وزير العدل الأفغاني السابق: طالبان فقدت الحاضنة الدينية والقومية الداعمة لها
قال وزير العدل الأفغاني السابق، فضل أحمد معنوي، إن حركة طالبان اعتمدت على الدين والقومية ركيزتين أساسيتين للحفاظ على سلطتها السياسية، لكنها فقدت جانباً كبيراً من الدعم الذي كانت تتمتع به في هذين المجالين،
مشيراً إلى أن المواقف الأخيرة لزعيم الحزب الإسلامي، قلب الدين حكمتيار، تمثل تحدياً للغطاء القومي الذي تستند إليه الحركة. وكتب معنوي، الجمعة، عبر حسابه على منصة "إكس"، أن طالبان اعتمدت منذ بداية نشاطها السياسي على ملاذين أساسيين هما الدين والقومية، موضحاً أن الشعارات الدينية والادعاء بالحكم وفق الشريعة شكّلا لسنوات أبرز مصادر الدعم للحركة، التي كانت تواجه أي معارضة سياسية بتفسيرها الخاص للدين. وأضاف أن هذا الغطاء الديني بدأ يتصدع تدريجياً بعد وصول طالبان إلى السلطة، مشيراً إلى تصاعد الأصوات المنتقدة للحركة من داخل الأوساط الدينية نفسها التي استمدت منها شرعيتها طوال سنوات. واستشهد وزير العدل السابق بالتصريحات الأخيرة لرئيس جامعة الرشيد الدينية في كراتشي، المفتي عبد الرحيم، قائلاً إن وصف عالم ديني بارز من المدرسة الديوبندية حركة طالبان بأنها من "الخوارج"، وتشكيكه في شرعيتها الدينية، يشيران إلى أن القضية لم تعد مجرد خلاف سياسي بين باكستان وطالبان، بل امتدت إلى التشكيك في الغطاء الديني للحركة. وأشار معنوي أيضاً إلى اتهامات تتعلق بتلقي طالبان مساعدات من الهند واستخدامها تكنولوجيا عسكرية إسرائيلية، مؤكداً أن الحركة التي تقدم نفسها ممثلة لتفسير "نقي ومستقل" للإسلام، مطالبة بتقديم توضيحات بشأن علاقاتها الخارجية ومصادر الدعم الذي تتلقاه. وأوضح أن طالبان تعتمد كذلك على القومية بوصفها غطاءً آخر، مشيراً إلى أنها سعت خلال السنوات الأخيرة بصورة متزايدة إلى الاحتماء بالانتماء القومي واستغلال المشاعر القومية للحفاظ على موقعها السياسي. وأضاف أن هذا الغطاء لم يعد يتمتع بالتماسك السابق، وأن شريحة من البشتون توصلت إلى قناعة بأن الدفاع عن طالبان باسم القومية قد يحمّل القومية نفسها "ثمناً تاريخياً" باهظاً في نهاية المطاف. واعتبر معنوي أن المواقف الأخيرة لزعيم الحزب الإسلامي، قلب الدين حكمتيار، تكتسب أهمية خاصة، موضحاً أنه بعد سنوات من العلاقات المعقدة مع طالبان، بات حكمتيار يتبنى خطاباً أكثر وضوحاً في معارضة الحركة، ويدعو إلى تسليم السلطة للشعب، وضمان التمثيل السياسي، وتغيير البنية السياسية في أفغانستان. وأكد أن أهمية هذه المواقف تكمن في دخول الغطاء القومي الذي تستند إليه طالبان مرحلة جديدة، مشيراً إلى أن خبرة حكمتيار الطويلة في التعبئة السياسية والتنظيم الاجتماعي قد تتيح له مخاطبة شريحة من المجتمع ظلت طالبان تدعي تمثيلها طوال سنوات. وتساءل معنوي عما إذا كان الغطاء القومي لطالبان سيفقد قدرته على حمايتها، كما حدث مع الغطاء الديني الذي كانت تعتمد عليه. وشدد على أن طالبان لا تستطيع الاختباء إلى الأبد خلف "جدار الدين والقومية"، مؤكداً أن أفغانستان بحاجة إلى تغيير جذري في قواعد العمل السياسي للخروج من الوضع الراهن. وكان حكمتيار قد وجه خلال الأيام الأخيرة انتقادات شديدة إلى حركة طالبان، مؤكداً أن الأوضاع في أفغانستان ستشهد تغييراً قريباً. ودعا حكمتيار الحركة إلى تسليم السلطة للشعب، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات، وتشكيل مجلس وطني، وصياغة دستور للبلاد. وتأتي هذه المواقف في ظل علاقات متوترة ومعقدة بين حكمتيار وحركة طالبان منذ عودتها إلى السلطة في أغسطس 2021.
كشفت وزارة الخارجية الأميركية، في تقريرها السنوي بشأن الاتجار بالبشر لعام 2026، أن حركة طالبان لم تبذل أي جهود ملموسة لمكافحة الاتجار بالبشر في أفغانستان، التي لا تزال ضمن أدنى تصنيف عالمي في هذا المجال،
مشيرة إلى استمرار تجنيد الأطفال واستغلالهم في العمليات العسكرية، إلى جانب ممارسة الاستغلال الجنسي للصبية. وأكد التقرير أن أفغانستان تفتقر إلى آليات منظمة لتحديد ضحايا الاتجار بالبشر وإحالتهم إلى مراكز الحماية والدعم، فيما لم تقدم طالبان أي معلومات عن إجراء تحقيقات أو ملاحقات قضائية أو إصدار أحكام بحق المتورطين في هذه الجرائم، أو عن جهود لتحديد الضحايا وتقديم المساعدة لهم. وأوضح التقرير أن تجنيد الأطفال واستخدامهم في الأدوار القتالية والمهام المساندة استمرا خلال الفترة التي شملها التقييم، إلى جانب استمرار ظاهرة استغلال الصبية جنسياً. وكان زعيم حركة طالبان هبة الله آخوندزاده، أصدر قبل نحو عامين مرسوماً يحظر الاتجار بالبشر، ويدعو إلى التحقيق في الجرائم المرتبطة به. وبحسب التقرير، ينص المرسوم على عقوبات بالسجن تتراوح بين سنة وثلاث سنوات، سواء عند ارتكاب الجريمة للمرة الأولى أو تكرارها. لكن وزارة الخارجية الأميركية أكدت أن مؤسسات طالبان لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير المطلوبة للقضاء على الاتجار بالبشر، مشيرة إلى أن المرسوم لا يتضمن تعريفاً واضحاً لهذه الجريمة، كما أن العقوبات المنصوص عليها فيه لا تشكل رادعاً كافياً. وأضاف التقرير أن بعض أحكام المرسوم تتضمن اعترافاً ضمنياً بمفاهيم مرتبطة بالعبودية. وأعرب خبراء قانونيون عن قلقهم إزاء غياب التعريفات القانونية الواضحة، والخلط بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين، وعدم وجود ضمانات صريحة لحماية محامي الدفاع، فضلاً عن الاعتماد على الاعترافات من دون توفير ضمانات كافية لمنع انتزاعها بالإكراه.
