الاستراتيجيين والمذهبيين، وقُتل دبلوماسيون إيرانيون في مزار شريف، واقتربت طهران من اتخاذ إجراء عسكري ضد الحركة.
لكن بعد سنوات قليلة، وسعت إيران نفسها اتصالاتها السرية مع حركة طالبان، وعقدت اجتماعات مع ممثليها، وقبلت خلال عهد الجمهورية الأفغانية إجراء محادثات معهم، وصولاً إلى ما بعد عودة الحركة إلى السلطة عام 2021، حين أصبحت علاقات طهران مع النظام الجديد في كابل أكثر رسمية واتساعاً من أي وقت مضى.
والسؤال المطروح هو: هل اتجهت طهران وحركة طالبان نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد، أم أن الطرفين يستخدم كل منهما الآخر وفقاً لاحتياجاته؟
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن علاقات الطرفين تستند في معظمها إلى احتياجات أمنية واقتصادية وجيوسياسية مشتركة قصيرة ومتوسطة الأمد، إلا أن الخلافات الأيديولوجية والمذهبية والاستراتيجية بينهما تجعل من الصعب الحديث، من دون تحفظ، عن تحالف كامل وعميق.
من مزار شريف إلى طهران.. أول اختبار كبير للعداء
عندما بدأت حركة طالبان بالتوسع سريعاً في أفغانستان في منتصف تسعينات القرن الماضي، تعاملت إيران بحذر مع القوة الجديدة الصاعدة.
وخاضت حركة طالبان في سنواتها الأولى معارك ضد حلفاء إيران التقليديين، ولا سيما الجماعات السياسية والعسكرية الشيعية. وكانت إيران، بعد مرحلة حروب الفصائل الأفغانية، تدعم حزب الوحدة في مواجهة حكومة برهان الدين رباني، إلا أن حركة طالبان تحولت تدريجياً إلى القوة التي سيطرت على أجزاء واسعة من أفغانستان.
وفي أغسطس 1998، وبعد سيطرة حركة طالبان على مزار شريف، تصاعد التوتر بصورة مفاجئة، إذ قُتل عدد من موظفي القنصلية الإيرانية وصحفي إيراني في المدينة.
وأثار الحادث غضباً شديداً في إيران، التي حشدت قواتها قرب الحدود مع أفغانستان، وارتفع احتمال اندلاع حرب مباشرة بين الجانبين إلى مستوى غير مسبوق.
ونفت حركة طالبان مسؤوليتها عن مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين، وقالت إن مسلحين تصرفوا بصورة فردية كانوا وراء الحادث.
كما نقل ملا عبد الحي مطمئن، وهو من مسؤولي وكتاب المرحلة الأولى لحكم طالبان، في كتابه "الملا محمد عمر، طالبان وأفغانستان"، رد فعل شديداً من مؤسس الحركة الملا محمد عمر تجاه حادثة مزار شريف. وبحسب رواية مطمئن، أمر الملا عمر بالعثور على المسؤولين عن الحادث ومعاقبتهم، وهو ما اعتبره دليلاً على أن العملية لم تكن بتوجيه من قيادة حركة طالبان.
وفي الوقت نفسه، تراجع احتمال اندلاع الحرب بين إيران وحركة طالبان بعدما قرر المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي عدم بدء مواجهة عسكرية.
وظلت حادثة مزار شريف علامة بارزة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، إلا أنها، على نحو لافت، لم تمنع بالكامل تطور العلاقات بينهما في السنوات التالية.
عدو عدوي.. المنطق الأول للعلاقات
كان أحد الأسباب المبكرة التي دفعت أطرافاً داخل حركة طالبان إلى إقامة علاقات مع إيران هو أن طهران دولة معادية للولايات المتحدة.
ورأى بعض أوساط الحركة أنه إذا كانت إيران في مواجهة مع الولايات المتحدة، وكانت طالبان هي الأخرى تعارض واشنطن، فإن ذلك يخلق أرضية لمصالح مشتركة، إلا أن الموقف المعادي للولايات المتحدة لم يكن العامل الوحيد وراء هذه العلاقات.
