وانتقد غني في بيانه، دون أن يذكر دولة الإمارات بشكل مباشر، القيود التي قال إنها فُرضت على نشاطه السياسي ومنعته من التعبير عن آرائه بشأن الأوضاع في أفغانستان، التي وصفها بأنها تواجه خياراً حاداً بين الحياة والموت.
وتُعد رسالة غني بمناسبة عيد الأضحى، من حيث اللغة والمضمون، من أكثر تصريحاته وضوحاً وحدّة خلال السنوات الأخيرة، إذ تناول فيها العزلة المتزايدة التي تعيشها أفغانستان، وأزمة الشرعية، واحتكار السلطة، والمخاوف الإقليمية من حكم طالبان، محذراً من أن البلاد تمر بمرحلة شديدة الحساسية.
وقال غني إن أفغانستان باتت معزولة بشكل واسع، وإن العديد من دول المنطقة والعالم تنظر إليها اليوم ليس كجار، بل كمصدر تهديد أمني، واصفاً الوضع بأنه يقف عند “مفترق طرق بين الحياة والموت” وعلى “حافة الهاوية”.
كما شكك الرئيس الأفغاني السابق في أداء إدارة طالبان خلال السنوات الخمس الماضية، مشيراً إلى أن المجتمع الدولي ظل يترقب التغيير في البلاد، إلا أن هذا الترقب الذي بدأ بالأمل انتهى إلى خيبة أمل، على حد تعبيره.
الصمت الإجباري ونهاية فترة العزلة
ومن أبرز ما تضمنه بيان غني، إشارته إلى القيود السياسية والإعلامية التي قال إنها فُرضت عليه خلال الأشهر الأخيرة في مقر إقامته بأبوظبي، موضحاً أنه لم يتمكن من التواصل مع الجمهور أو الظهور الإعلامي خلال ما يقارب ستة أشهر، وأن صوته تم تقييده.
وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن فرض قيود على أنشطة بعض الشخصيات الأفغانية المقيمة في الإمارات، ومن بينهم أشرف غني، بسبب العلاقات الوثيقة بين أبوظبي وحركة طالبان، إلا أن غني لم يوضح بشكل مباشر طبيعة خروجه من الدولة، مكتفياً بالإشارة إلى تقييد نشاطه الإعلامي والسياسي.
وتباينت التقديرات بشأن وجهته المقبلة، حيث رجّحت مصادر مقربة منه احتمال وجوده في لبنان لارتباطات عائلية، إذ إن زوجته رولا غني لبنانية الأصل، فيما أشارت مصادر أخرى إلى احتمال استقراره في المملكة المتحدة.
ورغم هذه التكهنات، لم يُعلن رسمياً عن مكان إقامته الجديد، في ظل حساسية وضعه السياسي بوصفه أحد أبرز منتقدي طالبان.
هل يعود غني إلى السياسة؟
تمثّل أبرز ما في موقف غني الأخير في حدة خطابه تجاه حركة طالبان، إذ دعا إلى إطلاق “حوار وطني”، وانتقد ما وصفه باحتكار السلطة وتمركز القرار، مؤكداً أن مصالح أي مجموعة أو شبكة لا يمكن أن تحل محل المصلحة الوطنية العامة.
ويأتي هذا التطور بعد نحو خمس سنوات من عودة طالبان إلى الحكم، وهي الفترة التي قضاها غني في المنفى، في ظل رفض الحركة تقاسم السلطة أو الانخراط في أي صيغة سياسية جامعة.
وخلال السنوات الماضية، اعتبر كثيرون أن الدور السياسي لغني انتهى فعلياً، وأنه أصبح خارج المعادلة السياسية الأفغانية، خاصة في ظل تحميله جزءاً من الرأي العام مسؤولية انهيار النظام الجمهوري وعودة طالبان إلى السلطة.
ومع ذلك، لا تزاال بعض الأوساط، خصوصاً في بعض التيارات القومية البشتونية، تنظر إليه كخيار سياسي محتمل، كما يرى بعض المراقبين الدوليين أنه قد يمتلك القدرة على إعادة تجميع جزء من النخب التكنوقراطية أو لعب دور في تنسيق القوى المعارضة لطالبان.
