ما بعد أدبيات التكفير، نحو الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب

ليست أزمة المجتمعات الإسلامية المعاصرة كامنةً في وجود الاختلاف الديني أو الفكري، فذلك أمرٌ لازمٌ لكل مجتمع حي، وإنما تكمن في الكيفية التي يُدار بها هذا الاختلاف.

ليست أزمة المجتمعات الإسلامية المعاصرة كامنةً في وجود الاختلاف الديني أو الفكري، فذلك أمرٌ لازمٌ لكل مجتمع حي، وإنما تكمن في الكيفية التي يُدار بها هذا الاختلاف.
فحين يُنظر إلى المخالف بوصفه خصماً ينبغي إقصاؤه، لا شريكاً في البحث عن الحقيقة، يتحول الخلاف من ظاهرة طبيعية إلى مصدر دائم للصراع والانقسام. ومن هنا، فإن مراجعة اللغة التي نتحدث بها عن المختلفين معنا ليست مسألة أسلوبية، بل هي مراجعة لأسس التفكير نفسه.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في ما يمكن تسميته "أدبيات التكفير"؛ إذ لم تعد هذه الأدبيات مجرد مفرداتٍ تُستعمل في الجدل العقدي، وإنما غدت إطاراً معرفياً يحكم العلاقة بالآخر، ويحدد طبيعة التعامل معه، ويغذي ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ كثيراً من مظاهر العنف التي عرفتها مجتمعاتنا في العصر الحديث.
ولا تهدف هذه المقالة إلى مناقشة الأحكام الفقهية المتعلقة بالتكفير، بقدر ما تسعى إلى مساءلة البراديغم الذي يقوم عليه هذا النمط من التفكير، والدعوة إلى الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب؛ لأنها ثنائية أكثر اتساقاً مع طبيعة المعرفة الإنسانية، وأقدر على صيانة الحوار، وأقرب إلى مقاصد الدين في حفظ الإنسان وكرامته.
أدبيات التكفير ومنطق العالم ما قبل الحديث
تنتمي أدبيات التكفير إلى سياق تاريخي ومعرفي خاص، هو سياق العالم ما قبل الحديث؛ حيث كانت الأمية هي الغالبة، وكانت المعرفة حكراً على فئات محدودة، وكانت كل جماعة تعتقد أنها وحدها تحتكر الحقيقة، بينما تنظر إلى سائر الجماعات بوصفها ممثلةً للباطل والضلال.
ولم يكن هذا النمط في التفكير مقصوراً على المسلمين، بل كان سمة عامة لكثير من الحضارات القديمة؛ إذ كان الاعتقاد السائد أن الحقيقة واحدة، وأنها مملوكة لجماعة بعينها، ومن ثم فإن كل خروج عليها لا يُفهم بوصفه اختلافاً في الرأي، وإنما بوصفه انحرافاً عن الحق نفسه.
غير أن التحولات الكبرى التي عرفها العالم مع نهاية العصور الوسطى، واتساع دائرة التعليم، وتحرر المعرفة من الاحتكار، وظهور التعددية الفكرية، أدت إلى تبدل عميق في البنية الذهنية للمجتمعات. ومع هذا التحول فقدت الأحكام الإقصائية كثيراً من مشروعيتها، وأصبح الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة يُعد تعبيراً عن ضيق الأفق، لا عن قوة البرهان. وهذا ما يُعرف في الفكر المعاصر بـ التحول النموذجي (Paradigm Shift).
أما المجتمعات التي لم تستكمل بعد شروط نضجها الفكري، فإنها تظل أسيرة ذهنية العصور الوسطى، فتتعامل مع مسائل الاجتهاد كما لو كانت قضايا وجودية لا تحتمل الاختلاف. ولا تزال بعض المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع الأفغاني، تعيش بدرجات متفاوتة داخل هذا الأفق؛ ولذلك تتحول كثير من قضايا الخلاف الطبيعي إلى ساحات للتوتر والانفعال، حيث تطغى ردود الفعل العاطفية على الحوار العقلاني. وفي مثل هذا المناخ تتشكل أدبيات التكفير. ولا يُقصد بها مجرد إصدار حكم على شخص أو جماعة بالكفر، وإنما هي منظومة كاملة في النظر إلى المخالف، تجعل العلاقة معه قائمة على ثنائيات حادة من قبيل: الحق والباطل، والهداية والضلال، والإيمان والكفر، والتدين واللادين. ومن داخل هذا الإطار لا يعود الآخر إنساناً يختلف معنا في فهم الحقيقة، وإنما يصبح ممثلاً للباطل ذاته. ولذلك تعجز هذه الذهنية عن الاعتراف بشرعيته في الاختلاف، فضلاً عن الاعتراف بحقه في المشاركة في المجال العام.
