يمكن تلخيص الوضع الراهن لطالبان في مفارقة سياسية أساسية؛ إذ يرى بعض الفاعلين أن غياب بديل جاد ومنظم قادر على مواجهة حكم الحركة أسهم في استمرارها في السلطة. لكن، في المقابل، تظل مشكلات الشرعية، والأوضاع الاقتصادية، وطبيعة الحكم، والعلاقات الدولية، عوامل تثير الشكوك حول استقرار هذا النظام على المدى البعيد.
مشكلة طالبان ليست الحفاظ على السلطة، بل بناء الدولة
نجحت طالبان إلى حد كبير في ترسيخ حكمها، لكن إدارة الدولة تختلف جذرياً عن إدارة حركة مسلحة.
فالدولة الحديثة لا تقوم على السيطرة الأمنية وحدها؛ بل تحتاج أيضاً إلى إدارة مهنية، وخبرات متخصصة، وإدارة اقتصادية فعالة، ومؤسسات قانونية، وآليات للمساءلة، ومشاركة مختلف فئات المجتمع.
وتكمن إحدى المشكلات الأساسية في حكم طالبان في التناقض القائم بين الحاجة إلى الاستفادة من الكفاءات والخبرات غير المنتمية إلى الحركة، وبين انعدام الثقة الأمنية والسياسية الذي تبديه تجاه هذه الفئات. ونتيجة لذلك، تجد الحكومة نفسها في حاجة إلى الخبرات من جهة، بينما يحد تركيز السلطة وهواجس الثقة الداخلية من قدرتها على توظيف المتخصصين على نطاق واسع من جهة أخرى.
وإذا لم تتم معالجة هذا التناقض، فإن القدرة الإدارية لحكومة طالبان ستواجه ضغوطاً متزايدة مع مرور الوقت.
خمس سنوات من حكم طالبان: ترسيخ السلطة من دون رضا شعبي
الشرعية الدولية... التحدي الخارجي الأكبر
تواجه طالبان وضعاً معقداً؛ فهي تسيطر على السلطة داخل البلاد، لكن مسألة الشرعية الوطنية والدولية لا تزال من دون حل.
ولا يقتصر غياب الاعتراف الدولي على كونه مشكلة دبلوماسية، بل يرتبط مباشرة بالاقتصاد والاستثمارات والعلاقات المصرفية والتجارة الدولية واندماج أفغانستان في النظام العالمي.
ومن هنا يبرز السؤال الأساسي أمام طالبان: هل تستطيع التوصل إلى تفاهم عملي مع الشعب الأفغاني والمجتمع الدولي يحافظ على البنية الأساسية لنظامها، وفي الوقت نفسه يخلق ظروفاً مقبولة للتفاعل الدولي؟
الاقتصاد... أزمة لا تُحل بالأدوات الأمنية
نجحت طالبان إلى حد بعيد في إدارة الملف الأمني، لكن الأزمة الاقتصادية لا يمكن معالجتها بالوسائل الأمنية.
فالبطالة والفقر وضعف الاستثمارات ومحدودية القطاع الخاص وتراجع التواصل مع النظام المالي الدولي، كلها عوامل تؤثر بشكل مباشر في الحياة اليومية للمواطنين.
ومن الناحية السياسية، تكتسب الأوضاع الاقتصادية أهمية خاصة، لأن شرعية الحكومات لا تُقاس فقط بمدى سيطرتها على الأرض، بل أيضاً بقدرتها على تحسين المستوى المعيشي للسكان.
كيف أسقط قيوم ملنگ منطقة يفتل في بدخشان؟
باكستان... من شريك استراتيجي إلى تحدٍ استراتيجي؟
تُعد العلاقات مع باكستان واحدة من أكثر القضايا الخارجية حساسية بالنسبة لحكومة طالبان. فتصاعد الخلافات الحدودية، والمخاوف الأمنية، وملف حركة طالبان الباكستانية، والاشتباكات العسكرية بين الطرفين، كلها مؤشرات على أن العلاقة بين كابول وإسلام آباد لم تعد قابلة للتفسير في إطار «الصداقة» فقط.
وتدفع الضغوط الباكستانية طالبان إلى محاولة الموازنة بين الحفاظ على خطابها السيادي والوطني، وبين التعامل مع دولة جارة ترتبط بأفغانستان بعلاقات أمنية واقتصادية وجغرافية معقدة.
وإذا استمرت التوترات بين الطرفين لفترة طويلة، فقد تتحول إلى أحد أخطر التحديات الاستراتيجية التي تواجه طالبان.
غياب البديل... أكبر مكاسب طالبان
في أي تقييم لسنوات حكم طالبان الخمس، لا يمكن تجاهل حقيقة أساسية تتمثل في غياب بديل وطني موحد ومنظم قادر على أن يشكل بديلاً سياسياً للحركة.
