وتبرز روايتان مختلفتان بشأن هذه العملية؛ إذ تتحدث بعض المصادر عن تنفيذها بالتنسيق مع طالبان أو بعلمها، فيما يرى آخرون أن باكستان أدت دوراً في تنفيذ العملية في إطار تعاونها الاستخباراتي مع تركيا، إما من دون علم طالبان الكامل، أو بهدف تقويض مصداقية الحركة.
وأعلن جهاز الاستخبارات الوطنية التركي اعتقال المواطن التركي أوغور بهادر، المشتبه بانتمائه إلى فرع تنظيم داعش في خراسان، خلال عملية عابرة للحدود في «منطقة أفغانستان وباكستان»، ونقله إلى تركيا.
وكان بهادر ينشط داخل التنظيم تحت الاسم الحركي «عبد الله». وقد سافر من تركيا إلى المنطقة عام 2024، وانضم إلى داعش خراسان، وتلقى تدريبات في معسكراته، قبل أن يتولى مهام عملياتية مختلفة.
وخلال التحقيقات، أدلى بمعلومات عن شبكات تجنيد العناصر، وبرامج التدريب، والمهام العملياتية، والهيكل التنظيمي لداعش خراسان في المنطقة.
كما كشف عن ارتباطاته بأوزغور ألتون، المعروف باسم «أبو ياسر التركي»، الذي كان مسؤولاً عن تنسيق نقل المجندين من تركيا إلى منطقة أفغانستان وباكستان.
ومع ذلك، لم تكشف الاستخبارات التركية عن الموقع الدقيق للاعتقال أو تفاصيل تنفيذ العملية، واكتفت باستخدام عبارة مبهمة هي «منطقة أفغانستان وباكستان». ولم يصدر حتى الآن أي تعليق رسمي من سلطات طالبان أو باكستان.
سوابق العمليات التركية ضد داعش خراسان
لا تُعد العملية الأخيرة أول تحرك عابر للحدود تنفذه الاستخبارات التركية ضد الشبكة التركية المرتبطة بتنظيم داعش خراسان في منطقة أفغانستان وباكستان، إذ شهد العام ونصف العام الماضيان ثلاث عمليات بارزة أخرى على الأقل استهدفت عناصر هذه الشبكة.
ففي يونيو 2025، نفذت الاستخبارات التركية وجهاز الاستخبارات الباكستاني عملية مشتركة على الحدود الأفغانية الباكستانية، أسفرت عن اعتقال أوزغور ألتون.
وقال مسؤولون أتراك إن ألتون كان يؤدي دوراً في نقل عناصر داعش من أوروبا وآسيا الوسطى إلى المنطقة، قبل تسليمه إلى تركيا عقب اعتقاله. وتُعد هذه العملية مثالاً على التعاون المباشر والمعلن بين جهازي الاستخبارات في البلدين.
وفي ديسمبر 2025، أعلنت الاستخبارات التركية اعتقال محمد غورين، المعروف باسم «يحيى»، في منطقة أفغانستان وباكستان. ووفقاً لمصادر تركية، كان ينشط في معسكرات داعش وكُلّف بتنفيذ هجمات انتحارية.
وفي أوائل يونيو 2026 أو في الفترة القريبة منه، اعتُقل أحمد كازانجي، المعروف بلقبي «أبو عبيدة» و«أبو إبراهيم»، في المنطقة الحدودية، ونُقل إلى تركيا.
وكان كازانجي قد تولى مسؤولية القسم الإعلامي لتنظيم داعش خراسان عقب اعتقال ألتون.
وخلال السنوات الأخيرة، اعتقلت السلطات التركية آلافاً من مواطنيها الذين انضموا إلى داعش أو لاحقتهم أمنياً، وسط مخاوف من عودتهم إلى البلاد أو انخراطهم في أنشطة عابرة للحدود. وتركزت العمليات الأخيرة بصورة رئيسية على الشبكة التركية داخل تنظيم داعش خراسان.
اتفاق مكة الدفاعي وتوسيع التعاون بين تركيا وباكستان
استندت العلاقات الأمنية بين تركيا وباكستان خلال السنوات الماضية إلى تعاون عسكري ودفاعي واستخباراتي وثيق.
ودخل هذا التعاون مرحلة أكثر رسمية في أغسطس 2026، مع توقيع اتفاق الدفاع المشترك في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان.
ويؤكد نص الاتفاق توسيع التعاون الاستخباراتي وتبادل المعلومات عبر قنوات آمنة.
ومع ذلك، فإن وجود هذا الاتفاق وسوابق التعاون الاستخباراتي بين البلدين لا يثبتان، بحد ذاتهما، مشاركة باكستان في العملية الأخيرة.
روايتان بشأن دور طالبان
في ضوء التعاون السابق بين تركيا وباكستان، وعلاقات أنقرة مع طالبان، والعداء المشترك بين طالبان وتركيا لتنظيم داعش خراسان، برزت وجهتا نظر مختلفتان بشأن العملية الأخيرة.
وفقاً للرواية الأولى، نُفذت العملية بعلم طالبان أو بالتنسيق معها، لكن تركيا فضّلت عدم الإشارة إلى دور الحركة في بياناتها الرسمية، تجنباً لإثارة حساسيات إقليمية.
