• پښتو
  • فارسی
  • English
Brand
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
  • المظهر
  • اللغة
    • پښتو
    • فارسی
    • English
  • افغانستان
  • العالم
  • حقوق الإنسان
  • اللاجئون
  • ثقافة وفن
جميع الحقوق محفوظة، يُسمح بإعادة نشر المواد بشرط الإشارة إلى المصدر.
volant media logo

ما بعد أدبيات التكفير، نحو الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب

محمد محق
محمد محق

الکاتب الافغانی والباحث فی شئون الجماعات الدینیة

25 يوليو 2026، 23:05 غرينتش+1

ليست أزمة المجتمعات الإسلامية المعاصرة كامنةً في وجود الاختلاف الديني أو الفكري، فذلك أمرٌ لازمٌ لكل مجتمع حي، وإنما تكمن في الكيفية التي يُدار بها هذا الاختلاف.

فحين يُنظر إلى المخالف بوصفه خصماً ينبغي إقصاؤه، لا شريكاً في البحث عن الحقيقة، يتحول الخلاف من ظاهرة طبيعية إلى مصدر دائم للصراع والانقسام. ومن هنا، فإن مراجعة اللغة التي نتحدث بها عن المختلفين معنا ليست مسألة أسلوبية، بل هي مراجعة لأسس التفكير نفسه.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في ما يمكن تسميته "أدبيات التكفير"؛ إذ لم تعد هذه الأدبيات مجرد مفرداتٍ تُستعمل في الجدل العقدي، وإنما غدت إطاراً معرفياً يحكم العلاقة بالآخر، ويحدد طبيعة التعامل معه، ويغذي ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ كثيراً من مظاهر العنف التي عرفتها مجتمعاتنا في العصر الحديث.

ولا تهدف هذه المقالة إلى مناقشة الأحكام الفقهية المتعلقة بالتكفير، بقدر ما تسعى إلى مساءلة البراديغم الذي يقوم عليه هذا النمط من التفكير، والدعوة إلى الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب؛ لأنها ثنائية أكثر اتساقاً مع طبيعة المعرفة الإنسانية، وأقدر على صيانة الحوار، وأقرب إلى مقاصد الدين في حفظ الإنسان وكرامته.

أدبيات التكفير ومنطق العالم ما قبل الحديث

تنتمي أدبيات التكفير إلى سياق تاريخي ومعرفي خاص، هو سياق العالم ما قبل الحديث؛ حيث كانت الأمية هي الغالبة، وكانت المعرفة حكراً على فئات محدودة، وكانت كل جماعة تعتقد أنها وحدها تحتكر الحقيقة، بينما تنظر إلى سائر الجماعات بوصفها ممثلةً للباطل والضلال.

ولم يكن هذا النمط في التفكير مقصوراً على المسلمين، بل كان سمة عامة لكثير من الحضارات القديمة؛ إذ كان الاعتقاد السائد أن الحقيقة واحدة، وأنها مملوكة لجماعة بعينها، ومن ثم فإن كل خروج عليها لا يُفهم بوصفه اختلافاً في الرأي، وإنما بوصفه انحرافاً عن الحق نفسه.

غير أن التحولات الكبرى التي عرفها العالم مع نهاية العصور الوسطى، واتساع دائرة التعليم، وتحرر المعرفة من الاحتكار، وظهور التعددية الفكرية، أدت إلى تبدل عميق في البنية الذهنية للمجتمعات. ومع هذا التحول فقدت الأحكام الإقصائية كثيراً من مشروعيتها، وأصبح الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة يُعد تعبيراً عن ضيق الأفق، لا عن قوة البرهان. وهذا ما يُعرف في الفكر المعاصر بـ التحول النموذجي (Paradigm Shift).

أما المجتمعات التي لم تستكمل بعد شروط نضجها الفكري، فإنها تظل أسيرة ذهنية العصور الوسطى، فتتعامل مع مسائل الاجتهاد كما لو كانت قضايا وجودية لا تحتمل الاختلاف. ولا تزال بعض المجتمعات الشرقية، ومنها المجتمع الأفغاني، تعيش بدرجات متفاوتة داخل هذا الأفق؛ ولذلك تتحول كثير من قضايا الخلاف الطبيعي إلى ساحات للتوتر والانفعال، حيث تطغى ردود الفعل العاطفية على الحوار العقلاني. وفي مثل هذا المناخ تتشكل أدبيات التكفير. ولا يُقصد بها مجرد إصدار حكم على شخص أو جماعة بالكفر، وإنما هي منظومة كاملة في النظر إلى المخالف، تجعل العلاقة معه قائمة على ثنائيات حادة من قبيل: الحق والباطل، والهداية والضلال، والإيمان والكفر، والتدين واللادين. ومن داخل هذا الإطار لا يعود الآخر إنساناً يختلف معنا في فهم الحقيقة، وإنما يصبح ممثلاً للباطل ذاته. ولذلك تعجز هذه الذهنية عن الاعتراف بشرعيته في الاختلاف، فضلاً عن الاعتراف بحقه في المشاركة في المجال العام.

وحين يعتقد الإنسان أنه يجسد الحق المطلق، وأن مخالِفه يجسد الباطل المطلق، فإن مجرد الاعتراف به أو محاورته يبدو ـ في وعيه ـ تنازلاً عن الحق أو مهادنةً للباطل. وعندئذ تنهار الجسور التي تصل بين المختلفين، ويغدو الحوار مستحيلاً؛ لأن منطق الصراع بين الحق والباطل لا يعرف سوى غاية واحدة، هي إزالة الباطل وانتصار الحق عليه. ومن هنا، فإن الذهنية التكفيرية ليست مجرد موقف عقدي، بل هي في جوهرها ذهنية إقصائية؛ فإذا عجزت عن الانتصار بالحجة، سعت إلى إلغاء الحوار نفسه، وإذا لم تستطع إقصاء الفكرة، اتجهت إلى إقصاء صاحبها.

وتأتي اللغة بوصفها الأداة الأولى لهذا الإقصاء؛ فأدبيات التكفير لا تكتفي برفض الرأي المخالف، بل تجرّده من الشرعية الأخلاقية، وتصور صاحبَه على أنه فاقد للحق في الاحترام، أو حتى في الإنصاف. ومن هنا يصبح الكذب عليه، أو تشويه صورته، أو إلصاق التهم به، أمراً يجد من يبرره باسم الدفاع عن الحقيقة والانتصار للدين. ولذلك لم يكن غريباً أن نشهد، خلال العقود الأخيرة، حملات متكررة من التشهير والاتهام المتبادل بين التيارات الفكرية والدينية، تُوجَّه فيها أخطر الاتهامات من غير دليل ولا بينة، لأن المخالف ـ في ظل هذا البراديغم ـ لا يُنظر إليه بوصفه خصماً فكرياً، بل بوصفه خصماً للحقيقة نفسها. إن هذه اللغة ليست مجرد وسيلة للتعبير عن الخلاف، بل هي التي تُنتج الخلاف في صورته الأكثر تطرفاً، لأنها تنقل الاختلاف من مستوى الاجتهاد الإنساني إلى مستوى الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق المطلق والباطل المطلق، حيث لا يبقى مجال للاعتراف المتبادل، ولا للتفاهم، ولا للتعايش.

التكفير في التاريخ: من خلافٍ فكري إلى وسيلةٍ للإقصاء

وليس هذا النمط في التفكير وليد العصر الحديث، ولا هو ظاهرة خاصة بمجتمع دون آخر، بل يمتد بجذوره عميقاً في تاريخ الفكر الديني. فقد عرفت المجتمعات القديمة، في الشرق والغرب على السواء، آليات متشابهة في التعامل مع الاختلاف؛ إذ كان الخروج على الرأي السائد يُفسَّر خروجاً على الحقيقة ذاتها، لا اجتهاداً في فهمها.

وفي أوروبا المسيحية، تعرض عدد من كبار المفكرين والعلماء للملاحقة والإقصاء لأنهم تبنوا رؤى خالفت ما استقر عليه الفهم الرسمي للدين. فقد أُدين غاليليو، واضطُهد جيوردانو برونو، ووُوجه كوبرنيكوس بالرفض، لا لأنهم ارتكبوا جرماً، بل لأن قراءتهم للعالم لم تنسجم مع النموذج الفكري السائد آنذاك. وكذلك أصدر الحاخامات اليهود قرارهم الشهير بحرمان الفيلسوف باروخ سبينوزا من الجماعة اليهودية، بعد أن اعتُبرت آراؤه خروجاً على العقيدة الموروثة.

ولم يكن التاريخ الإسلامي بمنأى عن هذه الظاهرة. فقد شهد هو الآخر سلسلة طويلة من المحاكمات الفكرية التي انتهت، في غير مرة، إلى الإقصاء أو القتل. ويكفي أن نستحضر أسماء مثل غيلان الدمشقي، والجعد بن درهم، والجهم بن صفوان، وابن المقفع، وأبي بكر الرازي، ثم في العصور اللاحقة الحسين بن منصور الحلاج، وعين القضاة الهمداني، وشهاب الدين السهروردي، لندرك أن ثمن الاختلاف الفكري كان، في أحيان كثيرة، الحياة نفسها.

ولا يعني ذلك أن جميع تلك الشخصيات كانت على رأي واحد، أو أن أفكارها كانت متشابهة؛ فالجامع بينها لم يكن مضمون آرائها، وإنما كونها اصطدمت بالنموذج المعرفي المهيمن في عصرها، فكان الرد عليها بالإقصاء بدل الحوار، وبإصدار الأحكام بدل مناقشة الأفكار. ومن هنا، أصبحت أوصاف مثل الزندقة والبدعة والضلال والإلحاد أدوات جاهزة في الجدل الديني، تماماً كما أصبحت ألفاظ من قبيل الروافض والنواصب والخوارج وغيرها جزءاً من قاموس الصراع المذهبي، لا بوصفها أوصافاً علمية، وإنما باعتبارها وسائل لنزع الشرعية عن الخصم وإخراجه من دائرة الاعتبار. إن الجامع بين هذه المصطلحات جميعاً ليس مدلولها التاريخي، وإنما الوظيفة التي أدتها؛ فقد كانت أدواتٍ لإقصاء المختلف، أكثر منها أدواتٍ لفهمه.

إعادة إنتاج الذهنية التكفيرية في العصر الحديث

قد يظن بعض الناس أن هذه الذهنية أصبحت جزءاً من الماضي، غير أن الواقع يشير إلى عكس ذلك. فما تغير هو الأسماء، أما البنية الفكرية فقد بقيت إلى حد بعيد على حالها. فالصراعات التي تشهدها الساحة الإسلامية اليوم بين الشيعة والسنة، أو بين السلفيين والأحناف، أو بين الحركات الإسلامية المختلفة، لا يمكن تفسيرها تفسيراً كاملاً من خلال الخلافات الفقهية أو السياسية وحدها؛ إذ تقف وراءها، في كثير من الأحيان، الرؤية نفسها التي تقسم العالم إلى معسكرين متقابلين: معسكر الحقيقة المطلقة، ومعسكر الباطل المطلق.

وعندما تُختزل العلاقة مع الآخر في هذا التصور الثنائي، يغدو الحوار فاقداً لمعناه؛ لأن الحوار يفترض إمكان الاستفادة من الآخر، بينما لا يرى البراديغم التكفيري في الآخر إلا خطراً ينبغي مقاومته أو القضاء عليه. ومن هنا تتحول المجادلات الفكرية إلى معارك هوية، وتصبح الغاية من النقاش ليست البحث عن الحقيقة، وإنما إثبات فساد الخصم وإسقاطه. ولهذا تكثر الاتهامات، ويقل الإصغاء، وتختفي الرغبة في الفهم المتبادل، لتحل محلها رغبة جامحة في الانتصار، مهما كان الثمن.

