زرداري خلال لقائه غوتيريش: يجب ألا تُستخدم الأراضي الأفغانية ضد باكستان

قال الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، الثلاثاء، خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الجماعات الإرهابية المتمركزة في أفغانستان لا تزال تستهدف باكستان.

قال الرئيس الباكستاني آصف علي زرداري، الثلاثاء، خلال لقائه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، إن الجماعات الإرهابية المتمركزة في أفغانستان لا تزال تستهدف باكستان.
وأضاف أن إسلام آباد شاركت مع الأطراف المعنية أدلة على وجود دعم خارجي لهذه الجماعات.
وأضاف زرداري أن باكستان لا تزال ملتزمة بمكافحة الإرهاب، وقد قدمت في هذا السبيل «تضحيات كبيرة». وشدد على ضرورة عدم استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات ضد باكستان أو أي دولة أخرى.
وقال الرئيس الباكستاني إن بلاده، إلى جانب مكافحة الإرهاب، ملتزمة بالحوار والتعاون الإقليمي، لكنها ستدافع عن شعبها وأراضيها وفقاً للقانون الدولي.
واتهمت باكستان طالبان مراراً خلال الأشهر الأخيرة بإيواء جماعات مسلحة معارضة لإسلام آباد في أفغانستان، ولا سيما حركة طالبان باكستان، والسماح لها بممارسة نشاطاتها.
وترفض طالبان هذه الاتهامات، وتقول إنها لن تسمح باستخدام الأراضي الأفغانية ضد دول أخرى. وفي المقابل، اتهم مسؤولون في طالبان باكستان بالسعي إلى زعزعة استقرار أفغانستان ودعم تنظيم داعش والجماعات المسلحة المناهضة لطالبان.
وتصاعد التوتر بين باكستان وطالبان خلال الأشهر الأخيرة، وأدت الخلافات بشأن نشاط الجماعات المسلحة على امتداد الحدود بين البلدين إلى اشتباكات عسكرية وغارات جوية باكستانية داخل أفغانستان.
منح غوتيريش وسام «نيشان امتياز»
وخلال اللقاء نفسه، منح زرداري أنطونيو غوتيريش وسام «نيشان امتياز»، وهو أحد أرفع الأوسمة المدنية في باكستان.
وقال مكتب الرئاسة الباكستانية إن الوسام مُنح لغوتيريش تقديراً لخدماته الدولية وقيادته للأمم المتحدة وجهوده من أجل السلام والتنمية العالمية.
وبحسب المكتب، تعد هذه المرة الأولى التي يُمنح فيها وسام «نيشان امتياز» لأمين عام للأمم المتحدة. وقد قُدم الوسام لغوتيريش خلال مراسم أقيمت في القصر الرئاسي في إسلام آباد.
وحضر المراسم رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، ورئيس الجمعية الوطنية أياز صادق، ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية إسحاق دار، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة وممثلي الدول الأجنبية.
وأشاد زرداري بدور غوتيريش في جهود إحلال السلام وتعزيز الحوار والتوصل إلى حلول سلمية للنزاعات، وقال إن باكستان تدعم مساعي الأمين العام للأمم المتحدة لإيلاء اهتمام لمخاوف الدول النامية.
ويزور غوتيريش باكستان في إطار زيارة رسمية، حيث بحث مع مسؤولي البلاد قضايا الإرهاب وأفغانستان وعودة المهاجرين الأفغان والتطورات الإقليمية.





اتهمت صحيفة "جمهوري إسلامي" الإيرانية حركة طالبان بشن ما وصفته بـ"حرب صامتة ضد إيران"، وانتقدت بشدة سياسة طهران تجاه الحركة، محذرة من أن استمرار النهج الحالي قد يضر بالمصالح الإيرانية على المدى الطويل.
وقالت الصحيفة، في افتتاحيتها يوم الأربعاء، إن عدداً من السياسيين والمسؤولين الإيرانيين سعوا منذ عودة طالبان إلى السلطة عام 2021 إلى تبرير حكم الحركة، بل وأشاد بعضهم بها باعتبارها أنهت الوجود الأميركي الذي استمر 20 عاماً في أفغانستان، فيما وصفت الافتتاحية هذا الموقف بأنه "خطأ".
وادعت الصحيفة أن طالبان وصلت إلى السلطة بدعم وتفاهم مع الولايات المتحدة، معتبرة أن السقوط السريع لحكومة الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، وسيطرة طالبان على كابل من دون مقاومة، وانسحاب القوات الأميركية وترك معدات عسكرية في أفغانستان، مؤشرات على وجود تفاهمات غير معلنة بين واشنطن والحركة.
كما زعمت أن طالبان حافظت على علاقاتها مع الولايات المتحدة بعد عودتها إلى السلطة، واستفادت من مساعدات مالية أميركية، ولم تتخذ مواقف منتقدة لسياسات واشنطن في المنطقة، في الوقت الذي اتخذت فيه، وفق الصحيفة، إجراءات داخل أفغانستان أضعفت نفوذ إيران ومكانتها.
واتهمت الصحيفة طالبان بتقييد المؤسسات والتيارات القريبة من طهران، والتضييق على بعض الجماعات العرقية والمذهبية، وتقليص حضور التيارات الشيعية في البنى الاجتماعية والسياسية، معتبرة أن هذه السياسات تستهدف إضعاف أدوات النفوذ التقليدية لإيران في أفغانستان.
وتحتفظ إيران بعلاقات واسعة مع حركة طالبان، وسلمت سفارة أفغانستان في طهران إلى دبلوماسيين تابعين للحركة، كما تبادل الجانبان خلال السنوات الأخيرة زيارات رسمية متكررة، رغم أن طهران لم تعترف رسمياً بسلطة طالبان.
وقالت الصحيفة إن ملف حصة إيران من مياه نهر هلمند يمثل أيضاً أحد أوجه الخلاف بين الجانبين، بعدما تحول النزاع على المياه خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز نقاط التوتر بين طهران وطالبان. وفي عام 2023، اندلعت اشتباكات مسلحة بين قوات إيرانية وعناصر طالبان على حدود ولاية نيمروز، أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى.
كما اتهم كاتب الافتتاحية طالبان، من دون تقديم أدلة محددة، بإدخال عناصر تابعة لها إلى إيران، والضلوع في بعض الهجمات والانفجارات، وتنظيم عمليات ضد معارضي الحركة في مدن إيرانية.
وشهدت العلاقات بين إيران وطالبان تقلبات حادة خلال العقود الثلاثة الماضية، ووصل البلدان إلى حافة الحرب في أواخر تسعينيات القرن الماضي بعد مقتل دبلوماسيين إيرانيين في مزار شريف، قبل أن تتشكل تدريجياً قنوات اتصال بين طهران والحركة بعد سقوط حكم طالبان الأول عام 2001.