وحين يعتقد الإنسان أنه يجسد الحق المطلق، وأن مخالِفه يجسد الباطل المطلق، فإن مجرد الاعتراف به أو محاورته يبدو ـ في وعيه ـ تنازلاً عن الحق أو مهادنةً للباطل. وعندئذ تنهار الجسور التي تصل بين المختلفين، ويغدو الحوار مستحيلاً؛ لأن منطق الصراع بين الحق والباطل لا يعرف سوى غاية واحدة، هي إزالة الباطل وانتصار الحق عليه. ومن هنا، فإن الذهنية التكفيرية ليست مجرد موقف عقدي، بل هي في جوهرها ذهنية إقصائية؛ فإذا عجزت عن الانتصار بالحجة، سعت إلى إلغاء الحوار نفسه، وإذا لم تستطع إقصاء الفكرة، اتجهت إلى إقصاء صاحبها.
وتأتي اللغة بوصفها الأداة الأولى لهذا الإقصاء؛ فأدبيات التكفير لا تكتفي برفض الرأي المخالف، بل تجرّده من الشرعية الأخلاقية، وتصور صاحبَه على أنه فاقد للحق في الاحترام، أو حتى في الإنصاف. ومن هنا يصبح الكذب عليه، أو تشويه صورته، أو إلصاق التهم به، أمراً يجد من يبرره باسم الدفاع عن الحقيقة والانتصار للدين. ولذلك لم يكن غريباً أن نشهد، خلال العقود الأخيرة، حملات متكررة من التشهير والاتهام المتبادل بين التيارات الفكرية والدينية، تُوجَّه فيها أخطر الاتهامات من غير دليل ولا بينة، لأن المخالف ـ في ظل هذا البراديغم ـ لا يُنظر إليه بوصفه خصماً فكرياً، بل بوصفه خصماً للحقيقة نفسها. إن هذه اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الخلاف، بل هي التي تُنتج الخلاف في صورته الأكثر تطرفاً، لأنها تنقل الاختلاف من مستوى الاجتهاد الإنساني إلى مستوى الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق المطلق والباطل المطلق، حيث لا يبقى مجال للاعتراف المتبادل، ولا للتفاهم، ولا للتعايش.
التكفير في التاريخ: من خلافٍ فكري إلى وسيلةٍ للإقصاء
وليس هذا النمط في التفكير وليد العصر الحديث، ولا هو ظاهرة خاصة بمجتمع دون آخر، بل يمتد بجذوره عميقاً في تاريخ الفكر الديني. فقد عرفت المجتمعات القديمة، في الشرق والغرب على السواء، آليات متشابهة في التعامل مع الاختلاف؛ إذ كان الخروج على الرأي السائد يُفسَّر خروجاً على الحقيقة ذاتها، لا اجتهاداً في فهمها.
وفي أوروبا المسيحية، تعرض عدد من كبار المفكرين والعلماء للملاحقة والإقصاء لأنهم تبنوا رؤى خالفت ما استقر عليه الفهم الرسمي للدين. فقد أُدين غاليليو، واضطُهد جيوردانو برونو، ووُوجه كوبرنيكوس بالرفض، لا لأنهم ارتكبوا جرماً، بل لأن قراءتهم للعالم لم تنسجم مع النموذج الفكري السائد آنذاك. وكذلك أصدر الحاخامات اليهود قرارهم الشهير بحرمان الفيلسوف باروخ سبينوزا من الجماعة اليهودية، بعد أن اعتُبرت آراؤه خروجاً على العقيدة الموروثة.
ولم يكن التاريخ الإسلامي بمنأى عن هذه الظاهرة. فقد شهد هو الآخر سلسلة طويلة من المحاكمات الفكرية التي انتهت، في غير مرة، إلى الإقصاء أو القتل. ويكفي أن نستحضر أسماء مثل غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وابن المقفع، وأبي بكر الرازي، ثم في العصور اللاحقة الحسين بن منصور الحلاج، وعين القضاة الهمداني، وشهاب الدين السهروردي، لندرك أن ثمن الاختلاف الفكري كان، في أحيان كثيرة، الحياة نفسها.
