طالبان تعلن إعداد مسودة قانون للجوء في أفغانستان

أعلنت وزارة المهاجرين في حركة طالبان، يوم الأربعاء، عقد اجتماع لمراجعة مسودة "قانون اللجوء" في أفغانستان، وقال نائب وزير المهاجرين في الحركة، عبد الرحمن راشد،

أعلنت وزارة المهاجرين في حركة طالبان، يوم الأربعاء، عقد اجتماع لمراجعة مسودة "قانون اللجوء" في أفغانستان، وقال نائب وزير المهاجرين في الحركة، عبد الرحمن راشد،
خلال الاجتماع إن قانون اللجوء يجب أن يُعرّف مع مراعاة "الأصول الشرعية والإسلامية".
وبحسب بيان وزارة المهاجرين في حركة طالبان، قال راشد إن "هذا القانون يجب أن يوفر، مع مراعاة الحقوق الشرعية والإسلامية، أرضية لحق اللجوء".
وتقول طالبان إن مسودة قانون اللجوء أُنجزت من قبل لجنة خاصة في وزارة شؤون المهاجرين، ومن المقرر أن تُحال قريباً إلى وزارة العدل في حركة طالبان لاستكمال مراحلها القانونية.
ولم تُنشر حتى الآن تفاصيل دقيقة عن مضمون مسودة القانون.
وتأتي هذه الخطوة من جانب طالبان، في وقت غادر فيه عدد كبير من المواطنين أفغانستان إلى الدول المجاورة ومناطق مختلفة من العالم، بعد عودة الحركة إلى السلطة في أغسطس 2021.
وبحسب تقارير الأمم المتحدة، يعيش ملايين الأفغان في الدول المجاورة، ولا سيما إيران وباكستان، بوصفهم مهاجرين أو لاجئين.
كما هاجر مئات الآلاف إلى دول أوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا، في واحدة من أكبر موجات الهجرة الأفغانية خلال العقود الأخيرة.





كتب ثلاثة دبلوماسيين أفغان سابقين في تحليل أن الانخفاض الحاد في الميزانية والجمود السياسي يعرّضان مستقبل مهمة الأمم المتحدة في أفغانستان لخطر جدي، وأكدوا أن على الأمم المتحدة إعادة تعريف مهمتها وفق توقعات واضحة،
من دون تطبيع العلاقات مع حركة طالبان.
وكتب عمر صمد، السفير الأفغاني السابق لدى كندا، وأصيلة وردك، الدبلوماسية السابقة والناشطة في حقوق المرأة، وفريد ظريف، الممثل الأفغاني السابق لدى الأمم المتحدة، في تحليل مشترك أن بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) كانت في مطلع العام الجاري على حافة الحل أو تقليص صلاحياتها وقوتها العاملة بشدة، لكن مجلس الأمن، بتمديده مهمة البعثة عاماً واحداً، وفر فرصة محدودة لإعادة النظر في استراتيجية الأمم المتحدة تجاه أفغانستان.
وقالوا إن غياب ممثل الأمين العام في كابل والخلافات داخل مجلس الأمن يلفان مستقبل هذه المهمة بالغموض.
وجاء في التحليل أن الأمم المتحدة لا تستطيع في الوقت الراهن الانسحاب من أفغانستان، لأن ذلك سيترتب عليه تبعات إنسانية ثقيلة، كما أنها لا تستطيع، في المقابل، تطبيع الوضع القائم، لأن الشروط السياسية المسبقة للاعتراف بحركة طالبان لم تتوافر بعد.
وكتب الدبلوماسيون الأفغان أن على الأمم المتحدة، بدلاً من تطبيع العلاقات مع حركة طالبان أو الانسحاب من أفغانستان، إعادة تعريف مهمتها بناء على أهداف واقعية وتنسيق أكبر وتوقعات أوضح من حركة طالبان والمجتمع الدولي.
ويرى كاتبو التحليل أن أفغانستان تواجه حالياً مجموعة من الأزمات المتزامنة، من بينها الركود الاقتصادي والتغيرات المناخية والترحيل الواسع للمهاجرين من إيران وباكستان وتراجع الوصول إلى الخدمات الصحية والقيود الشديدة المفروضة على النساء والفتيات. وأضافوا أن هذه العوامل جعلت أفغانستان واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم.