وبرزت حركة طالبان بعد سنوات طويلة من حروب الفصائل الأفغانية، في وقت كان جزء كبير من السكان قد أنهكته الحرب. وسرعان ما أدركت إيران أن طالبان لم تعد مجرد جماعة دينية محلية، بل أصبحت مرتبطة بشبكات أوسع شملت باكستان والسعودية والمقاتلين العرب، ثم تنظيم القاعدة لاحقاً.
وكان من المهم بالنسبة إلى إيران فهم طبيعة القوة الجديدة في أفغانستان وعلاقاتها والتهديدات المحتملة التي قد تشكلها، وهو ما دفع طهران، إلى جانب عدائها المباشر مع الحركة، إلى إبقاء باب للتواصل معها مفتوحاً.
القاعدة.. معادلة مشتركة ومتناقضة بالنسبة لإيران
زاد وجود أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة خلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان من تعقيد المشهد الأفغاني.
ووصل أسامة بن لادن إلى أفغانستان بعد خلافاته مع السعودية، وأصبح مقرباً من قيادة حركة طالبان، قبل أن تكتسب علاقة الحركة بتنظيم القاعدة طابعاً دولياً.
ومن جهة، كان موقف تنظيم القاعدة المعادي للولايات المتحدة محل اهتمام بالنسبة إلى إيران، لكن من جهة أخرى كانت أيديولوجيته السلفية والجهادية على خلاف عميق مع الرؤية المذهبية والاستراتيجية الإيرانية.
ولهذا السبب، سعت إيران إلى فهم طبيعة العلاقات بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة والجماعات المسلحة الأفغانية والإقليمية الأخرى، والحفاظ على اتصالاتها مع أطراف متعددة استعداداً لأي تطورات مستقبلية محتملة في أفغانستان.
وخلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان، كانت باكستان والسعودية والإمارات الدول الثلاث التي اعترفت رسمياً بنظام الحركة.
وكانت هذه الدول الثلاث من اللاعبين الإقليميين المهمين بالنسبة إلى إيران، كما كانت منافسة لها في بعض الملفات.
ولهذا أصبحت علاقات حركة طالبان بهذه الدول جزءاً مهماً من حسابات السياسة الإيرانية تجاه أفغانستان.
الاقتصاد.. الباب الذي فتحته السياسة
رغم العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على النظام الأول لحركة طالبان، لم تقطع إيران علاقاتها التجارية مع أفغانستان، وواصلت تصدير النفط والغاز والمواد الغذائية والمنتجات الصناعية إلى السوق الأفغانية.
وكانت أفغانستان سوقاً قريبة ومهمة بالنسبة إلى إيران، في حين ارتبطت مناطق غرب أفغانستان وجنوبها بعلاقات اقتصادية وبشرية قديمة مع إيران.
وكان كثير من سكان هلمند وفراه ونيمروز وهرات وقندهار يتوجهون منذ سنوات إلى إيران للعمل، ما وفر أرضية طبيعية للتفاعل الاقتصادي بين البلدين.
كما كانت للعلاقات مع حركة طالبان فائدة عملية بالنسبة إلى إيران، إذ إن التواصل مع الحركة في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ عسكري كان وسيلة لتأمين التجارة والأنشطة الحدودية.
ومن جهة أخرى، تعد مياه نهر هلمند من أبرز القضايا في العلاقات بين إيران وأفغانستان، إذ ظلت طهران قلقة من تأثير السدود الأفغانية وإدارة المياه على إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني.
وخلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان، حاولت إيران أيضاً إجراء محادثات مع الحركة بشأن وضع مياه هلمند.
وبحسب رواية وحيد مجدة، أرادت إيران إرسال وفد فني إلى أفغانستان لمعاينة وضع سد كجكي ونهر هلمند عن قرب.