ولا يعني ذلك أن جميع تلك الشخصيات كانت على رأي واحد، أو أن أفكارها كانت متشابهة؛ فالجامع بينها لم يكن مضمون آرائها، وإنما كونها اصطدمت بالنموذج المعرفي المهيمن في عصرها، فكان الرد عليها بالإقصاء بدل الحوار، وبإصدار الأحكام بدل مناقشة الأفكار. ومن هنا، أصبحت أوصاف مثل الزندقة والبدعة والضلال والإلحاد أدوات جاهزة في الجدل الديني، تماماً كما أصبحت ألفاظ من قبيل الروافض والنواصب والخوارج وغيرها جزءاً من قاموس الصراع المذهبي، لا بوصفها أوصافاً علمية، وإنما باعتبارها وسائل لنزع الشرعية عن الخصم وإخراجه من دائرة الاعتبار. إن الجامع بين هذه المصطلحات جميعاً ليس مدلولها التاريخي، وإنما الوظيفة التي أدتها؛ فقد كانت أدواتٍ لإقصاء المختلف، أكثر منها أدواتٍ لفهمه.
إعادة إنتاج الذهنية التكفيرية في العصر الحديث
قد يظن بعض الناس أن هذه الذهنية أصبحت جزءاً من الماضي، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فما تغير هو الأسماء، أما البنية الفكرية فقد بقيت إلى حد بعيد على حالها. فالصراعات التي تشهدها الساحة الإسلامية اليوم بين الشيعة والسنة، أو بين السلفيين والأحناف، أو بين الحركات الإسلامية المختلفة، لا يمكن تفسيرها تفسيراً كاملاً من خلال الخلافات الفقهية أو السياسية وحدها؛ إذ تقف وراءها، في كثير من الأحيان، الرؤية نفسها التي تقسم العالم إلى معسكرين متقابلين: معسكر الحقيقة المطلقة، ومعسكر الباطل المطلق.
وعندما تُختزل العلاقة مع الآخر في هذا التصور الثنائي، يغدو الحوار فاقداً لمعناه؛ لأن الحوار يفترض إمكان الاستفادة من الآخر، بينما لا يرى البراديغم التكفيري في الآخر إلا خطراً ينبغي مقاومته أو القضاء عليه. ومن هنا تتحول المجادلات الفكرية إلى معارك هوية، وتصبح الغاية من النقاش ليست البحث عن الحقيقة، وإنما إثبات فساد الخصم وإسقاطه. ولهذا تكثر الاتهامات، ويقل الإصغاء، وتختفي الرغبة في الفهم المتبادل، لتحل محلها رغبة جامحة في الانتصار، مهما كان الثمن.
من الإقصاء الفكري إلى العنف
ولعل أخطر ما في البراديغم التكفيري أنه لا يقف عند حدود اللغة، بل يتجاوزها إلى تشكيل الوعي والسلوك. فالعنف لا يبدأ بالسلاح، وإنما يبدأ بالفكرة. إن أول خطوة في طريق العنف هي نزع الإنسانية عن الآخر؛ فعندما يُنظر إليه بوصفه ممثلاً للباطل، أو عدواً لله، أو خصماً للحقيقة، يصبح من السهل، نفسياً وأخلاقياً، تبرير الاعتداء عليه. وهكذا ينتقل الإنسان، خطوة بعد أخرى، من الاختلاف إلى الإدانة، ومن الإدانة إلى الإقصاء، ومن الإقصاء إلى استباحة الدم.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من الظواهر التي عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، بما فيها العمليات الانتحارية وأشكال الإرهاب المختلفة. فهذه الظواهر ليست نتاجاً للعنف وحده، بل هي الثمرة الأخيرة لمسار فكري يبدأ بإلغاء حق الآخر في الاختلاف، وينتهي بإلغاء حقه في الحياة. ولهذا فإن مكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الوسائل الأمنية أو السياسية، لأنها تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب. أما العلاج الحقيقي فيبدأ بإعادة النظر في البراديغم الذي ينتج هذه الذهنية، واستبداله ببراديغم آخر يقوم على الاعتراف بالاختلاف بوصفه جزءاً من الطبيعة الإنسانية، لا تهديداً لها.