من الإقصاء الفكري إلى العنف

ولعل أخطر ما في البراديغم التكفيري أنه لا يقف عند حدود اللغة، بل يتجاوزها إلى تشكيل الوعي والسلوك. فالعنف لا يبدأ بالسلاح، وإنما يبدأ بالفكرة. إن أول خطوة في طريق العنف هي نزع الإنسانية عن الآخر؛ فعندما يُنظر إليه بوصفه ممثلاً للباطل، أو عدواً لله، أو خصماً للحقيقة، يصبح من السهل، نفسياً وأخلاقياً، تبرير الاعتداء عليه. وهكذا ينتقل الإنسان، خطوة بعد أخرى، من الاختلاف إلى الإدانة، ومن الإدانة إلى الإقصاء، ومن الإقصاء إلى استباحة الدم.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم كثير من الظواهر التي عرفها العالم الإسلامي خلال العقود الأخيرة، بما فيها العمليات الانتحارية وأشكال الإرهاب المختلفة. فهذه الظواهر ليست نتاجاً للعنف وحده، بل هي الثمرة الأخيرة لمسار فكري يبدأ بإلغاء حق الآخر في الاختلاف، وينتهي بإلغاء حقه في الحياة. ولهذا فإن مكافحة التطرف لا يمكن أن تقتصر على الوسائل الأمنية أو السياسية، لأنها تعالج النتائج أكثر مما تعالج الأسباب. أما العلاج الحقيقي فيبدأ بإعادة النظر في البراديغم الذي ينتج هذه الذهنية، واستبداله ببراديغم آخر يقوم على الاعتراف بالاختلاف بوصفه جزءاً من الطبيعة الإنسانية، لا تهديداً لها.

من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب

إذا أردنا أن نكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها مجتمعاتنا بين التعصب والعنف، فلا يكفي أن ندين مظاهر التطرف أو نستنكر نتائجها؛ إذ إن معالجة النتائج لا تغني عن معالجة الأسباب. وأول هذه الأسباب هو البراديغم الذي يحكم نظرتنا إلى المخالف، ويحدد اللغة التي نتعامل بها معه. ومن هنا، فإن الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب لا يمثل مجرد تغيير في الألفاظ، بل يعبر عن تحول عميق في طريقة التفكير وفي إدارة الاختلاف.

فالإنسان، بحكم طبيعته، قد يصيب وقد يخطئ، وقد يقترب من الحقيقة أو يبتعد عنها، لكن هذا لا يعني أن كل خطأ يتحول بالضرورة إلى كفر، ولا أن كل اختلاف في الفهم يخرج صاحبه من دائرة الإيمان. فالخطأ وصفٌ لفهمٍ بشري قابل للمراجعة والتصويب، أما الكفر فهو حكم ديني بالغ الخطورة، لا يجوز التوسع فيه ولا إسقاطه على كل مخالف في الرأي أو الاجتهاد. وحين يصبح الخلاف بين الناس خلافاً في الصواب والخطأ، يبقى باب المراجعة مفتوحاً، لأن الخطأ يمكن تصحيحه، والصواب يمكن البرهنة عليه. أما إذا تحول الخلاف إلى صراع بين الإيمان والكفر، فإن الحوار يفقد معناه؛ إذ لا يعود الهدف إقناع المخالف، بل إدانته وإقصاؤه.

ولهذا فإن استبدال هذا البراديغم بآخر جديد لا يعني التساهل مع الحقيقة أو إنكار وجودها، وإنما يعني الاعتراف بأن الوصول إليها يمر عبر الاجتهاد البشري، وأن الاجتهاد، مهما بلغ صاحبه من العلم، يبقى عرضة للصواب والخطأ. ومن شأن هذا التحول أن يهيئ بيئة تسمح باستمرار الحوار، وأن يمنح مختلف المكونات الفكرية والدينية فرصة لفهم بعضها بعضاً، بدلاً من أن يبقى كل فريق أسيراً لصورته المسبقة عن الآخر. ولا يقتصر أثر هذا التحول على العلاقات بين المذاهب الإسلامية، بل يمتد أيضاً إلى العلاقة بين المتدينين وغير المتدينين، وإلى كل صور الاختلاف الفكري داخل المجتمع.

هل كل غير مؤمن يُوصف بالكفر؟

ولعل من أبرز التطبيقات العملية لهذا التحول ما يتعلق بالنظر إلى من انتهى، بعد دراسة أو تأمل أو تجربة فكرية، إلى مواقف لا تنسجم مع الإيمان الديني التقليدي، سواء أكانت ربوبية، أم لاأدرية، أم إلحاداً. إن من الأنسب ـ في تقديري ـ أن يُنظر إلى هذه المواقف بوصفها اجتهادات فكرية قد تكون خاطئة، لا بوصفها كفراً بالمعنى العقدي الدقيق. ذلك أن الكفر، في معناه القرآني الأصيل، ليس مجرد عدم الإيمان، بل هو جحود الحقيقة بعد انكشافها، أي موقف يقوم على العلم ثم الرفض، لا على الجهل أو الحيرة أو عدم الاقتناع.

أما الإنسان الذي لم تتكشف له الحقيقة، أو ما زال يعيش أسئلة معرفية لم يجد لها جواباً يقنعه، فلا يصح مساواته بمن عرف الحقيقة ثم أنكرها عناداً واستكباراً. وهذا التمييز ليس ترفاً لغوياً، بل يترتب عليه فرق كبير في طريقة التعامل مع الإنسان المختلف، وفي الحكم على موقعه الأخلاقي والديني. فإذا كان البحث عن الحقيقة عملية إنسانية معقدة، تتداخل فيها المعرفة والتجربة والظروف النفسية والثقافية، فإن التسرع في إصدار الأحكام النهائية على الناس لا ينسجم مع روح العدل التي قامت عليها الرسالات السماوية.

الرؤية العرفانية وتجليات الأسماء الإلهية

ومن أعمق المحاولات التي سعت إلى تفسير هذا الجانب من التجربة الإنسانية ما نجده في التراث العرفاني الإسلامي. فقد رأى كبار العرفاء أن أسماء الله الحسنى ليست مجرد ألفاظ تدل على الذات الإلهية، بل هي وجوه يتجلى الله بها لعباده، وأن الإنسان لا يتلقى جميع هذه التجليات على السواء، وإنما يتجلى الله لكل إنسان باسم أو بأسماء معينة، وفق حكمة إلهية لا يحيط البشر بأسرارها.

ولهذا قيل إن من الناس من يتجلى الله له باسم الجبار، فتغلب عليه المهابة والخشية، ومنهم من يتجلى له باسم الرحمن، فيمتلئ قلبه بالمحبة والأنس والرجاء. ومن بين الأسماء التي أولى لها العرفاء أهمية خاصة اسما الظاهر والباطن، لما ينطويان عليه من دلالة عميقة في فهم العلاقة بين الإنسان والحقيقة الإلهية. فالظاهر هو الذي لا شيء أظهر منه، ولذلك يرى من يتجلى الله له بهذا الاسم آثار الحضور الإلهي في كل شيء، ويقرأ الكون كله بوصفه دليلاً على خالقه. ولعل هذا هو المعنى الذي عبر عنه الشاعر بقوله:

وفي كل شيءٍ له آيةٌ

تدل على أنه واحدُ

كما ينسجم مع ما نُقل عن بعض العارفين من قولهم: ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله. فالمقصود هنا ليس الرؤية البصرية، وإنما انكشاف الحضور الإلهي في الوعي انكشافاً يجعل الإنسان يرى الأشياء من خلال علاقتها بالله، لا بوصفها موجودات مستقلة عنه.

بين "الظاهر" و"الباطن": قراءة عرفانية في تجربة الإيمان والشك

غير أن التراث العرفاني الإسلامي لا يقف عند حدود القول بتعدد التجليات الإلهية، بل يمضي إلى أبعد من ذلك، حين يجعل من اسمي "الظاهر"و "الباطن" مفتاحاً لفهم اختلاف التجارب الدينية بين البشر. فالظاهر، في اصطلاح العرفاء، لا يعني مجرد ما يقع تحت الحس، وإنما يدل على أن الله سبحانه هو أظهر من كل ظاهر، وأن وجوده أوضح من كل موجود. ومن يتجلى الله له بهذا الاسم لا يحتاج إلى براهين كثيرة لإثبات وجوده؛ إذ يجد آثار الحضور الإلهي في كل ما يحيط به، ويقرأ الكون كله بوصفه آية مفتوحة تشير إلى خالقه.

أما اسم "الباطن" فلا يعني أن الله غائب عن الوجود، بل إن ظهوره يبلغ من الشدة حداً يعجز معه الإدراك الإنساني عن الإحاطة به. وكما أن العين تعجز عن النظر إلى الشمس إذا اشتد نورها، فإن العقل قد يعجز أحياناً عن إدراك الحقيقة لا لخفائها، بل لشدة ظهورها. ومن هنا قال بعض أهل المعرفة إن الظهور المطلق قد ينقلب إلى بطون، لا لأن الحقيقة قد غابت، بل لأن قدرة الإنسان على إدراكها بلغت حدودها.

وبهذا المعنى، لا يكون الظاهر والباطن حقيقتين متقابلتين، وإنما وجهين لحقيقة واحدة، تختلف صورة تلقيها باختلاف استعداد المتلقي وحدود إدراكه. ومن ثم، فإن اختلاف الناس في تجربتهم الدينية لا يرجع دائماً إلى اختلاف في الإرادة الأخلاقية، ولا إلى تعمد قبول الحقيقة أو رفضها، بل قد يرتبط أحياناً بطريقة تجلي الحقيقة نفسها في وعي الإنسان.

غياب الله بين العرفان واللاهوت المعاصر

وعلى هذا الأساس، يرى بعض العرفاء أن الإنسان الذي يتجلى الله له باسم "الباطن" قد يعيش تجربة وجودية يشعر فيها بأن الله غائب، وأن الكون لا يقدم له ما يكفي من الشواهد التي تقوده إلى اليقين. وليس معنى ذلك أن الله قد غاب في الحقيقة، وإنما إنساناً بعينه أصبح عاجزاً عن إدراك حضوره. وهذه الفكرة تلتقي، من زاوية معينة، مع ما أصبح يعرف في الفلسفة واللاهوت المعاصرين بمشكلة غياب الله (Divine Hiddenness)، وهي من أكثر القضايا حضوراً في فلسفة الدين الحديثة. غير أن الفرق بين الرؤيتين يتمثل في أن اللاهوت العرفاني لا ينظر إلى غياب الله بوصفه دليلاً على عدم وجوده، وإنما يفسره بوصفه وجهاً من وجوه التجلي الإلهي، يخضع لحكمة لا يحيط بها الإنسان.

ومن ثم، فإن من يعيش هذه التجربة لا يُنظر إليه بوصفه متمرداً على الحقيقة، وإنما بوصفه إنساناً يمر بمرحلة مخصوصة من مراحل المعرفة الروحية. وهذا الفهم يفتح باباً جديداً في النظر إلى من انتهى، بعد رحلة فكرية صادقة، إلى اللاأدرية أو الإلحاد؛ إذ لا يُبادر إلى اتهامه بالكفر، ولا يُفترض فيه العناد أو الجحود، بل يُنظر إلى حالته باعتبارها تجربة معرفية معقدة، لا يملك أحد أن يحكم على باطنها. وبهذا المعنى، فإن الخطأ ـ إن وجد ـ لا يرقى بالضرورة إلى الكفر، لأن الكفر، في معناه القرآني، يفترض قيام الحجة وانكشاف الحقيقة، ثم الإعراض عنها عن علم وقصد، لا مجرد العجز عن بلوغ اليقين.

لاهوت الوصال وإعادة فهم الوحي

ومن أكثر القضايا التي أسيء فهمها في تاريخ الفكر الإسلامي تلك المتعلقة بحقيقة الوحي وكيفية تحققه. وقد أدى تجاهل الخلفيات الفلسفية والعرفانية لهذه القضية إلى صدور أحكام متسرعة على عدد من المفكرين والمتصوفة، واتُّهم بعضهم بسببها بالزندقة أو الكفر، في حين أن أفكارهم لا تُفهم إلا داخل منظومة لاهوتية مختلفة. ويمكن أن نطلق على هذه المنظومة اسم "لاهوت الوصال".