وفي عهد الجمهورية الأفغانية، أصبحت قضية المياه أكثر حساسية، ولا سيما عندما شددت الحكومة الأفغانية على إدارة الموارد المائية وإنشاء سدود جديدة.
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، حاولت إيران التوصل إلى تفاهم مع السلطة الجديدة بشأن قضية المياه.
لكن قضية المياه بالنسبة إلى إيران لا تقتصر على المياه وحدها، بل ترتبط أيضاً بأمن الحدود والاقتصاد والهجرة والاستقرار السياسي في أفغانستان.
الولايات المتحدة.. العامل الأبرز في تقارب إيران وطالبان
ربما كان الوجود الأميركي العامل الجيوسياسي الأبرز في تطور العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
فبعد عام 2001، دخلت القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي إلى أفغانستان. ورحبت إيران من جهة بسقوط النظام الأول لحركة طالبان، لكنها رأت من جهة أخرى أن الوجود العسكري الأميركي بات قريباً من حدودها الشرقية، وهو تحول أمني كبير بالنسبة إليها.
وكانت القوات الأميركية تمتلك في أفغانستان قواعد وقوة جوية ومراكز استخباراتية وحضوراً عسكرياً واسعاً. ثم جاءت الحرب الأميركية في العراق عام 2003 لتزيد المشهد تعقيداً.
وفي ظل هذا الوضع، شعرت إيران بأنها محاصرة بين وجود عسكري أميركي في العراق غرباً وأفغانستان شرقاً، ومن هنا تغيرت حساباتها الأمنية الإقليمية.
مؤتمر بون وبناء أفغانستان الجديدة
بعد سقوط النظام الأول لحركة طالبان، أدت إيران دوراً فاعلاً في تشكيل النظام السياسي الجديد في أفغانستان.
وكان مؤتمر بون عام 2001 محطة رئيسية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالترتيبات السياسية الجديدة في أفغانستان.
ودعمت إيران تشكيل النظام الجديد، ووسعت علاقاتها مع حكومة حامد كرزاي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد بقاء أفغانستان بالكامل تحت النفوذ الأميركي.
ولهذا اتخذت السياسة الإيرانية مسارين متوازيين، أولهما إقامة علاقات رسمية ودبلوماسية مع الحكومة الأفغانية الجديدة، وثانيهما الحفاظ على اتصالات مع الجماعات المعارضة للوجود الأميركي.
وفي إطار هذه السياسة، تزايدت التقارير عن علاقات إيران ببعض شبكات حركة طالبان.
ومن وجهة نظر إيران، كانت هذه العلاقات وسيلة للاستعداد لمستقبل أفغانستان.
ولم تكن طهران تريد أن تجد نفسها بلا أي قنوات اتصال مع حركة طالبان إذا عادت الحركة إلى السلطة.
ولهذا السبب، بدأت زيارات الممثلين السياسيين لحركة طالبان ولقاءاتهم مع المسؤولين الإيرانيين تظهر إلى العلن تدريجياً خلال السنوات الأخيرة من عمر الجمهورية الأفغانية.
وكان استقبال إيران لممثلي الحركة مؤشراً إلى أن طهران لم تعد تنظر إلى طالبان باعتبارها مجرد جماعة مسلحة معارضة، بل طرفاً سياسياً مهماً في مستقبل أفغانستان.
إيران وروسيا وطالبان.. حسابات مشتركة في مواجهة الولايات المتحدة
لم تكن إيران وحدها، إذ وسعت روسيا أيضاً علاقاتها مع حركة طالبان تدريجياً.
وكان البلدان قلقين من احتمال تحول الوجود الأميركي وقوات الناتو في أفغانستان إلى وجود طويل الأمد في المنطقة، ثم دخلت الصين بدورها على نحو أكثر فاعلية في المعادلة الأفغانية. وأتاح ذلك لحركة طالبان فرصة لبناء علاقات مع القوى الإقليمية.
ومنحت اجتماعات موسكو وطهران حركة طالبان فائدتين أساسيتين.