من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب
إذا أردنا أن نكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها مجتمعاتنا بين التعصب والعنف، فلا يكفي أن ندين مظاهر التطرف أو نستنكر نتائجها؛ إذ إن معالجة النتائج لا تغني عن معالجة الأسباب. وأول هذه الأسباب هو البراديغم الذي يحكم نظرتنا إلى المخالف، ويحدد اللغة التي نتعامل بها معه. ومن هنا، فإن الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب لا يمثل مجرد تغيير في الألفاظ، بل يعبر عن تحول عميق في طريقة التفكير وفي إدارة الاختلاف.
فالإنسان، بحكم طبيعته، قد يصيب وقد يخطئ، وقد يقترب من الحقيقة أو يبتعد عنها، لكن هذا لا يعني أن كل خطأ يتحول بالضرورة إلى كفر، ولا أن كل اختلاف في الفهم يخرج صاحبه من دائرة الإيمان. فالخطأ وصفٌ لفهمٍ بشري قابل للمراجعة والتصويب، أما الكفر فهو حكم ديني بالغ الخطورة، لا يجوز التوسع فيه ولا إسقاطه على كل مخالف في الرأي أو الاجتهاد. وحين يصبح الخلاف بين الناس خلافاً في الصواب والخطأ، يبقى باب المراجعة مفتوحاً، لأن الخطأ يمكن تصحيحه، والصواب يمكن البرهنة عليه. أما إذا تحول الخلاف إلى صراع بين الإيمان والكفر، فإن الحوار يفقد معناه؛ إذ لا يعود الهدف إقناع المخالف، بل إدانته وإقصاؤه.
ولهذا فإن استبدال هذا البراديغم بآخر جديد لا يعني التساهل مع الحقيقة أو إنكار وجودها، وإنما يعني الاعتراف بأن الوصول إليها يمر عبر الاجتهاد البشري، وأن الاجتهاد، مهما بلغ صاحبه من العلم، يبقى عرضة للصواب والخطأ. ومن شأن هذا التحول أن يهيئ بيئة تسمح باستمرار الحوار، وأن يمنح مختلف المكونات الفكرية والدينية فرصة لفهم بعضها بعضاً، بدلاً من أن يبقى كل فريق أسيراً لصورته المسبقة عن الآخر. ولا يقتصر أثر هذا التحول على العلاقات بين المذاهب الإسلامية، بل يمتد أيضاً إلى العلاقة بين المتدينين وغير المتدينين، وإلى كل صور الاختلاف الفكري داخل المجتمع.
هل كل غير مؤمن يُوصف بالكفر؟
ولعل من أبرز التطبيقات العملية لهذا التحول ما يتعلق بالنظر إلى من انتهى، بعد دراسة أو تأمل أو تجربة فكرية، إلى مواقف لا تنسجم مع الإيمان الديني التقليدي، سواء أكانت ربوبية، أم لاأدرية، أم إلحاداً. إن من الأنسب ـ في تقديري ـ أن يُنظر إلى هذه المواقف بوصفها اجتهادات فكرية قد تكون خاطئة، لا بوصفها كفراً بالمعنى العقدي الدقيق. ذلك أن الكفر، في معناه القرآني الأصيل، ليس مجرد عدم الإيمان، بل هو جحود الحقيقة بعد انكشافها، أي موقف يقوم على العلم ثم الرفض، لا على الجهل أو الحيرة أو عدم الاقتناع.
أما الإنسان الذي لم تتكشف له الحقيقة، أو ما زال يعيش أسئلة معرفية لم يجد لها جواباً يقنعه، فلا يصح مساواته بمن عرف الحقيقة ثم أنكرها عناداً واستكباراً. وهذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، بل يترتب عليه فرق كبير في طريقة التعامل مع الإنسان المختلف، وفي الحكم على موقعه الأخلاقي والديني. فإذا كان البحث عن الحقيقة عملية إنسانية معقدة، تتداخل فيها المعرفة والتجربة والظروف النفسية والثقافية، فإن التسرع في إصدار الأحكام النهائية على الناس لا ينسجم مع روح العدل التي قامت عليها الرسالات السماوية.