وقال شخص مقرب من طالبان في كابل لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن العملية جرت بالتنسيق مع الحركة، إلا أن تركيا تتعمد عدم الكشف عن دورها علناً.
ويرى دبلوماسي أفغاني سابق رفيع المستوى أن التعاون بين طالبان وتركيا في مكافحة داعش خراسان ليس أمراً مستبعداً، نظراً إلى أن طالبان تعتبر التنظيم تهديداً مباشراً لسلطتها.
وقال الدبلوماسي إنه حصل على وثائق تتعلق بهذا التعاون، لكنه امتنع عن تقديمها إلى «أفغانستان إنترناشيونال».
كما تُطرح زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم كالين إلى كابل وقندهار يومي 16 و17 سبتمبر 2026 بوصفها مؤشراً على وجود قنوات اتصال أمنية بين الجانبين.
والتقى كالين في كابل رئيس استخبارات طالبان عبد الحق وثيق، إلى جانب مسؤولين بارزين في الحركة، بينهم سراج الدين حقاني ومحمد يعقوب مجاهد وعبد الغني برادر.
وقالت مصادر تركية إن توسيع التعاون الأمني والاستخباراتي ومكافحة الإرهاب كانا من أبرز محاور المحادثات. كما زار كالين مدينة قندهار.
أما الرواية الثانية، فتركز على الدور المحوري لباكستان، وترجح احتمال تنفيذ العملية من دون علم طالبان الكامل، أو بمشاركة محدودة منها.
وقال مسؤول أمني أفغاني سابق رفيع المستوى لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن تنفيذ عملية من هذا النوع سيكون صعباً من دون الاستفادة من المعلومات الاستخباراتية الباكستانية.
ويرى المسؤول السابق أن إسلام آباد قد تستغل تعاونها مع دول أخرى لإظهار عجز طالبان عن السيطرة على الأراضي الخاضعة لسلطتها، وإثارة الشكوك بشأن علاقاتها المحتملة بالجماعات الإرهابية.
ووصف المسؤول السابق هذا النهج بأنه «لعبة لتقويض مصداقية طالبان».
الخلاف بين طالبان وباكستان وقضية داعش
شهدت العلاقات بين طالبان وباكستان توترات حادة خلال الأشهر الأخيرة.
وتتهم طالبان إسلام آباد بدعم تنظيم داعش، فيما تتهم باكستان الحركة بتوفير بيئة تسمح لحركة طالبان باكستان بممارسة أنشطتها انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
وفي ظل هذه الظروف، قد يثير التعاون الاستخباراتي بين باكستان وتركيا حساسية لدى طالبان، ولا سيما إذا كانت العملية الأخيرة قد نُفذت داخل الأراضي الأفغانية من دون علم الحركة.
وتتبنى سلطة طالبان نهجاً مختلفاً في التعامل مع بعض الجماعات المسلحة الأجنبية، مثل الجماعات الأويغورية، والحركة الإسلامية الأوزبكية، وحركة طالبان باكستان، وتنظيم القاعدة.
لكن وضع داعش خراسان يختلف عن هذه الجماعات، إذ يخوض التنظيم مواجهات مع طالبان منذ عام 2014، ونفذ هجمات عديدة ضد عناصر الحركة.
ومن هذا المنطلق، يبدو التعاون بين طالبان وتركيا في مواجهة داعش خراسان احتمالاً وارداً من الناحية الأمنية، رغم عدم تأكيد وجود مثل هذا التعاون في العملية الأخيرة.
مسألة السيادة الوطنية
وأثار فضل أحمد معنوي، وزير العدل الأفغاني السابق، مسألة السيادة الوطنية في تعليقه على العملية التركية.
وقال معنوي: «السيادة الوطنية ليست مجرد شعار. إنها تعني السلطة الحصرية على أراضي الدولة والمسؤولية عن مواجهة أي تدخل أو عملية أجنبية. ولا يمكن لأي سلطة حاكمة أن تلتزم الصمت إزاء دخول جهاز أمني أجنبي وتنفيذه عملية محتملة داخل أراضيها، ثم تتحدث يومياً عن الاستقلال والسيادة والدفاع عن وحدة الأراضي».
وتساءل معنوي أيضاً عما إذا كانت سلطة طالبان قادرة على اعتقال شخص داخل الأراضي التركية ونقله إلى كابل من دون استكمال الإجراءات القانونية.
وأضاف أن مثل هذا الإجراء، إذا نُفذ من دون موافقة الدولة المضيفة وفي غياب إطار قانوني واضح، يُعد انتهاكاً لسيادة تلك الدولة.
وتُطرح التساؤلات نفسها بشأن العملية الأخيرة: إذا كان بهادر قد اعتُقل داخل الأراضي الأفغانية، فهل نُفذت العملية بموافقة طالبان؟
وإذا كانت هذه الموافقة قد مُنحت، فعلى أساس أي اتفاق أو إطار قانوني جرى تنفيذ العملية؟
أما إذا لم تكن طالبان على علم بها، فكيف تمكن جهاز استخبارات أجنبي من تنفيذ عملية داخل الأراضي الأفغانية، واعتقال شخص، ثم نقله إلى خارج البلاد؟