ويقوم هذا اللاهوت على تصور يرى أن العلاقة بين الله والعالم ليست علاقة انفصال مطلق، بل علاقة حضور دائم؛ فالله ليس موجوداً في جهة، والعالم في جهة أخرى، وإنما هو سبحانه ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، و﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾. وفي ضوء هذا الفهم، يغدو كلام الأنبياء ـ مع كونه كلامهم حقيقة ـ مظهراً للكلام الإلهي في الوقت نفسه، دون أن يؤدي ذلك إلى إلغاء إنسانيتهم أو نفي دورهم. ومن أبلغ ما يجسد هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾. فالآية تثبت الفعل للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم تنفيه عنه، ثم تثبته لله سبحانه، لا على سبيل التناقض، وإنما على سبيل الكشف عن مستويين مختلفين من الحقيقة. فالفاعل هو محمد ﷺ، والفاعل هو الله أيضاً؛ لأن الفعل الإنساني، في هذا المستوى من الفهم، لا يستقل عن الفعل الإلهي، بل يتحقق في ظله وبه.

ومن هذا المنطلق، قال بعض العارفين: إن ما ينطق به الأنبياء هو كلامهم من جهة، وكلام الله من جهة أخرى؛ إذ لا تعارض بين المستويين إذا فُهمت العلاقة بين الخالق والمخلوق في إطار الوصال، لا في إطار الانفصال الميتافيزيقي الصارم. ومن هنا تتضح كثير من العبارات التي عُدّت، عبر التاريخ، شطحاتٍ أو خروجاً على العقيدة، بينما كانت ـ في حقيقتها ـ تعبيراً عن لغة عرفانية ذات منطق خاص، لا تُفهم إلا داخل منظومتها المعرفية.

خاتمة: نحو أخلاق جديدة للاختلاف

إن الدعوة إلى الانتقال من ثنائية الإيمان والكفر إلى ثنائية الخطأ والصواب ليست دعوة إلى النسبية المعرفية، ولا إلى إنكار وجود الحقيقة، ولا إلى التسوية بين جميع الآراء والمعتقدات، كما قد يتوهم بعضهم. فالحقيقة، في المنظور الديني، تبقى حقيقة، والخطأ يبقى خطأ، غير أن الفرق الجوهري يكمن في طبيعة الحكم الذي نصدره على الإنسان. فالخطأ يتعلق بالفعل الإنساني وبالاجتهاد البشري، وهو بطبيعته قابل للمراجعة والتصويب، أما الكفر فهو حكم يتعلق بمصير الإنسان أمام الله، ولا يملك أحد أن يتوسع فيه أو يجعله أداةً لإدارة الخلافات الفكرية. وهنا يكمن الفرق بين منطقين متباينين: منطق يجعل الاختلاف مدخلاً إلى الحوار، ومنطق يجعله مبرراً للإقصاء.

لقد علمتنا التجربة التاريخية أن الحضارات لا تنهض عندما يعتقد كل فريق أنه وحده يحتكر الحقيقة، وإنما تنهض حين تعترف بإمكان الخطأ في الفهم البشري، وتفسح المجال للنقد والمراجعة وتبادل الخبرات. أما المجتمعات التي تجعل التكفير بديلاً عن البرهان، والإقصاء بديلاً عن الحوار، فإنها لا تلبث أن تدخل في دوائر مغلقة من الانقسام والعنف، تنتهي إلى استنزاف طاقاتها وإهدار إمكاناتها الحضارية. ولذلك فإن تجاوز أدبيات التكفير لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد إصلاح لغوي، بل هو تحول في الوعي الحضاري؛ انتقال من ثقافة ترى الإنسان من خلال انتمائه إلى معسكر الإيمان أو الكفر، إلى ثقافة تنظر إليه باعتباره كائناً باحثاً عن الحقيقة، قد يصيب وقد يخطئ، لكنه يظل جديراً بالاحترام ما دام بحثه صادقاً، وحواره قائماً على النزاهة الفكرية. ومن هنا، فإن الاعتراف بإمكان الخطأ لا يضعف اليقين، بل يحميه من التحول إلى تعصب؛ لأن اليقين الذي يخشى الحوار ليس يقيناً، وإنما هو خوفٌ من المراجعة. أما الحقيقة فلا تخشى النقاش، بل تزداد وضوحاً كلما عُرضت على محك العقل والبرهان.

إن المجتمعات الإسلامية اليوم ليست بحاجة إلى مزيد من المعارك حول من يدخل في دائرة الإيمان ومن يخرج منها، بقدر حاجتها إلى بناء ثقافة جديدة للاختلاف، يكون أساسها الاعتراف بكرامة الإنسان، واحترام حرية الضمير، والتمييز بين نقد الأفكار والحكم على أصحابها، وبين مناقشة الاجتهادات والتصرف في مصائر الناس. فإذا كان الماضي قد ورّثنا لغةً صاغتها ظروف تاريخية مختلفة، فإن مسؤولية الحاضر تقتضي أن نعيد النظر في تلك اللغة، وأن نميز بين ما كان استجابةً لواقع تاريخي معين، وما يصلح أن يكون أساساً لبناء مجتمع معاصر يقوم على التعددية والحوار والتعايش.

إن البراديغم الذي يقوم على ثنائية الإيمان والكفر قد أدى، عبر التاريخ، إلى إنتاج لغة الإقصاء، ثم إلى إنتاج ثقافة الصراع، ثم إلى تبرير العنف. أما البراديغم الذي يقوم على ثنائية الخطأ والصواب، فإنه يفتح الباب أمام النقد المتبادل دون أن يهدم الجسور بين المختلفين، ويجعل من الحوار وسيلةً للبحث عن الحقيقة، لا ساحةً لإلغاء الآخر. ومن هنا، فإن تجاوز أدبيات التكفير ليس ترفاً فكرياً، ولا مجرد اقتراحٍ لتحسين لغة الخطاب الديني، بل هو أحد الشروط الأساسية للانتقال من مجتمعٍ تحكمه العصبيات المغلقة إلى مجتمعٍ تتسع فيه دائرة الاعتراف المتبادل، ويصبح فيه الاختلاف مصدرَ إثراء، لا سبباً للعداء.

إن الأمم لا تدخل عصرها الحضاري حين يختفي الاختلاف من بينها، فذلك أمرٌ لم يقع ولن يقع، وإنما تدخله حين تتعلم كيف تُدير اختلافها من غير أن تحوله إلى خصومة وجودية. وعندئذ فقط يغدو الحوار بديلاً عن التكفير، والنقد بديلاً عن الإقصاء، والبحث المشترك عن الحقيقة بديلاً عن ادعاء امتلاكها. فالحضارة لا تُبنى بالتكفير، وإنما تُبنى بالعقل، والحوار، والاعتراف بحدود الفهم الإنساني، والإيمان بأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد أو جماعة.

اختيارات المحرر

  • لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه
    خاص

    لغز اغتيال خليل الرحمن حقاني… من صفقة تبادل ضخمة إلى اغتيال غامض داخل مكتبه

  • بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"
    خاص

    بعد 24 عاماً.. القاعدة تعود إلى الواجهة بـ"الاستراتيجية التعبوية"

  • رواية الضحايا عن سوط طالبان
    الذكرى الرابعة لسيطرة طالبان على أفغانستان

    رواية الضحايا عن سوط طالبان

  • دروس من الفشل في أفغانستان .. من التسعينيات إلى الاستبداد الطالباني
    الذكرى الرابعة لسيطرة طالبان على أفغانستان

    دروس من الفشل في أفغانستان .. من التسعينيات إلى الاستبداد الطالباني

  • حلفاؤنا خدعونا وسلّموا البلاد لطالبان .. نائب الرئيس الأفغاني يروي القصة
    الذكرى الرابعة لسيطرة طالبان على أفغانستان

    حلفاؤنا خدعونا وسلّموا البلاد لطالبان .. نائب الرئيس الأفغاني يروي القصة

•
•
•

المقالات ذات الصلة

اضطرابات أفغانستان وعدم استقرارها يتكرران في باكستان

16 يوليو 2026، 09:00 غرينتش+1
•
فردوس کاوش
100%

قدم زعيم حزب جمعية علماء الإسلام الباكستاني، مولانا فضل الرحمن، الذي يشكل حزبه جزءاً من ائتلاف معارض للحكومة، صورة مقلقة عن الوضع الأمني في البلاد، خلال خطاب ألقاه أمام أنصاره في مدينة "قصور" بإقليم البنجاب.