الرؤية العرفانية وتجليات الأسماء الإلهية
ومن أعمق المحاولات التي سعت إلى تفسير هذا الجانب من التجربة الإنسانية ما نجده في التراث العرفاني الإسلامي. فقد رأى كبار العرفاء أن أسماء الله الحسنى ليست مجرد ألفاظ تدل على الذات الإلهية، بل هي وجوه يتجلى الله بها لعباده، وأن الإنسان لا يتلقى جميع هذه التجليات على السواء، وإنما يتجلى الله لكل إنسان باسم أو بأسماء معينة، وفق حكمة إلهية لا يحيط البشر بأسرارها.
ولهذا قيل إن من الناس من يتجلى الله له باسم الجبار، فتغلب عليه المهابة والخشية، ومنهم من يتجلى له باسم الرحمن، فيمتلئ قلبه بالمحبة والأنس والرجاء. ومن بين الأسماء التي أولى لها العرفاء أهمية خاصة اسما الظاهر والباطن، لما ينطويان عليه من دلالة عميقة في فهم العلاقة بين الإنسان والحقيقة الإلهية. فالظاهر هو الذي لا شيء أظهر منه، ولذلك يرى من يتجلى الله له بهذا الاسم آثار الحضور الإلهي في كل شيء، ويقرأ الكون كله بوصفه دليلاً على خالقه. ولعل هذا هو المعنى الذي عبر عنه الشاعر بقوله:
وفي كل شيءٍ له آيةٌ
تدل على أنه واحدُ
كما ينسجم مع ما نُقل عن بعض العارفين من قولهم: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله. فالمقصود هنا ليس الرؤية البصرية، وإنما انكشاف الحضور الإلهي في الوعي انكشافاً يجعل الإنسان يرى الأشياء من خلال علاقتها بالله، لا بوصفها موجودات مستقلة عنه.
بين "الظاهر" و"الباطن": قراءة عرفانية في تجربة الإيمان والشك
غير أن التراث العرفاني الإسلامي لا يقف عند حدود القول بتعدد التجليات الإلهية، بل يمضي إلى أبعد من ذلك، حين يجعل من اسمي "الظاهر"و "الباطن" مفتاحاً لفهم اختلاف التجارب الدينية بين البشر. فالظاهر، في اصطلاح العرفاء، لا يعني مجرد ما يقع تحت الحس، وإنما يدل على أن الله سبحانه هو أظهر من كل ظاهر، وأن وجوده أوضح من كل موجود. ومن يتجلى الله له بهذا الاسم لا يحتاج إلى براهين كثيرة لإثبات وجوده؛ إذ يجد آثار الحضور الإلهي في كل ما يحيط به، ويقرأ الكون كله بوصفه آية مفتوحة تشير إلى خالقه.
أما اسم "الباطن" فلا يعني أن الله غائب عن الوجود، بل إن ظهوره يبلغ من الشدة حداً يعجز معه الإدراك الإنساني عن الإحاطة به. وكما أن العين تعجز عن النظر إلى الشمس إذا اشتد نورها، فإن العقل قد يعجز أحياناً عن إدراك الحقيقة لا لخفائها، بل لشدة ظهورها. ومن هنا قال بعض أهل المعرفة إن الظهور المطلق قد ينقلب إلى بطون، لا لأن الحقيقة قد غابت، بل لأن قدرة الإنسان على إدراكها بلغت حدودها.
وبهذا المعنى، لا يكون الظاهر والباطن حقيقتين متقابلتين، وإنما وجهين لحقيقة واحدة، تختلف صورة تلقيها باختلاف استعداد المتلقي وحدود إدراكه. ومن ثم، فإن اختلاف الناس في تجربتهم الدينية لا يرجع دائماً إلى اختلاف في الإرادة الأخلاقية، ولا إلى تعمد قبول الحقيقة أو رفضها، بل قد يرتبط أحياناً بطريقة تجلي الحقيقة نفسها في وعي الإنسان.
غياب الله بين العرفان واللاهوت المعاصر
وعلى هذا الأساس، يرى بعض العرفاء أن الإنسان الذي يتجلى الله له باسم "الباطن" قد يعيش تجربة وجودية يشعر فيها بأن الله غائب، وأن الكون لا يقدم له ما يكفي من الشواهد التي تقوده إلى اليقين. وليس معنى ذلك أن الله قد غاب في الحقيقة، وإنما إنساناً بعينه أصبح عاجزاً عن إدراك حضوره. وهذه الفكرة تلتقي، من زاوية معينة، مع ما أصبح يعرف في الفلسفة واللاهوت المعاصرين بمشكلة غياب الله (Divine Hiddenness)، وهي من أكثر القضايا حضوراً في فلسفة الدين الحديثة. غير أن الفرق بين الرؤيتين يتمثل في أن اللاهوت العرفاني لا ينظر إلى غياب الله بوصفه دليلاً على عدم وجوده، وإنما يفسره بوصفه وجهاً من وجوه التجلي الإلهي، يخضع لحكمة لا يحيط بها الإنسان.