الأولى، زيادة اتصالاتها الرسمية مع القوى الإقليمية.
والثانية، تحولها تدريجياً من مجرد حركة مسلحة إلى طرف سياسي أصبحت القوى الإقليمية مستعدة للتفاوض معه.
باكستان والسعودية.. جانب آخر مهم في علاقات إيران وطالبان
تتمتع إيران وباكستان بنفوذ مهم في أفغانستان، لكن التنافس بينهما يمتد أيضاً إلى تاريخ طويل.
وكانت باكستان من أبرز داعمي النظام الأول لحركة طالبان، في حين كانت إيران أقرب إلى التحالف الشمالي المعارض للحركة في أفغانستان، ومع ذلك حافظت طهران على اتصالاتها مع طالبان.
وأشار وحيد مجدة في كتاباته إلى المنافسة الاقتصادية والسياسية بين إيران وباكستان، واعتبر فتح معبر إسلام قلعة أحد أمثلة هذه المنافسة.
وكان سوق غرب أفغانستان مهماً لإيران، بينما أرادت باكستان إبقاء السوق التجارية الأفغانية إلى حد كبير ضمن نطاق نفوذها.
وهكذا أصبحت أفغانستان جزءاً من التنافس الجيوسياسي الأوسع بين إيران وباكستان.
ومن جهة أخرى، تأثرت علاقات إيران وحركة طالبان أيضاً بطبيعة علاقات الطرفين مع السعودية.
وكانت السعودية واحدة من الدول الثلاث التي اعترفت رسمياً بالنظام الأول لحركة طالبان، إلا أن قضية أسامة بن لادن أصبحت أبرز أسباب الخلاف بين الرياض والحركة.
وكانت إيران تراقب عن قرب آنذاك الخلافات بين السعودية وحركة طالبان.
وكان يهم طهران معرفة مدى قرب طالبان أو ابتعادها عن السعودية وشبكاتها السلفية.
وفي المرحلة الثانية لحكم طالبان، تغير الوضع إلى حد ما، إذ اتخذت الحركة إجراءات صارمة ضد تنظيم داعش خراسان وبعض الجماعات السلفية في شرق أفغانستان.
وكان ذلك عاملاً إيجابياً مهماً بالنسبة إلى إيران، نظراً إلى مخاوف طهران الأمنية العميقة من تنظيم داعش والجماعات السلفية الجهادية.
داعش.. جزء من المخاوف المشتركة بين طهران وطالبان
يمثل تنظيم داعش ملفاً مهماً في المرحلة الجديدة من العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
ويُعد تنظيم داعش خراسان أحد أبرز الخصوم المسلحين لحركة طالبان، ونفذت الحركة عمليات أمنية واسعة ضده.
كما تعتبر إيران تنظيم داعش تهديداً خطيراً لأمنها، ولذلك توفر حرب حركة طالبان ضد التنظيم أرضية عملية لاستمرار العلاقات بين طهران والحركة.
لكن هذا القلق المشترك لا يعني أن الرؤى الأمنية للطرفين متطابقة بالكامل.
الدعم الإيراني المحتمل لطالبان خلال عودتها
نُشرت تقارير عديدة خلال المرحلة الثانية من حرب حركة طالبان عن دعم عسكري إيراني محتمل للحركة.
وفي بعض الحالات، ظهرت ادعاءات بالعثور على أسلحة وذخائر ومعدات إيرانية بحوزة عناصر من طالبان.
ولم ينف المسؤولون الإيرانيون عموماً وجود علاقات مع حركة طالبان، لكنهم نفوا في أوقات مختلفة مزاعم تقديم دعم عسكري لها أو التزموا الصمت حيالها.
وكان يمكن ربط أي دعم إيراني لحرب طالبان، مهما كان حجمه، بمنطق جيوسياسي أوسع يتمثل في تقليص النفوذ الأميركي عبر أفغانستان.
ويحتل الزعيم الثاني لحركة طالبان الملا أختر محمد منصور موقعاً خاصاً في النقاش بشأن العلاقات بين إيران والحركة.