تجنيد الأطفال في العمليات القتالية وأشار التقرير إلى أن حركة طالبان وجماعات مسلحة أخرى تواصل تجنيد الأطفال بصورة غير قانونية واستخدامهم في العمليات القتالية والمهام المساندة. ووفقاً لوزارة الخارجية الأميركية، تستخدم طالبان أساليب الإكراه والخداع لاستقطاب الأطفال، وتجند بعضهم من المدارس الدينية الجهادية في أفغانستان وباكستان. وأضاف التقرير أن جماعات مسلحة، بينها تنظيم داعش خراسان وجبهة المقاومة الوطنية، تستخدم الأطفال في القتال المباشر ونقل المتفجرات وزرعها وحمل الأسلحة والتجسس وحراسة القواعد العسكرية. وأكدت الخارجية الأميركية أن ظاهرة استغلال الصبية جنسياً لا تزال مستمرة في أفغانستان، رغم حظرها رسمياً، مشيرة إلى أن مراقبين وثقوا حالات تورط فيها عناصر من حركة طالبان. وتشمل هذه الممارسات استغلال الصبية، الذين تتراوح أعمار معظم ضحاياهم بين 10 و18 عاماً، لأغراض جنسية وترفيهية. وأشار التقرير إلى أن طالبان لم تتخذ إجراءات فعالة لحماية ضحايا هذه الممارسات أو وضع حد لها. وفيما يتعلق بحماية ضحايا الاتجار بالبشر، أوضحت الخارجية الأميركية أن طالبان لم تقدم معلومات عن تحديد أي ضحايا أو توفير خدمات لهم، في ظل غياب آليات منتظمة وفعالة للكشف عن الحالات وإحالتها إلى المؤسسات المختصة بالحماية. وأضاف التقرير أن قوات الأمن التابعة لطالبان تعتقل أحياناً أشخاصاً يُحتمل أنهم من ضحايا الاتجار بالبشر، بينهم أطفال يتسولون في الشوارع، من دون التحقق من وجود مؤشرات على تعرضهم للاستغلال. كما يُحتجز بعض الأطفال الضحايا في مراكز توقيف مع البالغين، حيث يتعرضون لخطر العمل القسري والعنف الجسدي والاعتداءات الجنسية. وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أن القيود التي تفرضها طالبان على أنشطة المنظمات غير الحكومية، وحظر عمل النساء في معظم القطاعات، واعتقال الموظفات بسبب عدم مرافقة محرم لهن، أدت إلى زيادة صعوبة تقديم خدمات الحماية والمساعدة للضحايا. وحدد التقرير نقص التمويل وغياب المراكز المتخصصة لرعاية الضحايا البالغين ضمن أبرز المشكلات التي تعرقل جهود مكافحة الاتجار بالبشر. وحذر من أن العقوبات البدنية التي تفرضها طالبان على ما تصفه بالمخالفات الأخلاقية، ومنها العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، قد تمنع ضحايا الاتجار بالبشر لأغراض الاستغلال الجنسي من الإبلاغ عن الانتهاكات التي يتعرضون لها، خشية معاقبتهم على أفعال أُجبروا على ارتكابها نتيجة الاتجار بهم واستغلالهم. وفي المقابل، أشار التقرير إلى إطلاق سراح 58 طفلاً من صفوف طالبان بمساعدة منظمة دولية، تمكنت بعد إجراء محادثات مع الحركة من تأمين الإفراج عنهم ودعم عودتهم إلى الحياة الطبيعية. وفي سياق متصل، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن النساء والرجال والأطفال الأفغان يواجهون داخل أفغانستان وخارجها مخاطر العمل القسري والاستعباد بسبب الديون والاستغلال الجنسي. وأشار التقرير إلى أن الاتجار بالبشر داخل أفغانستان أكثر انتشاراً من الاتجار عبر الحدود. وأوضح أن الأطفال يتعرضون للاستغلال في قطاعات صناعة السجاد والطوب والعمل المنزلي والزراعة والتعدين والبناء والتسول وقيادة شاحنات نقل البضائع وتهريب المخدرات والأسلحة. وأضاف أن بعض الأسر الفقيرة أو المثقلة بالديون تبيع أطفالها للمتاجرين بالبشر، أو تجبر بناتها القاصرات على الزواج مقابل الحصول على المال.
مخاطر تواجه اللاجئين العائدين والنساء والفتيات ووفقاً للخارجية الأميركية، أسهمت القيود التي تفرضها طالبان على حركة النساء والفتيات، ووصولهن إلى التعليم والعمل، في زيادة تعرضهن لمخاطر الاستغلال. وأشار التقرير إلى أن النساء والفتيات والأسر العائدة من إيران وباكستان إلى أفغانستان، والنازحين داخلياً، والأشخاص الذين كانت لهم صلات بالحكومة الأفغانية السابقة، يواجهون أيضاً مخاطر متزايدة. وأوضح أن بعض الأفغان يدفعون أموالاً لوسطاء بهدف الحصول على فرص عمل في دول أخرى، بينها إيران وباكستان وتركيا ودول أوروبية، لكن بعض هؤلاء الوسطاء وأصحاب العمل يجبرونهم لاحقاً على العمل القسري أو يعرضونهم للاستغلال الجنسي. كما يواجه الرجال والصبية الأفغان، خصوصاً في قطاعي الزراعة والبناء في إيران وباكستان واليونان وتركيا ودول الخليج، مخاطر العمل القسري والاستعباد المرتبط بالديون. وأشار التقرير إلى أن بعض طالبي اللجوء الأفغان في إيران والعراق وباكستان وتركيا وأوروبا وآسيا الوسطى يمتنعون عن إبلاغ السلطات بحالات الاستغلال التي يتعرضون لها، خوفاً من ترحيلهم إلى أفغانستان. وفيما يتعلق بالوقاية من الاتجار بالبشر، أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن مؤسسات طالبان لم تتخذ إجراءات فعالة لمنع هذه الجرائم، ولم تُنشئ فريق عمل مشتركاً بين المؤسسات المعنية بمكافحتها، كما لم تنفذ خطة عمل وطنية فعالة في هذا المجال. وأوضح التقرير أنه رغم إصدار طالبان مرسوماً خلال فترة التقييم السابقة يقضي بتجريم الاتجار بالبشر وفقاً للشريعة الإسلامية، ويوجه المؤسسات المعنية إلى التنسيق والتحقيق والتوعية العامة، فإن الحركة لم تقدم أي معلومات بشأن تنفيذ هذه الإجراءات. وأضاف أن طالبان لم تتخذ خطوات فعالة لمنع تجنيد الأطفال بصورة غير قانونية أو الحد من الطلب على الاستغلال الجنسي التجاري. وشددت وزارة الخارجية الأميركية على أن القيود التي تفرضها طالبان على حقوق النساء والأقليات، ومنع المنظمات غير الحكومية من ممارسة أنشطتها، أسهمت في خلق ظروف تزيد من تعرض الفئات الضعيفة لخطر الاتجار بالبشر، وتعرقل جهود حماية الضحايا وتقديم المساعدة لهم.