ولا تزال الخلافات بشأن مياه هلمند وأمن الحدود، إلى جانب وجود أعداد كبيرة من الأفغان في إيران ومخاوف طهران من نشاط الجماعات المتشددة في أفغانستان، من أبرز الملفات الخلافية بين الجانبين.
وصل وزير الطاقة الإيراني، عباس علي آبادي، الأربعاء، إلى كابل في زيارة تستمر يومين، من المقرر أن يجري خلالها محادثات مع مسؤولين في حركة طالبان بشأن ملفات بينها المياه والكهرباء، بالتزامن مع مشاركة وفد إيراني
في معرض "الإمام أبو حنيفة" الدولي الذي افتتح في العاصمة الأفغانية.
وذكرت وكالة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية أن علي آبادي سيلتقي مسؤولين كباراً في طالبان لبحث عدد من القضايا، من بينها التعاون في مجالي المياه والطاقة، كما سيزور معرض "الإمام أبو حنيفة" الدولي.
وتأتي زيارة الوزير الإيراني في وقت كثفت فيه طهران خلال السنوات الأخيرة تعاملها الدبلوماسي والاقتصادي والأمني مع حركة طالبان، رغم عدم اعترافها الرسمي بسلطة الحركة، فيما لا تزال ملفات مشتركة، من بينها المياه والطاقة، حاضرة في المحادثات بين الجانبين.
وكان وزير الطاقة الإيراني قد قال أخيراً، خلال لقاء مع مسؤولين في طالبان، إن بلاده مستعدة لتوفير ما يصل إلى ألفي ميغاواط من الكهرباء لتلبية احتياجات أفغانستان، فيما سبق أن أعلنت طالبان استعداد طهران لتصدير الكهرباء إلى البلاد.
وتزامنت الزيارة مع افتتاح النسخة الخامسة من معرض "الإمام أبو حنيفة" الوطني والدولي، الأربعاء، في مركز المعارض الدولية بأفغانستان في منطقة تشمن حضوري بكابل، على أن يستمر سبعة أيام.
وبحسب طالبان، تشارك في المعرض 323 شركة محلية وأجنبية تعرض منتجاتها وخدماتها في 600 جناح، إلى جانب ممثلين عن إيران وأوزبكستان والهند وتركمانستان وتركيا.
وقال نائب رئيس وزراء طالبان للشؤون الاقتصادية، عبد الغني برادر، خلال مراسم الافتتاح، إن الحركة تسعى إلى توفير تسهيلات للتجارة والاستثمار وتقليص العقبات أمام التجار وتهيئة بيئة مناسبة للقطاع الخاص.
وأضاف أن المعرض يهدف إلى التعريف بإمكانات أفغانستان في مجال المنتجات والإنتاج التجاري، قائلاً إن "العلاقات التجارية بين دول المنطقة والعالم تقوم على أحد المبادئ المهمة للتجارة، وهو المزايا النسبية والمطلقة، حتى تتمكن دول العالم من تلبية احتياجاتها في مختلف مجالات الإنتاج والصناعة والتكنولوجيا بصورة مناسبة".
وادعى برادر أن إدارة طالبان "تستكمل الفصول غير المكتملة من النمو والتنمية الاقتصادية، وبدأت، بإمكانات محدودة، فصولاً جديدة في إعادة بناء الأسس الاقتصادية ستفتخر بها الأجيال الحالية والمستقبلية".
من جانبه، قال رئيس غرفة التجارة والاستثمار في أفغانستان، سيد كريم هاشمي، إن توسيع التجارة يمكن أن يسهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية لأفغانستان مع الدول الأخرى، داعياً المستثمرين الأفغان المقيمين في الخارج إلى الاستثمار داخل البلاد.
تُعد العلاقات بين إيران وحركة طالبان من أكثر العلاقات تعقيداً وتناقضاً في السياسة الأفغانية المعاصرة. وشهدت هذه العلاقات تحولاً عميقاً، بعدما كانت حركة طالبان في أواخر تسعينات القرن الماضي تخوض حرباً ضد حلفاء إيران الاستراتيجيين
الاستراتيجيين والمذهبيين، وقُتل دبلوماسيون إيرانيون في مزار شريف، واقتربت طهران من اتخاذ إجراء عسكري ضد الحركة.
لكن بعد سنوات قليلة، وسعت إيران نفسها اتصالاتها السرية مع حركة طالبان، وعقدت اجتماعات مع ممثليها، وقبلت خلال عهد الجمهورية الأفغانية إجراء محادثات معهم، وصولاً إلى ما بعد عودة الحركة إلى السلطة عام 2021، حين أصبحت علاقات طهران مع النظام الجديد في كابل أكثر رسمية واتساعاً من أي وقت مضى.
والسؤال المطروح هو: هل اتجهت طهران وحركة طالبان نحو شراكة استراتيجية طويلة الأمد، أم أن الطرفين يستخدم كل منهما الآخر وفقاً لاحتياجاته؟
وتشير المعطيات المتاحة إلى أن علاقات الطرفين تستند في معظمها إلى احتياجات أمنية واقتصادية وجيوسياسية مشتركة قصيرة ومتوسطة الأمد، إلا أن الخلافات الأيديولوجية والمذهبية والاستراتيجية بينهما تجعل من الصعب الحديث، من دون تحفظ، عن تحالف كامل وعميق.
من مزار شريف إلى طهران.. أول اختبار كبير للعداء
عندما بدأت حركة طالبان بالتوسع سريعاً في أفغانستان في منتصف تسعينات القرن الماضي، تعاملت إيران بحذر مع القوة الجديدة الصاعدة.
وخاضت حركة طالبان في سنواتها الأولى معارك ضد حلفاء إيران التقليديين، ولا سيما الجماعات السياسية والعسكرية الشيعية. وكانت إيران، بعد مرحلة حروب الفصائل الأفغانية، تدعم حزب الوحدة في مواجهة حكومة برهان الدين رباني، إلا أن حركة طالبان تحولت تدريجياً إلى القوة التي سيطرت على أجزاء واسعة من أفغانستان.
وفي أغسطس 1998، وبعد سيطرة حركة طالبان على مزار شريف، تصاعد التوتر بصورة مفاجئة، إذ قُتل عدد من موظفي القنصلية الإيرانية وصحفي إيراني في المدينة.
وأثار الحادث غضباً شديداً في إيران، التي حشدت قواتها قرب الحدود مع أفغانستان، وارتفع احتمال اندلاع حرب مباشرة بين الجانبين إلى مستوى غير مسبوق.