وقُتل منصور عام 2016 في إقليم بلوشستان الباكستاني بغارة أميركية بطائرة مسيرة، بينما كانت تقارير تشير إلى أنه كان في طريقه من إيران إلى باكستان.
ومنذ ذلك الحين، أثيرت أسئلة عديدة بشأن طبيعة رحلته ومدة إقامته في إيران.
وكانت رحلة منصور إلى إيران تحمل دلالة مهمة، مفادها أن العلاقات بين حركة طالبان وإيران وصلت إلى مستوى أصبح معه أحد كبار قادة الحركة قادراً على التواصل مع طهران والعبور من أراضيها، وهو مؤشر لافت على مستوى الثقة الذي كان قائماً بين الطرفين.
المصالح الاقتصادية.. أقوى ركائز العلاقة
يمكن اعتبار الاقتصاد العامل الأكثر عملية في استمرار العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
وتعد إيران من أبرز الشركاء التجاريين لأفغانستان.
وبالنسبة إلى إيران، تمثل أفغانستان سوقاً مهماً لمنتجاتها، وسوقاً لصادرات الطاقة والنفط، وبوابة محتملة لمسارات العبور باتجاه آسيا الوسطى، وشريكاً جغرافياً مهماً لميناء تشابهار، فضلاً عن أهميتها الحيوية لأمن الحدود الشرقية الإيرانية.
وليس إيران وحدها من تسعى إلى العلاقات مع حركة طالبان لتحقيق مصالحها، إذ تحتاج الحركة بدورها إلى العلاقات الاقتصادية مع إيران.
وبسبب العزلة الدولية والعقوبات وتراجع المساعدات الخارجية، تحتاج أفغانستان إلى توسيع علاقاتها التجارية الإقليمية.
ولهذا أصبح الاقتصاد أداة مهمة لإدارة الخلافات السياسية بين الطرفين.
وتشترك إيران مع أفغانستان بحدود تمتد لنحو ألف كيلومتر، ويعد أمن هذه الحدود مسألة حيوية بالنسبة إلى طهران.
وترتبط بهذه الحدود ملفات التهريب والمخدرات والاتجار بالبشر والجماعات المسلحة والتنقل غير القانوني، وهي قضايا تعتبر إيران أنها مرتبطة بالأوضاع داخل أفغانستان.
ومن الخصائص المهمة لحركة طالبان بالنسبة إلى إيران امتلاكها حضوراً أمنياً واسعاً في المناطق الغربية والجنوبية الغربية من أفغانستان.
ولهذا تريد طهران الاحتفاظ باتصال مباشر مع القوة التي تسيطر فعلياً على المناطق الممتدة على طول الحدود.
محاولات إيران للوساطة في عملية السلام مع طالبان
إلى جانب مفاوضات الدوحة، استضافت موسكو وطهران أيضاً اجتماعات جمعت حركة طالبان بأطراف أفغانية أخرى في إطار عملية السلام.
وسعت إيران إلى ألا تظهر بوصفها داعماً لحركة طالبان فقط، بل أيضاً وسيطاً في التسوية السياسية الأفغانية.
لكن الفائدة الأكبر من هذه المساعي عادت إلى حركة طالبان، لأنها وسعت اتصالاتها السياسية مع القوى الإقليمية.
وبهذه الطريقة، تراجعت العزلة الدولية للحركة تدريجياً، ثم فتحت عودتها إلى السلطة فصلاً جديداً في علاقاتها مع إيران.
وفي يوليو 2021، سيطرت حركة طالبان على معبر إسلام قلعة، ثم بدأت بعد ذلك عملية سقوط نيمروز ومناطق أخرى من أفغانستان بوتيرة سريعة، لكن إيران حافظت بالتوازي مع هذه التطورات على حضورها الدبلوماسي في البلاد.
وبعد وصول حركة طالبان إلى السلطة، أصبحت إيران من بين الدول القليلة التي أبقت سفارتها مفتوحة في كابل.
