، نظرا لتداخل أبعادها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وانعكاساتها على بنية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. ولم تقتصر آثار هذه الحرب على الدول المنخرطة فيها بشكل مباشر، بل امتدّت إلى مجتمعات أخرى تقع على هامش الصراع، ومنها المجتمع الأفغاني، الذي يُعدّ بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته الثقافية والدينية جزءا من المجال التفاعلي لهذه الأزمة.
غير أنّ تحليل تأثير هذه الحرب على المجتمع الأفغاني يقتضي التمييز بين مستويين: مستوى التأثير المباشر الميداني، ومستوى التأثير غير المباشر على الوعي والخطاب العام. فعلى المستوى الأول، لا يمكن الحديث عن تأثير واسع النطاق، إذ لم تشهد المدن والشوارع الأفغانية مظاهر تعبئة جماهيرية، ولا احتجاجات كبيرة أو صغيرة، ولا اصطفافات علنية تعبّر عن مواقف حادة تجاه أطراف النزاع. ويعكس هذا الغياب النسبي للتفاعل الميداني طبيعة الأولويات الداخلية للمجتمع الأفغاني، الذي ما يزال منشغلا بتحدياته الاقتصادية والمعيشية، إضافة إلى هشاشة البنية السياسية والأمنية، وهو ما يجعل التفاعل مع الأزمات الخارجية محدودا وضيقا.
إلا أنّ هذا المعطى لا ينفي وجود تأثير هذه الحرب من نوع آخر، أكثر عمقا وأقلّ وضوحا، يتمثّل في التأثير على مستوى الخطاب العام واتجاهات الرأي، وهو ما يمكن رصده بوضوح في الفضاء الرقمي، وشبكات التواصل الاجتماعي. ومن هذا الحيث، فقد تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة رئيسية للتعبير عن المواقف، وكشفت عن درجة معتبرة من الانقسام داخل المجتمع الأفغاني تجاه هذه الحرب.
فمن جهة، برز تيار واسع عبّر عن تعاطفه مع إيران، واعتبر ما تتعرض له شكلًا من أشكال "العدوان الخارجي"، مستندا في ذلك إلى خطاب يقوم على رفض الهيمنة الغربية، وانتقاد السياسات الأمريكية في المنطقة، واستحضار التجربة الأفغانية خلال العقود الماضية بوصفها مثالًا على نتائج التدخل العسكري غر الناجح. كما استند هذا التيار إلى عناصر دينية، حيث تمّ توظيف مفاهيم "نصرة المظلوم" و"وحدة الأمة" في تفسير الموقف، وهو ما يعكس حضور البعد الديني في تشكيل الوعي السياسي لدى شريحة من المجتمع.
ومن جهة أخرى، ظهر تيار مختلف، وإن كان أقل حجما، يتبنّى موقفا أكثر نقدية تجاه إيران، ويرى أن سياساتها الإقليمية لا يمكن فصلها عن حالة التوتر في المنطقة، بل يذهب بعضه إلى اعتبارها طرفا مساهما في إنتاج الأزمات. ويتكون هذا التيار غالبًا من نخب ذات توجهات تعليمية أو ثقافية قريبة من الغرب، أو من أفراد يعيشون في المهجر، وهو ما يشير إلى تأثير عوامل مثل التعليم، والاحتكاك الثقافي، والخبرة السياسية في تشكيل المواقف.
وبين هذين التيارين، يمكن رصد مواقف ثالثة تتسم بالواقعية أو الحياد النسبي، حيث يفضّل أصحابها عدم الانخراط في اصطفافات حادة، ويركّزون بدلا من ذلك على الدعوة إلى وقف الحرب، وتجنّب التصعيد، والتأكيد على ضرورة الحلول الدبلوماسية. وهذا التنوع في المواقف يعكس في مجمله حالة من "التعددية القطبية" داخل المجتمع، حيث لم يعد بالإمكان الحديث عن موقف أفغاني موحّد تجاه القضايا الإقليمية.
