في الحركة، نور الدين عزيزي.
كما زار وزير الزراعة في حركة طالبان، عطاء الله عمري، بيلاروسيا الشهر الماضي، فيما زارها في مطلع العام الجاري المدير العام للشركات الحكومية التابعة للحركة، أحمد جان بلال.
وكان نائب وزير خارجية بيلاروسيا، سيرغي لوكاشيفيتش، قد زار كابل العام الماضي.
وتقول حركة طالبان إن هذه الزيارات تهدف في الأساس إلى توسيع التعاون الاقتصادي والتجاري. وتنتج بيلاروسيا الآليات الزراعية والمعدات الثقيلة والتجهيزات الصناعية.
لكن كثافة زيارات مسؤولي حركة طالبان إلى بيلاروسيا، التي لا تربطها بأفغانستان علاقات تاريخية واسعة، تثير تساؤلات.
ولا تملك بيلاروسيا سفارة عاملة في كابل، وتتابع شؤونها القنصلية مع أفغانستان عبر سفارتها في طشقند. كما لا تملك حركة طالبان سفارة في بيلاروسيا، وتدير شؤونها القنصلية عبر سفارة أفغانستان في موسكو.
وقال خمسة مصادر رفيعة المستوى، بينهم مسؤولون أمنيون سابقون، لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن حركة طالبان تشتري أسلحة وطائرات مسيّرة من بيلاروسيا، الحليف الوثيق لروسيا. وبحسب هذه المصادر، تتم عمليات الشراء عبر الهند وبتمويل منها.
ولا تزال تفاصيل هذا التعاون غير واضحة، كما لا يُعرف إلى أي مدى يمكن أن تكون الهند مستعدة لتقديم دعم مالي أو سياسي لحركة طالبان لشراء معدات عسكرية. ومع ذلك، تحتاج الحركة، في مواجهة التفوق الجوي والقوة النارية لباكستان، إلى أسلحة مثل الطائرات المسيّرة لتعزيز قدرتها الدفاعية أمام التهديدات العسكرية الباكستانية الأوسع.
وقال مصدران أفغانيان رفيعا المستوى إنهما حصلا على هذه المعلومات من مصادر هندية، وكذلك من شخص مطلع على السوق السوداء للأسلحة.
وتُعد بيلاروسيا من الدول القديمة في تصدير الأسلحة والمعدات العسكرية الروسية التي كانت قوات الجيش الأفغاني السابق، وكذلك حركة طالبان، على دراية باستخدامها. ووصل بعض هذه المعدات خلال السنوات الماضية إلى مناطق نزاع، كما وقع بعضها في أيدي جماعات مسلحة غير حكومية.
وبحسب المعلومات التي حصلت عليها "أفغانستان إنترناشيونال"، توطدت العلاقات العسكرية بين حركة طالبان وبيلاروسيا بعد زيارة وزير دفاع الحركة إلى موسكو في مايو ويونيو الماضيين ولقائه مسؤولين روساً كباراً. وخلال تلك الزيارة، ناقشت روسيا وحركة طالبان التعاون العسكري.
وقال المبعوث الروسي الخاص إلى أفغانستان، ضمير كابولوف، إن الاتفاق العسكري يقتصر على إصلاح المعدات الروسية الموجودة في أفغانستان. وأضاف أن الاتفاق قد يمهد الطريق لتوقيع عقود جديدة بين الطرفين.
وتُعد بيلاروسيا من أقرب حلفاء روسيا، ويرتبط رئيسها ألكسندر لوكاشينكو بعلاقات وثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ووقفت مينسك إلى جانب موسكو عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، ما عرضها لعقوبات غربية واسعة.
سجل التعاون العسكري بين بيلاروسيا وأفغانستان
للتعاون العسكري بين أفغانستان وبيلاروسيا سوابق.
حيث قال مسؤول أمني رفيع في الحكومة الأفغانية السابقة إن التعاون بين كابل ومينسك، خلال رئاسة أشرف غني، كان يتركز أساساً على شراء مروحيات عسكرية من طراز "مي-35".