وكانت هذه الخطوة مهمة، لأن دولاً كثيرة كانت قد قلصت وجودها الدبلوماسي أو أنهته بالكامل.
وعقب وصول حركة طالبان إلى السلطة، توجهت موجة جديدة من المهاجرين الأفغان إلى إيران، بينهم مسؤولون حكوميون سابقون وعسكريون وسياسيون وزعماء محليون وأفغان عاديون.
ورغم توسيع علاقاتها مع حركة طالبان، لم تغلق إيران بالكامل أبوابها أمام تنقل وإقامة معارضي الحركة.
وتظهر هذه السياسة أن طهران تحاول من جهة الحفاظ على علاقاتها مع حركة طالبان الحاكمة، ومن جهة أخرى عدم خسارة اتصالاتها مع الأطراف الأخرى استعداداً لأي تحولات سياسية محتملة في مستقبل أفغانستان.
نظام طالبان الثاني.. توازن جديد في العلاقات
بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، توسعت التجارة بين إيران وأفغانستان، وزادت العلاقات في مجالات الطاقة والعبور والنفط والمواد الغذائية وغيرها، لكن الخلافات استمرت بالتوازي مع هذا التقارب.
ولا تزال مياه هلمند من أبرز مخاوف إيران، كما تمثل قضية المهاجرين الأفغان أحد ملفات الضغط بين البلدين.
وتظهر خلافات بين حين وآخر بشأن الاشتباكات الحدودية والتهريب وحقوق المياه وأوضاع المهاجرين الأفغان، ولذلك لا تزال علاقات الطرفين بعيدة عن الاستقرار الكامل.
لماذا لا تتخلى إيران عن طالبان؟
تحقق حركة طالبان لإيران عدداً من المصالح المهمة.
أولاً، الولايات المتحدة: تتمتع حركة طالبان بتاريخ طويل من القتال ضد الوجود العسكري الأميركي.
ثانياً، الحدود: تسيطر حركة طالبان فعلياً على مساحات واسعة من الجوار الشرقي لإيران.
ثالثاً، داعش: تقاتل حركة طالبان تنظيم داعش خراسان.
رابعاً، الاقتصاد: تمثل أفغانستان سوقاً مهماً لإيران ومسار عبور محتملاً.
خامساً، المياه: تريد إيران الاحتفاظ بنفوذ مباشر لدى كابل في قضية مياه هلمند.
سادساً، الجغرافيا السياسية: لا تريد إيران أن تتحول أفغانستان إلى منطقة نفوذ حصرية للولايات المتحدة أو لأي قوة منافسة أخرى.
لماذا تحتاج طالبان إلى إيران؟
احتياجات حركة طالبان إلى إيران ليست قليلة أيضاً.
الحاجة الاقتصادية: إيران شريك تجاري مهم لأفغانستان.
العبور: يوفر ميناء تشابهار مسارات تجارية بديلة لأفغانستان.
الطاقة: تستورد أفغانستان النفط والغاز والكهرباء من إيران.
الدعم الدبلوماسي: إيران من الشركاء الإقليميين الذين حافظوا على علاقاتهم مع حركة طالبان.
الشرعية السياسية: يساعد تعامل قوة إقليمية مثل طهران مع حركة طالبان على تخفيف عزلتها الدولية.
لكن لماذا لا يمكن اعتبار ذلك حتى الآن تحالفاً استراتيجياً؟
رغم اتساع العلاقات بين إيران وحركة طالبان، لا تزال خلافات عميقة قائمة بين الطرفين.
إيران جمهورية إسلامية شيعية، بينما حركة طالبان سنية وتقيم نظاماً لإمارة إسلامية يستند إلى المذهب الحنفي.
ولا يتطابق النظامان المذهبي والسياسي للطرفين.
كما أن وضع أقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان يمثل قضية مهمة لإيران، بينما تتعامل حركة طالبان مع جميع الأفغان وفق رؤيتها الداخلية الخاصة للأمن والسياسة.