وقال إن مساحات واسعة من إقليمي خيبر بختونخوا وبلوشستان خرجت عن سيطرة الحكومة، وإن الشرطة لا تغادر مراكزها بعد غروب الشمس في مناطق كثيرة من الإقليمين، إذ يتجول المسلحون في المنطقة ليلاً، فيما تنتشر الشرطة نهاراً.
وقال إن الحكومة تسعى إلى تشكيل قوات شبه عسكرية محلية. وعارض فضل الرحمن هذه الخطة، محذراً من أن مثل هذه الخطوة ستنقل العداوات المحلية إلى الأجيال المقبلة.
لا شك أن تصريحات فضل الرحمن لا تخلو من المبالغة، إذ يستخدم السياسيون لغة عاطفية لكسب تأييد أنصارهم وزيادة الضغط على خصومهم. ومع ذلك، يتطابق جزء مهم من تصريحاته مع الواقع الأمني في خيبر بختونخوا وبلوشستان، كما تقدم تقارير وسائل الإعلام الباكستانية الصورة نفسها.
بعد تصاعد هجمات حركة طالبان باكستان والانفصاليين البلوش، توجه رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير إلى مدينة "كويته" في إقليم بلوشستان، في محاولة لإظهار أن زمام المبادرة لا يزال في يد الحكومة. لكن بالتزامن مع اجتماع المسؤولين العسكريين والسياسيين في المدينة، توجه عدد من شيوخ القبائل في إحدى المناطق المحيطة بكويته إلى منطقة جبلية للقاء قائد محلي في حركة طالبان باكستان، والتوسط من أجل إطلاق سراح عدد من الرهائن.
ونتيجة لهذه الوساطة، أطلق مسلحون تابعون لحركة طالبان باكستان سراح عدد من الرهائن الذين قيل إنهم من أفراد شرطة بلوشستان. كما نشرت الحركة مقطعاً مصوراً يظهر عملية إطلاق سراح الرهائن وحضور شيوخ القبائل. ويكشف هذا الحدث أن أجزاء من بلوشستان خرجت عملياً عن سيطرة الحكومة، وأن الدولة مضطرة إلى الاعتماد على وساطة الزعماء المحليين لحل بعض الأزمات الأمنية.
وفي الوقت نفسه، يهاجم الانفصاليون البلوش أهدافاً حكومية في المناطق ذات الأغلبية البشتونية في بلوشستان، بينما تنفذ حركة طالبان باكستان عمليات في المناطق ذات الأغلبية البلوشية. ويشير هذا التقسيم الجغرافي للعمليات إلى وجود تنسيق عملياتي وإعلامي بين حركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان.
ولا يختلف الوضع كثيراً في جنوب خيبر بختونخوا. فالمناطق التي كانت في السابق أبرز معاقل نفوذ فضل الرحمن وحزبه السياسي، تحولت الآن إلى ساحة لنشاط حركة طالبان باكستان، التي بايعت زعيم حركة طالبان في أفغانستان ووسعت نفوذها في هذه المناطق.
جاء تصاعد هجمات المسلحين بعد بدء الجيش الباكستاني عمليات قصف عبر الحدود منذ فبراير الماضي. وكانت هذه الهجمات تهدف إلى تدمير القواعد الحدودية لحركة طالبان باكستان وإجبار حركة طالبان على تحمل كلفة دعمها للحركة الباكستانية، ودفعها إلى وقف هذا الدعم. لكن الأدلة تشير إلى أن هذه الاستراتيجية لم تحقق النتائج المرجوة، إذ لا يزال التمرد مستمراً، وما زالت الآلة القتالية لحركة طالبان باكستان قادرة على تنفيذ العمليات، رغم الخسائر التي تكبدتها.
يعد قطع ارتباط المناطق النائية بالمدن الكبرى وإخراج المؤسسات الحكومية والمدنية والإغاثية منها من أشهر تكتيكات حرب العصابات. وقد استخدمت هذه الطريقة سابقاً في أفغانستان، وكانت جزءاً من استراتيجية الاستنزاف المعروفة باسم "الموت بألف جرح"، التي تهدف إلى إضعاف سلطة الدولة تدريجياً.
يشبه ما يجري اليوم في جنوب خيبر بختونخوا وأجزاء من بلوشستان إلى حد كبير الوضع الذي شهده جنوب أفغانستان بين عامي 2005 و2007. ففي الحالتين، عمد المسلحون، قبل السيطرة على الأراضي، إلى استنزاف نفوذ الدولة تدريجياً وإزالة وجودها من المناطق المحيطة.
وأدى اتساع نطاق التمرد جغرافياً، وازدياد تعقيد التكتيكات، وتعزيز التنسيق بين الجماعات المسلحة، إلى دفع مولانا فضل الرحمن إلى توجيه انتقادات علنية للجيش الباكستاني، والحديث عن تراجع سيادة الدولة.
وتعيد تصريحاته إلى الأذهان تحذيرات النواب عن ولايات هلمند وقندهار وزابل خلال الدورة الأولى للبرلمان الأفغاني في عامي 2006 و2007. فقد حذروا من اتساع نفوذ حركة طالبان في المديريات والقرى، وطالبوا بشن عمليات واسعة للقوات الأفغانية وحلف شمال الأطلسي لإعادة فرض سلطة الدولة.
ومع ذلك، لا يظهر الجيش الباكستاني حالياً أي استعداد لشن عملية برية واسعة في جنوب خيبر بختونخوا وبلوشستان، ويعتمد بصورة أكبر على الضربات الجوية وعمليات القوات الخاصة. وقد تكون لهذا القرار أسباب مختلفة.
ربما لا تملك الحكومة الباكستانية القدرة المالية اللازمة للإبقاء على أعداد كبيرة من القوات البرية في تلك المناطق. وهناك احتمال آخر يتمثل في أن الانتشار الواسع لقوات الجيش سيزيد عدد الأهداف المتاحة أمام حركة طالبان باكستان. كما أظهرت الهجمات الأخيرة أن الحركة تحظى بتعاون من جانب شرائح من المجتمعات المحلية.
لكن العامل الأهم هو غياب الدعم السياسي لعملية عسكرية واسعة، وهو دعم لا يتوافر حالياً لعاصم منير. فإقليم خيبر بختونخوا يخضع لسيطرة حزب حركة الإنصاف، ولا يزال عمران خان، رغم وجوده في السجن، الشخصية السياسية الأكثر شعبية في الإقليم. وتعارض حكومة الإقليم وحزبه تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في المناطق الجنوبية، وترى أن الحل يكمن في التفاوض مع حركة طالبان باكستان. ويختلف هذا الموقف جذرياً عن سياسة عاصم منير، الذي يركز على ممارسة الضغط العسكري على حركة طالبان باكستان وزيادة الكلفة على حركة طالبان في أفغانستان.
تحتاج أي عملية لمكافحة التمرد إلى دعم سياسي واجتماعي، لا سيما عندما تنفذ في مناطق ذات أغلبية بشتونية. غير أن الحزب الذي يحظى اليوم بأكبر قدر من دعم "البشتون" في باكستان لا يؤيد مثل هذه العمليات. ولهذا السبب، امتنعت الحكومة المركزية أيضاً عن محاولة إقالة حكومة إقليم خيبر بختونخوا.
وانتقد رئيس وزراء الإقليم، سهيل أفريدي، عمليات الجيش مراراً. ويشبه موقفه إلى حد ما معارضة الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزي لعمليات حلف شمال الأطلسي في أفغانستان بعد عام 2009.
ويحظى عمران خان بما يسميه البشتون "التفويض الشعبي"، لكنه ليس مستعداً لإنفاق رصيده السياسي في دعم عمليات الجيش. بل يوظف هذا الرصيد في مواجهة الجيش، وتحسين وضعه داخل السجن، والحفاظ على مكانة حزب حركة الإنصاف في السياسة الباكستانية. وقد أتاح هذا الانقسام السياسي مساحة أوسع لنشاط حركة طالبان باكستان.
كما أن مولانا فضل الرحمن غير راض عن الوضع الراهن. فقد ظلت مناطق جنوب خيبر بختونخوا، من "ديره إسماعيل خان" إلى "تانك" و"لكي مروت" و"بنو" وأجزاء من "ملكند"، لسنوات من أبرز معاقل حزب جمعية علماء الإسلام. لكن نفوذه السياسي تراجع بشدة بعد انتخابات عام 2024 لأسباب عدة، وتحولت هذه المناطق إلى ساحة لنشاط حركة طالبان باكستان. وفي الوقت نفسه، لم يعد نفوذه المعنوي على حركة طالبان في أفغانستان مماثلاً لما كان عليه في تسعينات القرن الماضي.
ولا يملك الجيش حليفاً موثوقاً به بين التيارات البشتونية الأخرى. إذ تتبنى حركة "منظور بشتين" مواقف متشددة، وتفصلها مسافة كبيرة عن الجيش. أما حزب "عوامي" الوطني، بقيادة "أيمل ولي خان"، فلم يعد يمتلك قدرته السابقة على الحشد، رغم عدائه القديم لحركة طالبان. وقد اتهم "أيمل ولي خان" مراراً حزب حركة الإنصاف وحركة طالبان باكستان وحركة "منظور بشتين" بتبني أجندة مشتركة، لكن تراجع نفوذ حزبه السياسي جعل هذه التحذيرات محدودة التأثير في حسابات الجيش.
وبناء على ذلك، لا يملك عاصم منير، بين القوى السياسية البشتونية، حليفاً ذا نفوذ يستطيع توفير الغطاء السياسي لعملية واسعة في جنوب خيبر بختونخوا. ويذكر هذا الوضع إلى حد ما بالسنوات الأولى من تأسيس باكستان، حين كان خان عبد الغفار خان يحظى بدعم واسع بين "البشتون"، لكنه كان في مواجهة مع الحكومة المركزية.
ويحتل عمران خان اليوم، من حيث حجم النفوذ بين "البشتون"، مكانة مشابهة لمكانة عبد الغفار خان. كما أن الجيش الباكستاني لم يتمكن حتى الآن من إيجاد بديل يتمتع بالمستوى نفسه من الشعبية. ولا يقتصر خلافه مع عمران خان على التنافس السياسي، بل يعود إلى رؤيتين مختلفتين بشأن احتواء التمرد على الحدود الغربية. إذ يفضل عمران خان التفاوض وتقديم تنازلات مقابل وقف إطلاق النار، بينما يشدد عاصم منير على الحل العسكري. وتظهر مواقف مولانا فضل الرحمن الأخيرة، بما فيها مطالبته بالإفراج عن عمران خان، أنه أصبح أقرب من السابق إلى خيار التفاوض.
يوضح هذا الوضع أن الجيش الباكستاني يواجه على حدوده الغربية مأزقاً عسكرياً وآخر سياسياً. كما أن حركة طالبان ليست مستعدة لتفضيل علاقاتها مع إسلام آباد على دعمها لحركة طالبان باكستان. وأظهرت تجربة السنوات القليلة الماضية أن حركة طالبان في أفغانستان وحركة طالبان باكستان، رغم اختلافهما التنظيمي، ليستا منفصلتين عملياً. وعلى الجانب الآخر من الحدود، لا تجد باكستان قوة بشتونية تتمتع بقاعدة اجتماعية واسعة وتكون مستعدة في الوقت نفسه للتعاون علناً مع إسلام آباد.
ويثير هذا الوضع سؤالاً أساسياً: هل تواجه باكستان أزمة أعمق من مجرد التمرد المسلح، وهل ما يحدث اليوم هو في الحقيقة انعكاس لـ"القضية البشتونية" في شكلها الجديد؟
ويطرح سؤال آخر بشأن قدرة إسلام آباد على إيجاد نفوذ جديد بالاعتماد على شخصيات محلية نافذة في شرق أفغانستان وجنوبها، لا ترتبط بحركة طالبان ولا بالتيارات القومية، أم أن هذه الفكرة ليست سوى جزء من الحرب الدعائية أكثر مما تعكس واقعاً ميدانياً؟ كما يعكس البيان الأخير الصادر عن "لجنة التضامن البلوشية"، بقيادة "ماهرنغ بلوش"، هذا القلق من زاوية أخرى.
ولا يزال من غير الواضح أيضاً ما إذا كانت معارضة مولانا فضل الرحمن لتشكيل قوات شبه عسكرية محلية مجرد موقف سياسي، أم أنها مؤشر على وجود خلاف بشأن استراتيجية الجيش الجديدة لمواجهة التمرد. ومن جهة أخرى، يطرح سؤال عما إذا كانت إسلام آباد، في حال استمرار الضغط على باكستان، ستتجه إلى تقديم دعم علني للجماعات المعارضة لحركة طالبان، بما فيها جبهة المقاومة وجبهة الحرية وحركة أفغانستان الخضراء.
لا تزال الإجابة عن هذه الأسئلة غير واضحة. لكن المؤكد أن الأزمة على الحدود الغربية لباكستان لم تعد مجرد تحد أمني، بل تحولت إلى معضلة سياسية واجتماعية وإقليمية لا يبدو أن هناك حلاً بسيطاً لها.

استراتيجية باكستان الجديدة في أفغانستان.. تغيير سياسة طالبان أم قيادتها أم نظامها؟

14 يوليو 2026، 04:00 غرينتش+1
100%

بعد تدهور علاقات حركة طالبان مع باكستان، وتقاربها غير المسبوق مع الهند، وهجومها بطائرة مسيرة في عمق الأراضي الباكستانية، واستمرار الهجمات الدامية التي يشنها مسلحون في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا،

غرب باكستان، وفشل المحادثات الإقليمية، تسعى إسلام آباد بقوة إلى تغيير الأوضاع الراهنة في أفغانستان.
وبات تحمّل الوضع القائم مستحيلاً بالنسبة إلى باكستان، التي تبدو أكثر عرضة من أي وقت مضى لهجمات المسلحين، بعدما تحولوا، مستفيدين من حواضنهم الاجتماعية والسياسية والأمنية، إلى قوة يصعب احتواؤها. ولم تسهم عمليات الجيش الباكستاني، مثل عمليتي "عزم الاستحكام" و"غضب للحق"، في خفض هذه التهديدات، بل جعلت الهجمات أكثر تعقيداً واتساعاً ودموية.
وأصبحت بلوشستان اليوم بؤرة للأزمة والصراع، فيما اتسع نطاق نشاط المسلحين البلوش وحركة طالبان باكستان. وفي المقابل، تصاعدت أنشطة تنظيم داعش، وكان مقتل لاعبين مسيحيين في رياضة الكريكيت أحد الأمثلة على ذلك. كما اتسع نطاق هجمات هذه الجماعات وأهدافها، وظهر في بعض المناطق تنسيق عملياتي بينها. ونتيجة لهذه التطورات، تراجع نفوذ إسلام آباد في خيبر بختونخوا، وضعفت سيطرة أجهزة إنفاذ القانون بصورة حادة.