فالقوى السياسية والمسؤولون السابقون والمعارضون الحاليون لطالبان يعانون انقسامات كبيرة، كما أن الجماعات المسلحة المناوئة للحركة لا تزال محدودة الإمكانات، في حين لم يتمكن تنظيم داعش–خراسان، رغم هجماته المتكررة، من تهديد سيطرة طالبان على البلاد.
ويمنح هذا الواقع طالبان فرصة سياسية مهمة؛ فهي لا تسيطر فقط على المؤسسات الأمنية، بل تستفيد أيضاً من تشتت خصومها وعدم وجود تحدٍ سياسي موحد ومنظم في مواجهتها.
الجبهة المتحدة الأفغانية تعلن بدء عمليات عسكرية ضد طالبان
الخوف من الحرب الأهلية
لا تزال ذاكرة الحروب التي شهدتها أفغانستان خلال العقود الماضية حاضرة بقوة في الوعي السياسي للمجتمع.
ورغم اتساع دائرة الاستياء الشعبي بسبب الفقر والبطالة والقيود السياسية وبعض سياسات طالبان، فإن كثيرين لا يرغبون في العودة إلى الفوضى أو الحرب داخل المدن.
ويمثل ذلك فرصة سياسية مهمة، لكنها هشة بالنسبة لطالبان؛ فإذا تمكنت من الحفاظ على الاستقرار، فقد يختار جزء من المجتمع «الاستقرار» في معادلة «الاستقرار أم البديل؟». أما إذا تفاقمت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، فقد يتحول هذا الوضع نفسه إلى مصدر جديد للاحتقان.
ثلاثة سيناريوهات محتملة للمستقبل
استمرار الوضع القائم
السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تحافظ طالبان، على المدى القصير، على سيطرتها السياسية والأمنية، مع توسع تدريجي في علاقاتها الدولية، في حين يبقى الاعتراف الكامل بحكومتها يواجه عقبات كبيرة.
وفي هذا السيناريو، لن ينهار حكم طالبان سريعاً، لكنه لن ينجح أيضاً في تجاوز مشكلاته الأساسية، لتستمر حالة «البقاء تحت السيطرة».
إصلاحات سياسية وإدارية تدريجية
إذا وسعت طالبان دور الكفاءات المهنية في إدارة الدولة، وعززت التفاعل السياسي مع مختلف فئات المجتمع، ودفعت باتجاه إصلاحات اقتصادية، وأبدت مرونة أكبر في التعامل مع العالم، فقد تتمكن من التحول من حركة مغلقة إلى نظام سياسي أكثر استقراراً.
ويُعد هذا السيناريو المسار الأكثر استقراراً بالنسبة للحركة، لكنه يتطلب قدراً كبيراً من المرونة في سياساتها الداخلية.
تصاعد الضغوط تدريجياً
إذا تزامنت الأزمة الاقتصادية مع الضغوط الدولية، والتوترات الأمنية مع باكستان، والخلافات الداخلية، وضعف الإدارة، فقد تواجه حكومة طالبان تحديات متزايدة.
لكن هذه الضغوط لن تتحول إلى تهديد مباشر لبقاء النظام ما لم يظهر بديل وطني واسع وموحد يحظى بثقة المواطنين.
الخلاصة
تكمن معضلة طالبان الأساسية، بعد خمس سنوات من عودتها إلى السلطة، في أنها نجحت إلى حد كبير في الحفاظ على حكمها، لكنها لا تزال تواجه اختباراً صعباً في بناء دولة شاملة ومهنية وقادرة على التفاعل مع المجتمع الدولي.
وتتمثل أبرز نقاط قوة الحركة في بنيتها الأمنية المنظمة، وتشتت خصومها، وغياب بديل سياسي موثوق، بينما تكمن أبرز نقاط ضعفها في الأزمات الاقتصادية، والعزلة الدولية، وضعف الإدارة المهنية، ومحدودية المشاركة السياسية، وتعقيد علاقاتها مع دول الجوار.
وبعبارة أخرى، قد لا يتمثل الخطر الأكبر الذي يهدد حكم طالبان اليوم في الجماعات المسلحة المعارضة، بل في تراكم الضغوط الاقتصادية والإدارية والسياسية والاجتماعية على المدى الطويل.
وفي المقابل، فإن الضمانة الأكبر لبقاء طالبان لا تكمن في قوتها العسكرية وحدها، بل في حقيقة أن خصومها لم يتمكنوا حتى الآن من تشكيل بديل وطني موحد ومنظم يحظى بثقة المواطنين.
ومن هنا، فإن السؤال السياسي الأهم في السنوات المقبلة ليس: متى سيسقط حكم طالبان؟ بل: هل ستنجح الحركة في تحويل سيطرتها الأمنية الحالية إلى نظام سياسي مشروع، ومهني، وقوي اقتصادياً، وقادر على التفاعل مع العالم؟
سمیع یوسفزی
صحفی مستقل