وكانت الحكومة آنذاك تأمل في أن تساعد هذه المروحيات القوات الأفغانية في القتال ضد حركة طالبان. وقال المسؤول: "كنا بحاجة إلى مثل هذه المروحيات لتوفير الإسناد الجوي للقوات".
وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه لحساسية الموضوع، أن التعاون الأمني والعسكري المباشر مع بيلاروسيا لم يكن ممكناً، بسبب حساسية الولايات المتحدة تجاه شراء الأسلحة من روسيا وبيلاروسيا، في ظل عدم تمتع البلدين بعلاقات جيدة مع واشنطن.
وقال: "كانت الولايات المتحدة تقدم مساعدات عسكرية ومالية، لكنها كانت تحدد بنفسها أين تُنفق هذه المساعدات ولأي غرض. وبالتأكيد لم تكن تسمح لنا بشراء أسلحة أو مروحيات من بيلاروسيا أو روسيا".
وأوضح المسؤول البارز في الحكومة السابقة أن كابل خلصت إلى أن توقيع عقد مباشر غير ممكن، فاتجهت إلى العمل عبر الهند، التي كانت حليفاً وثيقاً لكل من كابل وروسيا.
وبحسب روايته، لدى الهند اتفاق دائم مع بيلاروسيا، واستخدمت هذا المسار لشراء مروحيات قتالية لأفغانستان. وتُظهر الوثائق الرسمية لتلك الفترة أن الهند اشترت أربع مروحيات من طراز "مي-35" من بيلاروسيا وسلمتها إلى القوات الجوية الأفغانية. وقال المسؤول أيضاً إن الهند أصلحت عدداً من طائراتها الحربية عبر بيلاروسيا ووضعتها تحت تصرف أفغانستان.
وكانت وكالة "باجواك" قد أفادت في 12 مارس 2018 بأن وزارة الدفاع الأفغانية ستشتري، بمساعدة مالية من الهند، أربع مروحيات قتالية من طراز "مي-35" من بيلاروسيا.
وقال المتحدث باسم وزارة الدفاع آنذاك، دولت وزيري، لـ"باجواك" إن عقد شراء المروحيات وُقع بين أفغانستان وبيلاروسيا في نيودلهي، وإن الهند ستتحمل تكلفته.
وقال المسؤول السابق لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن الحكومة السابقة أجرت أيضاً مشاورات وبدأت أعمالاً تمهيدية لشراء مناظير للرؤية الليلية وطائرات مسيّرة من بيلاروسيا وتركيا، لكن البرنامج لم يُستكمل.
هل تتبع طالبان المسار نفسه؟
بعد عودتها إلى السلطة، باتت حركة طالبان في مواجهة خصم قوي مثل باكستان، التي تحتل، وفق تصنيف مؤسسة "غلوبال فاير باور" لعام 2026، المرتبة الرابعة عشرة بين أقوى الجيوش في العالم. وتملك قوات الحركة وأسلحتها قدرات محدودة على مواجهة الطائرات الحربية الباكستانية، ما دفعها إلى محاولة تقليص هذه الفجوة العسكرية عبر شراء الطائرات المسيّرة أو تصنيعها.
ويجعل غياب الاعتراف الدولي والقلق من صلات حركة طالبان بالجماعات الإرهابية وصولها إلى الأسلحة المتطورة أمراً صعباً. كما أن بيع الأسلحة للحركة قد يسبب توتراً في علاقات الدول الموردة مع باكستان، القوة النووية في جنوب آسيا، أو يثير رد فعل من الولايات المتحدة.
وقال مسؤولان عسكريان وأمنيان سابقان رفيعا المستوى على الأقل إن بيلاروسيا مستعدة، بوساطة هندية وبموافقة روسية، لتزويد حركة طالبان ببعض المعدات، ولا سيما الطائرات المسيّرة.
وقال أحد المسؤولين السابقين في القطاع الأمني إن حركة طالبان تحاول حالياً استخدام المسارات نفسها التي كانت الحكومة السابقة تعتمد عليها لشراء المعدات العسكرية.
