كيف تحوّلت هرات إلى ممرّ رئيسي لتهريب الدولار إلى إيران؟

كشفت تحقيقات أفغانستان إنترناشیونال أن مئات آلاف الدولارات تُهرَّب يوميًا من أفغانستان إلى إيران عبر ولاية هرات، في واحدة من أكبر شبكات تهريب العملات في المنطقة.

كشفت تحقيقات أفغانستان إنترناشیونال أن مئات آلاف الدولارات تُهرَّب يوميًا من أفغانستان إلى إيران عبر ولاية هرات، في واحدة من أكبر شبكات تهريب العملات في المنطقة.
وأفادت مصادر مطلعة بأن وتيرة تهريب العملات الأجنبية إلى إيران تراجعت نسبيًا بسبب انخفاض الأرباح، إلا أن الجزء الأكبر من هذه الأموال يُنقل عبر مسارات شبه رسمية، ولا سيما عبر معبر إسلام قلعة – دوغارون وصولًا إلى مدينة مشهد، ومنها إلى مدن إيرانية أخرى.
وأجرت أفغانستان إنترناشیونال مقابلات مع سبعة أشخاص، بينهم صرافون في هرات ومشهد، وناقلو عملات مهرّبة ووسطاء عمولات، كشفوا تفاصيل دقيقة عن طبيعة هذا النشاط وآلياته.
أي عملة تُهرَّب ولماذا؟
وبحسب نتائج التحقيق، يُعد الدولار الأميركي العملة الأجنبية الوحيدة التي تُهرَّب على نطاق واسع من أفغانستان إلى إيران.
وخلال العقدين الماضيين، ضُخّت مليارات الدولارات في أفغانستان ضمن برامج إعادة الإعمار. وبعد عودة طالبان إلى السلطة، تراجعت المساعدات الدولية، إلا أن المساعدات النقدية والإنسانية المقدمة من الأمم المتحدة والولايات المتحدة ما زالت مستمرة.
في المقابل، يعاني الاقتصاد الإيراني من نقص حاد في الدولار نتيجة العقوبات، ما جعل أفغانستان — إلى جانب العراق — مصدرًا مهمًا لتغذية السوق الإيرانية بالعملة الصعبة. وأدى هذا الخلل إلى ترسيخ تهريب الدولار، خصوصًا عبر هرات، كمسار دائم ومربح.
ورغم إعلان طالبان هذا العام منع إخراج أكثر من 500 دولار عبر المنافذ البرية، تشير نتائج أفغانستان إنترنشنال إلى أن تهريب الدولار لم يتوقف فعليًا، باستثناء فترات قصيرة، ويعود ذلك إلى تراجع الطلب في السوق الإيرانية أكثر من كونه نتيجة إجراءات حكومية صارمة.
التهريب عبر سيارات الأجرة الدولية
تُعد سيارات الأجرة التي تعمل يوميًا على خط هرات – مشهد الوسيلة الرئيسية لتهريب الأموال. وتدير عدة شركات نقل هذه الخطوط، حيث تُخفى المبالغ داخل السيارات وتنقل مباشرة إلى داخل إيران.