ونفت حركة طالبان مسؤوليتها عن مقتل الدبلوماسيين الإيرانيين، وقالت إن مسلحين تصرفوا بصورة فردية كانوا وراء الحادث.
كما نقل ملا عبد الحي مطمئن، وهو من مسؤولي وكتاب المرحلة الأولى لحكم طالبان، في كتابه "الملا محمد عمر، طالبان وأفغانستان"، رد فعل شديداً من مؤسس الحركة الملا محمد عمر تجاه حادثة مزار شريف. وبحسب رواية مطمئن، أمر الملا عمر بالعثور على المسؤولين عن الحادث ومعاقبتهم، وهو ما اعتبره دليلاً على أن العملية لم تكن بتوجيه من قيادة حركة طالبان.
وفي الوقت نفسه، تراجع احتمال اندلاع الحرب بين إيران وحركة طالبان بعدما قرر المرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي عدم بدء مواجهة عسكرية.
وظلت حادثة مزار شريف علامة بارزة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، إلا أنها، على نحو لافت، لم تمنع بالكامل تطور العلاقات بينهما في السنوات التالية.
عدو عدوي.. المنطق الأول للعلاقات
كان أحد الأسباب المبكرة التي دفعت أطرافاً داخل حركة طالبان إلى إقامة علاقات مع إيران هو أن طهران دولة معادية للولايات المتحدة.
ورأى بعض أوساط الحركة أنه إذا كانت إيران في مواجهة مع الولايات المتحدة، وكانت طالبان هي الأخرى تعارض واشنطن، فإن ذلك يخلق أرضية لمصالح مشتركة، إلا أن الموقف المعادي للولايات المتحدة لم يكن العامل الوحيد وراء هذه العلاقات.
وبرزت حركة طالبان بعد سنوات طويلة من حروب الفصائل الأفغانية، في وقت كان جزء كبير من السكان قد أنهكته الحرب. وسرعان ما أدركت إيران أن طالبان لم تعد مجرد جماعة دينية محلية، بل أصبحت مرتبطة بشبكات أوسع شملت باكستان والسعودية والمقاتلين العرب، ثم تنظيم القاعدة لاحقاً.
وكان من المهم بالنسبة إلى إيران فهم طبيعة القوة الجديدة في أفغانستان وعلاقاتها والتهديدات المحتملة التي قد تشكلها، وهو ما دفع طهران، إلى جانب عدائها المباشر مع الحركة، إلى إبقاء باب للتواصل معها مفتوحاً.
القاعدة.. معادلة مشتركة ومتناقضة بالنسبة لإيران
زاد وجود أسامة بن لادن وتنظيم القاعدة خلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان من تعقيد المشهد الأفغاني.
ووصل أسامة بن لادن إلى أفغانستان بعد خلافاته مع السعودية، وأصبح مقرباً من قيادة حركة طالبان، قبل أن تكتسب علاقة الحركة بتنظيم القاعدة طابعاً دولياً.
ومن جهة، كان موقف تنظيم القاعدة المعادي للولايات المتحدة محل اهتمام بالنسبة إلى إيران، لكن من جهة أخرى كانت أيديولوجيته السلفية والجهادية على خلاف عميق مع الرؤية المذهبية والاستراتيجية الإيرانية.
ولهذا السبب، سعت إيران إلى فهم طبيعة العلاقات بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة والجماعات المسلحة الأفغانية والإقليمية الأخرى، والحفاظ على اتصالاتها مع أطراف متعددة استعداداً لأي تطورات مستقبلية محتملة في أفغانستان.
وخلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان، كانت باكستان والسعودية والإمارات الدول الثلاث التي اعترفت رسمياً بنظام الحركة.
وكانت هذه الدول الثلاث من اللاعبين الإقليميين المهمين بالنسبة إلى إيران، كما كانت منافسة لها في بعض الملفات.
ولهذا أصبحت علاقات حركة طالبان بهذه الدول جزءاً مهماً من حسابات السياسة الإيرانية تجاه أفغانستان.
الاقتصاد.. الباب الذي فتحته السياسة
رغم العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على النظام الأول لحركة طالبان، لم تقطع إيران علاقاتها التجارية مع أفغانستان، وواصلت تصدير النفط والغاز والمواد الغذائية والمنتجات الصناعية إلى السوق الأفغانية.
وكانت أفغانستان سوقاً قريبة ومهمة بالنسبة إلى إيران، في حين ارتبطت مناطق غرب أفغانستان وجنوبها بعلاقات اقتصادية وبشرية قديمة مع إيران.
وكان كثير من سكان هلمند وفراه ونيمروز وهرات وقندهار يتوجهون منذ سنوات إلى إيران للعمل، ما وفر أرضية طبيعية للتفاعل الاقتصادي بين البلدين.
كما كانت للعلاقات مع حركة طالبان فائدة عملية بالنسبة إلى إيران، إذ إن التواصل مع الحركة في المناطق التي تتمتع فيها بنفوذ عسكري كان وسيلة لتأمين التجارة والأنشطة الحدودية.
ومن جهة أخرى، تعد مياه نهر هلمند من أبرز القضايا في العلاقات بين إيران وأفغانستان، إذ ظلت طهران قلقة من تأثير السدود الأفغانية وإدارة المياه على إقليم سيستان وبلوشستان الإيراني.
وخلال المرحلة الأولى لحكم حركة طالبان، حاولت إيران أيضاً إجراء محادثات مع الحركة بشأن وضع مياه هلمند.
وبحسب رواية وحيد مجدة، أرادت إيران إرسال وفد فني إلى أفغانستان لمعاينة وضع سد كجكي ونهر هلمند عن قرب.
وفي عهد الجمهورية الأفغانية، أصبحت قضية المياه أكثر حساسية، ولا سيما عندما شددت الحكومة الأفغانية على إدارة الموارد المائية وإنشاء سدود جديدة.
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، حاولت إيران التوصل إلى تفاهم مع السلطة الجديدة بشأن قضية المياه.
لكن قضية المياه بالنسبة إلى إيران لا تقتصر على المياه وحدها، بل ترتبط أيضاً بأمن الحدود والاقتصاد والهجرة والاستقرار السياسي في أفغانستان.
الولايات المتحدة.. العامل الأبرز في تقارب إيران وطالبان
ربما كان الوجود الأميركي العامل الجيوسياسي الأبرز في تطور العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
فبعد عام 2001، دخلت القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي إلى أفغانستان. ورحبت إيران من جهة بسقوط النظام الأول لحركة طالبان، لكنها رأت من جهة أخرى أن الوجود العسكري الأميركي بات قريباً من حدودها الشرقية، وهو تحول أمني كبير بالنسبة إليها.