وأشار الدبلوماسيون الثلاثة، أيضاً، إلى الزيارات الأخيرة لمسؤولين كبار في مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أفغانستان، وكتبوا أن هذه الزيارات أظهرت أن الأزمة الإنسانية والتنموية والصحية في البلاد تتسع بوتيرة أسرع من قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة لها.
وفي جانب آخر من التحليل، اعتبروا أن تعيين رباب فاطمة ممثلة خاصة جديدة للأمين العام للأمم المتحدة في أفغانستان يشكل فرصة لإعادة بناء ثقة المانحين وتعزيز التنسيق بين الفاعلين الدوليين.
وشدد الكتّاب، في الوقت نفسه، على أن مجلس الأمن لا يزال منقسماً بشأن طريقة التعامل مع حركة طالبان، وأن مسار الدوحة لم يحقق تقدماً ملحوظاً بسبب تباين وجهات النظر بين حركة طالبان والدول الأعضاء في المجلس.
وجاء في التحليل أنه بينما يراوح المسار السياسي في أفغانستان مكانه، واصلت دول المنطقة، ومن بينها الصين وروسيا ودول آسيا الوسطى ودول الخليج وتركيا، تعاونها العملي مع كابل في مجالات التجارة والأمن والهجرة والبنية التحتية، كما تتعاون بعض الدول الأوروبية فنياً مع ممثلي حركة طالبان في ملف إعادة المهاجرين.
وخلص الكتّاب إلى أن نجاح المهمة الجديدة لبعثة يوناما يتوقف على تحديد أولويات واضحة والتعاون الإقليمي والحفاظ على المجال الإنساني وإعادة بناء ثقة المانحين والتركيز على حماية أرواح المواطنين الأفغان وسبل عيشهم.
أظهر مسح أجرته مجموعة التنسيق المعنية بالنوع الاجتماعي ومجموعة العمل المعنية بالوصول الإنساني أن 75٪ من المنظمات الإغاثية وافقت على شروط طالبان، من بينها إلزام النساء بمرافقة محرم وفصل أماكن عمل النساء عن الرجال،
وذلك من أجل استمرار عمل النساء.
وذكر التقرير أن تراجع التمويل أدى أيضاً إلى تسريح موظفات.
ونشرت مجموعة التنسيق المعنية بالنوع الاجتماعي ومجموعة العمل المعنية بالوصول الإنساني، يوم الأربعاء، تقريراً تناول تأثير قيود طالبان على عمل النساء في المؤسسات الإغاثية.
وأُعد التقرير استناداً إلى مسح شمل 122 منظمة إغاثية في 34 ولاية بأفغانستان. ويعد تراجع التمويل، وتسريح الموظفات، وتشديد القيود على أنشطة المؤسسات، وقبول شروط طالبان لاستمرار عمل النساء، من أبرز نتائج التقرير.
وأظهر التقرير أن أكثر حالات فرض القيود على أنشطة المنظمات الإغاثية والموظفات تركزت في عدة ولايات. وسجلت هرات أعلى نسبة من هذه القيود بواقع 36٪، تلتها كابل بـ31٪، وننغرهار بـ22٪، وقندهار بـ20٪، وكنر بـ17٪.
ويتضمن التقرير نتائج الجولة الخامسة عشرة من مسح مجموعة التنسيق المعنية بالنوع الاجتماعي ومجموعة العمل المعنية بالوصول الإنساني.
وقالت 56٪ من المنظمات إنها سرّحت موظفات أفغانيات بسبب تراجع التمويل، فيما أفادت 46٪ بأن النساء لم يعدن قادرات على الحضور إلى المكاتب كما في السابق.
وأكد التقرير أن قطاعي التعليم والصحة كانا الأكثر تضرراً من عدم صدور تصاريح لعمل النساء. ولا تزال 45٪ من المنظمات تحاول مواصلة أنشطتها بوجود موظفات وموظفين.
وتعمل 16٪ من النساء العاملات في المؤسسات الإغاثية من المنزل بعد فرض قيود طالبان، فيما أفادت 61٪ من المؤسسات بأن الموظفات يحتجن إلى مرافقة محرم في السفر لأغراض العمل.
وتعد مجموعة التنسيق المعنية بالنوع الاجتماعي آلية تنسيق ضمن الاستجابات الإنسانية في أفغانستان، تعمل بمشاركة الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية والمحلية وسائر الجهات الإنسانية.