ومن المؤشرات المهمة على هذا التأثر أيضا بروز أشكال من "التعاطف الرمزي"، التي لا تأخذ طابعا سياسيا مباشرا، لكنها تعبّر عن تفاعل وجداني مع الحدث. فقد انتشرت مقاطع مصورة ورسائل تعاطف، من بينها مقطع لطفل أفغاني يعبّر بلغة بسيطة عن تضامنه مع الشعب الإيراني، وهو ما لقي تفاعلا واسعا. كما ظهرت مبادرات محدودة، مثل تقديم مساعدات مالية من قبل بعض التجار، وهو ما يشير إلى انتقال التأثر من المستوى الخطابي إلى مستوى الممارسة، ولو بشكل جزئي.
أما على المستوى السياسي، فقد اتسمت مواقف الشخصيات الأفغانية بنوع من التوازن الحذر. فقد أدانت شخصيات بارزة مثل حامد كرزاي رئيس الجمهورية سابقا، والدكتور عبد الله عبد الله وغيرهما من السياسيين، استخدام القوة العسكرية، واعتبرت الهجمات انتهاكا للقانون الدولي، دون أن تنخرط في خطاب تصعيدي حاد. ويعكس هذا الموقف إدراكا لتعقيدات المشهد الإقليمي، ومحاولة لتجنّب الانزلاق إلى استقطابات قد تكون لها انعكاسات سلبية على الداخل الأفغاني.
وفي السياق نفسه، لا يمكن إغفال الدور الذي حاولت إيران أن تلعبه في التأثير على الرأي العام الأفغاني، من خلال توظيف عناصر القرب الثقافي والديني واللغوي. فقد ركّز الخطاب الإيراني على المشتركات الإسلامية، واستحضر العلاقات التاريخية، واستخدم اللغة الفارسية كوسيلة للتواصل والتأثير. غير أنّ نجاح هذه الاستراتيجية ظلّ نسبيًا، نظرًا لوجود تيارات داخل المجتمع الأفغاني تتعامل مع إيران بقدر من الحذر أو النقد.
ومن هذا المنطلق يمكن القول بأن الحرب لم تُحدث تحولا بنيويا عميقا في المجتمع الأفغاني من حیث تشکیل الرأی العام، لكنها في المقابل أسهمت في إعادة تشكيل خريطة النقاش العام، وإبراز الانقسامات الكامنة، وتعميق حالة التعدد في المواقف. فقد أظهرت هذه الأزمة أنّ المجتمع الأفغاني، رغم ما يبدو عليه من انشغال داخلي، يبقى متأثرا بالتفاعلات الإقليمية، ولكن بطريقة غير مباشرة، تتجلّى أساسًا في الخطاب والوعي، لا في السلوك الميداني. وعليه فإن تأثير هذه الحرب على المجتمع الأفغاني يمكن توصيفه بأنه "تأثير محدود في بعده العملي، لكنه ملموس في بعده الفكري والخطابي". فلم يتحوّل الحدث إلى قضية مركزية تحرّك الشارع، لكنه في الوقت ذاته أسهم في تكريس حالة من التعددية القطبية، وكشف عن تباينات عميقة في الرؤى تجاه قضايا مثل الهيمنة الدولية، ودور القوى الإقليمية، ومعايير العدالة في النظام العالمي.
وعليه، فإن الإجابة الدقيقة عن سؤال مدى تأثر المجتمع الأفغاني تقتضي تجاوز الثنائية البسيطة (تأثّر/لم يتأثر)، والقول إن هذا المجتمع تأثّر بدرجة متوسطة، تجلّت أساسا في إعادة تشكيل الوعي والنقاش، دون أن ترتقي إلى مستوى التحول البنيوي الشامل. وهذا النمط من التأثر يعكس طبيعة المجتمعات التي تعيش أزمات داخلية، حيث تتفاعل مع الأحداث الخارجية على مستوى الفكر أكثر من الممارسة.