وتعد هذه أول مرة منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة ترحّل فيها ألمانيا طالب لجوء أفغانياً لا يواجه حكماً جنائياً، وهو ما اعتبره منتقدون مؤشراً إلى احتمال توسيع عمليات الترحيل لتشمل مزيداً من طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم، رغم استمرار التدهور الحاد في أوضاع حقوق الإنسان في أفغانستان.
وفي حديثين منفصلين مع أفغانستان إنترناشيونال، حذرت النائبة في البرلمان الألماني عن حزب اليسار، كلارا بونغر، والمديرة التنفيذية لمنظمة برو أزول المعنية بالدفاع عن حقوق اللاجئين، هيلين ريزنه، من أن هذه الخطوة قد تمثل تحولاً في سياسة الترحيل، بحيث لا تقتصر مستقبلاً على المدانين بجرائم خطيرة أو من يُنظر إليهم باعتبارهم تهديداً للأمن العام.
في المقابل، تؤكد الحكومة الألمانية أن تنفيذ قرارات الترحيل النهائية يأتي في إطار حماية الأمن العام وتنظيم الهجرة، مشددة على أن التواصل مع طالبان يقتصر على الجوانب الفنية المتعلقة بإثبات الهوية وإصدار وثائق السفر، ولا يعني الاعتراف بالحركة.
وبحسب بيانات الحكومة الألمانية، بلغ عدد المواطنين الأفغان الذين رُحّلوا منذ عودة طالبان إلى الحكم وحتى 19 يونيو/حزيران 2026 نحو 196 شخصاً. ومع إضافة المرحلين الـ31 في الرحلة الأخيرة، ارتفع العدد إلى 227 شخصاً.
وتزامناً مع الرحلة، نظم محتجون وقفة أمام مطار لايبزيغ، مطالبين بوقف ترحيل الأفغان وإنهاء التعاون مع طالبان، محذرين من المخاطر التي قد يواجهها المرحلون في ظل الأوضاع الأمنية والحقوقية في أفغانستان.
مخاوف من تطبيع الترحيل
وصفت كلارا بونغر ترحيل طالبي اللجوء إلى أفغانستان بأنه «تصرف غير مسؤول»، معتبرة أن ألمانيا تعيد أشخاصاً إلى دولة تُتهم سلطاتها بارتكاب انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، بينها الاعتقال التعسفي والتعذيب.
وقالت إن أخطر ما في التطور الأخير هو احتمال أن يصبح ترحيل الأفغان ممارسة اعتيادية تشمل أشخاصاً لم يرتكبوا جرائم خطيرة، داعية إلى وقف هذه السياسة.
من جهتها، قالت هيلين ريزنه إن ترحيل شخص لا يحمل سجلاً جنائياً يشير إلى تغيير واضح في سياسة الحكومة الألمانية، محذرة من أن المرحلة المقبلة قد تشهد ترحيل رجال أفغان صدرت بحقهم أوامر نهائية بالمغادرة حتى لو لم تكن لديهم سوابق جنائية.
أين يجب أن يُعاقب المجرمون؟
وتدافع الحكومة الألمانية عن ترحيل المدانين باعتباره جزءاً من جهود حماية المجتمع، فيما يؤكد المنتقدون أن اعتراضهم لا يتعلق بمعاقبة المجرمين، وإنما بإرسالهم إلى بلد قد يتعرضون فيه للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية.
وقالت بونغر إن من يرتكب جرائم خطيرة يجب أن يُحاكم ويقضي عقوبته داخل ألمانيا، لا أن يُسلّم إلى سلطة متهمة بانتهاكات حقوق الإنسان، مضيفة أن القانون الألماني يوفر بدائل أخرى، مثل تنفيذ العقوبات والرقابة القضائية بعد الإفراج.
أما ريزنه، فأكدت أن ترحيل الأشخاص إلى أفغانستان يتعارض مع مبدأ عدم الإعادة القسرية المنصوص عليه في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والقانون الدولي، مشيرة إلى أن طالبان تواصل الاعتقالات التعسفية والعقوبات البدنية وتقييد الحريات، فيما تُحرم النساء والفتيات بصورة منهجية من التعليم والعمل والحياة العامة.
وأضافت أن وجود أقارب للمرحل في أفغانستان أو قدرته على العمل لا يعني أن عودته ستكون آمنة أو إنسانية.
التعاون مع طالبان
ويرى منتقدون أن التعاون بين برلين وطالبان في تنفيذ عمليات الترحيل تجاوز الجوانب الفنية، ومنح الحركة مكاسب سياسية غير مباشرة، من خلال تعزيز حضور ممثليها القنصليين في ألمانيا وإضفاء قدر من الشرعية عليها.
وحذرت ريزنه من أن اعتماد ألمانيا على تعاون طالبان قد يمنح الحركة ورقة ضغط تستخدمها للحصول على تنازلات سياسية مقابل استقبال المرحلين، كما قد يشجع دولاً أوروبية أخرى على اتباع النهج نفسه.
بدورها، طالبت كلارا بونغر الحكومة الألمانية بالكشف عن تفاصيل التفاهمات مع طالبان، وتوضيح المعايير التي تعتمدها لاختيار الأشخاص المرحلين، وما إذا كانت قدمت أي التزامات أو امتيازات للحركة مقابل التعاون.
مخاوف بشأن البيانات الشخصية
كما أثارت مشاركة ممثلين عينتهم طالبان في تقديم الخدمات القنصلية داخل ألمانيا مخاوف بشأن وصول الحركة إلى البيانات الشخصية للمواطنين الأفغان.
وقالت ريزنه إن ملفات الخدمات القنصلية تتضمن معلومات حساسة، مثل نسخ جوازات السفر والعناوين وأرقام الهواتف والبيانات العائلية، محذرة من أن وصول طالبان إليها قد يعرض المعارضين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، وكذلك أفراد أسرهم داخل أفغانستان، لمخاطر أمنية.
دعوات لوقف الترحيل
وطالبت كلارا بونغر ومنظمة برو أزول بوقف ترحيل المواطنين الأفغان فوراً، مؤكدتين أن أي قرار بالترحيل يجب أن يراعي التزامات ألمانيا القانونية في مجال حقوق الإنسان، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية وحظر التعذيب.
ويرى المنتقدون أن القضية لا تتعلق بمعاقبة من يرتكب الجرائم، بل بضمان عدم إعادته إلى بلد قد يواجه فيه خطر التعذيب أو الاعتقال التعسفي أو غيره من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.