أكدت وزارة الخارجية الباكستانية أن الخلافات مع حركة طالبان ذات طبيعة جوهرية، ولا تقتصر على الكلمات والصياغات الدبلوماسية، موضحة أن رفض وفد طالبان عبارات وردت في البيانات الصادرة عن الاجتماعات السابقة لـ"صيغة موسكو" حال دون إصدار
دون إصدار بيان مشترك في الاجتماع الثامن الذي عُقد مؤخراً في العاصمة الروسية. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية، سجاد حيدر خان، خلال مؤتمر صحفي يوم الجمعة، إن الوفد الباكستاني شارك في اجتماع صيغة موسكو بنهج بنّاء، وطرح مخاوف إسلام آباد بوضوح، لكن وفد طالبان رفض الموافقة على عبارات سبق استخدامها في بيانات الاجتماعات الماضية. وأوضح أن الخلاف بشأن البيان الختامي لا يمكن اعتباره مجرد اختلاف على الكلمات والصياغات، لأنه يرتبط بقضايا جوهرية بين الطرفين. وكان الاجتماع الثامن لصيغة موسكو قد عُقد بمشاركة ممثلين خاصين ومسؤولين رفيعي المستوى من حركة طالبان وروسيا وباكستان وإيران والهند والصين وكازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. وأكد الممثل الخاص للرئيس الروسي لشؤون أفغانستان، ضمير كابولوف، أن الاجتماع انتهى من دون اعتماد بيان مشترك بسبب الخلافات بين طالبان وباكستان. وفي سياق متصل، رفض المتحدث باسم الخارجية الباكستانية بشدة اتهامات وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، بشأن وجود علاقات بين باكستان وتنظيم داعش خراسان. وقال حيدر خان إن مسؤولية ضمان الأمن في ولايتي بدخشان ونورستان الأفغانيتين تقع على عاتق حركة طالبان. وكان متقي قد اتهم باكستان، خلال اجتماع صيغة موسكو، بدعم تنظيم داعش خراسان، فيما كررت طالبان اتهاماتها لإسلام آباد بتسليح عناصر من قوات الأمن الأفغانية السابقة وتنظيم داعش وإرسالهم إلى ولايتي بدخشان ونورستان. واتهم المتحدث باسم الخارجية الباكستانية حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان وجماعات مسلحة أخرى باتخاذ ملاذات آمنة داخل أفغانستان، بما في ذلك العاصمة كابل. وأوضح أن إسلام آباد زودت طالبان، عبر القنوات السياسية وغيرها من الوسائل، بمعلومات دقيقة عن مواقع وجود هذه الجماعات داخل الأراضي الأفغانية. وأكد حيدر خان أن الهجمات العسكرية التي نفذتها باكستان داخل أفغانستان كانت محددة الأهداف ودقيقة. وكان اجتماع صيغة موسكو يهدف إلى توفير منصة للحوار بين الأطراف الإقليمية بشأن أفغانستان، والمساعدة في خفض التوتر بين باكستان وحركة طالبان، إلا أن فشل المشاركين في إصدار بيان مشترك عكس استمرار الخلافات بشأن نشاط الجماعات المسلحة والمسؤولية عن ضمان الأمن والاتهامات المتبادلة بين الطرفين. وخلال الاجتماع، قال الممثل الباكستاني إن 4700 باكستاني سقطوا ضحايا هجمات انطلقت، بحسب قوله، من الأراضي الأفغانية خلال السنوات الثلاث الماضية، متهماً طالبان بأنها "شريكة في الجريمة" في تلك الهجمات. في المقابل، اتهم وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، باكستان بزعزعة أمن المنطقة ودعم تنظيم داعش والجماعات المعارضة للحركة.
هددت طالبان بـ«الرد في أقرب وقت ممكن» بعد الغارات الجوية الباكستانية على عدد من الولايات الأفغانية، لكن بعد مرور عدة أيام على هذه الهجمات، اقتصر رد الحركة على استدعاء السفير الباكستاني وإصدار البيانات والتحذيرات اللفظية.
ويرى خبراء أن المخاوف من شنّ باكستان هجمات جديدة، واحتمال استهداف قادة طالبان، إلى جانب مساعي إسلام آباد لتوسيع ضغوطها السياسية والعسكرية، وضعت الحركة في موقف صعب يتسم بالعجز عن اتخاذ خطوات فعلية في مواجهة باكستان.
وشنّت باكستان غارات جوية على ولايتي كونر وبكتيكا ليلة 21 سبتمبر، ثم قصفت ولايات قندهار وبكتيا وخوست ليلة 24 سبتمبر، قبل أن تستهدف مجدداً كونر وهلمند ليلة 30 سبتمبر.
وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، عقب هجوم 23 سبتمبر، إن الأفغان سيردون «بالشكل المناسب». كما شدد عقب هجوم 25 سبتمبر على اتخاذ «موقف حازم» وتقديم «رد مناسب».
ويختلف هذا النهج بشكل واضح عن ردود فعل طالبان على الغارات الجوية الباكستانية السابقة، إذ كانت الحركة، إلى جانب إدانة الهجمات، تصعّد الاشتباكات الحدودية وتعلن تنفيذ هجمات بالطائرات المسيّرة وعمليات داخل الأراضي الباكستانية.
لكن هذه المرة، اتخذت طالبان موقفاً مختلفاً حتى تجاه الاتهامات بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة.
فبعد الغارات الجوية الباكستانية على قندهار وبكتيا وخوست في 25 سبتمبر، أعلن الجيش الباكستاني أن طالبان أرسلت ثماني طائرات مسيّرة باتجاه باكستان رداً على الهجمات، وأن هذه الطائرات أُسقطت بالقرب من تورخم وكوهات.
