متكررة.
فقد جمع بين مقتل مولوي مهدي في "بلخاب"، وفرار نائب وزير خارجية طالبان السابق عباس ستانكزي، وسجن شخصيات مثل فاروق أعظم، عاملٌ مشترك واحد وهو التمرد على ما تسميه طالبان "مبدأ طاعة الأمير".
والآن، يتشكل تحدّ مماثل في ولاية بدخشان. فقد رفض قائد طالبان في مناطق "درواز" جمعة خان فاتح، القبول بمبدأ الطاعة، وامتنع عن قبول منصب نائب حاكم ولاية زابل، وعارض قرار حظر استخراج المعادن بصورة غير قانونية، وقال إنه لن يسمح بنزع سلاح قواته. ووضعه هذا الموقف في مواجهة مع قيادة طالبان التي تبحث عن فرصة لتصفية الحساب معه.
وبعد فاتح، لم يحضر نائب حاكم ولاية غور محبوب الله حامد إلى عمله منذ أكثر من شهر، وانضم إلى صفوف الساخطين في بدخشان. وينحدر حامد أصلاً من منطقة "دره خستك" في مديرية جرم بولاية بدخشان، وكان سابقاً رئيس أركان الفرقة "217 عمري" في بدخشان.
وقالت مصادر مقربة من محبوب الله حامد إن العمل في قطاع المعادن ببدخشان يدر عليه أرباحاً أكبر من منصب نائب حاكم ولاية غور.
وفي نظر طالبان، لا تُعد الطاعة مجرد التزام إداري، بل نوعاً من البيعة السياسية والدينية لأمير المؤمنين. وضمن هذا الإطار الفكري، يُوصف من يرفض طاعة الأمير بأنه "باغٍ"، ويُعد قمعه مشروعاً، كما يظهر بوضوح في مصير مولوي مهدي في بلخاب.
هل تراجع هبة الله أمام فاتح؟
وقال مصدر التقى جمعة خان فاتح، الأربعاء 24 يونيو الجاري، في مديرية نسي لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن هذا القائد المحلي وضع قواته في حال تأهب، لكنه قال لعناصره: "لن نكون نحن من يطلق الرصاصة الأولى". وأضاف أن فاتح، رغم استعداده للمواجهة، واثق من أن طالبان لن تدخل في حرب معه، لأن "قندهار تعرف أن الأوضاع في بدخشان كلها سيئة".
وتضم بدخشان 28 مديرية، ولها حدود دولية مشتركة مع باكستان والصين وطاجيكستان.
وقد جعلت بعض العوامل مثل زيادة السخط المحلي، والتحركات العسكرية المقلقة على الحدود بين باكستان وبدخشان، والموقع الحدودي الحساس، وإعلان وجود قوات خاصة تابعة لـ"جبهة الحرية" المناهضة لطالبان في جبال بامير، وصعوبة السيطرة على الطرق الجبلية، وحساسية طالبان المحلية تجاه الموارد الطبيعية، جعلت هذه الولاية منظومة معقدة من التحديات والقرارات الصعبة أمام زعيم طالبان هبة الله آخوندزاده.
وتضع هذه الظروف الحساسة هبة الله في موقف يجعله يفضّل المضي عبر الحوار والتفاوض بدلاً من اللجوء إلى الحرب. فهو يقف عند مفترق بين المبادئ "الطالبانية" المتشددة ومصلحة الحفاظ على السلطة، ولذلك لا يُعد اتخاذ قرار بشأن جمعة خان فاتح وغيره من قادة بدخشان الساخطين أمراً سهلاً بالنسبة إليه.
وقد وضع جمعة خان فاتح عملياً مبدأ الطاعة الأساسي موضع تساؤل، ويُعد التمرد على هذا المبدأ بالنسبة إلى هبة الله مسألة هيبة. وحتى الآن رفض فاتح أيضاً تولي رئاسة أحد فروع الاستخبارات في كابل.