جذور الأزمة: ظل الهند و"خيانة" رفاق الأمس
ترى باكستان أن التدهور الراهن ناجم بصورة مباشرة عن سيطرة حركة طالبان على أفغانستان. ويعتقد المسؤولون في إسلام آباد أن الحركة لا تريد، من جهة، التخلي عن دعم رفاقها السابقين الذين سبق أن تعاونوا معها واستضافوها وساندوها، فيما تستغل الهند، من جهة أخرى، هذا الوضع لتعميق الأزمة.
وتسعى الهند إلى الانتقام من باكستان بعد المواجهات الجوية التي شهدتها الأعوام الماضية، والتي أطلقت خلالها إسلام آباد حملة دعائية واسعة بعد إسقاط مقاتلات "رافال" الفرنسية التابعة للهند، وقدمت نفسها منتصرة في المواجهة، وعززت مكانتها إقليمياً ودولياً. وظل المسؤولون الباكستانيون فترة طويلة يتحدثون عن ذلك الحدث بوصفه انتصاراً كبيراً، لكن نيودلهي لا تتقبل هذه الرواية، وهي مستعدة لاستخدام أي وسيلة ودفع أي ثمن لتغيير موازين القوى.
ولأن الحرب المباشرة ليست الخيار المفضل، أثبتت الحرب غير المباشرة، أو بالوكالة، فاعليتها بالنسبة إلى نيودلهي. وفي هذه الأثناء، تمثل حركة طالبان الأداة الوحيدة التي تخوض حالياً مواجهة جدية مع باكستان. وتتحمل الهند جزءاً من تكلفة صراعها مع باكستان من خلال حركة طالبان، وهي استراتيجية منخفضة التكلفة وقليلة المتاعب بالنسبة إلى نيودلهي، لكنها شديدة الخطورة على إسلام آباد.
ولا شك في أن باكستان تسعى إلى تغيير هذا الوضع. وخلال زيارتهما الأخيرة إلى بلوشستان، أكد رئيس الوزراء وقائد الجيش الباكستاني التزامهما باحتواء الإرهاب والقضاء على ملاذاته، وتوصلا إلى قناعة حاسمة بأن تغيير الأوضاع الأمنية في باكستان لن يكون ممكناً من دون تغيير الوضع السياسي في أفغانستان.
لكن السؤال الرئيسي هو: هل تستطيع باكستان إحداث هذا التغيير؟ وما نوع التغيير الذي تريده إسلام آباد أساساً؟

أدوات النفوذ الباكستانية وتحدي أفغانستان الخاضعة لسلطة واحدة
أثبتت باكستان، منذ سبعينيات القرن الماضي، قدرتها مراراً على تغيير الأوضاع السياسية في أفغانستان. وأدت إسلام آباد دوراً مباشراً في إسقاط ثلاثة أنظمة سياسية على الأقل، هي حكم الرئيس محمد نجيب الله، وحكومة المجاهدين الإسلامية، والحكومة السابقة المدعومة من الغرب.
ويمتلك جهاز الاستخبارات الباكستاني معرفة لا مثيل لها بالعلاقات والتيارات والشخصيات السياسية الأفغانية، ويستطيع تحليل الأوضاع واستقطاب الشخصيات النافذة بكفاءة. وحتى الآن، لا تزال باكستان تتمتع بنفوذ كبير داخل حركة طالبان، وترتبط بعلاقات وثيقة مع طيف واسع من قياداتها.
لكن نتيجة حسابات باكستان الخاطئة في الماضي، خضعت أفغانستان، للمرة الأولى خلال خمسة عقود، بصورة كاملة لسيطرة جماعة واحدة. وأُقصيت جميع التيارات والجماعات المنافسة والنافذة من المشهد، وأصبحت أراضي أفغانستان بأكملها، من واخان في بدخشان إلى أقصى مناطق نيمروز وفراه، تحت سيطرة حركة طالبان.
وخلال الأعوام الخمسة الماضية، لم تظهر أي جماعة مقاومة قوية قادرة على تحدي سلطة طالبان. وأقامت الحركة سلطة موحدة تدير البلاد وفق برنامجها وأيديولوجيتها. وكانت باكستان في السابق قادرة على استخدام جماعة في مواجهة أخرى، لكنها فقدت هذه الورقة الرابحة حالياً. ومع ذلك، إذا امتلكت باكستان إرادة حاسمة لإحداث تغيير، فإن لديها الأدوات اللازمة لفرض خططها.

فراغ السلطة وأزمة شرعية طالبان
لا تزال حركة طالبان، بعد خمسة أعوام من سيطرتها على الحكم، تعاني أزمة شرعية عميقة. فلا تحظى بقبول التيارات النافذة والمكونات العرقية داخل البلاد، ولا تحظى باعتراف دولي. كما أبعدت الإجراءات المتشددة التي تتخذها قيادة الحركة إمكان الاعتراف بها أكثر من أي وقت مضى.
ولا تتعامل بعض الدول حالياً مع حركة طالبان عن قناعة، بل بدافع الضرورة والمخاوف الأمنية. وحتى دولة مثل روسيا أدركت خطأ حساباتها، ولم تعد أي دولة تجرؤ حالياً على الاعتراف بطالبان. وتظهر القرارات التقليدية السابقة للعصر الحديث التي تتخذها قيادة الحركة، مثل بعض القيود التقنية، أنها غير مؤهلة لإدارة هيكل حكومي حديث.
ويجعل هذا الفراغ القانوني والتشريعي حركة طالبان شديدة الهشاشة، إذ لا يمكن لأي سلطة الاستمرار في فراغ سياسي. وتمثل أزمة الشرعية الداخلية والدولية فرصة ذهبية أمام باكستان لاستغلال هذا الفراغ في تحقيق أهدافها.

انهيار الإجماع الإقليمي
لم تكن دول المنطقة في السابق تؤيد اندلاع حرب جديدة أو تفشي حالة جديدة من انعدام الأمن في أفغانستان، كما لم تكن مستعدة لتوفير الملاذ أو السلاح للجماعات المناهضة لطالبان، إذ كان التركيز الإقليمي منصباً على الحفاظ على النظام القائم. لكن يبدو أن هذا الإجماع الإقليمي قد انهار، بعدما تصاعد قلق الدول من أنشطة المسلحين والجماعات المعارضة لها داخل الأراضي الأفغانية.
ولا يوجد اليوم أي بلد مجاور لأفغانستان من دون سياسة واضحة أو شعور بالقلق. ولا تقتصر هذه المخاوف على باكستان، إذ تواجه إيران، أكثر من أي دولة أخرى، هواجس أمنية مصدرها أفغانستان. وأصبحت جماعة "جيش العدل" أكثر نشاطاً وقوة مستفيدة من حاضنتها الداعمة في أفغانستان، كما بات خطر تسلل تنظيم داعش إلى الأراضي الإيرانية جدياً.
وتخشى الصين أنشطة الأويغور، ولا سيما الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية، ولا تخفي هذه المخاوف. وسبق أن تضررت روسيا من هجمات داعش خراسان، فيما لا تنعم دول آسيا الوسطى بالطمأنينة. وتعيش طاجيكستان وأوزبكستان حالة قلق مستمرة، وتشهد الجهود المتزايدة التي تبذلانها لتعزيز حدودهما على ذلك.
وعلى نطاق أوسع، نجحت باكستان في إقناع دول المنطقة بأن أفغانستان الخاضعة لسيطرة حركة طالبان تمثل تهديداً مشتركاً. وتتمتع إسلام آباد بعلاقات تحالف استراتيجية مع دول نافذة، مثل الصين وتركيا والسعودية، التي تنسق سياساتها تجاه أفغانستان مع باكستان، ما يتيح لإسلام آباد التأثير في توجيه برامجها.
كما تعزز الاتفاقيات الدفاعية التي أبرمتها باكستان مع دول، من بينها السعودية وتركيا، موقف إسلام آباد.
التقارب مع الغرب واستراتيجية واشنطن
اقتربت باكستان مجدداً من الولايات المتحدة والغرب، وتسعى إلى جر واشنطن إلى القضية الأفغانية بذريعة مكافحة الإرهاب. وأعلنت الولايات المتحدة رسمياً دعمها لجهود باكستان في محاربة الإرهاب، وأقرت بحق إسلام آباد في الدفاع المشروع عن نفسها.
وإذا تمكنت إسلام آباد من إدخال واشنطن إلى هذه المواجهة وإقناعها بالعودة أو تقديم دعم عسكري، فإن موازين القوى ستتغير سريعاً. وعلى الرغم من عدم وجود مؤشرات حتى الآن إلى رغبة أميركية مباشرة في الدخول في حرب جديدة، فإن باكستان تحتاج في المرحلة الأولى فقط إلى دعم مالي وسياسي من الغرب.
وإذا دعمت الولايات المتحدة الاقتصاد الباكستاني الذي يعاني أزمة، فستتمكن إسلام آباد من إدارة القضية بنفسها. ويظهر التاريخ أنه في ما يتعلق بأفغانستان، كانت بريطانيا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على تنسيق دائم مع باكستان.

السيناريوهات المقبلة: تغيير النظام أم تغيير القيادة؟
لم يتضح حتى الآن ما إذا كانت باكستان تسعى إلى تغيير البنية العامة لسلطة طالبان، أم تريد فقط إجراء إصلاحات هيكلية وتغيير قيادة الحركة.
وترى باكستان أن العناصر المعادية لجهاز استخباراتها تسيطر حالياً على إدارة حركة طالبان، وهي شخصيات سبق أن اعتقلتها باكستان وسلمتها إلى الولايات المتحدة ونُقلت إلى غوانتانامو، وتتخذ الآن أكثر المواقف عداء لإسلام آباد. ومن بين هذه الشخصيات عبد الغني برادر، وملا يعقوب، ونور الله نوري، وعبد الحق وثيق، وخير الله خيرخواه.
السيناريو الأول، التغيير من الداخل أو تغيير القيادة:
تسعى باكستان، وفق هذا السيناريو، إلى إبعاد الشخصيات المتشددة والمعادية لإسلام آباد، بمن فيهم زعيم طالبان ملا هبة الله، وتنصيب شخصيات متحالفة معها من داخل حركة طالبان، تستجيب لمطالبها، وتحتوي حركة طالبان باكستان، وتبتعد عن الهند.
ولا تندر الدوائر المتحالفة مع باكستان داخل حركة طالبان، لكن لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات علنية إلى حدوث انشقاق أو انقسام في قندهار وكابل. ولا يزال الملا هبة الله ممسكاً بالسلطة، ولا يوجد تمرد تنظيمي، كما أن خطر اندلاع صراع داخلي لا يزال منخفضاً في الوقت الحالي.
السيناريو الثاني، التغيير الكامل للنظام:
يتمثل السيناريو الآخر في إسقاط نظام طالبان أو تغييره بالكامل. وفي هذه الحالة، يتعين على باكستان العمل على إيجاد بديل، وإعادة التيارات السياسية والعسكرية المعارضة إلى الساحة، وفتح فصل جديد من خلال تنسيق داخلي وإقليمي ودولي واسع. ويتطلب تنفيذ هذا السيناريو وقتاً وتكلفة باهظة واستثمارات كبيرة.
وتشير الأدلة إلى تزايد تعاون باكستان مع الجماعات المناهضة لطالبان في هذا الشأن. وتؤكد مصادر متعددة أن بعض قوات الجبهات المعارضة لطالبان تمركزت في الأقاليم الحدودية الباكستانية، وأن عمليات التنسيق الأولية قد بدأت.
ومع ذلك، لا يزال معارضو طالبان ينظرون إلى خطط باكستان بعين الشك والتردد، إذ لم تتشكل الثقة اللازمة بين الجانبين حتى الآن، ولا يزال الإرث الثقيل لانعدام الثقة خلال العقود الأربعة الماضية يلقي بظلاله على علاقاتهما.
وعلى أي حال، توصلت باكستان إلى أن استمرار الوضع الراهن لا يخدم أمنها القومي، وأن تغيير الأوضاع أصبح ضرورة حيوية، لكن يبقى انتظار الكيفية والمستوى اللذين سيحدث بهما هذا التغيير.