واستناداً إلى مصادره الإقليمية، قال إنه متأكد "مئة في المئة" من أن حركة طالبان اشترت أسلحة ومعدات عسكرية، بينها طائرات مسيّرة، من بيلاروسيا، وإن عمليات الشراء تتم، كما في السابق، عبر الهند.
وأوضح أن الهند لديها اتفاق عسكري مع بيلاروسيا، وأن الإجراءات الإدارية المتعلقة بشراء الأسلحة وإصلاحها بين البلدين جرى استكمالها مسبقاً، ولذلك يمكن للهند إجراء عمليات الشراء متى أرادت، فيما يتركز النقاش أساساً على السعر.
وأكد: "طالبان تتبع مسار الجمهورية في شراء الأسلحة".
وقالت شخصية رفيعة مقربة من حركة طالبان في كابل لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن اتفاقات أُبرمت بين الجانبين، وإن هذه الاتفاقات جرت "إلى حد كبير بإشارة وتنسيق من روسيا".
وتُعد الهند الدولة الوحيدة في المنطقة والعالم التي تدعم حركة طالبان في مواجهة باكستان. وقد أدانت نيودلهي في المحافل الدولية التعامل العسكري الباكستاني مع إدارة الحركة. ولم تدعم أي دولة أخرى إدارة حركة طالبان في مواجهة الهجمات الباكستانية.
وتحدثت "أفغانستان إنترناشيونال" أيضاً مع خبير روسي بارز، طلب عدم الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، وقال إنه يستبعد دخول بيلاروسيا في تعاون عسكري مهم مع حركة طالبان من دون تنسيق مع روسيا.
وأوضح أن بيلاروسيا تعتمد بدرجة كبيرة على موسكو في السياسة الخارجية والأمنية، وأن أي تعاون عسكري حساس مع حركة طالبان يرجح ألا يتم من دون علم روسيا.
وقال أحد الشخصيات المعارضة لحركة طالبان لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "بيلاروسيا تعرف أنها تبيع معدات عسكرية لطالبان عبر الهند. أعتقد أن الروس وضعوا العبء على عاتق بيلاروسيا".
تصاعد دور الطائرات المسيّرة في حروب طالبان
أصبحت الطائرات المسيّرة خلال الأشهر الأخيرة إحدى الأدوات المهمة في مواجهات حركة طالبان، ولا سيما على الحدود مع باكستان وفي قتالها ضد الجماعات المسلحة المعارضة لها.
ومنذ مطلع العام الجاري، استخدمت حركة طالبان للمرة الأولى وعلى نطاق أوسع طائرات مسيّرة انتحارية ورباعية المراوح في هجمات عبر الحدود على باكستان، بما في ذلك مناطق تقع على عمق عشرات الكيلومترات داخل الأراضي الباكستانية. ووصفت باكستان هذه الطائرات بأنها بدائية وغير فعالة.
وذكرت منظمة رصد النزاعات "أكلد" أن استخدام حركة طالبان للطائرات المسيّرة ضد أهداف داخل باكستان أصبح منذ مطلع عام 2026 نمطاً متكرراً في المواجهة مع باكستان.
وأقرت حركة طالبان بتنفيذ بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة داخل الأراضي الباكستانية، لكنها نفت مسؤوليتها عن هجمات أخرى.
وأعلن الجيش الباكستاني، الأربعاء 24 سبتمبر، إسقاط ثماني طائرات مسيّرة قال إنها انطلقت من أفغانستان، في محيط تورخم وكوهات. ونفى المتحدث باسم حركة طالبان، ذبيح الله مجاهد، هذا الادعاء، وقال إن الحركة لم تنفذ مثل هذا الهجوم.
وفي اليوم التالي، استهدفت إسلام آباد 10 مواقع في ولايات خوست وبكتيا وقندهار، وقالت إن هذه المواقع مرتبطة بتخزين الطائرات المسيّرة وإطلاقها. وأعلنت حركة طالبان سقوط قتلى مدنيين في هذه الهجمات.
ولم يقتصر استخدام الطائرات المسيّرة على الحدود مع باكستان، إذ استخدمتها حركة طالبان أيضاً في المواجهات الأخيرة مع مقاتلي جبهة الحرية في مديرية كامديش بولاية نورستان.