وسارعت طالبان إلى نفي هذه الاتهامات. وقال ذبيح الله مجاهد: «هذا غير صحيح. لم يُنفذ أي هجوم عبر الحدود أو أي هجوم آخر من الأراضي الأفغانية باتجاه باكستان».
ووصف مجاهد، في بيان، مزاعم عبور الطائرات المسيّرة من أفغانستان بأنها «شائعات» تروّجها دوائر عسكرية باكستانية لتبرير ما وصفه بـ«العدوان السافر».
ويرى مراقبون أن هذا التحول في موقف طالبان يعكس حذراً شديداً في تعامل الحركة مع باكستان.
باكستان تصعّد تهديداتها
في المقابل، واصل المسؤولون الباكستانيون التحذير من استمرار الضربات ضد مواقع الجماعات المسلحة داخل أفغانستان.
وقال المتحدث باسم الجيش الباكستاني، شريف تشودري، عقب الهجمات الأخيرة، إن إسلام آباد «لن تساوم» على سلامة أراضيها وأمنها، وستتخذ «كل الإجراءات اللازمة» لمواجهة التهديدات المنطلقة من الأراضي الأفغانية.
تقول باكستان إن هجماتها تركز على استهداف مخابئ الإرهابيين.
كما أكد رانا ثناء الله، مستشار رئيس الوزراء الباكستاني، أن إسلام آباد تحتفظ بحقها في استهداف مواقع الجماعات الإرهابية.
ووصف المسؤولون الباكستانيون الهجمات الأخيرة بأنها محدودة النطاق، لكن رسالتها السياسية واضحة: تريد إسلام آباد إيصال رسالة إلى طالبان مفادها أنها مستعدة لتوسيع نطاق عملياتها داخل أفغانستان إذا استمرت هجمات حركة طالبان باكستان على الأراضي الباكستانية.
ويؤكد المسؤولون الباكستانيون باستمرار أن لديهم مطلباً واحداً من طالبان، يتمثل في منع شنّ هجمات على باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، ووقف دعم حركة طالبان باكستان.
لكن طالبان لم تُبدِ حتى الآن استعداداً للاستجابة الكاملة لهذا المطلب.
عجز طالبان عن الرد
قال مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، لأفغانستان إنترناشيونال، إن طالبان لا تمتلك في الظروف الراهنة القدرة على توجيه رد عسكري فعّال ضد باكستان.
وأوضح أن الحركة نفذت في السابق بعض الهجمات بالطائرات المسيّرة، لكنها كانت موجهة أساساً للاستهلاك الدعائي والداخلي، ولم تتمكن من إلحاق أضرار مؤثرة بباكستان.
وبحسب مدثر، فإن أي رد عسكري من طالبان قد يدفع باكستان إلى تصعيد هجماتها.
ويرى مدثر أن طالبان تخشى حالياً أن يؤدي الرد العسكري على الهجمات الباكستانية إلى فتح مرحلة جديدة من المواجهة، قد يصبح فيها قادة الحركة أنفسهم أهدافاً لهجمات مباشرة.
وأضاف أن الغارات الباكستانية الأخيرة، ولا سيما في قندهار وهلمند، حملت رسالة «خطيرة ومدروسة» إلى طالبان.
وأفادت بعض المصادر أيضاً بأن الغارة على قندهار استهدفت وحدة الحراسة الخاصة بالملا هبة الله أخوند زاده، زعيم طالبان.
كما قوبلت الهجمات الحدودية التي شنتها طالبان بردود عسكرية باكستانية واسعة، أسفرت عن مقتل عشرات من عناصر الحركة.
وتزعم باكستان أنها قتلت أكثر من 700 عنصر من طالبان خلال عملية «غضب للحق»، فيما تنفي الحركة هذه المزاعم.
ومن جهة أخرى، لا ترغب دول إقليمية، بينها تركيا وقطر والصين، في تصاعد التوتر بين طالبان وباكستان. ومن هذا المنطلق، يمكن أن يُفهم امتناع طالبان عن التصعيد بوصفه رسالة مفادها أن الحركة لا تسعى إلى الحرب والمواجهة، في مقابل اتهام باكستان بالسعي إلى التصعيد العسكري.
مخاوف من استهداف قادة طالبان
قال محلل مطلع على العلاقات الداخلية لطالبان في كابل لأفغانستان إنترناشيونال إن الحركة لم تكن ترغب، منذ بداية الأزمة مع باكستان، في الدخول في مواجهة مباشرة معها، نظراً إلى استمرار الروابط العميقة بين مصير طالبان وباكستان.
وأوضح المحلل، الذي طلب عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية إقامته في كابل، أن طالبان تواجه حالياً معادلة صعبة: فالامتناع عن الرد العسكري قد يُفسَّر على أنه ضعف، بينما قد يؤدي الرد إلى فتح الباب أمام هجمات باكستانية أوسع نطاقاً.
وقال إن طالبان تخشى أن تقدم باكستان، في حال ردّت الحركة عسكرياً على الهجمات الأخيرة، على استهداف قادتها هذه المرة.
وتأتي هذه المخاوف في وقت سعت فيه باكستان خلال الأشهر الأخيرة إلى زيادة الضغط على طالبان على مستويات متعددة، بدءاً من الضغوط الدبلوماسية والإقليمية، وصولاً إلى الإجراءات العسكرية ومحاولات تعزيز خصوم الحركة.
وبحسب المحلل، ترى طالبان أن جزءاً من المشكلة لا يكمن في إسلام آباد، بل في واشنطن.
وتعتقد الحركة أن باكستان تتحرك في كثير من الحالات وفقاً للمصالح الأميركية، وأن قضايا مثل مصير السجناء، واحتمال عودة الولايات المتحدة إلى قاعدة باغرام، وعلاقات واشنطن مع دول المنطقة، تؤثر في حسابات كابل.
وقال المحلل: «طالبان منشغلة أكثر بالمساومة مع الولايات المتحدة، بينما تنشغل واشنطن بإيران».
ومن هذا المنظور، تسعى طالبان إلى تخفيف الضغوط الباكستانية عبر التواصل مع الولايات المتحدة، في وقت تركز فيه واشنطن على أولويات إقليمية أخرى.
لماذا لا تتحرك طالبان ضد حركة طالبان باكستان؟
تُعد حركة طالبان باكستان، المعروفة اختصاراً بـ«تي تي بي»، إحدى أبرز نقاط الخلاف بين كابل وإسلام آباد.
وتطالب باكستان طالبان بمنع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات عليها.