هل يتكرر سيناريو الملا عمر مع غياب مجتبى خامنئي؟

13 يوليو 2026، 06:00 غرينتش+1
100%

بعد أربعة أشهر من الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي أدت إلى مقتل علي خامنئي وعدد من أفراد أسرته، لا يزال مجتبى خامنئي بعيداً عن الأنظار،

وعلى الرغم من التوقعات بظهوره في نهاية المطاف خلال مراسم تشييع والده ودفنه، فإن غيابه أثار مجدداً موجة من التكهنات بشأن مصيره ووضعه.
وخلال الأشهر الأربعة الماضية، صدرت رسائل باسمه، لكن لم تُنشر أي صورة حديثة أو مقطع فيديو أو تسجيل صوتي أو لقاء يمكن التحقق منه للمرشد الإيراني الجديد. وفي المقابل، لا يتوفر حتى الآن دليل موثوق يثبت مقتله.
ولا توجد في الواقع أدلة علنية كافية لتقييم وضعه الصحي، وقدرته على إدارة البلاد، أو حتى التحقق من صحة الرسائل المنسوبة إليه.
ولا يبدو هذا الوضع غريباً على المواطنين الأفغان، إذ يعيد غياب مجتبى خامنئي المطول إلى الأذهان فترة الملا عمر، الزعيم السابق لحركة طالبان، الذي أخفت الحركة وفاته لأكثر من عامين.
واعترفت حركة طالبان لاحقاً بأن الملا عمر توفي في 23 أبريل 2013، لكنها أخفت نبأ وفاته حتى يوليو 2015، ووصفت قرارها آنذاك بأنه إجراء عسكري اتُخذ في مرحلة حساسة من الحرب.
وفي 15 يوليو 2015، نشرت حركة طالبان رسالة منسوبة إلى الملا عمر أبدى فيها دعمه لمحادثات السلام، وكان قد مضى على وفاته يوم نشر الرسالة 813 يوماً.
كما تُدار أفغانستان منذ نحو خمس سنوات بأوامر قيادة لم يظهر وجهها، فيما تُنقل أخبار زياراتها واجتماعاتها وقراراتها عبر دائرة محدودة في قندهار.
وبدا أن مراسم تشييع علي خامنئي ودفنه كانت أهم فرصة لوضع حد للشائعات المتعلقة بوضع مجتبى خامنئي.
وظهر أبناء علي خامنئي الثلاثة، مصطفى وميثم ومسعود، إلى جانب نعش والدهم، لكن مجتبى خامنئي، الذي أُعلن مرشداً جديداً بعد مقتل والده، لم يحضر، واقتصر حضوره على صورته التي رفعها المشاركون.
وكانت هذه المراسم ذات أهمية خاصة بالنسبة إلى مجتبى خامنئي، إذ دُفن فيها والده وزوجته وعدد من أفراد أسرته.
وأظهر حضور أشقائه الثلاثة أن السلطات نجحت، على الأقل، في تأمين طريقة آمنة لظهور بعض أفراد الأسرة.
وكتبت وكالة أنباء "رويترز"، عقب دفن علي خامنئي في 9 يوليو الجاري، أن غياب مجتبى خامنئي لا يزال لغزاً بالنسبة إلى الإيرانيين، وتساءلت عن سبب عدم نشر أي صورة أو مقطع فيديو أو تسجيل صوتي حديث له منذ اندلاع الحرب.
ونشر مكتب المرشد الإيراني خلال الأشهر الأربعة الماضية عدة رسائل مكتوبة باسم مجتبى خامنئي، من بينها رسالة عيد "النوروز" ومواقف بشأن الحرب ومضيق هرمز والقواعد الأميركية في المنطقة.
ومع ذلك، صدرت المواقف الإيرانية الرئيسية بشأن الحرب والمفاوضات ووقف إطلاق النار والسياسة الخارجية على لسان مسؤولين آخرين.
وتؤكد السلطات الإيرانية أن مجتبى خامنئي على قيد الحياة وأنه مرشد البلاد، لكن المواطنين ووسائل الإعلام لا يستطيعون التحقق مما إذا كان قد كتب هذه الرسائل أو قرأها أو وافق عليها شخصياً، أو حتى كان على علم بنشرها.
ومن أبرز أسباب الغموض المحيط بوضع مجتبى خامنئي تغير الروايات بشأن خطورة إصابته.
ففي 11 مارس 2026، قال مسؤول إيراني لوكالة "رويترز" إن مجتبى خامنئي تعرض "لإصابة سطحية"، لكنه لا يزال نشطاً ويواصل أداء مهامه.
وبعد شهر واحد، ظهرت رواية مختلفة تماماً، إذ قالت ثلاثة مصادر مقربة من دائرة مجتبى خامنئي لـ"رويترز" إن وجهه تعرض لإصابة خطيرة في الهجوم، وإن إحدى ساقيه أو كلتيهما أُصيبتا بجروح بالغة.
وأضافت المصادر أن إصابة وجهه غيّرت شكله، لكن حالته الذهنية جيدة، وأنه يشارك في الاجتماعات المهمة عبر اتصالات صوتية.
ووصف التلفزيون الرسمي الإيراني مجتبى خامنئي، بعد اختياره مرشداً، بأنه "جريح حرب"، وهو تعبير يُستخدم عادة لوصف شخص تعرض لإصابة خطيرة في الحرب.
وكان مصدر مقرب منه قد قال لـ"رويترز" في 11 أبريل إن صورة مجتبى خامنئي قد تُنشر خلال شهر أو شهرين، وإنه ربما يظهر أمام الجمهور، لكن نحو ثلاثة أشهر مضت منذ ذلك الحين من دون ظهوره.
وتأتي أقوى الأدلة التي تدعم فرضية بقاء مجتبى خامنئي على قيد الحياة من مصادر مقربة من دوائر السلطة في طهران.
ويربط المسؤولون الإيرانيون عادة عدم ظهوره باعتبارات أمنية، ويقولون إنه يجب عدم الكشف عن مكان وجوده، وألا تعرف إسرائيل والولايات المتحدة موقعه.
كما تدعم الرسائل المتتالية الصادرة عن مكتبه، واستمرار مؤسسات الدولة في إعلان مبايعته، وسلوك الأجهزة الرسمية الإيرانية، فرضية أنه لا يزال على قيد الحياة.
وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إنه عقد اجتماعاً مطولاً مع مجتبى خامنئي.
لكن أياً من هذه الحجج لم ينجح في إنهاء الشائعات المتعلقة بوضع مجتبى خامنئي، ولا سيما داخل المجتمع الإيراني، إذ إن عدم تقديم السلطات في إيران دليلاً قابلاً للتحقق يضع حداً لهذه الشائعات أبقى فرضيتي بقائه حياً أو وفاته قائمتين.
وفي نظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتعين على المرشد اتخاذ القرار النهائي في القضايا الأساسية للبلاد، كما يشغل منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بنفوذ مباشر على الحرس الثوري والسلطة القضائية والتلفزيون الرسمي ومؤسسات رئيسية أخرى.
ويبدو أن عدم نشر إيران خلال الأسابيع المقبلة صورة أو تسجيلاً صوتياً حديثاً أو دليلاً آخر قابلاً للتحقق من مجتبى خامنئي، سيزيد الغموض المحيط بوضعه.

ما الذي يربط حكومة الهند اليمينية بحركة طالبان اليمينية؟

10 يوليو 2026، 19:30 غرينتش+1
•
جمشید یما امیري
100%

تتوسع العلاقات بين حركة طالبان والحكومة الهندية بوتيرة لافتة، في تحول كان يبدو حتى وقت قريب غير متوقع، بالنظر إلى التاريخ الذي اتسم بالشكوك والتوتر بين الجانبين،

وخلال الأشهر الأخيرة، تكثفت التحركات الدبلوماسية بين كابل ونيودلهي، وبات وزراء حركة طالبان يتوجهون تباعاً إلى الهند.
كما نشطت اللجان الفنية المشتركة في مجالات رئيسية، مثل التجارة والزراعة والصحة والخدمات الدبلوماسية والقنصلية، فيما تدرس بعض الشركات الهندية الكبرى السوق الأفغانية تمهيداً للاستثمار، خصوصاً في مجال تصنيع الأدوية.
ولفهم أبعاد هذا التحول المفاجئ، لا بد من العودة إلى الماضي القريب. فقد ارتبطت علاقات الهند وحركة طالبان دائماً بانعدام عميق للثقة. وخلال فترة حكم الحركة الأولى في تسعينيات القرن الماضي، لم تعترف الهند بها قط، وازدادت العلاقات توتراً بصورة حادة عقب اختطاف طائرة الخطوط الجوية الهندية، الرحلة رقم 814، عام 1999، واقتيادها إلى قندهار التي كانت تخضع لسيطرة طالبان.
وفي تلك الفترة، دعمت الهند، للمرة الأولى في تاريخ علاقاتها مع أفغانستان، تياراً معارضاً للسلطة القائمة في كابل، هو جبهة المقاومة الوطنية بقيادة أحمد شاه مسعود، وشكلت مع روسيا وإيران مثلثاً داعماً لمعارضي حركة طالبان.
ومن جهة أخرى، كانت نيودلهي تنظر دائماً إلى حركة طالبان بوصفها أداة وذراعاً بالوكالة للاستخبارات العسكرية الباكستانية، وتخشى أن يتيح وصولها إلى السلطة المجال أمام تحرك الجماعات المتطرفة المناهضة للهند، مثل "لشكر طيبة" و"جيش محمد".
وخلال عشرون عاماً للحكومة الأفغانية السابقة، كانت الهند داعماً استراتيجياً ومالياً وعسكرياً لحكومتي حامد كرزي وأشرف غني. وبعد سقوط كابل في أغسطس 2021، أصبحت أول دولة في المنطقة تغلق سفارتها في أفغانستان بشكل كامل.
لكن المشهد تغير بعد نحو عام من عودة حركة طالبان إلى السلطة. وكان الدافع الرئيسي وراء هذا التحول غير المسبوق تدهور علاقات الحركة مع إسلام آباد. فقد دفعت التوترات الحدودية واتهام طالبان الأفغانية بإيواء حركة طالبان باكستان، كابل إلى استنتاج أنها بحاجة إلى قوة إقليمية تحقق التوازن، من أجل تقليل اعتمادها على باكستان والتصدي لضغوطها الخانقة.
وباتت حركة طالبان تمد يدها إلى نيودلهي من دون تحفظ، رغم علمها بأن هذه العلاقة لن تروق لباكستان. وفي هذا السياق، زار الهند خلال الأشهر الماضية وزراء الخارجية والصحة العامة والتجارة والزراعة والثروة الحيوانية في حركة طالبان، إلى جانب عشرات المسؤولين من المستويات المتوسطة في الحركة. كما سلّمت نيودلهي سفارة أفغانستان وقنصلياتها في الهند لحركة طالبان.
وفي المقابل، تتهم إسلام آباد الحركة صراحة بالتعاون مع الهند لزعزعة الأمن في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا.
ويبرز هنا سؤال أساسي: ما الذي يربط بين حركة طالبان السنية المتطرفة والحكومة الهندوسية اليمينية، المتمثلة في حزب بهاراتيا جاناتا بقيادة رئيس الوزراء الحالي ناريندرا مودي، رغم التناقض الأيديولوجي المطلق بينهما؟
يرى الدبلوماسي الأفغاني السابق في نيودلهي ووزير التعليم السابق، ميرويس بلخي، أن العلاقات الراهنة بين الجانبين ليست شراكة استراتيجية أو طبيعية، بل نتاج "سياسة براغماتية بالكامل قائمة على الاحتياجات المتبادلة".
وقال بلخي لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "لا توجد أي صلة بين طبيعة اليمين الهندوسي في نيودلهي واليمين المتطرف لحركة طالبان في كابل".
ومع ذلك، يرى بلخي أن الهند، في إطار استراتيجيتها العامة لاحتواء باكستان، كانت حريصة دائماً على امتلاك نفوذ في كابل.
وتنطلق نيودلهي من افتراض مفاده أن أي تيار يصل إلى السلطة في كابل سيواجه، بصورة طبيعية وتاريخية، خلافات مع باكستان بسبب قضايا من بينها خط ديورند.
وفي المقابل، أظهرت حركة طالبان أنها، خلافاً لأيديولوجيتها المتطرفة ونهجها المتشدد داخل أفغانستان، تتصرف ببراغماتية كبيرة في السياسة الخارجية، ومن دون خطوط حمراء أيديولوجية، بما يضمن بقاءها في السلطة.
لكن هل تستطيع الهند حماية سلطة طالبان وضمان بقائها؟ تشير الأجواء الراهنة إلى بدء فصل جديد من الحرب بالوكالة بين الهند وباكستان على الأراضي الأفغانية. غير أن التجربة التاريخية تحمل رواية مريرة لكابل، إذ كانت باكستان دائماً أكثر نجاحاً في تحقيق أهدافها الاستراتيجية والمدمرة في أفغانستان.
فعلى الرغم من إنفاق الهند مليارات الدولارات على أفغانستان والنظرة الإيجابية التي يحملها المجتمع الأفغاني تجاهها، فإنها لم تتمكن قط من ضمان بقاء الحكومات المتحالفة معها في كابل. ويُعد انهيار حكومة الدكتور نجيب الله عام 1992 والسقوط المفاجئ لحكومة أشرف غني عام 2021 دليلاً على ذلك.
وكانت الهند ثالث أكبر دولة مانحة لأفغانستان، بعد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، خلال العشرين عاماً الماضية. كما أقامت كابل ونيودلهي علاقات استراتيجية وتعاوناً أمنياً واسعاً، وكانت للرئيسين السابقين حامد كرزي وأشرف غني علاقات وثيقة جداً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.
ومع ذلك، لم تتمكن هذه الشراكة والعلاقات العميقة من ضمان بقاء الحكومة المدعومة من نيودلهي والمجتمع الدولي، فيما أسقطت باكستان النظام الجمهوري من خلال دعم حركة طالبان.
والواقع أن نيودلهي، رغم تقاربها التكتيكي مع حركة طالبان، لا تزال تنظر إليها بعين الشك وانعدام الثقة. ولا ترى حكومة مودي اليمينية في طالبان سوى "أداة منخفضة التكلفة" لضرب خصمها التاريخي، باكستان.
ولن تتقبل إسلام آباد هذا التحول. فبالنسبة إلى المؤسسة العسكرية والاستخباراتية الباكستانية، يُعد اصطفاف حركة طالبان إلى جانب الهند، عدوة باكستان اللدودة، بعد ثلاثة عقود من الدعم الشامل الذي قدمته إسلام آباد للحركة وتحملها الضغوط الدولية بسبب ذلك، تجاوزاً لـ"خط أحمر".
وقال الباحث السياسي، عمر صدر، لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، إن حركة طالبان لم تفشل فحسب في كسر الحلقة المفرغة للحرب بالوكالة بين الهند وباكستان، بل واصلتها بصورة أكثر حدة.
وأضاف أن أفغانستان ظلت عالقة في هذه "الحلقة الخبيثة"، وأن الهند دعمت الجهة الحاكمة في كابل، بصرف النظر عما إذا كانت تتبنى توجهاً يسارياً أو يمينياً.
وأكد صدر أن حركة طالبان تستخدم نيودلهي ورقة ضغط ضد إسلام آباد، بدلاً من الاستجابة للمخاوف الأمنية الباكستانية.
وأظهر التاريخ أن باكستان تمتلك مهارة كبيرة في إسقاط الحكومات في كابل، ويُعد سقوط حكومات نجيب الله وبرهان الدين رباني وأشرف غني من أبرز الأمثلة على ذلك.
وقال عمر صدر: "أظهر التاريخ أن الباكستانيين، في لعبة طويلة الأمد، تفوقوا دائماً على الهند، بفضل ميزتهم الجغرافية وقربهم من أفغانستان".
ويبقى السؤال الآن: هل ستلجأ إسلام آباد، لقطع هذا الشريان الدبلوماسي الناشئ بين كابل ونيودلهي، إلى خيارها الأخير المتمثل في إسقاط إدارة طالبان، أم ستتمكن الحركة من إبطال مفعول لعبة باكستان بالوكالة باستخدام ورقة الهند؟