أما مجموعة العمل المعنية بالوصول الإنساني، فهي مجموعة تنسيق تتولى متابعة القضايا المرتبطة بالوصول الإنساني بين الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والجهات الإنسانية الأخرى.
وبحسب مسح المجموعتين، أفادت 49٪ من المنظمات بأن موظفاتها يواجهن زيادة في القلق والمخاوف الأمنية بسبب القيود والقواعد المتعلقة بالتنقل واللباس. وقال عدد منها إن النساء يتعرضن للتوقيف من قبل موظفي وزارة الأمر بالمعروف أثناء تنقلهن من العمل وإليه.
وكانت هيئة الأمم المتحدة للمرأة قد حذرت في وقت سابق من أن تراجع المساعدات الدولية يضع المنظمات الداعمة للنساء في الدول المتضررة من الأزمات، ومن بينها أفغانستان، على حافة الإغلاق.
قال المهاجر الأفغاني العائد إلى أفغانستان، فرمان أفغان، إنه كان يوفر احتياجات أسرته من خلال العمل اليومي، لكنه اعتُقل مرات عدة على أيدي الشرطة الباكستانية،
وأضاف: "احتُجزت في إحدى المرات ثلاثة أيام، ودفعت 30 ألف روبية باكستانية مقابل الإفراج عني، وفي المرة الثانية أخذوا مني 35 ألف روبية".
وأضاف: "لم يكن دخلنا يكفي لتلبية المبالغ التي كانوا يطالبوننا بدفعها، وفي نهاية المطاف قرر والدي أن البقاء في باكستان لم يعد ممكناً، ولذلك سنعود إلى أفغانستان".
وقال فرمان إنه موجود حالياً في مركز لإيواء المهاجرين قرب ضريح حمزة بابا، لكنه يواجه نقصاً حاداً في المرافق الأساسية، موضحاً أن المخيم يفتقر إلى مياه الشرب والأماكن المناسبة للإقامة، وأن النساء والأطفال وكبار السن يواجهون مشكلات كثيرة بسبب الحر الشديد.
ويعود يومياً مئات المهاجرين الأفغان مع أسرهم من مدن باكستانية مختلفة إلى أفغانستان، ويقول هؤلاء إنهم يواجهون خلال رحلة العودة مشكلات إدارية، ونقصاً في المرافق الأساسية، ومخاوف جدية من مستقبل غامض.
وقال المهاجر الأفغاني، غل أشرف، إن الشرطة كانت تفتش باستمرار عن بطاقات الهوية والوثائق القانونية في مناطق مختلفة، وإن الأشخاص الذين لا يحملون الوثائق القانونية المطلوبة كانوا يُعتقلون ويُرحّلون إلى أفغانستان.
وأضاف غل أشرف: "كنت أملك متجراً في سوق بورد بمدينة بيشاور، لكنني اضطررت إلى بيعه بسعر أقل بكثير من قيمته الحقيقية، وأنا الآن في طريقي إلى أفغانستان مع أسرتي لبدء مرحلة جديدة من حياتنا هناك".
وتابع: "تسير الإجراءات الإدارية في المخيم ببطء شديد، وأمتعتنا موضوعة في العراء، ونخشى أن تتلف إذا هطل المطر. استأجرنا سيارة من فيصل آباد إلى بيشاور ثم إلى أفغانستان، لكن السائق رفض مواصلة الطريق بعد وصولنا إلى بيشاور، وطالب بأجرة إضافية، ما تسبب لنا في مشكلات كبيرة".
وقال مهاجر أفغاني آخر عائد من كراتشي، يدعى فاروق شاه، إنه أغلق عمله وقرر العودة بسبب العمليات والمداهمات المتواصلة التي تنفذها الشرطة، وأضاف: "نحن الآن في مخيم للمهاجرين، لكن المرافق الأساسية هنا شبه معدومة، فلا توجد مظلات مناسبة للجلوس، ولا مياه نظيفة، ولا خدمات صحية، ولا غيرها من الاحتياجات الضرورية، كما أن الخيام الموجودة قديمة وغير كافية".
وطالب فاروق شاه الجهات المعنية بتوفير مياه الشرب النظيفة، والمظلات، والخدمات الصحية، ومرافق النظافة، ودورات المياه، والمواد الغذائية، وغيرها من الخدمات الأساسية في هذه المخيمات في أسرع وقت، حتى لا يواجه المهاجرون العائدون إلى أفغانستان مزيداً من المشكلات الإنسانية.
