ثقافة الجهادية وتهيئة البيئة للعنف

تُعَدّ الجهادية، أو العسكرة الدينية، من الظواهر الأمنية الخطيرة والمقلقة في الشرق الأوسط. وهي تمثل جزءاً من مشروع الإسلام السياسي الذي اعتمدته بعض فروع هذا التيار، مثل السلفية الجهادية وحلفائها،

تُعَدّ الجهادية، أو العسكرة الدينية، من الظواهر الأمنية الخطيرة والمقلقة في الشرق الأوسط. وهي تمثل جزءاً من مشروع الإسلام السياسي الذي اعتمدته بعض فروع هذا التيار، مثل السلفية الجهادية وحلفائها،
ومنهم القاعدة، وداعش، وطالبان، وبوكو حرام، وحركة الشباب، وغيرها من التنظيمات المماثلة، بوصفها استراتيجية عمل. ويُشار إلى هذه الظاهرة في الأدبيات البحثية بمصطلح “الجهادية”، ويُقصد بها ذلك الاتجاه داخل بعض جماعات الإسلام السياسي الذي يرى أن تطبيق الشريعة الإسلامية، وفق تفسير ما قبل الحداثة، أمر متعذر عبر الوسائل المدنية والسلمية، وأن اللجوء إلى القوة القسرية أمر لا مفر منه. ومن منظور المؤمنين بهذه الأيديولوجيا، فإن بنية السلطة، من المستوى المحلي إلى الدولي، فضلاً عن التوجه العام للمجتمعات النامية، تشكّل عوائق بنيوية أمام إقامة نظام سياسي مطابق لتفسير هذه الجماعات، ولذلك فإن آليات مثل الانتخابات والاحتكام إلى إرادة الناس لا يمكن أن تفضي إلى نتيجة. ووفقاً لهذا التصور، فإن إقامة نظام سياسي منسجم مع هذه الأيديولوجيا هدف استراتيجي يبرر استخدام القوة، ومن ثم ينبغي النظر إلى الجهاد المسلح بوصفه أداة استراتيجية تمهّد الطريق إلى بلوغ هذا الهدف.
لجأت جماعات الإسلام السياسي، ولا سيما فروعها الجهادية، إلى إعادة قراءة الإسلام وإعادة بنائه بما ينسجم مع أجندتها السياسية. وتحقيقاً لهذا الغرض، أسّس من يُعدّون آباء الأصولية الإسلامية لاهوتاً جديداً. ففي العقيدة الإسلامية يشكّل التوحيد والحديث عن الله وصفاته الركن الأكثر مركزية، حيث يُعرَّف الله بصفات وخصائص متعددة. غير أن هذه الجماعات تقدّمه، قبل كل شيء، بوصفه الحاكم والمشرّع، وأن عبادة الناس له يجب أن تتجسد في تنفيذ القوانين التي تُسمّى بالشريعة. وفي تفسيرها، يُفهم الشعار الديني الأشهر: “لا إله إلا الله” على أنه “لا حاكم إلا الله”، ومن ثم لا مجال لأي تراجع أو تسوية في ما يتعلق بالحاكمية الدينية وإقامة النظام الثيوقراطي.
ونظراً إلى المكانة الخاصة التي تحتلها الحاكمية الإلهية في فكر الإسلام السياسي، فإن أهمية كل تعاليم الإسلام العملية تُعرَّف وتُرتَّب بحسب صلتها بهذا الهدف، بحيث يكتسب كل ما يسهم بدرجة أكبر في إقامة هذه الحاكمية منزلة أعلى ضمن المنظومة الدينية. ومن هنا، فإن أركان الإسلام التي يراها جمهور المسلمين خمسة، تصبح في نظر أنصار هذه الأيديولوجيا ستة، ويكون الجهاد هو الركن السادس. وقد نسب بعضهم هذه النظرية إلى ابن تيمية، زاعمين أنه اعتبر الجهاد الركن السادس في الإسلام. بل ذهب بعضهم إلى أبعد من ذلك، فقال إن الجهاد وإن كان الركن السادس، فإن قيام الأركان الخمسة الأخرى متوقف عليه، ولذلك يحظى بأهمية استثنائية لا يمكن أن يحل محلها شيء آخر.