وفي السابق، لم تجرؤ حتى شخصيات مهمة في حكومة طالبان، كانت غير راضية عن تغيير مناصبها وتعييناتها، على عصيان أمر الزعيم بهذه الطريقة. فشخصيات مثل عبد الكبير، الذي لم يكن راضياً عن نقله من منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون السياسية إلى وزارة اللاجئين، وشهاب الدين دلاور، الذي لم يكن موافقاً على إقالته من وزارة المعادن وتعيينه رئيساً لجمعية الهلال الأحمر، لم تستطع، رغم سخطها، أن ترفض منصبها الجديد كما فعل جمعة خان فاتح، أو أن تتحدى حكم هبة الله بهذا الشكل.
غير أن السؤال هو: لماذا لم يلجأ هبة الله إلى السلاح لإخضاع القائد المتمرد في درواز؟
هل الحرب في درواز تعني حرباً في بدخشان بأكملها؟
تخشى قندهار أن يكون اندلاع القتال في درواز شرارة لتوسع التوتر في أنحاء بدخشان، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك في شمال شرقي البلاد. ومن وجهة نظر قندهار، فإن ظروف الحرب في درواز غير مناسبة، لا من حيث التوقيت ولا من حيث الموقع.
وتُعد درواز منطقة وعرة جغرافياً. فمديريات بدخشان جبلية في معظمها، وتنتشر فيها الوديان العميقة والطرق المحدودة، ما يجعل الحرب الشاملة مكلفة ومحفوفة بالمخاطر. كما يمكن أن يتمدد القتال سريعاً إلى مناطق شمالية أخرى، خصوصاً إذا تمكنت القوات المعارضة لهبة الله من السيطرة على المناجم وتمويل كلفة الحرب عبر بيع الذهب.
وفي مثل هذه الظروف، إذا حشد هبة الله قواته نحو درواز كما فعل في عمليات القمع السابقة في "بنجشير" و"أندراب" و"بلخاب"، فإن احتمال توسع القتال إلى ما بعد درواز سيظل قائماً، في ظل السخط المحلي الواسع.
ولهذا السبب، يبدو أن هناك تحولاً في نهج هبة الله تجاه بدخشان. فبعد أكثر من أربعة أعوام من ممارسة الضغط على طالبان بدخشان، اتجه الآن إلى مسار الحوار وشكّل لجنة رفيعة المستوى كي تبحث، ظاهرياً، مشكلاتهم ومقترحاتهم وتستمع إليهم.
وخلال الأيام الماضية، وبعد عقد عدة اجتماعات في فيض آباد، توجهت هذه اللجنة إلى مديريات "أرغو ويفتل وراغ ها" للحديث مع المجتمعات الساخطة على سياسات طالبان.
لجنة هبة الله إلى بدخشان.. ما المعلن وما الخفي؟
وتبدو هذه اللجنة في ظاهرها مؤلفة من مسؤولين حكوميين أُرسلوا إلى ولاية للاستماع إلى صوت الناس. لكن في جوهرها، تكشف تركيبة اللجنة واجتماعاتها عن مزيد من الأسرار. فهي تتألف من مجموعتين: طالبان بدخشان وطالبان غير المنحدرين من بدخشان.
ويشارك في عضوية اللجنة أبرز مسؤولي طالبان المنحدرين من بدخشان، وهم رئيس أركان الجيش فصيح الدين فطرت، ورئيس إدارة مراقبة تنفيذ المراسيم شمس الدين شريعتي، وحاكم ولاية هلمند أمان الدين منصور، ووزير الاقتصاد دين محمد حنيف، ونائب إدارة الشؤون مولوي سيف الدين. وهؤلاء المسؤولون الخمسة من بدخشان. ويشعر عدد من المقربين منهم بالسخط من سياسة طالبان في بدخشان، وهم يمثلون بطريقة ما إدارة طالبان، ويمثلون كذلك الساخطين.