ملف أفغانستان في لاهاي.. تحقيقات مفتوحة ومذكرات اعتقال محتملة

9 يوليو 2026، 18:35 غرينتش+1
100%

كانت "شغفته"، وهي ممرضة سابقة تبلغ من العمر 32 عاماً في أحد مستشفيات كابل، قد اعتُقلت في 8 يوليو 2025 على أيدي قوات حركة طالبان في كابل، واتهمتها الحركة بإقامة علاقة خارج إطار الزواج مع رئيس المستشفى،

لأنه أوصلها بسيارته إلى منزلها بعد انتهاء ساعات العمل.
وحُكم عليها في إحدى المحاكم الابتدائية التابعة لطالبان في كابل، بأمر من أحد قضاة الحركة، بـ67 جلدة، ونُفذ الحكم بحقها.
وتقول "شغفته" إنها كانت تأمل في تنفيذ مذكرة اعتقال زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية في يوليو من العام الماضي.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كنت أظن أن قرار المحكمة الدولية ستكون له قيمة وتأثير، وأنه سينهي ظلم الملالي وقمعهم، لكنه لم يترك أي أثر".
ولا يمثل ملف "شغفته" سوى واحد من عشرات الآلاف من الملفات التي تنظر فيها المحكمة الجنائية الدولية ضمن تحقيقها في الوضع في أفغانستان. وفي هذا الإطار، لا تزال ملفات عدد من مسؤولي طالبان مطروحة على طاولة مدعي هذه المحكمة.
وكان مدعي المحكمة الجنائية الدولية قد طلب العام الماضي إصدار مذكرتي اعتقال بحق زعيم حركة طالبان، هبة الله آخوندزاده، ورئيس المحكمة العليا في الحركة، عبد الحكيم حقاني، ثم أصدرت المحكمة لاحقاً مذكرتي الاعتقال بحقهما.
وأعلن الادعاء العام في المحكمة أنه سيقدم، ضمن ملف أفغانستان، طلبات أخرى لإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين كبار آخرين في طالبان.
وبحسب المعلومات الرسمية للمحكمة، فإن ملف أفغانستان قيد النظر منذ عام 2020 على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وفي عام 2022، سمحت المحكمة باستئناف التحقيقات، وبقي هذا الملف، وفق آخر المعلومات المنشورة في عامي 2025 و2026، مفتوحاً ونشطاً.
وفي 23 يناير 2025، أعلن مدعي المحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، أن تحقيقات المحكمة تظهر أن قادة طالبان قد يتحملون مسؤولية جنائية عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية من خلال الاضطهاد القائم على الجنس ضد النساء والفتيات والأشخاص الذين يُعدّون معارضين لسياسات طالبان المتعلقة بالنوع الاجتماعي. وبحسب الادعاء العام، حُرمت النساء في أفغانستان من حق التعليم والعمل والتنقل وحرية التعبير وغيرها من الحقوق الأساسية.
وفي 8 يوليو 2025، أعلنت المحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرتي اعتقال بحق هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني. وأكد قضاة المحكمة أن القيود الواسعة على الحقوق الأساسية للنساء والفتيات، وكذلك الادعاءات المتعلقة بالسجن والتعذيب والإخفاء القسري وغيرها من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من بين القضايا التي لا تزال قيد التحقيق في إطار ملف أفغانستان.
وقال عدد من الشهود الذين كانوا على تواصل مع المحكمة الجنائية الدولية لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن النيابة العامة في المحكمة تحقق أيضاً بشأن ثمانية مسؤولين آخرين في طالبان.
ومن الناحية القانونية، يبقى احتمال إصدار مذكرات اعتقال بحق عدد أكبر من مسؤولي طالبان قائماً، غير أنه لا يمكن حالياً الجزم بصدور مثل هذه المذكرات. ولا يزال ملف أفغانستان في المحكمة الجنائية الدولية مفتوحاً، والتحقيقات بشأن مسؤولي طالبان مستمرة.
وبحسب المصادر، تشمل التحقيقات وزراء الداخلية والعدل والتعليم العالي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم في حركة طالبان، إضافة إلى رئيس الاستخبارات ونائبه ورئيس إحدى إدارات جهاز الاستخبارات في الحركة. ومع ذلك، لم تسمّ المحكمة الجنائية الدولية رسمياً حتى الآن أي شخص آخر غير هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني.
وكان مدعي المحكمة الجنائية الدولية قد أعلن سابقاً فقط أنه سيقدم في المستقبل طلبات أخرى لإصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين كبار آخرين في طالبان.

سراج الدين حقاني
سراج الدين حقاني هو زعيم شبكة حقاني ووزير الداخلية في حركة طالبان. وخلال الحروب السابقة التي خاضتها طالبان ضد نظام الجمهورية والقوات الأجنبية، تولى حقاني قيادة عمليات مسلحة، وقاد شبكة حقاني في هجمات انتحارية وعمليات معقدة.
ويواجه اتهامات من بينها التورط في سقوط ضحايا مدنيين، وهجمات انتحارية، وانتهاكات لحقوق الإنسان.

100%


وكانت حكومة الولايات المتحدة قد أدرجت حقاني على قائمة المطلوبين المرتبطين بالإرهاب، وورد اسمه في المراجعات الدولية المتعلقة بالوضع في أفغانستان بوصفه أحد الأشخاص موضع الاهتمام.
وتعمل إدارة السجون في أفغانستان ضمن وزارة الداخلية في حركة طالبان. ومن ثم فإن أي ادعاءات تتعلق بأوضاع السجون والسجناء والاعتقالات والتعذيب والاعتقالات التعسفية أو غيرها من الانتهاكات المحتملة، ترتبط من حيث المسؤولية الإدارية بصلاحيات هذه الوزارة وواجباتها.
وبموجب القانون الدولي، لا يُعد كبار المسؤولين مسؤولين فقط عن أفعالهم المباشرة، بل قد يخضعون أيضاً للمساءلة بشأن أداء المؤسسات التابعة لهم، ولا سيما إذا ثبت أنهم كانوا على علم بوقوع الانتهاكات أو لم يتخذوا الإجراءات اللازمة لمنعها.
وقد نشرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية مختلفة تقارير عدة عن أوضاع السجون ومراكز الاحتجاز وظروف السجناء في أفغانستان. وأعربت هذه التقارير عن قلقها إزاء الاعتقالات التعسفية، والحق في محاكمة عادلة، والتعامل مع السجناء، وظروف احتجازهم.

ندا محمد نديم
ندا محمد نديم هو وزير التعليم العالي في حركة طالبان. وكان قد شغل سابقاً منصب حاكم ننغرهار. ويُعرف بأنه من أبرز داعمي السياسات التعليمية لطالبان، وهي سياسات فرضت قيوداً واسعة على التعليم العالي للنساء والفتيات.
وخلال تولي ندا محمد نديم قيادة وزارة التعليم العالي، أُعلن في ديسمبر 2022 حظر التعليم العالي للطالبات في الجامعات الحكومية والخاصة في أفغانستان. ويُعد هذا القرار أحد أبرز إجراءات طالبان في مسار تقييد تعليم النساء، وأثار ردود فعل دولية واسعة.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، حُرمت أكثر من 100 ألف طالبة أفغانية من مواصلة التعليم العالي بعد إعلان طالبان حظر التعليم الجامعي للنساء في ديسمبر 2022. ومع مرور كل عام دراسي، يصبح ملف الفتيات المحرومات من التعليم العالي أكثر تضخماً.

100%


واعتبرت الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية وعدد من الدول هذا الحظر مخالفاً للحق الأساسي للنساء والفتيات في التعليم، وعدّته من العوامل المهمة في تدهور أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان.
كما منع ندا محمد نديم الصحفيين في مؤتمرات صحفية من طرح أسئلة عن تعليم الفتيات، ويُعرف بمواقفه المتشددة تجاه حقوق النساء.
وترى الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان وحكومات مختلفة أن قيود طالبان على تعليم النساء تتعارض مع القانون الدولي المتعلق بالتعليم والمساواة والتحرر من التمييز. ومن وجهة نظر هذه الجهات، تُعد القيود الممنهجة ضد تعليم النساء والفتيات من العوامل الرئيسية في تفاقم أزمة حقوق الإنسان في أفغانستان.
وعلى أساس هذه السياسات، وضعت النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية أيضاً المسؤولية الجنائية المحتملة لندا محمد نديم ضمن إطار ملف أفغانستان. ويقوم الاستدلال القانوني للنيابة العامة على أنه، بصفته وزيراً للتعليم العالي، لعب دوراً مهماً في صياغة وإعلان وتنفيذ والدفاع عن قرارات حرمت النساء من حق التعليم العالي على أساس جنسهن.

حبيب الله آغا
حبيب الله آغا هو وزير التعليم في حركة طالبان، ويُعد من المسؤولين الرئيسيين عن تصميم وتنفيذ السياسات العامة للنظام التعليمي في أفغانستان.
وخلال فترة مسؤوليته، استمرت السياسة التعليمية لطالبان، وهي السياسة التي أبقت حظر تعليم الفتيات فوق الصف السادس قائماً.
ويُعد من المقربين من زعيم حركة طالبان، مولوي هبة الله آخوندزاده، ولذلك عُيّن على رأس وزارة التعليم.
وتُعد وزارة التعليم المؤسسة الرئيسية المسؤولة عن إدارة النظام التعليمي في أفغانستان، وتنظيم المناهج الدراسية، وشؤون المعلمين، وتنفيذ السياسات التعليمية العامة. ومن ثم فإن قيادة هذه الوزارة تؤدي دوراً مهماً في تنفيذ السياسات التي تؤثر في الفرص التعليمية لملايين الطلاب في البلاد.