ورغم أن طالبان تؤكد رسمياً أنها لا تسمح باستخدام أراضي أفغانستان ضد الدول الأخرى، فإنها لم تُبدِ استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع حركة طالبان باكستان لقمعها.
وتفيد بعض المصادر بأن زعيم طالبان وجّه تحذيرات متكررة إلى حركة طالبان باكستان لوقف هجماتها على باكستان.
كما نقلت طالبان عدداً من عناصر الحركة الباكستانية من المناطق الحدودية إلى شمال أفغانستان ومناطقها الوسطى، وأصدرت مواقف دينية تعارض شنّ الهجمات على باكستان.
لكن هذه الإجراءات لم تنجح في إقناع إسلام آباد.
وتطالب باكستان طالبان بتقديم ضمانات عملية وملموسة بعدم استخدام الأراضي الأفغانية ضدها.
ولذلك، لا يقتصر الخلاف بين الطرفين على التصريحات السياسية، بل يتعلق بطبيعة الإجراءات العملية التي تتخذها طالبان ضد حركة طالبان باكستان ومدى فعاليتها.
وقال المحلل القريب من طالبان إن هذه القضية أكثر تعقيداً بالنسبة إلى الحركة من أن تُحل بمجرد اعتقال عناصر حركة طالبان باكستان أو قمعهم.
وأوضح أن «دخول طالبان في مواجهة مع حركة طالبان باكستان قد يؤدي إلى صدام مع مجموعة من التنظيمات المسلحة المتمركزة في أفغانستان، بما فيها المقاتلون الأويغور والشيشان والقاعدة والمسلحون الأوزبك».
وأضاف: «معاداة جماعة واحدة تعني معاداة الجميع».
وبحسب المحلل، لا تمتلك طالبان القدرة على مواجهة هذه الجماعات جميعاً في الوقت نفسه، كما أنها تفتقر إلى الإرادة السياسية للقيام بذلك.
ويرى أن إسلام آباد تدرك هذه المعادلة جيداً، ولذلك لا تحصر ضغوطها على طالبان في قضية حركة طالبان باكستان وحدها.
وقال: «تضع باكستان في حساباتها قضايا أوسع، مثل الجماعات البلوشية وخط ديورند والترانزيت وعلاقات أفغانستان مع الهند».
وأضاف: «ربما تجد باكستان نفسها، للمرة الأولى منذ ثمانية عقود، في موقع استراتيجي وإقليمي ملائم للغاية في مواجهة أفغانستان، وتعتقد أنها تستطيع استغلال هذا الوضع للحصول على مزيد من الامتيازات».
ووصف المحلل وضع طالبان بالقول: «وجدت طالبان نفسها أمام معضلة غريبة».
واستشهد بمثل شعبي يقول: «العصفور الحذر يقع في فخّين».
انقسام داخلي في أفغانستان
يرى مصطفى مدثر، الباحث في الشؤون الإقليمية، أن طالبان لم تتمكن أيضاً من حشد دعم موحد داخل أفغانستان لمواجهة الهجمات الباكستانية.
وقال إن المجتمع الأفغاني منقسم إزاء هذه الهجمات، وإن بعض الأفغان من غير البشتون يؤيدون حتى الضربات الباكستانية ضد مواقع طالبان.
وأضاف أن محاولات طالبان تعبئة الرأي العام ضد باكستان لم تحقق نجاحاً حتى الآن.
ويتوقع مدثر أن تواصل باكستان هجماتها بوتيرة أشد، بالتزامن مع زيادة دعمها لخصوم طالبان.
وإلى جانب الضغوط الباكستانية، تواجه طالبان تصاعداً في أنشطة الجماعات المسلحة المعارضة لها.
وقد كثّفت الجبهات المعارضة لطالبان نشاطها في مناطق مختلفة من أفغانستان، بالتزامن مع تقارير عن مساعٍ باكستانية لتعزيز وتعبئة التيارات السياسية المناهضة للحركة.
ويُطرح في هذا السياق تجدد نشاط الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، ومحاولات تنظيم القوى السياسية خارج إطار سلطة طالبان.
ومن جهة أخرى، يسعى بعض معارضي طالبان إلى الاستفادة من الأساليب والمسارات نفسها التي استخدمتها الحركة في الماضي لتوسيع نفوذها.
تهديدات لم تُنفذ حتى الآن
يُعد نور الله نوري، وزير الحدود وشؤون القبائل في حكومة طالبان، من أبرز المسؤولين الذين وجّهوا تحذيرات متكررة إلى باكستان.
لكن ردود الفعل على مستوى قيادة الحركة كانت أكثر حذراً، فيما التزم عدد من كبار مسؤولي طالبان الصمت إزاء الهجمات الأخيرة.
كما قال وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، خلال اجتماع موسكو، إن الخلاف مع باكستان يمكن حله عن طريق المفاوضات.
ويحمل هذا الموقف، إلى جانب نفي الحركة تنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة ضد باكستان، رسالة واضحة مفادها أن طالبان لا ترغب في المرحلة الراهنة في الدخول في مواجهة قد يصعب عليها السيطرة عليها.
لكن العلاقات بين الطرفين تجاوزت مرحلة باتت معها العودة إلى الوضع الطبيعي أمراً صعباً.
ففي بداية الأزمة، تحدثت طالبان عن رد قاسٍ، والتقدم نحو بيشاور، بل وحتى السيطرة على البنجاب.
أما الآن، فبدلاً من تنفيذ هذه التهديدات، تسعى الحركة إلى تجنب تصعيد المواجهة.
ولذلك، فإن ما يظهر اليوم في موقف طالبان تجاه باكستان أقرب إلى تراجع محسوب منه إلى سياسة هجومية.
ويُعزى هذا التراجع إلى محدودية القدرات العسكرية لطالبان، ومخاوفها من استهداف قادتها، والخلاف بشأن حركة طالبان باكستان، والضغوط السياسية والعسكرية المتزامنة التي تمارسها إسلام آباد.
أفادت مجلة «ذا دبلومات» في تقرير بأن توسّع حركة طالبان في استخدام الطائرات المسيّرة أضاف بُعداً جديداً إلى المواجهة بينها وبين باكستان.
ووفقاً للمجلة، لا يقتصر القلق الرئيسي لإسلام آباد على هجمات طالبان بالطائرات المسيّرة، بل يمتد إلى احتمال وقوع طائرات مسيّرة صغيرة ومنخفضة التكلفة نسبياً في أيدي الجماعات الإرهابية.
ويمكن لهذه الطائرات أن تعزز قدرات هذه الجماعات على استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات، ما يجعل احتواء التهديدات الأمنية أكثر صعوبة.