وكانت القوات الأميركية تمتلك في أفغانستان قواعد وقوة جوية ومراكز استخباراتية وحضوراً عسكرياً واسعاً. ثم جاءت الحرب الأميركية في العراق عام 2003 لتزيد المشهد تعقيداً.
وفي ظل هذا الوضع، شعرت إيران بأنها محاصرة بين وجود عسكري أميركي في العراق غرباً وأفغانستان شرقاً، ومن هنا تغيرت حساباتها الأمنية الإقليمية.
مؤتمر بون وبناء أفغانستان الجديدة
بعد سقوط النظام الأول لحركة طالبان، أدت إيران دوراً فاعلاً في تشكيل النظام السياسي الجديد في أفغانستان.
وكان مؤتمر بون عام 2001 محطة رئيسية لاتخاذ القرارات المتعلقة بالترتيبات السياسية الجديدة في أفغانستان.
ودعمت إيران تشكيل النظام الجديد، ووسعت علاقاتها مع حكومة حامد كرزاي، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد بقاء أفغانستان بالكامل تحت النفوذ الأميركي.
ولهذا اتخذت السياسة الإيرانية مسارين متوازيين، أولهما إقامة علاقات رسمية ودبلوماسية مع الحكومة الأفغانية الجديدة، وثانيهما الحفاظ على اتصالات مع الجماعات المعارضة للوجود الأميركي.
وفي إطار هذه السياسة، تزايدت التقارير عن علاقات إيران ببعض شبكات حركة طالبان.
ومن وجهة نظر إيران، كانت هذه العلاقات وسيلة للاستعداد لمستقبل أفغانستان.
ولم تكن طهران تريد أن تجد نفسها بلا أي قنوات اتصال مع حركة طالبان إذا عادت الحركة إلى السلطة.
ولهذا السبب، بدأت زيارات الممثلين السياسيين لحركة طالبان ولقاءاتهم مع المسؤولين الإيرانيين تظهر إلى العلن تدريجياً خلال السنوات الأخيرة من عمر الجمهورية الأفغانية.
وكان استقبال إيران لممثلي الحركة مؤشراً إلى أن طهران لم تعد تنظر إلى طالبان باعتبارها مجرد جماعة مسلحة معارضة، بل طرفاً سياسياً مهماً في مستقبل أفغانستان.
إيران وروسيا وطالبان.. حسابات مشتركة في مواجهة الولايات المتحدة
لم تكن إيران وحدها، إذ وسعت روسيا أيضاً علاقاتها مع حركة طالبان تدريجياً.
وكان البلدان قلقين من احتمال تحول الوجود الأميركي وقوات الناتو في أفغانستان إلى وجود طويل الأمد في المنطقة، ثم دخلت الصين بدورها على نحو أكثر فاعلية في المعادلة الأفغانية. وأتاح ذلك لحركة طالبان فرصة لبناء علاقات مع القوى الإقليمية.
ومنحت اجتماعات موسكو وطهران حركة طالبان فائدتين أساسيتين.
الأولى، زيادة اتصالاتها الرسمية مع القوى الإقليمية.
والثانية، تحولها تدريجياً من مجرد حركة مسلحة إلى طرف سياسي أصبحت القوى الإقليمية مستعدة للتفاوض معه.
باكستان والسعودية.. جانب آخر مهم في علاقات إيران وطالبان
تتمتع إيران وباكستان بنفوذ مهم في أفغانستان، لكن التنافس بينهما يمتد أيضاً إلى تاريخ طويل.
وكانت باكستان من أبرز داعمي النظام الأول لحركة طالبان، في حين كانت إيران أقرب إلى التحالف الشمالي المعارض للحركة في أفغانستان، ومع ذلك حافظت طهران على اتصالاتها مع طالبان.
وأشار وحيد مجدة في كتاباته إلى المنافسة الاقتصادية والسياسية بين إيران وباكستان، واعتبر فتح معبر إسلام قلعة أحد أمثلة هذه المنافسة.
وكان سوق غرب أفغانستان مهماً لإيران، بينما أرادت باكستان إبقاء السوق التجارية الأفغانية إلى حد كبير ضمن نطاق نفوذها.
وهكذا أصبحت أفغانستان جزءاً من التنافس الجيوسياسي الأوسع بين إيران وباكستان.
ومن جهة أخرى، تأثرت علاقات إيران وحركة طالبان أيضاً بطبيعة علاقات الطرفين مع السعودية.
وكانت السعودية واحدة من الدول الثلاث التي اعترفت رسمياً بالنظام الأول لحركة طالبان، إلا أن قضية أسامة بن لادن أصبحت أبرز أسباب الخلاف بين الرياض والحركة.
وكانت إيران تراقب عن قرب آنذاك الخلافات بين السعودية وحركة طالبان.
وكان يهم طهران معرفة مدى قرب طالبان أو ابتعادها عن السعودية وشبكاتها السلفية.
وفي المرحلة الثانية لحكم طالبان، تغير الوضع إلى حد ما، إذ اتخذت الحركة إجراءات صارمة ضد تنظيم داعش خراسان وبعض الجماعات السلفية في شرق أفغانستان.
وكان ذلك عاملاً إيجابياً مهماً بالنسبة إلى إيران، نظراً إلى مخاوف طهران الأمنية العميقة من تنظيم داعش والجماعات السلفية الجهادية.
داعش.. جزء من المخاوف المشتركة بين طهران وطالبان
يمثل تنظيم داعش ملفاً مهماً في المرحلة الجديدة من العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
ويُعد تنظيم داعش خراسان أحد أبرز الخصوم المسلحين لحركة طالبان، ونفذت الحركة عمليات أمنية واسعة ضده.
كما تعتبر إيران تنظيم داعش تهديداً خطيراً لأمنها، ولذلك توفر حرب حركة طالبان ضد التنظيم أرضية عملية لاستمرار العلاقات بين طهران والحركة.
لكن هذا القلق المشترك لا يعني أن الرؤى الأمنية للطرفين متطابقة بالكامل.
الدعم الإيراني المحتمل لطالبان خلال عودتها
نُشرت تقارير عديدة خلال المرحلة الثانية من حرب حركة طالبان عن دعم عسكري إيراني محتمل للحركة.
وفي بعض الحالات، ظهرت ادعاءات بالعثور على أسلحة وذخائر ومعدات إيرانية بحوزة عناصر من طالبان.
ولم ينف المسؤولون الإيرانيون عموماً وجود علاقات مع حركة طالبان، لكنهم نفوا في أوقات مختلفة مزاعم تقديم دعم عسكري لها أو التزموا الصمت حيالها.
