وتحدثت صنم وعدد من النساء الأخريات لصحيفة «لوموند» الفرنسية عن الخوف من الاعتقال، والتعليم السري، والحرمان من الحياة الاجتماعية، والأمل في مغادرة أفغانستان.
وقالت صنم (اسم مستعار) لصحيفة «لوموند» إن عودة طالبان إلى السلطة غيّرت حياتها بالكامل. فقد حُرمت أولاً من مواصلة تعليمها المدرسي، ثم أُغلق المعهد السري الذي كانت تدرّس فيه اللغة الإنجليزية.
وفي 19 يونيو/حزيران من العام الجاري، توجهت صنم برفقة والديها إلى موقع تجمع احتجاجي في منطقة جبرائيل بمدينة هرات. وجاءت المظاهرة احتجاجاً على اعتقال عشرات النساء بتهمة عدم الالتزام بقواعد اللباس التي تفرضها طالبان. وتقول صنم إن قمع الاحتجاج ترك أثراً في حياتها يفوق أي حدث آخر.
وأضافت أنها لم تكن قد ترجلت من السيارة بعد عندما بدأ إطلاق النار. وقالت للصحيفة: «كان الناس يركضون في كل الاتجاهات. سمعت أصوات الرصاص ورأيت الخوف على وجوه الناس. وسرعان ما عدنا إلى المنزل».
وقالت مژده، خالة صنم، التي كانت تعمل معلمة في إحدى المدارس قبل حظر تعليم الفتيات فوق سن الثانية عشرة: «لا نعرف حتى الآن عدد القتلى والجرحى في ذلك اليوم. طالبان حجبت جميع المعلومات».
وبحسب تقرير بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان (يوناما)، قُتل طفل يبلغ من العمر 11 عاماً خلال قمع الاحتجاج. وأفاد خبراء الأمم المتحدة لاحقاً بمقتل شخص آخر وإصابة أكثر من 20 شخصاً.
وتقول صنم إن قمع الاحتجاج بدد آخر آمالها في تحسن الأوضاع، مضيفة: «تحولت إلى أكثر فتاة يائسة في العالم».
ومنذ ذلك الحين، أصبح الخوف يخيم على الحياة اليومية لصنم وعائلتها. فبعد أن كانت تخرج من المنزل مرتدية الحجاب وملابس طويلة وكمامة، باتت ترتدي الآن التشادري الطويل لتجنب لفت الأنظار.
وبعد حرمانها من مواصلة تعليمها، كانت صنم تعمل مع والدتها خديجة في تدريس الطلاب داخل معهد تعليمي سري في هرات؛ حيث كانت صنم تدرّس اللغة الإنجليزية، فيما كانت والدتها تدرّس الرياضيات.
ولإخفاء طبيعة نشاط المعهد، وضع القائمون عليه لافتة عند مدخله كُتب عليها «مدرسة قرآنية». وكانت الدروس تُعقد في السادسة صباحاً أو السابعة مساءً لتجنب لفت الانتباه.
لكن في ربيع هذا العام، شوهد عدد من الرجال في محيط المعهد وهم يستفسرون من الجيران عن أنشطته.
وتعتقد صنم أن هؤلاء الرجال ينتمون إلى طالبان. وقرر مسؤولو المعهد إغلاق الفصول الدراسية خوفاً من الاستجواب والاعتقال.
وكانت صنم ونجيبة ووالداتهما يحاولن في السابق إدانة القيود التي تفرضها طالبان على النساء، من خلال نشر مقاطع فيديو على شبكات التواصل الاجتماعي. ولإخفاء هوياتهن، كنّ يتظاهرن بأنهن من سكان كابل.
لكن بعد قمع احتجاج 19 يونيو/حزيران، أوقفن أنشطتهن الاحتجاجية وغادرن جميع مجموعات واتساب التي كنّ عضوات فيها.
وقالت نجيبة، ابنة خالة صنم البالغة من العمر 18 عاماً، لصحيفة «لوموند» إنها أصبحت تخشى التقاط صور السيلفي، وحذفت من هاتفها جميع المعلومات الشخصية والمواد التي قد تسبب لها مشكلات.
وأضافت أنها أحياناً لا تستطيع النوم في الليلة التي تسبق خروجها من المنزل، خوفاً من أن يوقفها عناصر طالبان في الشارع.
واستعادت صنم ذكرياتها عن الحياة في هرات قبل عودة طالبان، قائلة: «كانت هرات مدينة نابضة بالحياة. كانت الشوارع تعج بالفتيات والنساء الشابات اللواتي يذهبن إلى المدارس والجامعات. وكانت أصوات ضحكاتهن تُسمع في الحدائق والمطاعم والمقاهي».
وأضافت: «أكثر ما يحزن في الأمر أن المدينة ما زالت في مكانها، لكنهم سلبوا منا هواء التنفس».
أما خديجة، والدة صنم، فقد وصفت واقع النساء اليوم قائلة: «لقد أصبحنا سجينات».
وتقول الفتاتان إن الخوف من طالبان امتد حتى إلى محادثاتهما عبر الإنترنت. وقالت صنم: «نتجنب ذكر اسم طالبان لأننا خائفات. وعندما نتحدث عنهم، نستخدم كلمة جالبان بدلاً من طالبان».
وتقول الفتاة البالغة من العمر 18 عاماً إنها مستعدة لتعلم أي لغة إذا أتيحت لها فرصة مغادرة أفغانستان. وأضافت، والدموع في عينيها، لصحيفة «لوموند»: «لقد نسي الجميع نساء أفغانستان. فالمنح الدراسية والفرص لا تصل إلينا أبداً».
وعندما سألها مراسل الصحيفة عن التخصص الذي ترغب في دراسته، أجابت دون تردد: «لا يهمني التخصص، أريد فقط مغادرة هذا البلد».
وتقول هؤلاء النساء إنهن لم يعدن قادرات على دخول العديد من الأماكن العامة في المدينة. وتوضح خديجة أنها تذهب أحياناً برفقة ابنتها إلى محيط المآذن الأربع الشهيرة في هرات، لكن النساء الأخريات لم يعد مسموحاً لهن بدخول هذا الموقع، ولا يستطعن سوى مشاهدة المآذن من بعيد.
وتقول نجيبة إن لقاء صديقاتها أصبح شبه مستحيل: «إلى أين يمكننا الذهاب؟ لا مكان، باستثناء عدد قليل من المطاعم الباهظة الثمن».
أما مژده، خالة صنم والمعلمة السابقة، فقد وجدت طريقة مختلفة للحفاظ على التواصل مع صديقاتها؛ إذ تجتمع كل أسبوعين مع مجموعة من النساء في إحدى مقابر هرات لمناقشة الكتب.
وقالت مژده لصحيفة «لوموند» إنهن قرأن كتباً من بينها رواية «العمى» للكاتب جوزيه ساراماغو، وكتاب «غرفة تخص المرء وحده» للكاتبة فرجينيا وولف.
وعن سبب اختيار المقبرة مكاناً لعقد جلسات القراءة، قالت: «الموتى لا يؤذوننا، بل الأحياء هم من يؤذوننا».