وأعلن الجيش الباكستاني أنه أسقط ثماني طائرات مسيّرة، فجر 23 سبتمبر 2026، بعد دخولها المجال الجوي الباكستاني من جهة أفغانستان. وبحسب مسؤولين باكستانيين، جرى اعتراض أربع طائرات بالقرب من معبر تورخم الحدودي، وأربع أخرى في محيط مدينة كوهات بإقليم خيبر بختونخوا.
وأعلنت إسلام آباد في اليوم التالي أنها شنّت غارات جوية استهدفت عشرة مواقع داخل أفغانستان رداً على الحادث. وزعم مسؤولون باكستانيون أن هذه المواقع كانت تُستخدم لتخزين الطائرات المسيّرة وإطلاقها.
في المقابل، نفت سلطات طالبان هذه الاتهامات. وقال المتحدث باسم الحركة، ذبيح الله مجاهد، إن أي هجوم على باكستان لم ينطلق من الأراضي الأفغانية، واصفاً مزاعم عبور الطائرات المسيّرة بأنها «شائعات» تهدف إلى تبرير الغارات الجوية الباكستانية.
ومع ذلك، يسلط الحادث الضوء على مخاوف أمنية أوسع نطاقاً، إذ لم تعد الطائرات المسيّرة مجرد أدوات للمراقبة والدعاية، بل أصبحت تُستخدم أيضاً في استطلاع الأهداف وتنفيذ الهجمات.
وبالنسبة إلى باكستان، يتخذ التهديد بُعدين رئيسيين؛ أولهما الاستخدام المباشر للطائرات المسيّرة من جانب طالبان ضد المواقع الأمنية وأهداف أخرى داخل باكستان، وثانيهما احتمال وصول هذه التكنولوجيا إلى الجماعات المسلحة، ولا سيما حركة طالبان باكستان.
ويمكن لهذه الجماعات استخدام الطائرات المسيّرة لاستطلاع النقاط الأمنية ومراقبة تحركات القوات وتنفيذ الهجمات.
وبحسب المجلة، فإن انتشار تكنولوجيا الطائرات المسيّرة قد يعزز قدرات الجماعات المسلحة ويزيد من تعقيد التحديات الأمنية التي تواجهها باكستان.
من الدعاية إلى الهجمات بالطائرات المسيّرة
بدأت طالبان استخدام الطائرات من دون طيار عام 2016، وكانت تُستخدم في البداية بصورة رئيسية لالتقاط الصور وإنتاج المواد الدعائية. لكن استخدامها توسّع تدريجياً ليشمل الاستطلاع والمراقبة وحمل المواد المتفجرة.
وفي أواخر فبراير وأوائل مارس 2026، ادعت وزارة الدفاع في حكومة طالبان أنها شنّت هجمات على منشآت عسكرية باكستانية، من بينها قاعدة كوهات العسكرية، ونشرت مقطع فيديو يُظهر تحليق طائرة مسيّرة.
في المقابل، أعلنت باكستان أنها عطّلت عدداً من الطائرات المسيّرة البدائية المعدّلة من نماذج تجارية باستخدام وسائل الحرب الإلكترونية.
وتشير الحرب الإلكترونية إلى الإجراءات المستخدمة لتعطيل الاتصالات أو أنظمة توجيه الطائرات المسيّرة. ويمكن لهذه الوسائل، في بعض الحالات، قطع الاتصال بين الطائرة ومشغّلها أو إخراجها عن مسارها، لكنها ليست فعالة ضد جميع أنواع الطائرات المسيّرة.
ووفقاً لمصادر أمنية باكستانية، تحصل طالبان على طائراتها المسيّرة عبر عدة قنوات، تشمل شراء النماذج التجارية، والاستفادة من شبكات التوريد الإقليمية، وتجميع المعدات أو تعديلها محلياً.
ويجعل توفر الطائرات المسيّرة التجارية وإمكانية تعديلها لأغراض أخرى، الحد من انتشار هذه التكنولوجيا أمراً أكثر صعوبة.
وتشير تقارير من باكستان أيضاً إلى أن كتيبة 313 المرتبطة بشبكة حقاني تستخدم طائرات مسيّرة انتحارية، أو ما يُعرف بالطائرات ذات «الهجوم أحادي الاتجاه».
ويُرسل هذا النوع من الطائرات للاصطدام بالهدف، وعادةً لا يعود بعد تنفيذ الهجوم.
وبحسب هذه التقارير، تُطلق الطائرات المسيّرة من مناطق تشمل قندهار وننغرهار وبكتيا وبكتيكا، فيما تُعد كويته وبيشاور وإسلام آباد ومناطق وزيرستان من المواقع المعرضة للتهديد.
وفي المقابل، تسعى طالبان أيضاً إلى إيجاد وسائل للتصدي للطائرات المسيّرة الباكستانية.
وأفادت وسائل إعلام، في 9 سبتمبر 2026، بأن وفداً من وزارة الدفاع في حكومة طالبان، برئاسة عبد اللطيف حكيمي، مسؤول التفتيش في الوزارة، أجرى تقييماً لأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة في الفيلق العسكري 205 بقندهار والمناطق القريبة من سبين بولدك.
وتتكون أنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة من مجموعة أدوات مخصصة لرصد الطائرات المهاجمة واعتراضها أو تعطيلها.
وكان الهدف من تقييم هذه الأنظمة التصدي لنشاط الطائرات المسيّرة الباكستانية في المناطق الحدودية. ولا تزال أنواع هذه الأنظمة وأعدادها ومدى فعاليتها لدى طالبان غير معروفة.
نتشار الطائرات المسيّرة الرخيصة بين الجماعات المسلحة
تتزايد مخاوف باكستان عندما لا يقتصر استخدام الطائرات المسيّرة على طالبان، بل يمتد إلى جماعات مثل حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان.
فانخفاض التكلفة النسبية للطائرات المسيّرة التجارية الصغيرة وسهولة الحصول عليها يجعلان هذه التكنولوجيا أكثر قابلية للاستخدام من جانب الجماعات المسلحة.
وصُممت بعض هذه الطائرات أساساً للتصوير والاستخدامات المدنية، لكن يمكن تعديلها لأغراض استطلاع الأهداف أو حمل المتفجرات.
ولذلك، لا يقتصر التهديد على امتلاك أسطول كبير ومتطور من الطائرات المسيّرة؛ إذ يمكن لجماعة تمتلك عدداً محدوداً من الطائرات الصغيرة استخدامها لاستطلاع نقطة أمنية أو مراقبة تحركات القوات أو اختبار استجابة أنظمة الدفاع.