وكان يمكن ربط أي دعم إيراني لحرب طالبان، مهما كان حجمه، بمنطق جيوسياسي أوسع يتمثل في تقليص النفوذ الأميركي عبر أفغانستان.
ويحتل الزعيم الثاني لحركة طالبان الملا أختر محمد منصور موقعاً خاصاً في النقاش بشأن العلاقات بين إيران والحركة.
وقُتل منصور عام 2016 في إقليم بلوشستان الباكستاني بغارة أميركية بطائرة مسيرة، بينما كانت تقارير تشير إلى أنه كان في طريقه من إيران إلى باكستان.
ومنذ ذلك الحين، أثيرت أسئلة عديدة بشأن طبيعة رحلته ومدة إقامته في إيران.
وكانت رحلة منصور إلى إيران تحمل دلالة مهمة، مفادها أن العلاقات بين حركة طالبان وإيران وصلت إلى مستوى أصبح معه أحد كبار قادة الحركة قادراً على التواصل مع طهران والعبور من أراضيها، وهو مؤشر لافت على مستوى الثقة الذي كان قائماً بين الطرفين.
المصالح الاقتصادية.. أقوى ركائز العلاقة
يمكن اعتبار الاقتصاد العامل الأكثر عملية في استمرار العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
وتعد إيران من أبرز الشركاء التجاريين لأفغانستان.
وبالنسبة إلى إيران، تمثل أفغانستان سوقاً مهماً لمنتجاتها، وسوقاً لصادرات الطاقة والنفط، وبوابة محتملة لمسارات العبور باتجاه آسيا الوسطى، وشريكاً جغرافياً مهماً لميناء تشابهار، فضلاً عن أهميتها الحيوية لأمن الحدود الشرقية الإيرانية.
وليس إيران وحدها من تسعى إلى العلاقات مع حركة طالبان لتحقيق مصالحها، إذ تحتاج الحركة بدورها إلى العلاقات الاقتصادية مع إيران.
وبسبب العزلة الدولية والعقوبات وتراجع المساعدات الخارجية، تحتاج أفغانستان إلى توسيع علاقاتها التجارية الإقليمية.
ولهذا أصبح الاقتصاد أداة مهمة لإدارة الخلافات السياسية بين الطرفين.
وتشترك إيران مع أفغانستان بحدود تمتد لنحو ألف كيلومتر، ويعد أمن هذه الحدود مسألة حيوية بالنسبة إلى طهران.
وترتبط بهذه الحدود ملفات التهريب والمخدرات والاتجار بالبشر والجماعات المسلحة والتنقل غير القانوني، وهي قضايا تعتبر إيران أنها مرتبطة بالأوضاع داخل أفغانستان.
ومن الخصائص المهمة لحركة طالبان بالنسبة إلى إيران امتلاكها حضوراً أمنياً واسعاً في المناطق الغربية والجنوبية الغربية من أفغانستان.
ولهذا تريد طهران الاحتفاظ باتصال مباشر مع القوة التي تسيطر فعلياً على المناطق الممتدة على طول الحدود.
محاولات إيران للوساطة في عملية السلام مع طالبان
إلى جانب مفاوضات الدوحة، استضافت موسكو وطهران أيضاً اجتماعات جمعت حركة طالبان بأطراف أفغانية أخرى في إطار عملية السلام.
وسعت إيران إلى ألا تظهر بوصفها داعماً لحركة طالبان فقط، بل أيضاً وسيطاً في التسوية السياسية الأفغانية.
لكن الفائدة الأكبر من هذه المساعي عادت إلى حركة طالبان، لأنها وسعت اتصالاتها السياسية مع القوى الإقليمية.
وبهذه الطريقة، تراجعت العزلة الدولية للحركة تدريجياً، ثم فتحت عودتها إلى السلطة فصلاً جديداً في علاقاتها مع إيران.
وفي يوليو 2021، سيطرت حركة طالبان على معبر إسلام قلعة، ثم بدأت بعد ذلك عملية سقوط نيمروز ومناطق أخرى من أفغانستان بوتيرة سريعة، لكن إيران حافظت بالتوازي مع هذه التطورات على حضورها الدبلوماسي في البلاد.
وبعد وصول حركة طالبان إلى السلطة، أصبحت إيران من بين الدول القليلة التي أبقت سفارتها مفتوحة في كابل.
وكانت هذه الخطوة مهمة، لأن دولاً كثيرة كانت قد قلصت وجودها الدبلوماسي أو أنهته بالكامل.
وعقب وصول حركة طالبان إلى السلطة، توجهت موجة جديدة من المهاجرين الأفغان إلى إيران، بينهم مسؤولون حكوميون سابقون وعسكريون وسياسيون وزعماء محليون وأفغان عاديون.
ورغم توسيع علاقاتها مع حركة طالبان، لم تغلق إيران بالكامل أبوابها أمام تنقل وإقامة معارضي الحركة.
وتظهر هذه السياسة أن طهران تحاول من جهة الحفاظ على علاقاتها مع حركة طالبان الحاكمة، ومن جهة أخرى عدم خسارة اتصالاتها مع الأطراف الأخرى استعداداً لأي تحولات سياسية محتملة في مستقبل أفغانستان.
نظام طالبان الثاني.. توازن جديد في العلاقات
بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة، توسعت التجارة بين إيران وأفغانستان، وزادت العلاقات في مجالات الطاقة والعبور والنفط والمواد الغذائية وغيرها، لكن الخلافات استمرت بالتوازي مع هذا التقارب.
ولا تزال مياه هلمند من أبرز مخاوف إيران، كما تمثل قضية المهاجرين الأفغان أحد ملفات الضغط بين البلدين.
وتظهر خلافات بين حين وآخر بشأن الاشتباكات الحدودية والتهريب وحقوق المياه وأوضاع المهاجرين الأفغان، ولذلك لا تزال علاقات الطرفين بعيدة عن الاستقرار الكامل.
لماذا لا تتخلى إيران عن طالبان؟
تحقق حركة طالبان لإيران عدداً من المصالح المهمة.
أولاً، الولايات المتحدة: تتمتع حركة طالبان بتاريخ طويل من القتال ضد الوجود العسكري الأميركي.
ثانياً، الحدود: تسيطر حركة طالبان فعلياً على مساحات واسعة من الجوار الشرقي لإيران.
ثالثاً، داعش: تقاتل حركة طالبان تنظيم داعش خراسان.
رابعاً، الاقتصاد: تمثل أفغانستان سوقاً مهماً لإيران ومسار عبور محتملاً.
خامساً، المياه: تريد إيران الاحتفاظ بنفوذ مباشر لدى كابل في قضية مياه هلمند.