أعلنت وكالة مكافحة المخدرات في طاجيكستان أن قوات الأمن قتلت، خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026، ما لا يقل عن 17 مهرب مخدرات أفغانياً في سبع اشتباكات بالمناطق الحدودية.
وقالت الوكالة إن هؤلاء الأشخاص قُتلوا خلال مواجهات مع قوات الأمن الطاجيكية، فيما أُلقي القبض على 18 أفغانياً آخرين بتهم تتعلق بجرائم المخدرات.
ونقلت وكالة «آفيستا» للأنباء، يوم الاثنين 22 سرطان، عن وكالة مكافحة المخدرات الطاجيكية قولها إن السلطات ضبطت طناً و513 كيلوغراماً من المخدرات على الحدود مع أفغانستان خلال النصف الأول من العام الجاري.
وأضافت الوكالة أن الحدود الأفغانية لا تزال تُعد المسار الرئيسي لتهريب المخدرات إلى طاجيكستان.
وبحسب تقييم الوكالة، لا يزال إنتاج المخدرات والحبوب ذات التأثير النفسي مستمراً في أفغانستان، كما لا تزال المختبرات السرية لإنتاج هذه المواد نشطة.
وأفادت الوكالة بأن قوات الأمن الطاجيكية ضبطت أيضاً 601 كيلوغرام من المخدرات بحوزة 18 أفغانياً جرى اعتقالهم خلال الفترة نفسها.
وقالت وكالة مكافحة المخدرات إن 592 جريمة مرتبطة بتهريب المخدرات سُجلت في طاجيكستان خلال هذه المدة، بزيادة بلغت 11 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وأضافت أن السلطات ضبطت، منذ بداية عام 2026، ما مجموعه طنين و963 كيلوغراماً من المخدرات غير المشروعة في مختلف أنحاء البلاد، كما أوقفت 28 مواطناً أجنبياً بتهم تتعلق بتهريب المخدرات داخل الأراضي الطاجيكية.
وكانت الوكالة قد أعلنت سابقاً أنها ضبطت خلال عام 2025 ما لا يقل عن طنين و742 كيلوغراماً من المخدرات القادمة من أفغانستان في المناطق الحدودية.
وقال ظفر صمد، رئيس الوكالة، إن حجم المخدرات المضبوطة على الحدود الأفغانية ارتفع في عام 2025 بنسبة 50 في المئة مقارنة بعام 2024.
كما أعلنت لجنة الدولة للأمن القومي في طاجيكستان، مطلع شهر حوت، ضبط 58 كيلوغراماً من المخدرات المهربة من أفغانستان في منطقة شمس الدين شاهين الحدودية.
وقالت اللجنة إن مواطنين طاجيكيين، هما غلام علي صابريف وسيف الله ييف، اعتُقلا على خلفية القضية.
وتشير التقارير إلى أن تهريب المخدرات من أفغانستان إلى طاجيكستان ازداد منذ سيطرة طالبان على البلاد، فيما عززت السلطات الطاجيكية تدابيرها الأمنية على الحدود لمنع عمليات التهريب.
وبحسب الوكالة، أُلقي القبض خلال هذه الفترة على مواطن كازاخستاني بحوزته 10 كيلوغرامات من المخدرات، وستة مواطنين أوزبكيين بحوزتهم 65 كيلوغراماً، ومواطنين قرغيزيين بحوزتهما 11 كيلوغراماً من المخدرات.
بعد تدهور علاقات حركة طالبان مع باكستان، وتقاربها غير المسبوق مع الهند، وهجومها بطائرة مسيرة في عمق الأراضي الباكستانية، واستمرار الهجمات الدامية التي يشنها مسلحون في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا،
غرب باكستان، وفشل المحادثات الإقليمية، تسعى إسلام آباد بقوة إلى تغيير الأوضاع الراهنة في أفغانستان.
وبات تحمّل الوضع القائم مستحيلاً بالنسبة إلى باكستان، التي تبدو أكثر عرضة من أي وقت مضى لهجمات المسلحين، بعدما تحولوا، مستفيدين من حواضنهم الاجتماعية والسياسية والأمنية، إلى قوة يصعب احتواؤها. ولم تسهم عمليات الجيش الباكستاني، مثل عمليتي "عزم الاستحكام" و"غضب للحق"، في خفض هذه التهديدات، بل جعلت الهجمات أكثر تعقيداً واتساعاً ودموية.