إن هذا الفهم للجهاد لم يكن له حضور واسع في التاريخ الإسلامي، ذلك أنه حين كانت الأحكام تُصنَّف في المتون الدينية الكلاسيكية، كانت مسائل الاعتقاد تتصدر أولاً، ثم تأتي العبادات، وبعدها المعاملات. والرجوع إلى تصنيفات الموضوعات الدينية في أبرز مصادر الحديث والفقه عبر التاريخ الإسلامي يوضح هذه الحقيقة بجلاء. وحتى في القرون الأخيرة من تاريخ المسلمين، كاد تعليم الأحكام المتعلقة بالجهاد أن يُهمَل، واكتُفي بوجودها في المصادر التراثية، على أساس أن قضايا الجهاد تنتمي إلى الماضي ولا حاجة إلى إعادة تدريسها. غير أن القرن العشرين، ومع انطلاق حركات الإسلام السياسي، شهد انتقال هذا الموضوع من الهامش إلى المتن. ثم في فترة الحرب الباردة، حين اندلعت الحرب في أفغانستان تحت اسم الجهاد ضد قوات الاتحاد السوفييتي، تحوّل الجهاد إلى أحد أكثر الموضوعات الفكرية حماسة داخل هذه الجماعات. وفي تلك المرحلة، جرى الرجوع إلى المدونة الفقهية الإسلامية الكلاسيكية على أيدي شخصيات مثل عبد الله عزام وغيرهم، لتمهيد الصلة بين هذه الأيديولوجيا والتراث الفقهي القديم. كما أُعيد إنتاج مؤلفات منظّري الأصولية الإسلامية، مثل حسن البنا، وأبو الأعلى المودودي، وسيد قطب، حول الجهاد، وطُبعت على نطاق واسع. ثم قامت تنظيمات مثل القاعدة وداعش وحلفائهما بإنتاج كم هائل من المواد المكتوبة والمرئية والمسموعة، مستفيدة من تقنيات الاتصال الحديثة، وضختها في البنية الثقافية للمجتمعات الإسلامية. وفي هذا السياق، أصبحت البلدان التي تعاني الأزمات، مثل أفغانستان، والصومال، واليمن، والعراق وغيرها، تربة خصبة لنمو الأدبيات الجهادية واتساعها، وبرز جيل جديد من المقاتلين.
واليوم، في أفغانستان، ومع إنشاء مدارس جهادية، وتمجيد سجل الجماعات الإرهابية مثل طالبان في المناهج التعليمية لتلك المدارس، وإخضاع وسائل الإعلام العاملة داخل البلاد بما يخدم القراءة الطالبانية للإسلام، تتهيأ بيئة جديدة لإنتاج ثقافة الجهادية واستقبال أدبيات القاعدة وداعش. وفي الوقت الراهن، لا يُسمح للأفكار الناقدة لهذا التوجه بأن تُطرح في أفغانستان، بينما أصبحت القراءة الجهادية للنصوص الدينية مهيمنة على المشهد، وتمضي في إعادة هندسة المجتمع لصالح الجهادية.
ومع أن بعض الجماعات المؤمنة بالجهادية، ومنها طالبان، لا تملك في الظاهر أجندة إقليمية أو دولية، ويتركز اهتمامها على الشأن المحلي، فإنها، من الناحية الاستراتيجية، تخلق بيئة تصب في نهاية المطاف في مصلحة الجهادية العابرة للحدود. فالانتشار الجغرافي من مالي والصومال إلى ليبيا واليمن والعراق وأفغانستان وشبه القارة الهندية وباكستان، لا يشكل بأي حال عائقاً أمام تقارب هذه الجماعات، بل إن هذه الجزر المتباعدة قد تتصل ببعضها في اللحظات المفصلية، فتنتج قوة عابرة للحدود واسعة النطاق. ومن هنا، فإن تهيئة البيئة لثقافة الجهادية من شأنه أن يعمّق طبقات الأزمة في هذه المجتمعات، ويقلّص فرص الخروج منها، ويجعل الانزلاق إلى دوامات العنف الواسع أكثر سهولة.