وتبرز استمرارية خطابه النقدي كأحد أبرز سمات مواقفه، إذ في الوقت الذي اختار فيه عدد من السياسيين الأفغان الابتعاد عن المواجهة المباشرة مع طالبان أو تعديل مواقفهم، واصل غني تبني خطاب نقدي صريح ومباشر.
وتعكس رسالته الأخيرة رغبته في البقاء داخل المشهد السياسي الأفغاني، والتأكيد على أنه ما يزال طرفاً في النقاش حول مستقبل البلاد.
ناقوس خطر للتيارات المناهضة لطالبان
لا يقتصر خطاب أشرف غني الأخير على انتقاد حركة طالبان، بل يحمل أيضاً دلالات أوسع تتعلق بمستقبل المعارضة السياسية للحركة.
فخلال السنوات الخمس الماضية، حاولت كيانات معارضة مثل “المجلس الأعلى للمقاومة لإنقاذ أفغانستان” وغيرها تقديم نفسها كبديل سياسي منظم وموثوق، غير أن هذه الجهود لم تنجح في بناء إطار موحد أو قاعدة شعبية واسعة أو تشكيل ضغط فعلي على حكم طالبان.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال حول ما إذا كان غني قادراً على ملء جزء من هذا الفراغ، أو تقديم نموذج بديل في الساحة السياسية المعارضة، وهو ما ستحدده التطورات المقبلة في أفغانستان.
القيود والقدرات المستقبلية
ورغم عودته إلى الواجهة الإعلامية، تواجه أي عودة سياسية محتملة لأشرف غني تحديات كبيرة.
فقد أدت تجربة حكمه وسقوط حكومته أمام طالبان إلى تراجع الثقة به لدى شريحة واسعة من الأفغان، كما تقلصت قاعدته السياسية، في ظل انتقادات تتعلق بتمركز السلطة والفساد وضعف إدارة الأزمات.
كما أن المشهد السياسي الأفغاني ما يزال شديد الحساسية عرقياً، ما يجعل من الصعب على غني بناء قاعدة دعم واسعة عابرة للانقسامات العرقية، خاصة في ظل الاتهامات التي وُجهت إليه خلال فترة حكمه بالميل إلى الطابع القومي.
ومع ذلك، قد يجد لنفسه مساحة محدودة داخل بعض النخب والدوائر القومية البشتونية التي ترى فيه شخصية إدارية قوية، وتعتبر أن تجربته السياسية تعرضت لظروف وضغوط خارجية معقدة.
كما أن التوترات الإقليمية، خاصة بين أفغانستان وباكستان، واستمرار عزلة البلاد، قد تمنح هذا التيار زخماً نسبياً، بما يتيح لغني لعب دور محدود في هذا الإطار.
لكن في المقابل، تبقى علاقاته مع القوى الدولية والإقليمية موضع شك، إذ لا تزال الولايات المتحدة وأطراف أوروبية تحمل مواقف نقدية تجاهه، فيما تعتبره قوى إقليمية مثل الصين وروسيا وإيران شخصية مرتبطة بالولايات المتحدة أكثر من كونه بديلاً مستقلاً.
كما أن مغادرته الأخيرة للإمارات، وما رافقها من قيود على نشاطه، تعكس محدودية الدعم السياسي المتاح له في بعض العواصم العربية.
وفي الوقت ذاته، لا تبدو لدى الدوائر المقربة منه مؤشرات واضحة على إمكانية إعادة إنتاج صيغة سياسية شبيهة باتفاقات ما بعد مؤتمر بون.
الخلاصة
لا يمكن اعتبار رسالة أشرف غني الأخيرة مجرد بيان بروتوكولي، بل هي تعبير مباشر عن موقف نقدي حاد تجاه الوضع في أفغانستان وحكم طالبان، وفي الوقت نفسه إشارة إلى رغبته في العودة إلى المشهد السياسي والنقاش حول مستقبل البلاد.
وفي ظل استمرار أزمة الشرعية التي تواجهها طالبان، وعدم نجاح المعارضة حتى الآن في تقديم بديل سياسي متماسك، فإن عودة غني إلى الخطاب العام قد تترك أثراً على التوازنات السياسية في أفغانستان خلال المرحلة المقبلة.