وأصبحت بلوشستان اليوم بؤرة للأزمة والصراع، فيما اتسع نطاق نشاط المسلحين البلوش وحركة طالبان باكستان. وفي المقابل، تصاعدت أنشطة تنظيم داعش، وكان مقتل لاعبين مسيحيين في رياضة الكريكيت أحد الأمثلة على ذلك. كما اتسع نطاق هجمات هذه الجماعات وأهدافها، وظهر في بعض المناطق تنسيق عملياتي بينها. ونتيجة لهذه التطورات، تراجع نفوذ إسلام آباد في خيبر بختونخوا، وضعفت سيطرة أجهزة إنفاذ القانون بصورة حادة.
جذور الأزمة: ظل الهند و"خيانة" رفاق الأمس
ترى باكستان أن التدهور الراهن ناجم بصورة مباشرة عن سيطرة حركة طالبان على أفغانستان. ويعتقد المسؤولون في إسلام آباد أن الحركة لا تريد، من جهة، التخلي عن دعم رفاقها السابقين الذين سبق أن تعاونوا معها واستضافوها وساندوها، فيما تستغل الهند، من جهة أخرى، هذا الوضع لتعميق الأزمة.
وتسعى الهند إلى الانتقام من باكستان بعد المواجهات الجوية التي شهدتها الأعوام الماضية، والتي أطلقت خلالها إسلام آباد حملة دعائية واسعة بعد إسقاط مقاتلات "رافال" الفرنسية التابعة للهند، وقدمت نفسها منتصرة في المواجهة، وعززت مكانتها إقليمياً ودولياً. وظل المسؤولون الباكستانيون فترة طويلة يتحدثون عن ذلك الحدث بوصفه انتصاراً كبيراً، لكن نيودلهي لا تتقبل هذه الرواية، وهي مستعدة لاستخدام أي وسيلة ودفع أي ثمن لتغيير موازين القوى.
ولأن الحرب المباشرة ليست الخيار المفضل، أثبتت الحرب غير المباشرة، أو بالوكالة، فاعليتها بالنسبة إلى نيودلهي. وفي هذه الأثناء، تمثل حركة طالبان الأداة الوحيدة التي تخوض حالياً مواجهة جدية مع باكستان. وتتحمل الهند جزءاً من تكلفة صراعها مع باكستان من خلال حركة طالبان، وهي استراتيجية منخفضة التكلفة وقليلة المتاعب بالنسبة إلى نيودلهي، لكنها شديدة الخطورة على إسلام آباد.
ولا شك في أن باكستان تسعى إلى تغيير هذا الوضع. وخلال زيارتهما الأخيرة إلى بلوشستان، أكد رئيس الوزراء وقائد الجيش الباكستاني التزامهما باحتواء الإرهاب والقضاء على ملاذاته، وتوصلا إلى قناعة حاسمة بأن تغيير الأوضاع الأمنية في باكستان لن يكون ممكناً من دون تغيير الوضع السياسي في أفغانستان.
لكن السؤال الرئيسي هو: هل تستطيع باكستان إحداث هذا التغيير؟ وما نوع التغيير الذي تريده إسلام آباد أساساً؟
أدوات النفوذ الباكستانية وتحدي أفغانستان الخاضعة لسلطة واحدة
أثبتت باكستان، منذ سبعينيات القرن الماضي، قدرتها مراراً على تغيير الأوضاع السياسية في أفغانستان. وأدت إسلام آباد دوراً مباشراً في إسقاط ثلاثة أنظمة سياسية على الأقل، هي حكم الرئيس محمد نجيب الله، وحكومة المجاهدين الإسلامية، والحكومة السابقة المدعومة من الغرب.
ويمتلك جهاز الاستخبارات الباكستاني معرفة لا مثيل لها بالعلاقات والتيارات والشخصيات السياسية الأفغانية، ويستطيع تحليل الأوضاع واستقطاب الشخصيات النافذة بكفاءة. وحتى الآن، لا تزال باكستان تتمتع بنفوذ كبير داخل حركة طالبان، وترتبط بعلاقات وثيقة مع طيف واسع من قياداتها.