الخيارين الإيراني والصيني
تكرر خلال العام الماضي التساؤل بشأن الجهة التي تشتري منها حركة طالبان الطائرات المسيّرة، وترددت أسماء إيران والهند وروسيا والصين، والآن بيلاروسيا.
ويرى الخبير الروسي أن حركة طالبان مهتمة بالطائرات المسيّرة الإيرانية، لأنه، بحسب قوله، "تتمتع الطائرات المسيّرة الإيرانية بجودة وسمعة أفضل مقارنة بنظيراتها البيلاروسية".
لكن سياسياً معارضاً لحركة طالبان وله خلفية عسكرية قال لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن إيران "لا تستطيع، خوفاً من باكستان، تزويد طالبان بالطائرات المسيّرة بكميات كبيرة وبصورة علنية".
واكتسبت طائرات "شاهد" الإيرانية شهرة أوسع بعد الحرب الروسية الأوكرانية، وعاد اسمها إلى الواجهة مجدداً بعد الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة. كما اضطرت الولايات المتحدة إلى إنتاج طائرات مسيّرة أقل كلفة، شبيهة بـ"شاهد"، لتجنب نقص طائراتها المسيّرة المتطورة والباهظة الثمن خلال الحروب.
وفي الوقت نفسه، قال المصدر المقرب من حركة طالبان إن الطائرات المسيّرة الصينية متوفرة أيضاً بكثرة في الأسواق، وإن "استخدامها أسهل وأسعارها أقل".
لماذا بيلاروسيا؟
قال نائب وزير الداخلية الأفغاني السابق، هلال الدين هلال، إن الطائرات المسيّرة المصنعة في بيلاروسيا لا تتمتع بشهرة كبيرة في السوق الدولية، ولا تحظى باهتمام واسع، ولذلك، بحسب قوله، بادرت حركة طالبان إلى سلوك هذا المسار.
وتنتج بيلاروسيا طائرات مسيّرة للاستطلاع والهجوم، إضافة إلى طائرات مسيّرة مروحية. وتعد "بوسل إم-50" و"بوريفيستنيك" من النماذج التي يقدمها المصنعون في البلاد باعتبارها من منتجاتهم التجارية الناجحة.
ويرى هلال أيضاً أن الهند تتحمل تكلفة شراء الطائرات المسيّرة. ومع ذلك، قال إن "مافيا السلاح" تؤدي دوراً بارزاً في توفير الأسلحة البيلاروسية لحركة طالبان. كما أكد مسؤول عسكري معارض للحركة دور مافيا السلاح في هذه العمليات.
وتواصلت "أفغانستان إنترناشيونال" مع وزارتي خارجية الهند وبيلاروسيا وإدارة حركة طالبان للحصول على تعليق، لكن أياً منها لم يرد على أسئلة القناة.
ودخلت الحرب بين القوات المعارضة لحركة طالبان والحركة مرحلة جديدة. ولم تعد طالبان تكتفي بالأسلحة التي خلفتها القوات الأميركية وحلف شمال الأطلسي، بل باتت تحتاج إلى معدات وأسلحة جديدة لمواصلة القتال ضد معارضيها المسلحين.
ويقول خبراء إن الدول القريبة من حركة طالبان، ومن بينها روسيا والهند وإيران، يمكن أن تؤدي دوراً في تأمين جزء من احتياجاتها من الأسلحة. وبحسب هؤلاء، فإن تزايد استخدام الحركة للطائرات المسيّرة ومحاولاتها الوصول إلى أسلحة جديدة يشيران إلى سعيها لتعزيز قدراتها العسكرية في مواجهة باكستان والقوات المعارضة لها داخل أفغانستان.
لكن وصول حركة طالبان على نطاق واسع وبصورة رسمية إلى سوق الأسلحة يتطلب منها تشكيل حكومة شرعية وقطع علاقاتها مع الجماعات الإرهابية. وقد أعربت دول عدة، من بينها الولايات المتحدة، مراراً عن قلقها من وصول الجماعات المسلحة والإرهابية إلى الأسلحة والمعدات العسكرية الموجودة في أفغانستان.