وإذا جرى تجهيز هذه الطائرات بمواد متفجرة، فقد تتحول إلى أدوات لتنفيذ الهجمات.
وكان تقرير صادر عن مجلس الأمن الدولي في أغسطس الماضي قد أشار، نقلاً عن إحدى الدول الأعضاء، إلى تلقي عناصر من جيش تحرير بلوشستان تدريبات إلى جانب مقاتلي حركة طالبان باكستان داخل أفغانستان، بما في ذلك التدريب على استخدام الطائرات المسيّرة.
كما أشار التقرير إلى حصول هذه الجماعة على بعض المعدات التي خلّفتها القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي «الناتو»، ومنها طائرات مسيّرة مخصصة للاستطلاع.
ولا تثبت هذه المعلومات وحدها أن جميع الجماعات المسلحة تستخدم شبكة إمداد مشتركة، أو أن التكنولوجيا تنتقل بينها عبر مسار محدد.
لكنها تشير إلى أن انتشار المعرفة والمعدات المرتبطة بالطائرات المسيّرة بين عدة جماعات مسلحة في المنطقة أصبح مصدر قلق أمني متزايد.
وبالنسبة إلى باكستان، لا تقتصر تداعيات هذا التطور على زيادة عدد الهجمات، بل يمكن للطائرات المسيّرة الصغيرة أن ترفع تكلفة حماية المنشآت العسكرية والنقاط الأمنية والبنية التحتية الحيوية.
وقد تضطر القوات الأمنية إلى تخصيص المزيد من الموارد لمواجهة تهديد يمكن أن ينشأ من اتجاهات متعددة وباستخدام معدات منخفضة التكلفة.
وحتى إذا لم تتسبب طائرة مسيّرة في أضرار مادية كبيرة، فإن تحليقها فوق منشأة حساسة قد يؤدي إلى تعطيل الأنشطة وإثارة المخاوف ورفع مستوى التأهب الأمني.
ومن هنا، لا يقتصر قلق إسلام آباد على الهجمات واسعة النطاق، بل يشمل انتشار أدوات يمكن استخدامها بصورة متكررة وفي مواقع مختلفة.
كيف يمكن لباكستان مواجهة تهديد الطائرات المسيّرة؟
تمتلك باكستان خبرة في تصنيع واستخدام الطائرات المسيّرة المخصصة للاستطلاع والعمليات القتالية.
ومع ذلك، فإن مواجهة الطائرات الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة تتطلب أنظمة قادرة على اكتشاف هذه الأهداف واعتراضها قبل وصولها إلى وجهتها.
وتتمثل المرحلة الأولى في الرصد والكشف؛ إذ قد تواجه الرادارات التقليدية صعوبات في اكتشاف بعض الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تحلق على ارتفاعات منخفضة، خصوصاً في المناطق الجبلية أو الحضرية.
ولذلك، يمكن أن يوفر دمج الرادارات قصيرة المدى مع الكاميرات الكهروبصرية ومستشعرات الأشعة تحت الحمراء وأجهزة رصد الإشارات اللاسلكية صورة أكثر دقة للوضع الأمني.
وتلتقط الكاميرات الكهروبصرية الصور المرئية، بينما تكشف مستشعرات الأشعة تحت الحمراء بعض البصمات الحرارية. أما أجهزة رصد الإشارات اللاسلكية فتُستخدم لاكتشاف إشارات الاتصال بين الطائرات المسيّرة ومشغّليها.
ولا تستطيع أي من هذه الأدوات وحدها العمل بفعالية في جميع الظروف، لكن الجمع بينها يزيد من فرص اكتشاف الطائرات.
أما المرحلة الثانية فتتمثل في اعتراض الطائرات المسيّرة أو تعطيلها. ففي بعض الظروف، يمكن استخدام وسائل الحرب الإلكترونية للتشويش على اتصالات الطائرة أو أنظمة توجيهها.
وفي حالات أخرى، قد تكون هناك حاجة إلى أنظمة اعتراض أو وسائل دفاع جوي تقليدية. ويتوقف اختيار الوسيلة المناسبة على نوع الطائرة وطريقة توجيهها وبيئة تحليقها.
وتتمثل المرحلة الثالثة في تحليل المعلومات، إذ يمكن أن تساعد دراسة مسارات الطيران وتوقيت الهجمات ونقاط الإطلاق المحتملة وطبيعة الأهداف، القوات الأمنية على تحديد الأنماط المتكررة.
كما يمكن لأدوات تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي أن تسهم في تصنيف المعلومات واكتشاف الأنماط، لكنها لا تشكل بديلاً عن المعلومات الميدانية أو القرارات البشرية.
وينبغي أيضاً أن تتناسب إجراءات حماية المنشآت الحساسة مع أهمية كل موقع ومستوى المخاطر التي يواجهها.
فالمطارات ومحطات الطاقة والمراكز العسكرية والمنشآت النفطية والمباني الحكومية ومراكز الاتصالات تحتاج إلى تدابير أمنية تتناسب مع طبيعة التهديدات المحتملة.
وفي المناطق الحدودية، لا يكفي الاعتماد على الأسلاك الشائكة والنقاط الأمنية الثابتة والدوريات البرية وحدها.
ويمكن أن يسهم الجمع بين المراقبة الأرضية وأجهزة الاستشعار ووسائل الاستطلاع الجوي وقوات الاستجابة السريعة في تحسين اكتشاف التهديدات والتعامل معها.
كما تكتسب عملية التنسيق بين المؤسسات المدنية والعسكرية أهمية خاصة لتبادل المعلومات وتجنب الاستجابات غير المنسقة.
وإلى جانب ذلك، يمكن أن تسهم القدرة على تصنيع المعدات وصيانتها وتطويرها محلياً في تقليل اعتماد باكستان على المورّدين الأجانب.
وفي الأزمات الممتدة، تكتسب استدامة الحصول على قطع الغيار والقدرة على تعديل الأنظمة وفقاً للاحتياجات العملياتية أهمية متزايدة.
المفاوضات سبيل لمنع تصعيد المواجهة
يزيد انتشار حرب الطائرات المسيّرة من خطر تحول أي حادث حدودي إلى هجوم انتقامي جديد.
وقد تعتبر باكستان ضرباتها الجوية رداً ضرورياً على التهديدات الأمنية، في حين تصف طالبان هذه الهجمات بأنها انتهاك لسيادة أفغانستان.
وفي مثل هذه الظروف، يمكن لكل طرف تصوير أفعاله على أنها دفاعية، واعتبار إجراءات الطرف الآخر أعمالاً عدوانية.