ويُعد رئيس استخبارات طالبان عبد الحق وثيق، ونائب وزير الداخلية إبراهيم صدر، أبرز عضوين غير منحدرين من بدخشان في هذه اللجنة. ويُنظر إلى وثيق وصدر عملياً على أنهما ممثلا هبة الله داخل اللجنة، كما يراهما طالبان بدخشان مبعوثين من هبة الله.
وينتمي المسؤولان إلى مؤسستين أمنيتين، ويظهر حضورهما في لجنة بدخشان أن هبة الله ينظر إلى مشكلة بدخشان على أنها قضية أمنية. وتتمثل مهمة هذه اللجنة في جمع تقارير عن مظاهر السخط المحلي، واقتراح حلول على مكتب قندهار.
من هم الساخطون وماذا يريدون؟
وقالت مصادر حضرت الاجتماعات لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن "مسؤولي الصف الثاني من أبناء بدخشان، الذين يحظون بدعم المسؤولين الرئيسيين، انتقدوا سياسات طالبان في اجتماعات حضرها عبد الحق وثيق وإبراهيم صدر". وفي الاجتماع، سأل قادة طالبان المنحدرين من بدخشان، رئيس الاستخبارات عبد الحق وثيق علناً: "أين موقع أبناء بدخشان في صنع القرار في هذه الولاية؟"
وتشكّل المجتمعات الساخطة على طالبان في بدخشان كتلة واسعة ومتنوعة، تمتد من قضايا حقوقية مثل منع تعليم النساء وعملهن، إلى قمع الأقليات الدينية مثل الإسماعيليين، وقتل أفراد القوات الأمنية السابقة. لكن الصوت الأعلى في اجتماعات اللجنة هو صوت طالبان بدخشان الذين يتحدثون عن المناصب المحلية والذهب والسلاح.
ومن المرجح ألا تجد مخاوف المجتمعات المهمشة مكاناً في تقرير اللجنة، لأنها لا تملك صوتاً في مثل هذه الاجتماعات. وسيتركز تقرير اللجنة غالباً على قضايا مثل توزيع المناصب المحلية والخشخاش والمعادن والموارد.
وفي "درواز"، يرتب جمعة خان فاتح قواته. وفي "أرغو" و"درايم"، أدى قمع احتجاجات المزارعين على تدمير مزارع الخشخاش إلى سخط واسع، بل أدى إلى اعتقال بعض المسؤولين. وفي "جرم" و"خاش"، لا تزال التوترات مستمرة بشأن الأفيون.
وفي الوقت نفسه، تصاعدت الخلافات بين أبناء بدخشان والقندهاريين في "شهر بزرغ" بشأن المناجم، كما زادت في مديريات أخرى حالة السخط بعد وقف أنشطة غسل الذهب واعتقال مقربين من مسؤولين.
وتبدو لجنة طالبان عملياً أقرب إلى آلية لحل الخلافات داخل حركة طالبان منها إلى حوار واسع مع الناس والمجتمع المدني في بدخشان. وتظهر تركيبة اللجنة أن صوت سخط طالبان بدخشان، وخصوصاً المرتبطين بفصيح الدين فطرت وأمان الدين منصور، سيُسمع، لكن من المستبعد أن تنعكس مطالب الفئات المهمشة في نتائجها.
تحول ملا هبة الله من الضغط إلى الاستماع لقادة طالبان في بدخشان
وقد وضع الاصطفاف العسكري لجمعة خان فاتح في منطقة "درواز" عناصر طالبان من سكان بدخشان في موقع أقوى، ومنحهم فرصة للتحدث بجرأة أكبر في اجتماعات اللجنة بحضور عبد الحق وثيق وصدر إبراهيم.
