وقد دفعت هذه العداوة بعض الدول المنخرطة في قضايا أفغانستان والمنطقة إلى اعتبار قتال طالبان ضد داعش أحد مبررات التعامل مع الحركة. ومن منظور تكتيكي، قد يبدو هذا النهج مفهوماً؛ فهو أشبه بـ«سحق رأس الأفعى بيد العدو». فإذا كانت قوة نختلف معها قادرة على القضاء على عدو أشد خطراً، فلماذا لا نستفيد من هذه الفرصة؟
لكن المشكلة تبدأ حين يحلّ التكتيك القصير الأمد محل الاستراتيجية بعيدة المدى. فإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية أوسع، وجدنا أن طالبان وداعش، على الرغم من العداء الدموي بينهما، يمثلان من جوانب عدة وجهين لعملة واحدة. فهما، بقصد أو من دون قصد، يقدمان خدمات متبادلة لبعضهما بعضاً، ويخلقان ظروفاً تساعد فيها استمرارية أحدهما على إعادة إنتاج أسباب بقاء الآخر. ومن ثم، فإن استخدام أحدهما تكتيكياً لقمع الآخر لا يمكن أن يشكل حلاً جذرياً لأزمة التطرف في أفغانستان والمنطقة.
طالبان؛ مصنع المواد الخام للتطرف
إن أهم خدمة تقدمها طالبان لداعش لا تتم في ميدان القتال، بل في ميدان الفكر والثقافة. فمن خلال الترويج لقراءة متطرفة للدين، وفرض الصوت الواحد على المجتمع، والقضاء على التفكير النقدي، وتقييد أو إقصاء التيارات القادرة على نقد الأصولية الدينية من منطلقات مختلفة، تهيئ طالبان عملياً بيئة يصبح فيها الانتقال إلى تيارات أكثر تطرفاً أمراً أسهل.
إن الدمج الكامل بين الدين والسياسة، وإبراز البعد القتالي للدين تحت عنوان الجهاد، وتمجيد العمليات الانتحارية بوصفها عمليات «استشهادية»، والتوسع في استخدام خطاب التكفير وتهم الإلحاد والعلمانية واللادينية، كلها مكونات خطابية تضعف الحواجز النفسية والأخلاقية أمام التطرف. ومن نشأ لسنوات في مثل هذه البيئة الفكرية لا يحتاج، لكي ينضم إلى داعش، إلى انقلاب فكري كامل؛ بل يكفيه أن يخطو بضع خطوات إضافية في الاتجاه نفسه.
ومن هذا المنظور، تنجز طالبان مسبقاً جزءاً كبيراً من العمل الأيديولوجي الذي يحتاج إليه داعش. فالشاب الذي اقتنع مسبقاً بأن النظام السياسي يجب أن يكون ثيوقراطياً، وأن الجهاد المسلح وسيلة مشروعة للتغيير السياسي، وأن العملية الانتحارية يمكن أن تكون «استشهاداً»، وأن الخصوم الفكريين يمكن إقصاؤهم بمفاهيم دينية، وأن التعددية والعلمانية علامتان على الانحراف عن الدين، لم يعد مادة خام غريبة على داعش. وما يتبقى بعد ذلك هو الخلاف حول أي الجماعتين تمثل النموذج «الأكثر أصالة» للحكم الديني، وأيهما أكثر حزماً في تطبيق هذه الأيديولوجيا.
وتُظهر تجربة انضمام بعض العناصر المتطرفة إلى داعش أن مسار تطرفها مرّ في الغالب عبر خطابات الإسلام السياسي والجهادي، وليس عبر انتقال مباشر من تيار ليبرالي أو علماني، أو حتى من الإسلام التقليدي والتصوف، إلى داعش. فقد تأثر بعض هؤلاء في البداية بأدبيات تستمد منها طالبان والتيارات القريبة منها مصادرها الفكرية نفسها، قبل أن يصلوا لاحقاً إلى قناعة بأن طالبان ليست صادقة في تطبيق ما ترفعه من شعارات.