سادساً، الجغرافيا السياسية: لا تريد إيران أن تتحول أفغانستان إلى منطقة نفوذ حصرية للولايات المتحدة أو لأي قوة منافسة أخرى.
لماذا تحتاج طالبان إلى إيران؟
احتياجات حركة طالبان إلى إيران ليست قليلة أيضاً.
الحاجة الاقتصادية: إيران شريك تجاري مهم لأفغانستان.
العبور: يوفر ميناء تشابهار مسارات تجارية بديلة لأفغانستان.
الطاقة: تستورد أفغانستان النفط والغاز والكهرباء من إيران.
الدعم الدبلوماسي: إيران من الشركاء الإقليميين الذين حافظوا على علاقاتهم مع حركة طالبان.
الشرعية السياسية: يساعد تعامل قوة إقليمية مثل طهران مع حركة طالبان على تخفيف عزلتها الدولية.
لكن لماذا لا يمكن اعتبار ذلك حتى الآن تحالفاً استراتيجياً؟
رغم اتساع العلاقات بين إيران وحركة طالبان، لا تزال خلافات عميقة قائمة بين الطرفين.
إيران جمهورية إسلامية شيعية، بينما حركة طالبان سنية وتقيم نظاماً لإمارة إسلامية يستند إلى المذهب الحنفي.
ولا يتطابق النظامان المذهبي والسياسي للطرفين.
كما أن وضع أقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان يمثل قضية مهمة لإيران، بينما تتعامل حركة طالبان مع جميع الأفغان وفق رؤيتها الداخلية الخاصة للأمن والسياسة.
ومن جهة أخرى، لا ترتبط حركة طالبان بصورة كاملة بشبكة الحلفاء الإقليميين لإيران.
فللحركة علاقات تاريخية مع باكستان، وعلاقات سياسية مع قطر، كما تتعامل مع روسيا والصين، وتبقي أبواب العلاقات مفتوحة أمام السعودية ودول عربية أخرى.
ولذلك لا تريد حركة طالبان الانضمام إلى محور إيراني محدد، كما لا تريد إيران بدورها وضع جميع أوراقها السياسية على الحركة وحدها.
سياسة إيران المزدوجة.. علاقات مع طالبان واتصالات مع معارضيها
من السمات المهمة في سياسة طهران أنها تحاول الحفاظ في الوقت نفسه على علاقات مع أطراف متعددة في أفغانستان، بدلاً من الاعتماد على طرف واحد فقط.
فلديها علاقات رسمية مع حركة طالبان، لكن اتصالات إيران مع الشخصيات الأفغانية المعارضة للحركة لم تنقطع بالكامل.
وبذلك تسعى إيران إلى الاحتفاظ بمسارات بديلة للنفوذ إذا حدث تحول سياسي في أفغانستان.
وتشير هذه السياسة إلى أن طهران لا تثق بصورة كاملة باستمرار بقاء حركة طالبان سياسياً على المدى الطويل.
وكان حضور شخصيات أفغانية معارضة لحركة طالبان، إلى جانب وفد رفيع من الحركة، في مراسم جنازة المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، لافتاً.
وبذلك بعثت إيران برسالة مفادها أنها، رغم علاقاتها مع حركة طالبان، لا تغلق أبوابها أمام جميع الأطراف السياسية الأفغانية.
كما حاولت حركة طالبان ألا تجعل من هذه المسألة سبباً لتدهور واسع في العلاقات.
وأظهرت إعادة المسؤولين الإيرانيين التذكير بحادثة مزار شريف عام 1998 لاحقاً أن الجروح القديمة لا تزال حاضرة في ذاكرة العلاقات بين البلدين.
فحادثة مزار شريف عام 1998 لم تختف من سجل العلاقات بين إيران وحركة طالبان.
ورغم تغير علاقات الجانبين كثيراً منذ ذلك الحين، لا تزال إيران لا تتعامل مع قضية دبلوماسييها الذين قتلوا باعتبارها ملفاً تاريخياً مغلقاً.
وتظهر هذه القضية أن العلاقات بين إيران وحركة طالبان لا تقوم على الصداقة وحدها، بل أيضاً على الحسابات والحاجة والشك والحذر المتبادل.
صراع إيران مع إسرائيل والولايات المتحدة.. أهمية طالبان
أدى اتساع صراعات إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة إلى زيادة الأهمية الجغرافية لأفغانستان مجدداً.
وتريد إيران منع ظهور أي تهديد أمني من الأراضي الأفغانية يمكن استخدامه ضد طهران.
وحاولت حركة طالبان بدورها طمأنة إيران إلى أن الأراضي الأفغانية لن تستخدم لتنفيذ عمليات ضدها من جانب جماعات مسلحة أو قوات أجنبية، وأصبح هذا التعهد جزءاً مهماً من العلاقات الأمنية بين الطرفين.
من التقارب إلى العلاقة النفعية
إذا نُظر إلى العلاقات بين إيران وحركة طالبان من زاوية تاريخية، فيمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل رئيسية.
المرحلة الأولى: العداء والشك
خلال النظام الأول لحركة طالبان، كانت العلاقات بينها وبين إيران شديدة التوتر بسبب الخلافات المذهبية ودعم طهران للتحالف الشمالي وحادثة مزار شريف.
المرحلة الثانية: التعاون السري
خلال عهد الجمهورية، حافظت إيران على علاقاتها الرسمية مع كابل، لكنها وسعت تدريجياً اتصالاتها السرية مع حركة طالبان، قبل أن تتحول هذه الاتصالات لاحقاً إلى علاقات علنية.
المرحلة الثالثة: التعامل العملي
بعد عام 2021، أصبحت حركة طالبان السلطة الحاكمة في أفغانستان، واضطرت إيران إلى التعامل مباشرة مع الواقع الجديد.
وفي هذه المرحلة، توسعت العلاقات من الاتصالات السياسية إلى التعاون الاقتصادي والأمني والحدودي والدبلوماسي.
الخلاصة.. شراكة استراتيجية أم تقارب نفعي؟
يظهر المسار التاريخي للعلاقات بين إيران وحركة طالبان أن الطرفين ليسا حليفين دائمين أو غير مشروطين. فبينهما مصالح مشتركة، لكنهما لا يتقاسمان أيديولوجيا واحدة.
ويعارض الطرفان النفوذ الأميركي، لكن تعريفهما لمواجهة الولايات المتحدة ليس واحداً.
ويشعر الطرفان بالقلق من توسع تنظيم داعش، إلا أن رؤيتهما لجميع التهديدات الأمنية ليست متطابقة.
ولدى الطرفين احتياجات اقتصادية، لكن العلاقات الاقتصادية لا تضمن إنهاء الخلافات السياسية.