وخلال السنوات الماضية، اتبع زعيم طالبان ملا هبة الله، سياسة قائمة على الضغط العسكري والاقتصادي والإداري والسياسي على عناصر طالبان من ولاية بدخشان. فقد حاول تقليص نفوذهم ومنع تشكل قوى محلية عبر إقالة القادة المحليين، وتعيين أشخاص موثوقين لديه، ونقل شخصيات بارزة في الولاية إلى ولايات بعيدة.
ولاحقاً، استهدف مواردهم المالية عبر التركيز على السيطرة على مناجم الذهب ومنع استخراجها بصورة غير قانونية.
وفي الوقت نفسه، شدد السيطرة العسكرية على المناجم بإرسال قوة خاصة قوامها ألف عنصر وفرض قيود أمنية، وأضعف بنية القوة المحلية عبر اعتقال ونزع سلاح بعض الأشخاص المرتبطين بها. ونتيجة لهذا المسار، خرجت معظم المناصب الرئيسية في بدخشان من أيدي أبناء الولاية، وأُسندت إلى أشخاص موثوقين لدى قندهار.
والآن، يُعد تشكيل لجنة للاستماع إلى أصوات السخط تحولاً في سياسة ملا هبة الله تجاه بدخشان.
وقال عضو في حركة طالبان من ولاية بدخشان، في حديث لقناة "أفغانستان إنترناشيونال"، إنه يعد هذا القرار "تكتيكاً مؤقتاً لكسب الوقت"، لأن الوضع في المنطقة حساس، وملا هبة الله يخشى أن يؤدي مزيد من الضغط إلى خروج الأمور عن السيطرة، وإن الهدف الرئيسي لقندهار هو تضييق دائرة الحصار على جمعة خان فاتح، والحصول على ضمانات بأنه في حال اندلاع مواجهة في درواز، لن ترتفع أصوات معارضة من مديريات بدخشان الأخرى.
هل تستطيع مقترحات اللجنة حل الأزمة؟
وسيتركز تقرير اللجنة على قضايا مثل عائدات المناجم، وإعادة النظر في بعض الإقالات، ومسألة الخشخاش، والحد من "السلوكيات المهينة ذات الطابع القومي"، والحفاظ على النفوذ المحلي، ومواجهة انعدام الأمن والجماعات المعارضة لطالبان، والتأكيد على طاعة زعيم طالبان.
ومع ذلك، ثمة قيود جدية تعترض أي مصالحة مستدامة بين قندهار وبدخشان. فزعيم طالبان ملا هبة الله آخوندزاده، غير مستعد للتخلي عن السيطرة المركزية على الموارد أو السماح بتشكل "جُزر تقاسم السلطة" مستقلة في مديريات بدخشان. وفي المقابل، يريد قادة طالبان في بدخشان حصة أكبر من عائدات المناجم والسلطة المحلية.
ولا يستطيع ملا هبة الله أن يدخل في مواجهة مع جميع أبناء بدخشان في وقت واحد. والسيناريو الأرجح هو مصالحة قصيرة الأمد، بمعنى أنه قد يتفاهم مع حلفائه الرئيسيين لإبقائهم راضين، كي يتمكن بمساعدتهم من إزاحة العناصر الأصغر.
ومن المرجح أن يعزز تدريجياً السيطرة المركزية على المناجم. لكن جذر المشكلة، أي التناقض بين المركزية "القندهارية" -ذات الغالبية من قومية "البشتون"-، ومسألة دور غير "البشتون" في تقرير مصير قادة طالبان في بدخشان -الولاية ذات الغالبية من قومية "الطاجيك"، لن يُحل.
ومن المرجح أن تظل بدخشان إحدى نقاط الضعف البنيوية في حكم طالبان. وتُظهر هذه التطورات هشاشة وحدة طالبان بعد خمسة أعوام من الحكم، حيث تتصادم المصالح الاقتصادية والهوية القومية والطاعة بعضها ببعض.