ولا تستطيع الغارات الجوية وحدها تحقيق أمن مستدام على الحدود، إذ قد تتسبب في سقوط ضحايا مدنيين، وتزيد من احتمالات الرد المتبادل، وتحدّ من فرص الحلول الدبلوماسية.
ووفقاً لمجلة «ذا دبلومات»، فإن عودة طالبان إلى طاولة المفاوضات تكتسب أهمية في خفض التوترات.
ولا تعني المفاوضات التخلي عن المخاوف الأمنية الباكستانية، بل يمكن أن تهيئ الظروف للتوصل إلى التزامات واضحة وقابلة للتحقق.
وقد تشمل هذه الالتزامات منع استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على باكستان، والحيلولة دون وصول الجماعات المسلحة إلى التكنولوجيا العسكرية، وإنشاء آلية للتحقيق في الحوادث الحدودية، والحفاظ على قناة اتصال مباشرة بين الطرفين خلال الأزمات.
ومن دون مثل هذه الآلية، قد يتحول كل هجوم بطائرة مسيّرة إلى ذريعة لشن غارة جوية جديدة، فيما تمهّد كل غارة جوية الطريق لرد انتقامي آخر.
وفي ظل هذه الظروف، قد يؤدي انتشار الطائرات المسيّرة الصغيرة والمنخفضة التكلفة بين الجماعات المسلحة إلى زيادة صعوبة احتواء الصراع ومنع تصعيده.
أعلن محسن زنكنه، رئيس إحدى لجان البرلمان الإيراني، التوصل إلى اتفاق مبدئي لتخصيص أكثر من 110 هكتارات من الأراضي في ميناء تشابهار لأفغانستان، بهدف توفير فرص للأنشطة التجارية والاستثمارية أمام الشركات ورجال الأعمال الأفغان.
وقال زنكنه، الخميس، في مقابلة مع قناة سحر الإيرانية: «اتفقنا خلال المحادثات مع وزير الصناعة في حكومة طالبان على أن تكون لأفغانستان أرض خاصة بها في المنطقة الحرة بميناء تشابهار».
وأضاف أن طالبان طلبت تخصيص مساحة أكبر من الأراضي على ساحل تشابهار، لكن محدودية الأراضي المتاحة في هذه المنطقة حالت دون التوصل إلى اتفاق نهائي حتى الآن، مشيراً إلى استمرار المحادثات بهذا الشأن.
وأوضح البرلماني الإيراني أن الجانبين بحثا، خلال زيارة الوفد الإيراني إلى كابل، توسيع التعاون الصناعي، وإنشاء مدينة أو مجمع صناعي مشترك، ورفع حجم التبادل التجاري بين إيران وأفغانستان إلى 10 مليارات دولار.
واعتبر زنكنه أن هذا التفاهم يأتي امتداداً للاتفاق الثلاثي بين إيران والهند وأفغانستان، الذي وُقّع عام 2016 بحضور الرئيس الأفغاني السابق أشرف غني، بهدف تطوير التعاون التجاري والترانزيت عبر ميناء تشابهار.
وبرز ميناء تشابهار خلال السنوات الأخيرة بوصفه أحد البدائل للموانئ الباكستانية في التجارة الأفغانية. ولعبت الهند دوراً في تطوير الميناء وتشغيله، إلا أن العقوبات الأميركية المفروضة على إيران أثّرت في الاستثمارات والأنشطة التجارية فيه.
وزادت التوترات الحدودية بين طالبان وباكستان، والإغلاق المتكرر للمعابر التجارية، بما في ذلك الطرق التي تربط أفغانستان بميناء كراتشي، من أهمية تشابهار بالنسبة إلى طالبان، التي تسعى إلى تقليص اعتماد أفغانستان التجاري على باكستان من خلال توسيع استخدام طرق التجارة عبر إيران.
ويُعد تشابهار أيضاً أحد محاور التعاون الاقتصادي بين طالبان والهند. وخلال الأشهر الأخيرة، كثّفت طالبان اتصالاتها الدبلوماسية والاقتصادية مع نيودلهي، وطالبت بتوسيع استخدام الميناء في التجارة الأفغانية.
وتعتبر الهند ميناء تشابهار ممراً استراتيجياً للوصول إلى أسواق أفغانستان وآسيا الوسطى، وقد استثمرت في تطوير بنيته التحتية وتشغيله.
وفي سياق متصل، بحث دين محمد حنيف، وزير الاقتصاد في حكومة طالبان، مع محمد سعيد أربابي، المدير العام لمنطقة تشابهار الحرة في إيران، سبل زيادة التجارة وحركة الترانزيت الأفغانية عبر الميناء، إضافة إلى فرص الاستثمار.
وأعلنت وزارة الاقتصاد في حكومة طالبان، الخميس 8 أكتوبر، أن حنيف أكد خلال اللقاء امتلاك أفغانستان فرصاً استثمارية واسعة في قطاعات الزراعة والتعدين والصناعة والطاقة، داعياً إلى توسيع التعاون الاقتصادي مع إيران.
وبحسب الوزارة، استعرض محمد سعيد أربابي الإمكانات والتسهيلات التي توفرها منطقة تشابهار الحرة، وأعرب عن استعدادها لتعزيز التعاون مع التجار والمستثمرين الأفغان.
كما شدد الجانبان على أهمية تسهيل أنشطة القطاع الخاص، وزيادة الاستفادة من الإمكانات التجارية وخدمات الترانزيت التي يوفرها ميناء تشابهار.
ويُعد ميناء تشابهار أحد المنافذ التي تتيح لأفغانستان الوصول إلى المياه الدولية، كما يكتسب أهمية خاصة في تجارتها مع الهند، نظراً إلى الدور الذي تؤديه نيودلهي في تطويره وتشغيله.
ومع تصاعد التوترات بين طالبان وباكستان وتعطل الطرق التجارية بين البلدين، ازدادت أهمية تشابهار بالنسبة إلى أفغانستان. وسعت طالبان خلال السنوات الأخيرة إلى تعزيز تجارتها عبر إيران بهدف تقليل الاعتماد على طرق الترانزيت الباكستانية.
ومع ذلك، لا تزال العقوبات الأميركية على إيران تمثل أحد أبرز التحديات أمام توسيع الأنشطة التجارية والاستثمارية في تشابهار، إذ شهدت الإعفاءات الأميركية المتعلقة بالأنشطة الهندية في الميناء تغييرات في مراحل مختلفة.
وفي المقابل، سعت إيران خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية مع طالبان، ليصبح ميناء تشابهار أحد المحاور الرئيسية للتعاون التجاري والترانزيت بين الجانبين.