وتريد إيران وجود سلطة في أفغانستان تكون ملفات أمن البلاد وحدودها ومياهها قابلة للإدارة بالنسبة إلى طهران، لكنها في الوقت نفسه لا تريد وضع جميع أوراقها السياسية على حركة طالبان وحدها.
أما حركة طالبان فتستفيد من إيران اقتصادياً وفي مجالات العبور والدبلوماسية، لكنها لا تريد أن تصبح جزءاً من محور إقليمي محدد.
ولهذا يمكن وصف العلاقات بين إيران وحركة طالبان إلى حد كبير بأنها "تفاعل استراتيجي قائم على الحاجة"، وليس تحالفاً استراتيجياً كاملاً.
وتقوم العلاقة بينهما على استخدام كل طرف نقاط ضعف الطرف الآخر واحتياجاته لتحقيق مصالحه.
وتحتاج إيران إلى حركة طالبان لأنها لا تريد ظهور أفغانستان معادية لها على حدودها الشرقية، ولا عودة توسع النفوذ الأميركي، ولا زيادة تعقيد مشكلات الحدود والمياه وتنظيم داعش والهجرة.
كما تحتاج حركة طالبان إلى إيران لأن طهران، في ظل العزلة الدولية والضغوط الاقتصادية والقيود السياسية، تمثل لها بوابة مهمة للاقتصاد والتجارة والعبور والعلاقات الإقليمية.
ولهذا فإن تقارب إيران وحركة طالبان هو تقارب تحكمه الحسابات أكثر من المودة، والحاجة أكثر من الثقة، وصفقة مصالح متبادلة أكثر من كونه تحالفاً دائماً. ومع ذلك، لا يزال مستقبل هذه العلاقة غير واضح.
فإذا حدث تحول كبير في النظام الإيراني أو في سياسته الخارجية، فقد تتغير حسابات طهران تجاه حركة طالبان أيضاً. وكذلك إذا اختارت الحركة مساراً استراتيجياً جديداً في علاقاتها مع الولايات المتحدة أو الغرب أو القوى الإقليمية الأخرى، فستُعاد أيضاً مراجعة أهميتها بالنسبة إلى إيران.
كما ستؤثر في علاقات الطرفين عوامل أخرى، من بينها مستقبل حركات المعارضة الأفغانية، وأنشطة تنظيم داعش خراسان، والعلاقات بين إيران وباكستان، والنزاع بشأن مياه هلمند، ووضع الاقتصاد الأفغاني.
وفي النهاية، فإن السؤال الأساسي في العلاقات بين إيران وحركة طالبان ليس: "هل هما صديقان؟"
السؤال الأساسي هو:
"إلى أي مدى ستظل احتياجات الطرفين المتبادلة منسجمة مع بعضها؟" وما دامت هذه الاحتياجات مشتركة، سيستمر التقارب، لكن إذا تعارضت الحسابات الاستراتيجية للطرفين، فقد يتحول هذا التقارب خلال فترة قصيرة إلى منافسة حادة.
قضت محكمة أميركية بسجن رجل أفغاني يبلغ من العمر 21 عاماً في ولاية تكساس لمدة 35 عاماً، بعد إدانته بعدة جرائم تتعلق بالاعتداء والاستغلال الجنسي للأطفال، إضافة إلى إنتاج وحيازة مواد جنسية مرتبطة بالأطفا
وقالت الشرطة إن الرجل حُكم عليه بالسجن 35 عاماً بعد أن أقرّ بالتهم الموجهة إليه في ربيع هذا العام.
وحددت إدارة تحقيقات الأمن الداخلي الأميركية هوية الرجل باسم «بادشاه ساهي».
وبحسب وثائق المحكمة، ألقت الشرطة القبض على ساهي في 28 فبراير 2025 بتهمة الاعتداء الجنسي على طفلة.
وقال المحققون إن الرجل كان على تواصل، من مقر إقامته في أرلينغتون، مع فتاة تبلغ من العمر 14 عاماً، وكان يصطحبها بسيارته من أمام منزلها في فورني إلى أماكن مختلفة حيث كان يعتدي عليها جنسياً.
وقالت الشرطة إنها عثرت، أثناء تفتيش هاتف بادشاه ساهي، على صور ومقاطع فيديو متعددة لفتاة قاصر، إضافة إلى رسائل بينه وبين أطفال آخرين.
ووفقاً لوثائق المحكمة، أجبر ساهي، في واقعة واحدة على الأقل، طفلاً يبلغ من العمر 10 أعوام في ولاية إنديانا، عبر منصة ألعاب إلكترونية، على إنتاج مقاطع فيديو جنسية وفق تعليماته وإرسالها إليه.
وقالت الشرطة إن بادشاه ساهي كان يعلم أن الطفل قاصر، ومع ذلك طلب منه إرسال مقاطع فيديو جنسية.
كما أظهرت وثائق قضائية أن ساهي كان على تواصل مع فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً في مدينة سان ماركوس بولاية تكساس، وذهب إلى مقر إقامتها.
وقال المحققون إنه صوّر هناك اعتداءه الجنسي عليها.
وبحسب السلطات الأميركية، سُمح لساهي بدخول الولايات المتحدة في 5 سبتمبر 2021، خلال عملية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وفي إطار برنامج إجلاء الأفغان الذين تعاونوا مع الولايات المتحدة في عهد إدارة الرئيس جو بايدن.
وقالت إدارة تحقيقات الأمن الداخلي إن ساهي دخل الولايات المتحدة خلال عملية الإجلاء من أفغانستان «من دون تدقيق وتقييم مناسبين»، قبل أن يؤذي لاحقاً أطفالاً في شمال تكساس وعبر الإنترنت.
ووصف أنطوان جونز، القائم بأعمال المسؤول الخاص لإدارة تحقيقات الأمن الداخلي في دالاس، بادشاه ساهي بأنه شخص خطير.
وأضاف أن قوات إنفاذ القانون، بالتعاون مع الأجهزة المحلية، تمكنت من إبعاده عن المجتمع وضمان قضائه السنوات الـ35 المقبلة في السجن.
وقال رايان رايبولد، المدعي العام الأميركي للمنطقة الشمالية من تكساس، إن الحكم يبعث برسالة مفادها أن المتهمين بارتكاب جرائم جنسية ضد الأطفال لن يجدوا «ملاذاً آمناً» في هذه المنطقة، وسيواجهون الملاحقة الفدرالية.
وجاء في البيان أيضاً أن برنامج إجلاء المتعاونين الأفغان وغيرَه من الجهود المرتبطة بنقل الأفغان بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان أسفرت عن إعادة توطين نحو 190 ألف مواطن أفغاني في مجتمعات مختلفة داخل الولايات المتحدة.
وبعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية، أصدر البيت الأبيض أوامر لتغيير سياسات الهجرة الأميركية.
وفرض أحد هذه الأوامر قيوداً على دخول مواطني 12 دولة، من بينها أفغانستان، بسبب ما وصفته الإدارة الأميركية بـ«أوجه قصور في إجراءات التدقيق والتقييم الأمني».
قال وزير الخارجية في حركة طالبان أمير خان متقي إن أفغانستان تؤمن بحل مشكلاتها مع باكستان عبر الحوار والدبلوماسية، متهماً الجيش الباكستاني باستخدام "لغة عسكرية" بدلاً من التفاهم السياسي في علاقاته مع كابل، وحشد آلاف الجنود الأفغان
السابقين قرب خط ديورند.
وقال متقي، في كلمته أمام الاجتماع التشاوري الثامن لـ"صيغة موسكو" بشأن أفغانستان، إن مرحلة الحرب في البلاد انتهت وإن الأمن بات مستقراً في جميع أنحاء أفغانستان.
وأضاف أن مؤسسات السلطة تعززت، وأن أفغانستان انتقلت من مرحلة الحرب الطويلة وعدم الاستقرار، التي أثارت مخاوف أمنية إقليمية ودولية، نحو الاستقرار والنمو الاقتصادي والتعاون الإقليمي.
وأوضح أن مفهوم الأمن لم يعد مقتصراً على الجانب العسكري، بل بات مرتبطاً بصورة مباشرة بالاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه والغذاء والمعلومات والاستقرار الاجتماعي والربط الإقليمي.
وقال متقي إن حركة طالبان ترى أن مستقبل المنطقة يجب أن يقوم على الأمن المشترك والتكامل الاقتصادي والربط الإقليمي والحوار والتفاهم، بدلاً من التنافس الأمني والضغوط.
وأضاف أن الحركة حاربت تنظيم داعش والجماعات الأخرى التي تعتبرها تهديداً لأمن أفغانستان والمنطقة، وجعلت مكافحة المخدرات جزءاً أساسياً من سياستها الأمنية.
وأكد أن تهديدات داعش والشبكات التخريبية وتهريب المخدرات والجريمة المنظمة لا تقتصر على حدود دولة واحدة، وأن مواجهتها تتطلب تعاوناً إقليمياً.
وقال إن أفغانستان مستعدة للتعاون مع دول المنطقة في أمن الحدود ومكافحة التهريب والحد من المخدرات.
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع باكستان، قال متقي إن أفغانستان تؤمن بالحوار والدبلوماسية لحل المشكلات، لكنه اتهم ما وصفه بـ"النظام العسكري الباكستاني" باستخدام اللغة العسكرية وحدها في التعامل مع أفغانستان بدلاً من التفاهم السياسي.
وأضاف أن الخلافات بين البلدين يجب أن تُحل عبر الحوار والدبلوماسية، متهماً باكستان بمحاولة زعزعة الأمن في أفغانستان من خلال الاستعانة بجنود من النظام الأفغاني السابق وتنظيم داعش.
وادعى متقي أن باكستان جمعت آلاف الجنود السابقين قرب خط ديورند بهدف تقويض الأمن في أفغانستان، مشيراً إلى بدخشان ونورستان ومناطق أخرى باعتبارها أمثلة على ما وصفه بفشل هذه المحاولات.
وأكد أن حركة طالبان تدير سياستها الداخلية والخارجية بصورة مستقلة، ولن تتخلى عن نهجها الأساسي تحت أي ضغوط، معتبراً الدفاع عن أفغانستان في مواجهة أي اعتداء "حقاً مشروعاً".
وفي الجانب الاقتصادي، قال متقي إن أفغانستان مرت بظروف اقتصادية صعبة، لكنها تشهد حالياً مؤشرات على الاستقرار وإعادة البناء.
وأضاف أن المؤشرات الاقتصادية للسنة المالية 1404 الهجرية الشمسية تظهر تعافياً تدريجياً للنشاط الاقتصادي، مشيراً إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 1.5٪، واستمرار مسار التعافي الذي بدأ عام 1402 بنمو بلغ 2.3٪.
وقال إن حركة طالبان تركز على الإنتاج والصناعة والزراعة والصادرات واستثمارات القطاع الخاص، بهدف بناء اقتصاد يعتمد بصورة أكبر على الإنتاج والتجارة والاستثمار بدلاً من المساعدات.
وبحسب متقي، بلغت قيمة تكوين رأس المال الثابت في السنة المالية 1404 نحو 286.5 مليار أفغاني، فيما ارتفعت حصة الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي من 17٪ إلى 21.5٪.
ودعا دول المنطقة إلى زيادة الاستثمار والمشاركة الاقتصادية في أفغانستان، وقال إن بلاده لا تسعى فقط إلى تحقيق الاستقرار داخل اقتصادها، بل إلى ربطه باقتصادات المنطقة.
وأشار إلى مشاريع "تابي" و"تاب" و"كاسا-1000" والسكك الحديدية العابرة لأفغانستان ومشاريع إقليمية أخرى، قائلاً إن أفغانستان يجب ألا تكون ساحة للتنافس الإقليمي، بل نقطة اتصال للتعاون بين دول المنطقة.
ودعا متقي إلى الاستثمار في قطاعات الطاقة والتعدين والزراعة والصناعة والنقل والخدمات اللوجستية والبنية التحتية، بهدف تحويل أفغانستان إلى مركز مهم للتعاون الاقتصادي والربط بين آسيا الوسطى وجنوب آسيا ومناطق أخرى.
وأضاف أن السياسة الخارجية لحركة طالبان تقوم على "الأبواب المفتوحة، والتعامل المتوازن، والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة"، ولا تعتبر علاقة أفغانستان مع دولة ما تعبيراً عن العداء أو المعارضة لدولة أخرى.
وفي ملف المخدرات، قال متقي إن مكافحة المخدرات تمثل جزءاً مهماً من أمن المنطقة، وإن زراعة الخشخاش وإنتاجه داخل أفغانستان انخفضا إلى مستوى "يقارب الصفر".
وأضاف أن قضية المخدرات ليست شأناً أفغانياً داخلياً فقط، بل قضية إقليمية ودولية، مدعياً أن زراعة المخدرات على الجانب الآخر من خط ديورند ارتفعت إلى مستويات قياسية، وأن شبكات التهريب تواصل أنشطتها عبر مسارات أخرى في الدول المجاورة.
ودعا دول المنطقة إلى تعزيز التعاون الأمني والفني والاقتصادي المشترك في مجال مكافحة المخدرات.