ومسيرته القضائية والسياسية، وطريقة حكمه.
أُعد هذا المقال ونُشر استناداً إلى مصادر استخباراتية ووثائق أرشيفية ورسمية وتقارير إعلامية وتحليلات، وجمع مادته الباحث برويز إبراهيم خيل.
هوية زعيم طالبان وخلفيته العائلية
ينتمي هبة الله آخوندزاده إلى قبيلة "نورزي"، وتعود أصول عائلته إلى منطقة سبروان في مديرية بنجوايي بولاية قندهار. وكان والده محمد خان آخوند من علماء الدين وإماماً لمسجد في سبروان، وكان يدرّس العلوم الإسلامية.
ولا يوجد اتفاق بشأن تاريخ ميلاده، إذ تذكر مصادر مختلفة سنوات تتراوح بين 1959 و1967. وبسبب غياب الوثائق الأولية وشهادة ميلاد رسمية، لا يزال عمره الدقيق غير معروف. واستناداً إلى تقارير وصفته في تسعينيات القرن الماضي بأنه كان في نحو الثلاثين من عمره، يُقدّر أن عمره في عام 2026 يبلغ نحو 65 عاماً.
التعليم الديني وسنوات الحرب السوفياتية
تلقى هبة الله آخوندزاده مبادئ العلوم الدينية في مسقط رأسه وفي مدرسة والده. وبعد الغزو السوفياتي لأفغانستان، هاجرت عائلته إلى باكستان، وواصل هو دراسته في المدارس الدينية بمدينتي كويتا وكتشلاغ. وكان تخصصه الأساسي في علم الحديث، ولذلك عُرف بلقب "شيخ الحديث".
ودرّس لسنوات في مدارس دينية تابعة لحركة طالبان في كتشلاغ، وكان عدد من قضاة الحركة وعلمائها ومسؤوليها لاحقاً من تلاميذه. وتشكل تعليمه بالكامل في إطار المدرسة الديوبندية، ولم يتلق تعليماً جامعياً حديثاً.
وقبل ظهور حركة طالبان، وخلال الحرب ضد القوات السوفياتية في ثمانينيات القرن الماضي، شارك آخوندزاده، مثل كثير من رجال الدين في تلك الفترة، في جبهات القتال. وتختلف المصادر بشأن الجماعة التي قاتل ضمن صفوفها، إذ تعتبره بعض المصادر عضواً في "الحزب الإسلامي - خالص" بقيادة يونس خالص، فيما تتحدث مصادر أخرى عن وجوده إلى جانب قادة محليين من قبيلة نورزي أو شخصيات جهادية أخرى.
سنوات اللجوء في باكستان
مع دخول الجيش السوفياتي إلى أفغانستان، لجأت عائلة هبة الله آخوندزاده إلى مخيم للاجئين في منطقة بيشين قرب كويتا. وكان هذا المخيم الكبير، الذي عُد أحد مراكز إيواء اللاجئين البشتون، مقسماً إلى أقسام عدة، وكان معظم سكانه من المهاجرين القادمين من قندهار وهلمند.
وتلقى المخيم على مدى سنوات دعماً من الأمم المتحدة، وشكل باعتباره بيئة اجتماعية للهجرة والنزوح جزءاً مهماً من حياة آلاف العائلات الأفغانية النازحة، ومن بينها عائلة آخوندزاده.
الانضمام إلى طالبان والمسيرة القضائية في تسعينيات القرن الماضي
مع ظهور حركة طالبان في خريف عام 1994 في قندهار، كان هبة الله آخوندزاده من أوائل الشخصيات التي انضمت إلى صفوف الحركة الناشئة. وعلى خلاف كثير من أبناء جيله الذين اختاروا المسؤوليات الميدانية والقيادة العسكرية، ركز هو مسيرته داخل المؤسسات الدينية والقضائية.
وخلال فترة حكم طالبان الأولى بين عامي 1996 و2001، تدرج آخوندزاده في الهيكل القضائي والعقائدي للحركة. وعمل في البداية ضمن الهيكل الرقابي لوزارة الأمر بالمعروف، ثم تولى رئاسة المحاكم العسكرية، قبل تعيينه في مناصب رئيسية بالمحكمة العليا التابعة لطالبان في ولايات مختلفة.
وارتبط سجله خلال تلك المرحلة بتطبيق تفسير متشدد وأصولي للشريعة الإسلامية. ومن خلال إصدار وتنفيذ أحكام صارمة وتقليدية، أدى دوراً محورياً في ترسيخ بنية الحكم والنظام القضائي لدى حركة طالبان، وهو ما عزز نفوذه الديني داخل صفوف الحركة.
سنوات المنفى في کتشلاغ ومجلس كويتا بين 2001 و2015
بعد سقوط حركة طالبان عام 2001 إثر الهجوم الذي قاده التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، فر هبة الله آخوندزاده مع عدد كبير من قادة الحركة إلى باكستان. واستقر في منطقة کتشلاغ بضواحي كويتا، حيث أمضى سنوات في تدريس الحديث وإدارة المدارس الدينية في مسجد الحاج عبد الصمد.
وتحول هذا المسجد والمناطق المحيطة به تدريجياً إلى أحد أبرز المراكز السرية لحركة طالبان ومكان تجمع لشخصيات بارزة في مجلس كويتا. وخلال تلك السنوات، عاش آخوندزاده بحذر، لكنه لم يكن بمنأى عن المخاطر الأمنية.
وفي عام 2012، تعرض في المنطقة التعليمية نفسها لمحاولة اغتيال خلال هجوم تفجيري، لكنه نجا. وتمكن لاحقاً من ترسيخ موقعه داخل قيادة حركة طالبان بوصفه نائباً لأختر محمد منصور.