لكن نتيجة حسابات باكستان الخاطئة في الماضي، خضعت أفغانستان، للمرة الأولى خلال خمسة عقود، بصورة كاملة لسيطرة جماعة واحدة. وأُقصيت جميع التيارات والجماعات المنافسة والنافذة من المشهد، وأصبحت أراضي أفغانستان بأكملها، من واخان في بدخشان إلى أقصى مناطق نيمروز وفراه، تحت سيطرة حركة طالبان.
وخلال الأعوام الخمسة الماضية، لم تظهر أي جماعة مقاومة قوية قادرة على تحدي سلطة طالبان. وأقامت الحركة سلطة موحدة تدير البلاد وفق برنامجها وأيديولوجيتها. وكانت باكستان في السابق قادرة على استخدام جماعة في مواجهة أخرى، لكنها فقدت هذه الورقة الرابحة حالياً. ومع ذلك، إذا امتلكت باكستان إرادة حاسمة لإحداث تغيير، فإن لديها الأدوات اللازمة لفرض خططها.
فراغ السلطة وأزمة شرعية طالبان
لا تزال حركة طالبان، بعد خمسة أعوام من سيطرتها على الحكم، تعاني أزمة شرعية عميقة. فلا تحظى بقبول التيارات النافذة والمكونات العرقية داخل البلاد، ولا تحظى باعتراف دولي. كما أبعدت الإجراءات المتشددة التي تتخذها قيادة الحركة إمكان الاعتراف بها أكثر من أي وقت مضى.
ولا تتعامل بعض الدول حالياً مع حركة طالبان عن قناعة، بل بدافع الضرورة والمخاوف الأمنية. وحتى دولة مثل روسيا أدركت خطأ حساباتها، ولم تعد أي دولة تجرؤ حالياً على الاعتراف بطالبان. وتظهر القرارات التقليدية السابقة للعصر الحديث التي تتخذها قيادة الحركة، مثل بعض القيود التقنية، أنها غير مؤهلة لإدارة هيكل حكومي حديث.
ويجعل هذا الفراغ القانوني والتشريعي حركة طالبان شديدة الهشاشة، إذ لا يمكن لأي سلطة الاستمرار في فراغ سياسي. وتمثل أزمة الشرعية الداخلية والدولية فرصة ذهبية أمام باكستان لاستغلال هذا الفراغ في تحقيق أهدافها.
انهيار الإجماع الإقليمي
لم تكن دول المنطقة في السابق تؤيد اندلاع حرب جديدة أو تفشي حالة جديدة من انعدام الأمن في أفغانستان، كما لم تكن مستعدة لتوفير الملاذ أو السلاح للجماعات المناهضة لطالبان، إذ كان التركيز الإقليمي منصباً على الحفاظ على النظام القائم. لكن يبدو أن هذا الإجماع الإقليمي قد انهار، بعدما تصاعد قلق الدول من أنشطة المسلحين والجماعات المعارضة لها داخل الأراضي الأفغانية.
ولا يوجد اليوم أي بلد مجاور لأفغانستان من دون سياسة واضحة أو شعور بالقلق. ولا تقتصر هذه المخاوف على باكستان، إذ تواجه إيران، أكثر من أي دولة أخرى، هواجس أمنية مصدرها أفغانستان. وأصبحت جماعة "جيش العدل" أكثر نشاطاً وقوة مستفيدة من حاضنتها الداعمة في أفغانستان، كما بات خطر تسلل تنظيم داعش إلى الأراضي الإيرانية جدياً.
وتخشى الصين أنشطة الأويغور، ولا سيما الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، ولا تخفي هذه المخاوف. وسبق أن تضررت روسيا من هجمات داعش خراسان، فيما لا تنعم دول آسيا الوسطى بالطمأنينة. وتعيش طاجيكستان وأوزبكستان حالة قلق مستمرة، وتشهد الجهود المتزايدة التي تبذلانها لتعزيز حدودهما على ذلك.
وعلى نطاق أوسع، نجحت باكستان في إقناع دول المنطقة بأن أفغانستان الخاضعة لسيطرة حركة طالبان تمثل تهديداً مشتركاً. وتتمتع إسلام آباد بعلاقات تحالف استراتيجية مع دول نافذة، مثل الصين وتركيا والسعودية، التي تنسق سياساتها تجاه أفغانستان مع باكستان، ما يتيح لإسلام آباد التأثير في توجيه برامجها.