100%


وبعد عام 2021، كان قرار طالبان مواصلة إغلاق المدارس المتوسطة والثانوية أمام الفتيات من أكثر إجراءات هذه الحركة إثارة للجدل. واعتبرت الأمم المتحدة والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان وعدد من الدول هذا الإجراء متعارضاً مع حق الفتيات في التعليم، ومبدأ المساواة، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
وبحسب تقرير لمنظمة اليونيسف في عام 2025، حُرمت نحو 2.2 مليون فتاة في أفغانستان فوق الصف السادس من الذهاب إلى المدرسة. ولا يُسمح لهؤلاء الفتيات بمواصلة التعليم بسبب حظر التعليم في المرحلتين المتوسطة والثانوية. ومع مرور كل عام دراسي، تطول قائمة الأجيال من الفتيات المحرومات من حقهن الأساسي في التعليم، ويصبح ملف حبيب الله آغا أكثر تضخماً.
وجاء في تقرير آخر لليونسكو أنه حتى نهاية عام 2025، كانت نحو 1.5 مليون فتاة وشابة لا تزال محرومة من حق التعليم، وأن الفتيات والنساء في أفغانستان هنّ المجموعة الوحيدة في العالم التي تُمنع رسمياً من التعليم المتوسط والعالي.

عبد الحكيم شرعي
عبد الحكيم شرعي، وزير العدل في حركة طالبان، من المسؤولين البارزين في البنية القانونية للحركة.
وبسبب مسؤوليته الرسمية، بات دوره في الملفات المتعلقة بالمؤسسات العدلية والتشريع وحل نزاعات الأراضي والاعتقالات والقرارات القانونية محط اهتمام المؤسسات الراصدة لحقوق الإنسان ووسائل الإعلام.
وقد أفادت "أفغانستان إنترناشيونال" في تقارير متعددة، نقلاً عن مصادرها، بأن عبد الحكيم شرعي أنشأ داخل مبنى وزارة العدل مركز احتجاز غير رسمي أو "سجناً شخصياً".
وبحسب هذه التقارير، احتُجز بعض الأشخاص على خلفية نزاعات على الأراضي وقضايا أخرى في هذا المكان من دون المرور بالإجراءات القضائية المعتادة. ومن بين هذه الحالات طُرح اسم حيدر جان نعيم زوي، العضو السابق في مجلس النواب الأفغاني.

100%


ولا تقتصر الادعاءات المتعلقة بمثل هذه الاعتقالات على حالة واحدة.
وتدعي المصادر أن عدداً من الأشخاص الآخرين، من بينهم بعض المسؤولين السابقين والتجار، احتُجزوا أيضاً بسبب خلافات تتعلق بالأراضي في مراكز احتجاز خاضعة لسيطرة عبد الحكيم شرعي.
ونفت وزارة العدل في حركة طالبان ادعاء وجود "سجن شخصي"، وقالت إن عبد الحكيم شرعي كانت لديه، بناءً على أمر من زعيم طالبان، صلاحية احتجاز بعض الأشخاص مؤقتاً في قضايا تتعلق بغصب الأراضي.
وفي مجال الأملاك والأراضي أيضاً، طُرحت انتقادات ضده. وأفادت "أفغانستان إنترناشيونال" بأن بعض الأشخاص اشتكوا من ورود أسماء أفراد من عائلة عبد الحكيم شرعي ومقربين منه في ما يتعلق بتسجيل وتوزيع الأراضي في مشاريع جديدة في كابل ومناطق أخرى.
وتؤكد منظمات حقوق الإنسان عموماً أن اعتقال الأشخاص واحتجازهم واتخاذ قرارات بشأن حقوق الملكية يجب أن تتم وفق القانون ومحاكمة شفافة وضمان حق الدفاع. ومن وجهة نظر هذه المنظمات، يتعارض الاحتجاز من دون رقابة قضائية، وسوء معاملة الأفراد، وتقييد حقوق الملكية، مع مبادئ سيادة القانون.
كما تواجه البنية العدلية لطالبان انتقادات دولية واسعة في ما يتعلق بحقوق النساء والفتيات. وتقول منظمات حقوق الإنسان إن بعض لوائح طالبان وقراراتها فرضت قيوداً على الحقوق المتساوية للنساء، بما في ذلك حقهن في التعليم والعمل والمشاركة الاجتماعية.

خالد حنفي
خالد حنفي، وزير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حركة طالبان، مسؤول عن واحدة من أكثر مؤسسات الحركة إثارة للجدل.
ومن وجهة نظر طالبان، تتمثل المهمة الرئيسية لهذه الوزارة في تطبيق "المبادئ الإسلامية" في المجتمع ومنع السلوكيات التي تعدها الحركة مخالفة للشريعة. غير أن المنظمات الدولية لحقوق الإنسان والهيئات التابعة للأمم المتحدة قالت في تقاريرها إن اللوائح التي تنفذها هذه الوزارة، ولا سيما في مجال حقوق النساء والفتيات وحرياتهن وحضورهن الاجتماعي، فرضت قيوداً واسعة.

100%


وتتولى وزارة الأمر بالمعروف، تحت قيادة خالد حنفي، مسؤولية مراقبة وتنفيذ قيود طالبان المتعلقة باللباس والحجاب والسفر والعمل والتعليم وحضور النساء في الأماكن العامة.
ويقول مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة والمنظمات الدولية المدافعة عن حقوق النساء إن أثر هذه اللوائح لا يقتصر على الحريات الفردية، بل يطاول أيضاً المشاركة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للنساء في أفغانستان بصورة شديدة.
وكانت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حركة طالبان الجهة الرئيسية المسؤولة عن تنفيذ مرسوم الحجاب للنساء في مايو 2022. وحدد هذا المرسوم قواعد خاصة للنساء، من بينها تغطية الوجه، وحمّل أفراد الأسرة الذكور مسؤولية المخالفة.
وفي كابل وهرات وعدد من المدن الأخرى، قُدمت شكاوى ضد عناصر هذه الوزارة، كما خرجت احتجاجات رداً على ممارساتهم.
وقالت منظمات رصد حقوق الإنسان إن مثل هذه اللوائح تحرم النساء من حق الاختيار الشخصي، وتخلق على مستوى المجتمع أجواء من الخوف والرقابة الذاتية.
وفي عام 2024، أقرت طالبان وفعّلت قانون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو قانون فرض قيوداً إضافية على صوت النساء والموسيقى ووسائل الإعلام والسلوكيات الاجتماعية. وقالت بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى أفغانستان (يوناما) ومنظمات حقوقية إن هذا القانون أدى إلى توسيع القيود الممنهجة ضد النساء.
وعلى الرغم من أن القرارات المتعلقة بحظر تعليم الفتيات في المدارس والجامعات أُعلنت من جانب وزارتي التعليم العالي والتعليم في حركة طالبان، فإن وزارة الأمر بالمعروف تؤدي دوراً مهماً في الرقابة الاجتماعية والتنفيذ العملي لهذه السياسات.

عبد الحق وثيق
عبد الحق وثيق، رئيس الاستخبارات في حركة طالبان، من أبرز المسؤولين الأمنيين في الحركة. وكان له ارتباط بالبنى الأمنية لطالبان خلال فترة حكمها الأولى، وبعد عودة الحركة إلى السلطة عُيّن في أحد المناصب الرئيسية داخل نظامها الأمني.
واعتُقل وثيق بعد عام 2001 على أيدي القوات الأميركية، وقضى سنوات في سجن غوانتانامو. وفي عام 2014، أُفرج عنه من غوانتانامو ونُقل إلى قطر ضمن اتفاق تبادل خمسة سجناء من طالبان مقابل الإفراج عن الجندي الأميركي بو بيرغدال.
وبعد عودة طالبان إلى السلطة، عُيّن عبد الحق وثيق رئيساً عاماً لاستخبارات الحركة. وتُعد هذه الإدارة أحد الأعمدة الرئيسية في البنية الأمنية لطالبان، وتتولى مسؤوليات مثل تأمين الأمن الداخلي، وجمع المعلومات، ومراقبة أنشطة المعارضين، وتنفيذ العمليات الاستخباراتية.

100%


وتحت قيادته، أدت إدارة استخبارات طالبان دوراً نشطاً في مراقبة واعتقال المعارضين المسلحين والناشطين السياسيين والصحفيين والناشطين المدنيين ومنتقدي الحركة.
وقد أثارت منظمات حقوقية وبعض هيئات الأمم المتحدة ادعاءات بشأن أداء إدارة استخبارات طالبان، تتعلق بالاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والتعذيب، وسوء المعاملة، وعدم مراعاة الإجراءات القانونية في عمليات الاعتقال. كما كشفت "أفغانستان إنترناشيونال" في تقرير تحقيقي حالات تعذيب في مراكز احتجاز تابعة لإدارة استخبارات طالبان، وهي تقارير أثارت أيضاً ردود فعل من هيئات حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة.
ولهذا السبب، بات ملف عبد الحق وثيق أيضاً موضع اهتمام النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية ضمن التحقيقات في ملف أفغانستان.

تاج مير جواد
يؤدي تاج مير جواد دوراً مهماً في العمليات وإدارة وتنسيق الشؤون الأمنية داخل شبكة استخبارات طالبان.

100%


وبعد عودة طالبان إلى السلطة في عام 2021، عُرف جواد بصفته أحد الوجوه البارزة في المستويات العليا من البنية الاستخباراتية للحركة. وتُعد إدارة استخبارات طالبان من المؤسسات الأمنية الرئيسية للحركة، وتتولى مسؤوليات مثل مراقبة أنشطة الجماعات المعارضة، وجمع المعلومات، وتنفيذ العمليات الأمنية، وتقييم الوضع الداخلي.
ويرتبط منصب تاج مير جواد، بصفته نائب رئيس استخبارات طالبان، بجمع المعلومات الأمنية وتنظيم العمليات وتوسيع البنية الاستخباراتية للحركة. وورد اسمه في عدد من التقارير في صلة بأنشطة طالبان الاستخباراتية، ولا سيما في القضايا المتعلقة بمراقبة واعتقال الجماعات المعارضة وموظفي المؤسسات الأمنية السابقة في الدولة الأفغانية ومنتقدي طالبان.
ويُعرف بأنه شخصية قليلة الظهور في الإعلام، وغير معروفة على نطاق واسع، وبعيدة عن الأنظار العامة.

خليل همراز
يُعرف خليل همراز بأنه مسؤول الإدارة "08" في استخبارات طالبان. وتُعد هذه الإدارة من الأقسام المهمة في البنية الاستخباراتية للحركة، وتتولى مسؤوليات مثل العمليات الأمنية والمراقبة والأنشطة الاستخباراتية.
وقد أثارت بعض التقارير الحقوقية حول أداء المؤسسات الاستخباراتية لطالبان ادعاءات تتعلق بالاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، وسوء المعاملة.

100%


كما وُثقت حالات تعذيب وإساءة إلى الصحفيين في صلة بأنشطة هذه البنى. ولهذا السبب، أصبح دور كبار المسؤولين الأمنيين في طالبان موضع اهتمام المؤسسات الدولية والباحثين.
وبحسب الوثائق الرسمية للمحكمة الجنائية الدولية، لا يزال ملف أفغانستان مفتوحاً ونشطاً، والتحقيقات في هذا الشأن مستمرة.
وحتى الآن، لم تُعلن سوى مذكرتي الاعتقال الرسميتين بحق هبة الله آخوندزاده وعبد الحكيم حقاني.
أما في شأن متى يمكن إدراج سراج الدين حقاني، وندا محمد نديم، وحبيب الله آغا، وخالد حنفي، وعبد الحق وثيق، وتاج مير جواد، وخليل همراز، في طلب رسمي جديد من النيابة العامة في المحكمة الجنائية الدولية، ومتى ستقرر المحكمة بشأنه، فلم يُعلن حتى الآن أي موعد محدد.
وإذا خلص المدعي العام إلى وجود "أسباب معقولة" لانتساب الجريمة إلى مسؤولين آخرين في طالبان، فيمكنه أن يطلب من الشعبة التمهيدية إصدار مذكرة اعتقال أو أمر حضور. ولا يصدر القضاة مثل هذا الأمر إلا إذا رأوا أن الأدلة المقدمة كافية في هذه المرحلة.