وفي أفغانستان الخاضعة لسيطرة طالبان، انتشرت مراراً مقاطع مصورة توثق إساءة معاملة الأطفال وممارسة العنف بحقهم في المدارس والمدارس الدينية.
وأكدت اليونسكو، الخميس 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، في رسالة بمناسبة اليوم الدولي لمناهضة العنف والتنمر في المدارس، بما في ذلك التنمر الإلكتروني، أهمية تدريب المعلمين، وتعزيز آليات الإبلاغ عن حالات العنف، وحماية الطلاب في الفضاء الرقمي.
وقالت المنظمة إن واحداً من كل عشرة طلاب يتعرض للتنمر الإلكتروني.
عندما يتحول مسؤولو المدارس إلى مصدر للعنف
في أحدث الحالات، أفادت مصادر أفغانية دولية، الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني، بأن نائب مدير ثانوية سيد الناصري في كابل، الذي عينته طالبان، قام بقص شعر عدد من الطلاب بالمقص أمام زملائهم.
وذكرت المصادر أن عدداً من الفتيان تعرضوا للضرب بسبب إطالة شعرهم. وأظهر مقطع فيديو أُرسل إلى أفغانستان إنترناشيونال خصلات من الشعر المقصوص ملقاة على أرضية الصف.
وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد حذرت في تقرير سابق من تزايد العقاب البدني في المدارس عقب عودة طالبان إلى السلطة.
وأجرت المنظمة مقابلات مع فتيان وأسرهم في ثماني ولايات أفغانية، تحدث خلالها الطلاب عن تعرضهم للصفع والضرب والجلد على أخمص القدمين والإهانة خلال الطابور الصباحي.
وأشار الطلاب إلى أن تسريحات الشعر والملابس وحيازة الهواتف المحمولة كانت من بين الأسباب التي تعرضوا بسببها للعقاب.
لكن المنظمة أوضحت أن العقاب البدني كان موجوداً في المدارس الأفغانية حتى قبل عودة طالبان، غير أن الطلاب الذين شملتهم المقابلات أفادوا بتزايده خلال فترة حكم الحركة.
مقاطع مصورة أعقبتها اعتقالات
في 29 سبتمبر/أيلول 2026، أكدت قيادة أمن طالبان في قندهار اعتقال عنصرين مسلحين من الحركة، على خلفية ضرب أطفال وتعذيبهم في منطقة سبين بولدك، وإحالتهما إلى القضاء.
وفي أفغانستان، ترسل أسر كثيرة أطفالها إلى المساجد والمدارس الدينية لتعلم العلوم الدينية. وتعد ممارسة العنف الجسدي في المساجد والكتاتيب الدينية أثناء التعليم أكثر شيوعاً، مقارنة بالمدارس الحكومية العادية.
وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت قيادة أمن طالبان في ولاية تخار اعتقال القارئ كرامت، وهو مدرس يبلغ من العمر 21 عاماً في مدرسة حضرت سلمان الفارسي الدينية، بمديرية رستاق، بعد انتشار مقطع فيديو يظهر اعتداءه بالضرب على أحد الطلاب عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وقالت طالبان إن ملفه أُحيل إلى الجهات المختصة لمزيد من التحقيق، قبل أن يُفرج عنه من سجون الحركة خلال الأسبوع الجاري.
ماذا تكشف الأرقام عن أفغانستان؟
لا تتوفر دراسات ميدانية واسعة النطاق بشأن العنف ضد الطلاب في أفغانستان، خصوصاً منذ عودة طالبان إلى السلطة.
وكان آخر مسح وطني واسع أجرته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) قد استند إلى عمل ميداني أُنجز عام 2022، وقدم صورة أوسع عن تعرض الأطفال للعقاب.
ووفقاً لنتائج المسح، تعرض 87.6 في المئة من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين سنة و14 عاماً لشكل من أشكال العقاب العنيف، الجسدي أو النفسي، خلال الشهر الذي سبق إجراء الدراسة.