خلاف على المبادئ أم على الوفاء بالمبادئ؟
من وجهة نظر هذه العناصر، لا تكمن مشكلة طالبان بالضرورة في أسسها الفكرية، بل في تراجعها عن تلك الأسس نفسها. فالعلاقات السرية والعلنية التي تقيمها طالبان مع أجهزة استخبارات دول مختلفة، وصفقاتها السياسية مع قوى أجنبية، وسلوكها البراغماتي، يمكن أن تبدو للعنصر الأكثر راديكالية علامة على «النفاق» أو الابتعاد عن المثل التي تدّعي الحركة الالتزام بها.
وعلى سبيل المثال، يمكن للعناصر الجهادية تفسير مصير أيمن الظواهري ضمن هذا الإطار: أي أن طالبان، عندما تفرض الضرورات السياسية نفسها، تستطيع المفاضلة بين الالتزامات الأيديولوجية والاعتبارات المتعلقة ببقاء سلطتها. ومن جهة أخرى، يشكل السلوك القومي لطالبان مشكلة بالنسبة إلى بعض العناصر الأيديولوجية. فعندما تتغلب الروابط القومية، في بعض الحالات، على التضامن العقائدي، ويجري تفضيل أشخاص من قومية معينة، رغم اختلاف خلفياتهم الفكرية، على منافسين دينيين من قوميات أخرى، يمكن للأصولي العقائدي المتشدد أن يرى في هذا السلوك خيانة لمبدأ تقديم العقيدة على الانتماء القومي.
وفي مثل هذه الظروف، لا يحتاج داعش إلى بناء رؤية جديدة للعالم من أجل استقطاب هؤلاء؛ يكفيه أن يتهم طالبان بـ«عدم الوفاء بمبادئها وشعاراتها». وبهذا المعنى، تواصل طالبان إنتاج جزء من الخزان البشري المحتمل لداعش.
داعش؛ آلة لتبييض صورة طالبان
لكن هذه الخدمات ليست في اتجاه واحد. فقد قدم داعش خلال العقد الماضي خدمة بالغة الأهمية لطالبان: جعلها تبدو أكثر اعتدالاً بالمقارنة معه. فمن خلال إظهار أشد أشكال العنف في التعامل مع الخصوم، وقتل الشيعة، ومعاداة المسلمين السنة التقليديين، واستهداف المدنيين، والتوسع في استخدام خطاب التكفير، قدّم داعش نموذجاً من التطرف جعل جماعات مثل طالبان تبدو، بالمقارنة معه، أقل خطراً.
لقد غيّر ظهور داعش، في الواقع، معيار المقارنة. فإذا قورنت طالبان بنظام تعددي وديمقراطي يقوم على حقوق المواطنة، برزت طبيعتها السلطوية والمتطرفة بوضوح؛ لكن حين توضع طالبان إلى جانب داعش، يمكنها فجأة أن تظهر في موقع «أهون الشرّين» و«أخفّ الضررين»: أي الخيار السيئ في مقابل الخيار الأسوأ.
وربما لم تسهم ظاهرة في تبييض صورة طالبان وتطبيعها بقدر ما أسهم ظهور داعش. فالخوف الذي أثاره عنف داعش غير المحدود، إلى جانب قدرته على استقطاب شباب من دول مختلفة، عزز لدى بعض الحكومات الاعتقاد بأن طالبان، على الرغم من عيوبها، يمكن أن تشكل سداً أمام تهديد أشد خطورة. ومن هذا المنظور، إذا كانت طالبان تنتج لداعش المواد الخام الأيديولوجية والقوة البشرية المحتملة، فإن داعش ينتج لطالبان في المقابل رصيداً أمنياً وبيئة مواتية للتعامل السياسي معها.
وقد أدركت طالبان جيداً أهمية هذا الرصيد السياسي. فأصبح التضخيم المستمر لخطر داعش وتقديم نفسها بوصفها القوة الوحيدة القادرة على احتوائه من الأدوات المهمة التي تستخدمها الحركة في علاقاتها الإقليمية. بل ظهرت اتهامات بأن بعض أحداث العنف ربما نُسبت إلى داعش من أجل تضخيم خطر التنظيم؛ وهي ادعاءات لا يمكن إصدار حكم قاطع بشأن حالات بعينها منها من دون تحقيقات مستقلة. لكن بصرف النظر عن صحة كل حالة على حدة، من الواضح أن «تهديد داعش» يمثل بالنسبة إلى طالبان رصيداً سياسياً وأمنياً ثميناً.
