلى الهند منها إلى حليف تقليدي.
وفي ظل هذا الواقع يبدو أن مستقبل العلاقة بين طالبان وباكستان لن يتحدد عبر المفاوضات بل عبر مسار الصراع، مع احتمال انتقال باكستان من المواجهة المباشرة المكلفة إلى حرب غير مباشرة عبر وكلاء، خاصة أنها لم تعتمد على أي قوة نيابية فعالة داخل أفغانستان خلال السنوات الخمس الماضية واضطرت إلى اللجوء إلى الضربات الجوية.
وتشير المعطيات إلى أن باكستان التي كانت تعتبر طالبان حليفاً استثمرت فيه طوال عشرين عاماً، باتت ترى في إدارتها الحالية تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وهو ما يجعل احتمال التعاون بين الجانبين ضعيفاً.
وبناء على ذلك، كما لم تفضِ مسارات الدوحة وإسطنبول والرياض إلى نتائج حاسمة، لا يُتوقع أن تنجح الصين أيضاً في إنهاء الأزمة المتصاعدة بين طالبان وباكستان عبر مفاوضات أورومتشي، رغم ما تمتلكه من نفوذ لدى الطرفين.