ومن جهة أخرى، لا ترتبط حركة طالبان بصورة كاملة بشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران.
فللحركة علاقات تاريخية مع باكستان، وعلاقات سياسية مع قطر، كما تتعامل مع روسيا والصين، وتبقي أبواب العلاقات مفتوحة أمام السعودية ودول عربية أخرى.
ولذلك لا تريد حركة طالبان الانضمام إلى محور إيراني محدد، كما لا تريد إيران بدورها وضع جميع أوراقها السياسية على الحركة وحدها.
سياسة إيران المزدوجة.. علاقات مع طالبان واتصالات مع معارضيها
من السمات المهمة في سياسة طهران أنها تحاول الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات مع أطراف متعددة في أفغانستان، بدلاً من الاعتماد على طرف واحد فقط.
فلديها علاقات رسمية مع حركة طالبان، لكن اتصالات إيران مع الشخصيات الأفغانية المعارضة للحركة لم تنقطع بالكامل.
وبذلك تسعى إيران إلى الاحتفاظ بمسارات بديلة للنفوذ إذا حدث تحول سياسي في أفغانستان.
وتشير هذه السياسة إلى أن طهران لا تثق بصورة كاملة باستمرار بقاء حركة طالبان سياسياً على المدى الطويل.
وكان حضور شخصيات أفغانية معارضة لحركة طالبان، إلى جانب وفد رفيع من الحركة، في مراسم جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، لافتاً.
وبذلك بعثت إيران برسالة مفادها أنها، رغم علاقاتها مع حركة طالبان، لا تغلق أبوابها أمام جميع الأطراف السياسية الأفغانية.
كما حاولت حركة طالبان ألا تجعل من هذه المسألة سبباً لتدهور واسع في العلاقات.
وأظهرت إعادة المسؤولين الإيرانيين التذكير بحادثة مزار شريف عام 1998 لاحقاً أن الجروح القديمة لا تزال حاضرة في ذاكرة العلاقات بين البلدين.
فحادثة مزار شريف عام 1998 لم تختف من سجل العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
ورغم تغير علاقات الجانبين كثيراً منذ ذلك الحين، لا تزال إيران لا تتعامل مع قضية دبلوماسييها الذين قتلوا باعتبارها ملفاً تاريخياً مغلقاً.
وتظهر هذه القضية أن العلاقات بين إيران وحركة طالبان لا تقوم على الصداقة وحدها، بل أيضاً على الحسابات والحاجة والشك والحذر المتبادل.
صراع إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة.. أهمية طالبان
أدى اتساع صراعات إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة إلى زيادة الأهمية الجغرافية لأفغانستان مجدداً.
وتريد إيران منع ظهور أي تهديد أمني من الأراضي الأفغانية يمكن استخدامه ضد طهران.
وحاولت حركة طالبان بدورها طمأنة إيران إلى أن الأراضي الأفغانية لن تستخدم لتنفيذ عمليات ضدها من جانب جماعات مسلحة أو قوات أجنبية، وأصبح هذا التعهد جزءاً مهماً من العلاقات الأمنية بين الطرفين.
من التقارب إلى العلاقة النفعية
إذا نُظر إلى العلاقات بين إيران وحركة طالبان من زاوية تاريخية، فيمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل رئيسية.
المرحلة الأولى: العداء والشك
خلال النظام الأول لحركة طالبان، كانت العلاقات بينها وبين إيران شديدة التوتر بسبب الخلافات المذهبية ودعم طهران للتحالف الشمالي وحادثة مزار شريف.
المرحلة الثانية: التعاون السري
خلال عهد الجمهورية، حافظت إيران على علاقاتها الرسمية مع كابل، لكنها وسعت تدريجياً اتصالاتها السرية مع حركة طالبان، قبل أن تتحول هذه الاتصالات لاحقاً إلى علاقات علنية.
المرحلة الثالثة: التعامل العملي
بعد عام 2021، أصبحت حركة طالبان السلطة الحاكمة في أفغانستان، واضطرت إيران إلى التعامل مباشرة مع الواقع الجديد.