قيادة طالبان وترسيخ النفوذ في قندهار منذ 2016 حتى الآن
بعد مقتل أختر محمد منصور في غارة أميركية بطائرة مسيرة عام 2016، اختير هبة الله آخوندزاده زعيماً جديداً لحركة طالبان.
وعلى خلاف سابقيه، لم يتول خلال سنوات الحرب قيادة عسكرية مباشرة في ساحات القتال، بل ركز بصورة أكبر على الجوانب العقائدية وإصدار الأوامر والحفاظ على تماسك الحركة من الداخل.
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021، اختار آخوندزاده قندهار مقراً دائماً لإقامته وحكمه، خلافاً لبقية المسؤولين الذين تمركزوا في كابل. ومن خلال إبعاد مركز صنع القرار عن العاصمة، أعاد زعيم طالبان تشكيل بنية السلطة التقليدية، وبات يدير أفغانستان عبر إصدار أوامر دينية وسياسية، معتمداً على دائرة شديدة الانغلاق والولاء من علماء قندهار.
ويُعد مقتل ابنه عبد الرحمن عام 2017 في هجوم انتحاري، واغتيال شقيقه في کتشلاغ بباكستان عام 2019، من أبرز الأحداث المؤلمة في حياته الشخصية، وقد أثرت في نهجه شديد الحذر والتحفظ الأمني.
البنية الأمنية وطبيعة حياته السرية في قندهار
تشير ملفات استخباراتية وتحليلات مكانية إلى أن نمط حياة هبة الله آخوندزاده يتسم بسرية شديدة وتدابير أمنية معقدة. واستناداً إلى بيانات الخرائط وتقارير أمنية، يقيم في الغالب داخل مجمعات ومواقع محمية في قندهار.
ومن بين هذه المواقع مجمعات عسكرية وإدارية مثل مجمع طارق بن زياد والمنشآت التابعة له، التي تحولت إلى ما يشبه القلعة والحصن الرئيسي لصنع القرار في الحركة. والوصول إلى هذه المناطق مقيد بشدة، بل ومحظور حتى على عدد كبير من وزراء حركة طالبان وكبار مسؤوليها.
وتشير التقييمات إلى أنه يستخدم مرافق تحت الأرض ومقار إقامة آمنة وطبقات متعددة من الحماية، كما تخضع تحركاته لرقابة مشددة. ونادراً ما يظهر أمام العامة، كما أن الصور الرسمية أو المقاطع المصورة المسجلة له نادرة للغاية.
الرحلات والخطب
تظهر مراجعة تحركات هبة الله آخوندزاده أنه على خلاف كبار مسؤولي حركة طالبان الآخرين الذين يقومون برحلات رسمية داخلية وزيارات دبلوماسية خارجية، لا يقوم عملياً بأي سفر معلن. كما أن تحركاته داخل قندهار محدودة للغاية وتتم وسط إجراءات أمنية مشددة.
وعلى خلاف القادة السابقين، لا يبدي رغبة في القيام بجولات بين الولايات، ويدير شؤون الحكم من مقره المحصن. ومع ذلك، تشير المراجعات إلى أنه قام أحياناً برحلات محدودة وسط إجراءات أمنية، من بينها زيارته الاستثنائية إلى كابل ومشاركته في اجتماع كبير لعلماء الدين.
ولا يظهر زعيم حركة طالبان شخصياً في الاجتماعات العامة، كما أن صوته نادراً ما يُسمع باستثناء عدد محدود من التسجيلات الصوتية التي تُنشر أحياناً لخطب ألقاها في مساجد قندهار.
وفي سبتمبر 2023، سافر إلى أروزغان ونيمروز، ثم زار كابل في مايو 2024 وغور في يوليو من العام نفسه. أما أوسع رحلة موثقة له فكانت بين أغسطس وسبتمبر 2024، واستمرت نحو 14 يوماً، زار خلالها ولايات هرات وبادغيس وفارياب وجوزجان وسربل وبلخ وسمنغان وبغلان وقندوز وتخار وبدخشان. وفي أبريل 2026، أفاد مسؤولون في حركة طالبان أيضاً بوجوده في هلمند.
وتشير التقارير المنشورة إلى أنه زار ما لا يقل عن 16 ولاية خارج قندهار خلال الفترة من 2021 إلى 2026. ولا يظهر شخصياً في الاجتماعات العامة، كما أن صوته نادراً ما يُسمع، باستثناء تسجيلات صوتية تُنشر أحياناً من مساجد قندهار.
وبعد سيطرة حركة طالبان على أفغانستان في أغسطس 2021، ظل آخوندزاده مختفياً عن الأنظار لأشهر، إلى أن ألقى في 29 أكتوبر 2021 أول خطاب له في مدرسة دينية بقندهار، ولم يتمكن الجمهور سوى من الاستماع إلى تسجيل صوتي للخطاب. وألقى لاحقاً عدة خطابات أخرى في قندهار وكابل من دون إظهار وجهه.
الخلاصة
تظهر مراجعة مسيرة هبة الله آخوندزاده أن تركيز السلطة بيده داخل إدارة حركة طالبان جاء نتيجة اعتماده على البنى الدينية التقليدية وخلفيته القضائية، إلى جانب تأسيس دائرة سياسية مغلقة على مدى عقود.
ومن خلال تشدده في ممارسة السلطة، ابتعد عن الحداثة والمؤسسات الحكومية التقليدية، وقاد أفغانستان إلى دائرة من العزلة والأوامر الدينية المطلقة والمحافظة الشديدة.