ومن ثم، فإن من يعيش هذه التجربة لا يُنظر إليه بوصفه متمرداً على الحقيقة، وإنما بوصفه إنساناً يمر بمرحلة مخصوصة من مراحل المعرفة الروحية. وهذا الفهم يفتح باباً جديداً في النظر إلى من انتهى، بعد رحلة فكرية صادقة، إلى اللاأدرية أو الإلحاد؛ إذ لا يُبادر إلى اتهامه بالكفر، ولا يُفترض فيه العناد أو الجحود، بل يُنظر إلى حالته باعتبارها تجربة معرفية معقدة، لا يملك أحد أن يحكم على باطنها. وبهذا المعنى، فإن الخطأ ـ إن وجد ـ لا يرقى بالضرورة إلى الكفر، لأن الكفر، في معناه القرآني، يفترض قيام الحجة وانكشاف الحقيقة، ثم الإعراض عنها عن علم وقصد، لا مجرد العجز عن بلوغ اليقين.
لاهوت الوصال وإعادة فهم الوحي
ومن أكثر القضايا التي أسيء فهمها في تاريخ الفكر الإسلامي تلك المتعلقة بحقيقة الوحي وكيفية تحققه. وقد أدى تجاهل الخلفيات الفلسفية والعرفانية لهذه القضية إلى صدور أحكام متسرعة على عدد من المفكرين والمتصوفة، واتُّهم بعضهم بسببها بالزندقة أو الكفر، في حين أن أفكارهم لا تُفهم إلا داخل منظومة لاهوتية مختلفة. ويمكن أن نطلق على هذه المنظومة اسم "لاهوت الوصال".
ويقوم هذا اللاهوت على تصور يرى أن العلاقة بين الله والعالم ليست علاقة انفصال مطلق، بل علاقة حضور دائم؛ فالله ليس موجوداً في جهة، والعالم في جهة أخرى، وإنما هو سبحانه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، و﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. وفي ضوء هذا الفهم، يغدو كلام الأنبياء ـ مع كونه كلامهم حقيقة ـ مظهراً للكلام الإلهي في الوقت نفسه، دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء إنسانيتهم أو نفي دورهم. ومن أبلغ ما يجسد هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. فالآية تثبت الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تنفيه عنه، ثم تثبته لله سبحانه، لا على سبيل التناقض، وإنما على سبيل الكشف عن مستويين مختلفين من الحقيقة. فالفاعل هو محمد ﷺ، والفاعل هو الله أيضاً؛ لأن الفعل الإنساني، في هذا المستوى من الفهم، لا يستقل عن الفعل الإلهي، بل يتحقق في ظله وبه.
ومن هذا المنطلق، قال بعض العارفين: إن ما ينطق به الأنبياء هو كلامهم من جهة، وكلام الله من جهة أخرى؛ إذ لا تعارض بين المستويين إذا فُهمت العلاقة بين الخالق والمخلوق في إطار الوصال، لا في إطار الانفصال الميتافيزيقي الصارم. ومن هنا تتضح كثير من العبارات التي عُدّت، عبر التاريخ، شطحاتٍ أو خروجاً على العقيدة، بينما كانت ـ في حقيقتها ـ تعبيراً عن لغة عرفانية ذات منطق خاص، لا تُفهم إلا داخل منظومتها المعرفية.
خاتمة: نحو أخلاق جديدة للاختلاف
إن الدعوة إلى الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب ليست دعوة إلى النسبية المعرفية، ولا إلى إنكار وجود الحقيقة، ولا إلى التسوية بين جميع الآراء والمعتقدات، كما قد يتوهم بعضهم. فالحقيقة، في المنظور الديني، تبقى حقيقة، والخطأ يبقى خطأ، غير أن الفرق الجوهري يكمن في طبيعة الحكم الذي نصدره على الإنسان. فالخطأ يتعلق بالفعل الإنساني وبالاجتهاد البشري، وهو بطبيعته قابل للمراجعة والتصويب، أما الكفر فهو حكم يتعلق بمصير الإنسان أمام الله، ولا يملك أحد أن يتوسع فيه أو يجعله أداةً لإدارة الخلافات الفكرية. وهنا يكمن الفرق بين منطقين متباينين: منطق يجعل الاختلاف مدخلاً إلى الحوار، ومنطق يجعله مبرراً للإقصاء.