ويقول أحد الصرافين في هرات، طلب عدم الكشف عن هويته، إن تهريب الدولار بات أسهل مقارنة بفترة الحكومة السابقة، بسبب غياب التفتيش الجدي على المعابر. وأضاف أن طالبان قادرة، إن توفرت الإرادة، على كشف هذه الشبكات واعتقال المتورطين خلال فترة قصيرة.
التهريب عبر الشاحنات (بشكل محدود)
تُستخدم الشاحنات لنقل جزء من الأموال، إلا أن هذه الطريقة تُعد عالية المخاطر بسبب احتمال توقف الشاحنات في الجمارك لعدة أيام، ما يزيد من مخاطر تقلب سعر الصرف. وأشار مصدر مطلع إلى أن هذه الوسيلة كانت شائعة خلال فترة الجمهورية، لكنها تراجعت مع انخفاض الأرباح.
حاملو تأشيرات «الدخول المتعدد»
وتُعد هذه الطريقة الأحدث، حيث يستغل حاملو تأشيرات الدخول المتعدد، الصادرة عن القنصلية الإيرانية في هرات، حرية التنقل المتكرر بين البلدين. وهؤلاء عادة تجار صغار ينقلون بضائع من إيران إلى أفغانستان.
وبعد أن منعت طالبان تصدير بعض السلع المربحة، مثل الأرز، لجأ هؤلاء إلى تهريب الدولار بدلًا من العودة فارغي الأيدي. ورغم أن كل شخص ينقل مبلغًا محدودًا، فإن العدد الكبير لهؤلاء يجعل إجمالي التحويل اليومي يصل إلى 600 ألف – مليون دولار.
وأفادت مصادر بأن مسؤولين استخباراتيين وحتى حكوميين كبارًا خلال فترة الجمهورية كانوا متورطين في تهريب العملات إلى إيران، وأن هذه الشبكات انتقلت جزئيًا إلى مرحلة حكم طالبان، وإن كان حجم الأرباح أقل من السابق.
وأكد جميع من تحدثوا إلى أفغانستان إنترناشیونال أن السلطات الإيرانية تتغاضى عن تهريب الدولار بل وترحّب به. فبمجرد عبور المهرب إلى داخل إيران، يتوجه إلى جمارك دوغارون، حيث يحصل على تصريح رسمي من موظفي الجمارك وممثل لوزارة الاستخبارات الإيرانية يسمح له بنقل الأموال إلى أي مدينة.
وأشاروا إلى أن عدم الإبلاغ عن الأموال قد يؤدي إلى مصادرتها وفرض غرامات باهظة، كما أن القنصلية الإيرانية في هرات تعرف جيدًا كبار ناقلي الدولار وتمنحهم بسهولة تأشيرات الدخول المتعدد.
حجم الأرباح والعمولات
لا توجد إحصاءات دقيقة لحجم الأموال المهرّبة، إلا أن بعض المصادر تحدثت عن تهريب 200 ألف دولار في سيارة واحدة. ويُقدّر عمولة النقل حاليًا بنحو 500–700 دولار لكل 100 ألف دولار، وقد ارتفعت مؤخرًا مع تصاعد الاضطرابات في إيران.
مع تراجع أرباح تهريب الدولار، اتجه بعض المهربين إلى تهريب الذهب. وأكد مصدر من طالبان اعتقال شخص قبل أسبوعين في مديرية شيندند بولاية هرات أثناء محاولته تهريب نحو 5 كيلوغرامات من الذهب إلى إيران.
ترابط سوقي هرات وإيران
وتكشف التحقيقات عن علاقة متبادلة بين سوق هرات وسوق العملات الإيرانية. ففي فترات تحسن قيمة التومان، يُهرَّب الدولار من إيران إلى أفغانستان، رغم ارتفاع المخاطر.
ويؤكد صرافون أفغان يعملون في إيران أن سوق هرات بات مؤثرًا في تحديد توقعات سعر الدولار في إيران، نتيجة العقوبات وغياب قنوات التحويل الرسمية. وقال مسؤول في اتحاد صرافي هرات: «قد يبدو الأمر غريبًا، لكن مجموعة من 20 شخصًا في هرات يمكنها التأثير على سعر الدولار في إيران».
وأشار إلى نشاط مضاربات يُعرف بـ«تجارة الغد»، حيث تُباع وتُشترى مئات آلاف الدولارات دون تبادل نقدي فعلي، اعتمادًا على توقعات الأسعار، وتؤثر هذه العمليات بشكل مباشر على السوق الإيرانية.

وفي هذا السياق، أثارت صورة نُشرت في وسائل إعلام إيرانية لرئيس البنك المركزي الإيراني السابق محمد رضا فرزين مع صرافي هرات جدلًا واسعًا. وبينما قالت السلطات الإيرانية إن اللقاء كان عابرًا، أكد صرافون أن فرزين طلب منهم الحد من نشاط المجموعات التي تؤثر على سعر الصرف داخل إيران.