كما تعزز الاتفاقيات الدفاعية التي أبرمتها باكستان مع دول، من بينها السعودية وتركيا، موقف إسلام آباد.
التقارب مع الغرب واستراتيجية واشنطن
اقتربت باكستان مجدداً من الولايات المتحدة والغرب، وتسعى إلى جر واشنطن إلى القضية الأفغانية بذريعة مكافحة الإرهاب. وأعلنت الولايات المتحدة رسمياً دعمها لجهود باكستان في محاربة الإرهاب، وأقرت بحق إسلام آباد في الدفاع المشروع عن نفسها.
وإذا تمكنت إسلام آباد من إدخال واشنطن إلى هذه المواجهة وإقناعها بالعودة أو تقديم دعم عسكري، فإن موازين القوى ستتغير سريعاً. وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات حتى الآن إلى رغبة أميركية مباشرة في الدخول في حرب جديدة، فإن باكستان تحتاج في المرحلة الأولى فقط إلى دعم مالي وسياسي من الغرب.
وإذا دعمت الولايات المتحدة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني أزمة، فستتمكن إسلام آباد من إدارة القضية بنفسها. ويظهر التاريخ أنه في ما يتعلق بأفغانستان، كانت بريطانيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على تنسيق دائم مع باكستان.
السيناريوهات المقبلة: تغيير النظام أم تغيير القيادة؟
لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت باكستان تسعى إلى تغيير البنية العامة لسلطة طالبان، أم تريد فقط إجراء إصلاحات هيكلية وتغيير قيادة الحركة.
وترى باكستان أن العناصر المعادية لجهاز استخباراتها تسيطر حالياً على إدارة حركة طالبان، وهي شخصيات سبق أن اعتقلتها باكستان وسلمتها إلى الولايات المتحدة ونُقلت إلى غوانتانامو، وتتخذ الآن أكثر المواقف عداء لإسلام آباد. ومن بين هذه الشخصيات عبد الغني برادر، وملا يعقوب، ونور الله نوري، وعبد الحق وثيق، وخير الله خيرخواه.
السيناريو الأول، التغيير من الداخل أو تغيير القيادة:
تسعى باكستان، وفق هذا السيناريو، إلى إبعاد الشخصيات المتشددة والمعادية لإسلام آباد، بمن فيهم زعيم طالبان ملا هبة الله، وتنصيب شخصيات متحالفة معها من داخل حركة طالبان، تستجيب لمطالبها، وتحتوي حركة طالبان باكستان، وتبتعد عن الهند.
ولا تندر الدوائر المتحالفة مع باكستان داخل حركة طالبان، لكن لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات علنية إلى حدوث انشقاق أو انقسام في قندهار وكابل. ولا يزال الملا هبة الله ممسكاً بالسلطة، ولا يوجد تمرد تنظيمي، كما أن خطر اندلاع صراع داخلي لا يزال منخفضاً في الوقت الحالي.
السيناريو الثاني، التغيير الكامل للنظام:
يتمثل السيناريو الآخر في إسقاط نظام طالبان أو تغييره بالكامل. وفي هذه الحالة، يتعين على باكستان العمل على إيجاد بديل، وإعادة التيارات السياسية والعسكرية المعارضة إلى الساحة، وفتح فصل جديد من خلال تنسيق داخلي وإقليمي ودولي واسع. ويتطلب تنفيذ هذا السيناريو وقتاً وتكلفة باهظة واستثمارات كبيرة.
وتشير الأدلة إلى تزايد تعاون باكستان مع الجماعات المناهضة لطالبان في هذا الشأن. وتؤكد مصادر متعددة أن بعض قوات الجبهات المعارضة لطالبان تمركزت في الأقاليم الحدودية الباكستانية، وأن عمليات التنسيق الأولية قد بدأت.
ومع ذلك، لا يزال معارضو طالبان ينظرون إلى خطط باكستان بعين الشك والتردد، إذ لم تتشكل الثقة اللازمة بين الجانبين حتى الآن، ولا يزال الإرث الثقيل لانعدام الثقة خلال العقود الأربعة الماضية يلقي بظلاله على علاقاتهما.
وعلى أي حال، توصلت باكستان إلى أن استمرار الوضع الراهن لا يخدم أمنها القومي، وأن تغيير الأوضاع أصبح ضرورة حيوية، لكن يبقى انتظار الكيفية والمستوى اللذين سيحدث بهما هذا التغيير.