لقد علمتنا التجربة التاريخية أن الحضارات لا تنهض عندما يعتقد كل فريق أنه وحده يحتكر الحقيقة، وإنما تنهض حين تعترف بإمكان الخطأ في الفهم البشري، وتفسح المجال للنقد والمراجعة وتبادل الخبرات. أما المجتمعات التي تجعل التكفير بديلاً عن البرهان، والإقصاء بديلاً عن الحوار، فإنها لا تلبث أن تدخل في دوائر مغلقة من الانقسام والعنف، تنتهي إلى استنزاف طاقاتها وإهدار إمكاناتها الحضارية. ولذلك فإن تجاوز أدبيات التكفير لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد إصلاح لغوي، بل هو تحول في الوعي الحضاري؛ انتقال من ثقافة ترى الإنسان من خلال انتمائه إلى معسكر الإيمان أو الكفر، إلى ثقافة تنظر إليه باعتباره كائناً باحثاً عن الحقيقة، قد يصيب وقد يخطئ، لكنه يظل جديراً بالاحترام ما دام بحثه صادقاً، وحواره قائماً على النزاهة الفكرية. ومن هنا، فإن الاعتراف بإمكان الخطأ لا يضعف اليقين، بل يحميه من التحول إلى تعصب؛ لأن اليقين الذي يخشى الحوار ليس يقيناً، وإنما هو خوفٌ من المراجعة. أما الحقيقة فلا تخشى النقاش، بل تزداد وضوحاً كلما عُرضت على محك العقل والبرهان.
إن المجتمعات الإسلامية اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المعارك حول من يدخل في دائرة الإيمان ومن يخرج منها، بقدر حاجتها إلى بناء ثقافة جديدة للاختلاف، يكون أساسها الاعتراف بكرامة الإنسان، واحترام حرية الضمير، والتمييز بين نقد الأفكار والحكم على أصحابها، وبين مناقشة الاجتهادات والتصرف في مصائر الناس. فإذا كان الماضي قد ورّثنا لغةً صاغتها ظروف تاريخية مختلفة، فإن مسؤولية الحاضر تقتضي أن نعيد النظر في تلك اللغة، وأن نميز بين ما كان استجابةً لواقع تاريخي معين، وما يصلح أن يكون أساساً لبناء مجتمع معاصر يقوم على التعددية والحوار والتعايش.
إن البراديغم الذي يقوم على ثنائية الإيمان والكفر قد أدى، عبر التاريخ، إلى إنتاج لغة الإقصاء، ثم إلى إنتاج ثقافة الصراع، ثم إلى تبرير العنف. أما البراديغم الذي يقوم على ثنائية الخطأ والصواب، فإنه يفتح الباب أمام النقد المتبادل دون أن يهدم الجسور بين المختلفين، ويجعل من الحوار وسيلةً للبحث عن الحقيقة، لا ساحةً لإلغاء الآخر. ومن هنا، فإن تجاوز أدبيات التكفير ليس ترفاً فكرياً، ولا مجرد اقتراحٍ لتحسين لغة الخطاب الديني، بل هو أحد الشروط الأساسية للانتقال من مجتمعٍ تحكمه العصبيات المغلقة إلى مجتمعٍ تتسع فيه دائرة الاعتراف المتبادل، ويصبح فيه الاختلاف مصدرَ إثراء، لا سبباً للعداء.
إن الأمم لا تدخل عصرها الحضاري حين يختفي الاختلاف من بينها، فذلك أمرٌ لم يقع ولن يقع، وإنما تدخله حين تتعلم كيف تُدير اختلافها من غير أن تحوله إلى خصومة وجودية. وعندئذ فقط يغدو الحوار بديلاً عن التكفير، والنقد بديلاً عن الإقصاء، والبحث المشترك عن الحقيقة بديلاً عن ادعاء امتلاكها. فالحضارة لا تُبنى بالتكفير، وإنما تُبنى بالعقل، والحوار، والاعتراف بحدود الفهم الإنساني، والإيمان بأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة.