وفي مقابلة مع صحيفة «كورييري ديلا سيرا» الإيطالية، قال كرزاي إنه يحاول ألا ينظر إلى الوضع في أفغانستان من زاوية الجمهورية أو «إمارة» طالبان.
وأضاف: «ما أريده هو التعايش من أجل خير البلاد وبنائها. والأفغان يستحقون ذلك».
وأشار الرئيس الأفغاني السابق إلى أنه حتى في عام 2010، عندما كان يدفن شقيقه الذي قتلته طالبان، ظل يصف عناصر الحركة بأنهم «إخوة».
وقال إنه يتمنى أن يطوي جميع الأفغان صفحة أربعة عقود من المعاناة والموت والحروب التي استمرت، بحسب قوله، منذ الغزو السوفييتي وبفعل تدخل القوى الخارجية.
وأكد أن طالبان، مثل غيرها من القوى، جزء من أفغانستان، وأن مؤيدي الحركة ومعارضيها جميعاً أبناء وطن واحد.
وأضاف أن هذه الأطراف ستضطر عاجلاً أم آجلاً إلى العيش معاً بسلام، وأن التفاهم والاحترام المتبادل قادران على دفع أفغانستان إلى الأمام.
ورداً على سؤال حول سبب بقائه في أفغانستان وعدم مغادرته مع انسحاب القوات الأميركية عام 2021، قال كرزاي إن الإنسان لا ينبغي أن يترك منزله في الأوقات العصيبة.
وأضاف أنه، بغض النظر عن ظروفه الشخصية، سعيد بالبقاء في أفغانستان ويعتقد أنه لا يزال قادراً على العمل من أجل تحسين الأوضاع.
تعليم الفتيات
وصف كرزاي تعليم الفتيات بأنه الهدف الأكثر إلحاحاً بالنسبة إليه وبالنسبة إلى ملايين الأفغان، مؤكداً أن للفتيات الحق في التعليم من المرحلة الابتدائية وحتى الجامعة، وأن النساء يجب أن يتمكنّ أيضاً من العمل والمشاركة في المجتمع.
وقال إن القيود والمشكلات التي يواجهها أحياناً لا تعنيه، وإن تعليم الفتيات هدف يستحق تحمل الصعوبات من أجله.
وكتبت صحيفة «كورييري ديلا سيرا» أن كرزاي يعيش منذ عام 2021 في إقامة جبرية داخل منزله في كابول، الذي وصفته بأنه منزل فخم وفق المعايير الأفغانية.
وأضافت الصحيفة أن كرزاي يحتاج إلى إذن من طالبان للخروج من منزله، وأن مسلحين يرافقونه ويراقبونه عند خروجه، ولا يُسمح له بتغيير مساره أو إجراء لقاءات غير مخطط لها.
وخلال السنوات الخمس الماضية، لم يُسمح له بالسفر إلى أي ولاية أخرى داخل أفغانستان، ولم يُمنح الإذن بالسفر إلى الخارج إلا لأسباب صحية.
كما أن عدداً محدوداً جداً من الأفغان يُسمح لهم بزيارة مقر إقامته، في حين لا يستطيع الدبلوماسيون والسياسيون الأجانب لقاءه بصورة مباشرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحصول على إذن لإجراء هذه المقابلة عبر الإنترنت بين كابول وميلانو استغرق ستة أشهر.
وخلال المقابلة، أوضح كرزاي أن المنزل الذي يقيم فيه هو مقر حكومي سمحت له طالبان بالاحتفاظ به.
وأضاف التقرير أن طالبان كانت قد هددت كرزاي بالقتل لسنوات، واتهمته بالخيانة والتعاون مع الولايات المتحدة والفساد، إلا أنه قرر البقاء في أفغانستان بعد دخول الحركة إلى كابول عام 2021.
وفي المقابل، فرّ خلفه في الرئاسة أشرف غني من البلاد. وذكر كاتب التقرير أن غني استقل طائرة قيل إنها كانت محملة بالدولارات.
كما أشار التقرير إلى مصير الرئيس الأفغاني الأسبق محمد نجيب الله، الذي أُخرج من مقر الأمم المتحدة وتعرض للتعذيب ثم قتلته طالبان وعلقت جثته على عمود إنارة.
وكتب صاحب التقرير أن قرار كرزاي بالبقاء في أفغانستان كان محفوفاً بالمخاطر.
وفي جزء آخر من المقابلة، قال كرزاي إن قضية تعليم الفتيات ليست قضية سياسية.
وأضاف أنه بغض النظر عن وجود الانتخابات من عدمه، يجب أن تبقى المدارس مفتوحة، متسائلاً: «في أي مكان من العالم كان تعليم النساء نتيجة تصويت؟».
ورداً على الرأي القائل إن حظر تعليم الفتيات أصبح جزءاً من هوية طالبان، قال كرزاي إن هذا الرأي لا يعبر عن جميع أعضاء الحركة، وبالتأكيد لا يتوافق مع هوية أفغانستان.
ولشرح وجهة نظره، استشهد بالشاعرة رابعه البلخي المدفونة في مزار الشريف، مؤكداً أن أشعارها لا تزال تحظى بشعبية واسعة في المنطقة حتى اليوم.
كما أشار إلى جوهرشاد بيغم، حاكمة هرات في القرن الخامس عشر، ونازو أنا في قندهار في القرن السابع عشر، وعائشة الدرانية.
ووصف كرزاي عائشة الدرانية بأنها شاعرة أسست أول مدرسة للبنات في «القرن الثالث والعشرين».
وأضاف أن أفغانستان كانت من أوائل الدول الإسلامية التي أرسلت الفتيات إلى أوروبا وتركيا من أجل التعليم، كما كانت من أوائل الدول التي أسست جامعة.
وأشار إلى جامعة كابول، التي قال إنها تأسست عام 1932، مضيفاً أن غالبية المعلمين في النظام التعليمي الأفغاني كانوا من النساء.
وفي سياق المقابلة، طُرحت فكرة أن طالبان جاءت من بيئات ريفية ذات بنية أبوية تقوم على الفصل بين الرجال والنساء، وربما تسعى إلى إعادة إنتاج هذا النموذج.
ورد كرزاي قائلاً إن هذا قد يكون تصور طالبان، لكنه تساءل: «هل تريد طالبان أيضاً التخلف الاقتصادي؟».
وأجاب بالنفي، مؤكداً أن ذلك هو السبب الذي يجعله متفائلاً بالمستقبل.
وقال إنه يقترح على طالبان قيادة أفغانستان نحو مستقبل يقوم على الحقوق الاجتماعية والسياسية، معتبراً أن ذلك هو السبيل لتحسين حياة الجميع ومنع عودة العنف.
وأضاف أنه يضم صوته إلى أصوات ملايين الأفغان الذين يطالبون بالتعليم.
كما أشار إلى أن بناته الثلاث يعشن معه في كابول.
وقال كرزاي إن كل أب صالح يجب أن يوفر أفضل تعليم لأبنائه، ذكوراً وإناثاً، وإنه يتمنى ذلك لبناته ولسائر فتيات أفغانستان.
وأكد أنه لم يلتق حتى الآن هبة الله أخوند زاده، زعيم طالبان، لكنه يلتقي مسؤولين في الحركة.
وأضاف أنه يعرف بعض هؤلاء المسؤولين منذ أيام المقاومة ضد الاتحاد السوفييتي.
وبحسب كرزاي، فإن هؤلاء المسؤولين أشخاص عقلانيون ويتبنون الموقف نفسه الذي يتبناه بشأن إعادة فتح مدارس البنات، مؤكداً أنهم لا يريدون استمرار الحرب إلى الأبد.
ورداً على سؤال عما إذا كان الأخ يحق له أن يسجن أخاه إذا كان يعتبر طالبان «إخوة»، أجاب: «لا، لكن هناك من بينهم من يوافقني الرأي».
وفي معرض رده على سؤال حول أسباب انتصار طالبان رغم وجود الجيش الأميركي، قال كرزاي إن الولايات المتحدة ارتكبت أخطاء كثيرة، وإنه كان يتحدث عن هذه الأخطاء حتى عندما كانت القوات الأميركية لا تزال موجودة في أفغانستان.
وأضاف أن تعامل الأميركيين مع الشعب الأفغاني كان شديد القسوة.
وأشار إلى قصف المنازل والقرى من دون تمييز، وإلى استهداف القوات الأفغانية عن طريق الخطأ، واصفاً هذه الممارسات بأنها غير مقبولة وذات نتائج عكسية.
باكستان
واعتبر كرزاي أن باكستان كانت عاملاً آخر في سقوط الجمهورية، قائلاً إن إسلام آباد كانت تعمل في الخفاء من أجل هزيمة القوات الأميركية والجمهورية الأفغانية.
وأضاف أن الأميركيين كانوا على علم بذلك، لكنهم لم يواجهوا باكستان بصورة مباشرة.
وقال إنه عندما كان يسأل المسؤولين الأميركيين عن سبب هذا الوضع، كانوا يجيبون بأن خطوط الإمداد التي تمر عبر باكستان تمنعهم من الدخول في مواجهة مباشرة مع إسلام آباد.
وأضاف أنه في الوقت الذي كان فيه جنود البحرية الأميركية يُقتلون بسبب السياسات الباكستانية، كانت واشنطن لا تزال تدفع مليارات الدولارات إلى باكستان.
ووصف كرزاي هذا الوضع بأنه «غير منطقي»، قائلاً إن تفسيره يجب أن يُطلب من البيت الأبيض.
ورداً على سؤال حول أسباب «عداء باكستان لأفغانستان»، قال إن هناك عوامل ظرفية كثيرة، لكنه يعتقد أن جوهر القضية ثقافي بالدرجة الأولى.
وأضاف أن باكستان، التي انفصلت عن الهند، لم تتمكن بعد من بناء هوية خاصة بها، وأنها تخشى العمق التاريخي لأفغانستان.
وقال إن كابول كانت تسيطر لقرون على الأراضي التي تشكل اليوم دولة باكستان، وإن ذلك، بحسب رأيه، دفع إسلام آباد إلى السعي لتفكيك أفغانستان كدولة فاعلة وتحويلها إلى بلد بلا ثقافة.
وتحدث كرزاي أيضاً عن إيطاليا، قائلاً إن روما استضافت اثنين من أكثر ملوك أفغانستان شعبية، وإنها قدمت كل ما استطاعت لمساعدة الشعب الأفغاني.
«جمهوريتي هُزمت... وأنا هُزمت»
ورداً على سؤال عما إذا كان يعتبر نفسه مهزوماً، قال كرزاي: «بالتأكيد، جمهوريتي هُزمت، وأنا هُزمت، لكن أفغانستان لا تزال قائمة وستنتصر».
وأضاف أن معاناته الشخصية لا تهم، وأن الحوار بين جميع الأفغان، إلى جانب مجتمع متعلم، هو السبيل الوحيد لدفع البلاد نحو التقدم.
وأكد أنه يؤمن بهذه الفكرة وسيواصل العمل من أجل تحقيقها.
وتولى حامد كرزاي رئاسة الإدارة المؤقتة في أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان الأول، من الأول من جدي 1380 حتى الثالث والعشرين من جوزا 1381. وبعد ذلك، اختارته اللويا جيرغا الطارئة رئيساً للحكومة الانتقالية، وبقي في هذا المنصب حتى السابع عشر من قوس 1383. ثم فاز في أول انتخابات رئاسية في البلاد، وتولى رئاسة أفغانستان من السابع عشر من قوس 1383 حتى السابع من ميزان 1393.
وبعد عودة طالبان إلى السلطة في الرابع والعشرين من أسد 1400، بقي كرزاي في كابول، خلافاً لكثير من مسؤولي الحكومة السابقة الذين غادروا البلاد. وخلال السنوات الماضية، دعا مراراً إلى إعادة فتح المدارس والجامعات أمام الفتيات، ودافع عن حق النساء والفتيات في التعليم. كما أعرب في سنبلة 1401 عن دعمه للفتيات اللواتي تظاهرن في ولاية بكتيا للمطالبة بإعادة فتح المدارس، مؤكداً أن صوتهن «هو صوت جميع الفتيات وأفغانستان».