ويُعرّف التنمر عادة بأنه سلوك عدواني متكرر، يرتبط بوجود اختلال في ميزان القوة بين المتنمر والضحية، بحيث لا تكون لدى الضحية القدرة الكافية على الدفاع عن نفسها.
وتشير اليونسكو إلى أن المظهر الخارجي والخلفية العرقية واللغوية والوضع الاجتماعي والجنس والإعاقة، قد تزيد من احتمالات تعرض الطلاب للاستهداف والتنمر.
كيف تؤثر الإهانة في المدارس على الصحة النفسية للأطفال؟
قال طبيب متخصص في العلاج النفسي بمدينة هرات لأفغانستان إنترناشيونال إن فرض ارتداء القبعات والعمائم والملابس التي لا يرغب الأطفال في ارتدائها بعد عودة طالبان، ترك آثاراً نفسية سلبية عليهم.
وفي حديثه عن ثقافة العقاب البدني في المدارس الأفغانية، أوضح أن عدم احترام شخصية الطفل داخل المدرسة يجعله يشعر بانعدام الأمان وفقدان القيمة الذاتية.
وأضاف أن هذه الممارسات تتسبب في إصابة الأطفال بالقلق، وتدفعهم إلى تكوين أفكار سلبية عن أنفسهم، الأمر الذي يؤثر في نموهم النفسي.
وأكد الطبيب أن السلوكيات التنمرية الصادرة عن مسؤولي المدارس تولد لدى الطلاب مشاعر الإهانة والغضب والكراهية.
وبحسب الطبيب، فإن حرمان الأطفال من حق التعبير عن آرائهم يقوض ثقتهم بأنفسهم، كما أن التعرض للعنف خلال سنوات الدراسة قد يؤثر في قدرتهم على التحكم في الغضب وبناء علاقات اجتماعية سليمة.
التنمر الإلكتروني.. شكل جديد من العنف ضد الطلاب
مع تزايد استخدام الإنترنت عالمياً، ارتفعت أيضاً معدلات العنف عبر الفضاء الرقمي، خصوصاً ضد الأطفال والطلاب.
وأظهرت دراسة أجرتها منظمة الصحة العالمية في 44 دولة ومنطقة في أوروبا وآسيا الوسطى وكندا أن نحو 15 في المئة من المراهقين تعرضوا للتنمر الإلكتروني.
وتعد منظمة اليونيسف نشر المعلومات الكاذبة والصور المهينة، وإرسال الرسائل المسيئة والتهديدية، وانتحال هوية الآخرين بهدف إلحاق الضرر بهم، من أبرز أشكال التنمر الإلكتروني.
ولا تتوفر إحصاءات بشأن حجم التنمر الإلكتروني بين الطلاب في أفغانستان.
ويشير تقرير اليونسكو المعنون «ما وراء الأرقام» إلى أن الطلاب الذين يتعرضون للتنمر بصورة متكررة تزيد احتمالات شعورهم بالغربة داخل المدرسة بنحو ثلاثة أضعاف، مقارنة بغيرهم.
كما تزيد احتمالات تغيبهم عن المدرسة بأكثر من الضعف. ويربط التقرير بين التعرض المتكرر للتنمر وتراجع النتائج في اختبارات القراءة والرياضيات.
من جانبه، حذر محمد رضا سهيلي، وهو عالم نفس تربوي إيراني، من مخاطر الإنترنت على الطلاب، مشيراً إلى أن التعرض للتهديد في الفضاء الإلكتروني قد يتسبب في إصابة الأطفال والمراهقين بالقلق.
واعتبر الانعزال الاجتماعي والتغيرات الواضحة في السلوك من أبرز العلامات التي قد تشير إلى تعرض الطفل للأذى.
وشدد سهيلي على ضرورة تجنب الآباء والأمهات التعامل بعنف مع أبنائهم، والاستماع إليهم وإتاحة مساحة آمنة لهم للتعبير عن مشكلاتهم.
وأكد أن على الأسرة توفير بيئة يشعر فيها الطفل بالثقة والقدرة على مشاركة والديه بما يتعرض له من مشكلات أو تهديدات.