الاقتصاد الأمني للتطرف
للمسألة بُعد آخر أيضاً. فقد تحولت مكافحة الإرهاب خلال العقود الماضية إلى مجال واسع لنشاط الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. وتخصص الحكومات ميزانيات ضخمة لمواجهة هذا التهديد، فيما تزداد إمكانات المؤسسات الأمنية وصلاحياتها وأهميتها تبعاً لحجم التهديد القائم.
وهذا الوضع يخلق ما يمكن تسميته بـ«الاقتصاد الأمني للتطرف». فوجود تهديد إرهابي محتوى وقابل للسيطرة قد يشكل، بالنسبة إلى بعض الشبكات الأمنية، مبرراً لاستمرار الميزانيات والنفوذ والأهمية المؤسسية. ومن هنا يظل هناك خطر دائم بأن تحل إدارة التهديد محل اجتثاث العوامل التي تنتجه.
وفي مثل هذه البيئة، يمكن لطالبان أن تتحول بالنسبة إلى بعض الأجهزة الإقليمية إلى شريك تكتيكي: تقدم المعلومات، وتقمع عناصر داعش، وتحصل في المقابل على الأموال والإمكانات أو شكل من أشكال التساهل والتعامل السياسي. لكن التناقض الأساسي يبقى قائماً: فالقوة نفسها التي تعتقل اليوم عدداً من عناصر داعش أو تقتلهم، تعيد في الوقت ذاته، من خلال توسيع منظومة تعليمية ودعائية متطرفة، إنتاج المواد البشرية والفكرية اللازمة لتجنيد داعش.
رأس الأفعى واليد التي تربي أفاعي جديدة
إذا كانت دول المنطقة والعالم جادة في ادعائها محاربة داعش والإرهاب، فلا يمكنها الاكتفاء بالإجراءات الأمنية القصيرة الأمد. فمكافحة التطرف لا تعني فقط قتل أعضاء تنظيم ما واعتقالهم؛ بل الأهم من ذلك تجفيف الجذور التي تنتج باستمرار تنظيمات جديدة. ولا يمكن، من جهة، الترحيب بالقضاء على بضع خلايا لداعش، ومن جهة أخرى، غض الطرف عن تنشئة أعداد هائلة من الشباب في بيئة من التعصب الديني، وانتشار آلاف المدارس ذات الفكر الداعشي، وإقصاء التعليم الحديث والتفكير النقدي، وتوسيع خطاب الجهاد والتكفير والعمليات الانتحارية.
وهنا يكتسب تشبيه «سحق رأس الأفعى بيد العدو» معنى أكثر دقة. فقد يكون من الممكن اليوم سحق رأس أفعى داعش بيد طالبان، لكن إذا كانت اليد نفسها تهيئ بيئة تفقس فيها أفاعٍ جديدة باستمرار، فإن النجاح التكتيكي اليوم قد يمهد للهزيمة الاستراتيجية غداً.
وباكستان مثال قريب على هشاشة مثل هذه الحسابات. فالعنف الذي يحصد الضحايا بصورة شبه يومية يبين أن التطرف لا يمكن إبقاؤه إلى الأبد داخل الحدود الجغرافية والتنظيمية التي يراد له أن يبقى فيها. وما يُنظر إليه اليوم بوصفه أداة ضغط أو شريكاً تكتيكياً قد يتحول غداً إلى تهديد مستقل.
وعليه، فإن المشكلة الأساسية ليست داعش أو طالبان وحدهما، بل دورة إنتاج التطرف. وما لم تُكسر هذه الدورة، فستواصل طالبان وداعش، رغم الحرب الدموية بينهما، تقديم الخدمات المتبادلة: تعيد طالبان إنتاج البيئة الفكرية والبشرية للتطرف، بينما يتيح داعش، من خلال نشر الرعب، تسويق طالبان في سوق السياسة الإقليمية بوصفها خياراً «أقل خطراً». يستمد أحدهما القوة من الآخر، فيما يكتسب الآخر من وجود الأول شرعية أمنية.
وقد تنجح السياسة التي تتجاهل هذه العلاقة في إحباط هجوم أو القضاء على خلية تابعة لداعش، لكنها لن تكون قادرة على تحقيق استقرار مستدام. إن طريق مواجهة التطرف لا يمر عبر اختيار شكل من أشكال التطرف لقمع شكل آخر منه، بل عبر تجفيف البيئة التي ينبت فيها كلاهما.