وكتب كامران يوسف، صاحب التحليل الذي حمل عنوان «رهان روسيا على طالبان»، أن هذه التساؤلات اكتسبت أهمية أكبر بعد انتهاء الاجتماع الثامن لصيغة موسكو للمشاورات بشأن أفغانستان دون صدور بيان مشترك.
وأوضح يوسف أن اجتماع موسكو، الذي عُقد في 5 أكتوبر، انتهى دون التوصل إلى موقف مشترك بسبب خلافات بين وفدي باكستان وطالبان بشأن أنشطة الجماعات المسلحة في أفغانستان، معتبراً أن هذه هي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك منذ انطلاق اجتماعات صيغة موسكو عام 2017.
وبحسب الكاتب، اعترض وفد طالبان على تكرار الإشارة إلى الإرهاب في أفغانستان ضمن مشروع البيان الختامي، معتبراً أن هذا النهج غير مقبول بالنسبة للحركة، ما دفع الدولة المضيفة إلى الامتناع عن إصدار البيان.
وشارك في الاجتماع ممثلون عن روسيا والصين والهند وإيران وباكستان وطالبان وعدد من دول آسيا الوسطى. وأثار الممثل الخاص الباكستاني لشؤون أفغانستان، محمد صادق، مخاوف إسلام آباد بشأن أنشطة الجماعات المسلحة انطلاقاً من الأراضي الأفغانية، ولا سيما حركة طالبان باكستان.
في المقابل، رفض وزير خارجية طالبان، أمير خان متقي، الاتهامات الباكستانية، ودعا إلى تسوية الخلافات عبر الحوار.
وتتهم إسلام آباد حركة طالبان بإيواء مسلحين ينفذون هجمات داخل باكستان، فيما تنفي الحركة هذه الاتهامات وتعتبر انعدام الأمن في باكستان شأناً داخلياً.
وخلال الاجتماع نفسه، أشاد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بجهود طالبان في مكافحة تنظيم داعش وتهريب المخدرات، داعياً إلى تعزيز التعاون مع كابل.
وأشار يوسف إلى أن موقف لافروف لا يمثل تحولاً مفاجئاً في السياسة الروسية، إذ اعترفت موسكو بحكومة طالبان في يوليو 2025، وتواصل منذ ذلك الحين توسيع علاقاتها معها. ويرى الكاتب أن تصريحات لافروف الأخيرة تعكس اتساع الفجوة بين النهج الروسي وتوقعات باكستان.
مصالح أمنية أم دوافع أخرى؟
يرى الكاتب أن الحفاظ على النفوذ الروسي في أفغانستان، ومنع امتداد عدم الاستقرار إلى آسيا الوسطى، واحتواء تهديد تنظيم داعش، تمثل الدوافع الرئيسية وراء تقارب موسكو مع طالبان.
وأضاف أن روسيا تسعى أيضاً إلى الحد من احتمالات عودة النفوذ العسكري الغربي إلى المنطقة.
ومع ذلك، أشار يوسف إلى أن بعض الأوساط في باكستان تعتقد أن الاعتبارات التاريخية قد تؤدي دوراً في السياسة الروسية الحالية، إذ لعبت باكستان خلال ثمانينيات القرن الماضي، بدعم من الولايات المتحدة والسعودية، دوراً رئيسياً في مساندة المجاهدين الأفغان ضد القوات السوفيتية.
وبحسب الكاتب، يرى البعض أن توسيع روسيا علاقاتها مع طالبان قد يكون، جزئياً، محاولة لمواجهة النفوذ الباكستاني التاريخي في أفغانستان.
وربط يوسف السياسة الروسية أيضاً بالتحولات التي تشهدها علاقات باكستان الدولية.
وأوضح أن إسلام آباد أصبحت أكثر تقارباً مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيما أضاف الاتفاق الدفاعي المشترك الذي أُبرم في مكة مع السعودية وتركيا بُعداً جديداً إلى علاقات باكستان الاستراتيجية.
وأشار إلى أن بعض المراقبين يرون أن تقارب باكستان مع الولايات المتحدة وتعاونها الدفاعي مع السعودية وتركيا قد يثير شكوك موسكو، خصوصاً إذا اعتبرت روسيا هذه العلاقات تهديداً لمصالحها.
اتصالات عسكرية مع طالبان
وتناول التحليل الاتصالات العسكرية الأخيرة بين روسيا وطالبان، مشيراً إلى أنها أثارت بدورها تساؤلات جديدة.
وأوضح أن وفداً عسكرياً من طالبان شارك، قبل اجتماع صيغة موسكو، في مناورات عسكرية داخل روسيا، وزار معرضاً للمعدات والتكنولوجيا العسكرية.
كما توصلت روسيا وإدارة طالبان إلى تفاهمات بشأن التعاون العسكري، من بينها إصلاح المعدات العسكرية الروسية الموجودة في أفغانستان. وتستخدم طالبان هذه الأسلحة في الاشتباكات الحدودية مع باكستان.
وأكد يوسف أن هذه الاتصالات تعكس توسع التعاون بين الجانبين، لكنها لا تثبت أن موسكو اتخذت قراراً بتزويد طالبان بالأسلحة.
تداعيات التقارب الروسي مع طالبان على باكستان
يرى الكاتب أن القلق الرئيسي لدى باكستان يتمثل في احتمال أن يؤدي توسيع دول المنطقة علاقاتها مع طالبان إلى تخفيف الضغوط على الحركة لاتخاذ إجراءات ضد حركة طالبان باكستان.
وتؤكد إسلام آباد أن التعامل مع طالبان يجب أن يفضي إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة ضد الجماعات التي تنفذ هجمات داخل الأراضي الباكستانية.
في المقابل، يبدو أن موسكو تعتقد أن الحفاظ على علاقاتها مع طالبان يتيح لها حماية مصالحها بصورة أفضل.
ويرى يوسف أن الخلاف بشأن أفغانستان لا يشكل، بحد ذاته، سبباً للتخلي عن العلاقات الأوسع بين روسيا وباكستان.
ومع ذلك، فإن غياب بيان مشترك في ختام اجتماع موسكو أظهر أن دول المنطقة، رغم مخاوفها المشتركة بشأن أفغانستان، لا تزال تختلف حول كيفية التعامل مع طالبان.
وخلص الكاتب إلى أن نجاح «رهان روسيا» يعتمد على مدى التزام طالبان بتعهداتها، محذراً، استناداً إلى التجربة الباكستانية، من مخاطر وضع الثقة في الحركة.