وفي هذه المرحلة، توسعت العلاقات من الاتصالات السياسية إلى التعاون الاقتصادي والأمني والحدودي والدبلوماسي.
الخلاصة.. شراكة استراتيجية أم تقارب نفعي؟
يظهر المسار التاريخي للعلاقات بين إيران وحركة طالبان أن الطرفين ليسا حليفين دائمين أو غير مشروطين. فبينهما مصالح مشتركة، لكنهما لا يتقاسمان أيديولوجيا واحدة.
ويعارض الطرفان النفوذ الأميركي، لكن تعريفهما لمواجهة الولايات المتحدة ليس واحداً.
ويشعر الطرفان بالقلق من توسع تنظيم داعش، إلا أن رؤيتهما لجميع التهديدات الأمنية ليست متطابقة.
ولدى الطرفين احتياجات اقتصادية، لكن العلاقات الاقتصادية لا تضمن إنهاء الخلافات السياسية.
وتريد إيران وجود سلطة في أفغانستان تكون ملفات أمن البلاد وحدودها ومياهها قابلة للإدارة بالنسبة إلى طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد وضع جميع أوراقها السياسية على حركة طالبان وحدها.
أما حركة طالبان فتستفيد من إيران اقتصادياً وفي مجالات العبور والدبلوماسية، لكنها لا تريد أن تصبح جزءاً من محور إقليمي محدد.
ولهذا يمكن وصف العلاقات بين إيران وحركة طالبان إلى حد كبير بأنها "تفاعل استراتيجي قائم على الحاجة"، وليس تحالفاً استراتيجياً كاملاً.
وتقوم العلاقة بينهما على استخدام كل طرف نقاط ضعف الطرف الآخر واحتياجاته لتحقيق مصالحه.
وتحتاج إيران إلى حركة طالبان لأنها لا تريد ظهور أفغانستان معادية لها على حدودها الشرقية، ولا عودة توسع النفوذ الأميركي، ولا زيادة تعقيد مشكلات الحدود والمياه وتنظيم داعش والهجرة.
كما تحتاج حركة طالبان إلى إيران لأن طهران، في ظل العزلة الدولية والضغوط الاقتصادية والقيود السياسية، تمثل لها بوابة مهمة للاقتصاد والتجارة والعبور والعلاقات الإقليمية.
ولهذا فإن تقارب إيران وحركة طالبان هو تقارب تحكمه الحسابات أكثر من المودة، والحاجة أكثر من الثقة، وصفقة مصالح متبادلة أكثر من كونه تحالفاً دائماً. ومع ذلك، لا يزال مستقبل هذه العلاقة غير واضح.
فإذا حدث تحول كبير في النظام الإيراني أو في سياسته الخارجية، فقد تتغير حسابات طهران تجاه حركة طالبان أيضاً. وكذلك إذا اختارت الحركة مساراً استراتيجياً جديداً في علاقاتها مع الولايات المتحدة أو الغرب أو القوى الإقليمية الأخرى، فستُعاد أيضاً مراجعة أهميتها بالنسبة إلى إيران.
كما ستؤثر في علاقات الطرفين عوامل أخرى، من بينها مستقبل حركات المعارضة الأفغانية، وأنشطة تنظيم داعش خراسان، والعلاقات بين إيران وباكستان، والنزاع بشأن مياه هلمند، ووضع الاقتصاد الأفغاني.
وفي النهاية، فإن السؤال الأساسي في العلاقات بين إيران وحركة طالبان ليس: "هل هما صديقان؟"
السؤال الأساسي هو:
"إلى أي مدى ستظل احتياجات الطرفين المتبادلة منسجمة مع بعضها؟" وما دامت هذه الاحتياجات مشتركة، سيستمر التقارب، لكن إذا تعارضت الحسابات الاستراتيجية للطرفين، فقد يتحول هذا التقارب خلال فترة قصيرة إلى منافسة حادة.