وقال ضياء، في مقابلة مع أفغانستان إنترناشيونال عشية الذكرى الخامسة لعودة طالبان إلى الحكم، إن الهجمات المتفرقة وحرب العصابات التي ينفذها المعارضون المسلحون لا تكفي وحدها لإزاحة الحركة عن السلطة. وأضاف أنه إذا لم تتمكن المقاومة من تجاوز العمليات العسكرية المحدودة، وتوسيع قاعدتها الاجتماعية، والتحول إلى بديل سياسي ذي مصداقية، فيجب إعادة النظر في استراتيجيتها.
وربما يمثل ذلك التقييم الأكثر صراحة من ضياء لخمس سنوات من الكفاح المسلح ضد طالبان. فقد أعلنت الجماعات المسلحة المعارضة مراراً خلال هذه الفترة توسيع عملياتها، لكنها لا تزال لا تسيطر على أراضٍ تُذكر، كما لم تتمكن من تغيير ميزان القوى على مستوى البلاد لصالحها.
ولا ينكر ضياء الفجوة بين العمليات العسكرية والهدف النهائي للمقاومة.
وقال لأفغانستان إنترناشيونال: «التقييم القائل إن معظم العمليات حتى اليوم كانت محدودة واتخذت طابع حرب العصابات صحيح إجمالاً، ولا ينبغي لنا أن نستبدل الواقع بالدعاية».
وأضاف أن على أي حركة مسؤولة أن تميّز بين «قدراتها الحالية وهدفها النهائي».
وأوضح ضياء أن جبهة الحرية تولي الأنشطة التنظيمية الداخلية، وصياغة رؤيتها السياسية، وإعداد الكوادر والاستعداد للحكم، أهمية مماثلة للعمل الميداني.
وقال: «أفغانستان لا تحتاج فقط إلى قوة قادرة على القتال، بل إلى قوة تستطيع، بعد انتهاء حكم طالبان، منع انهيار الدولة وأعمال الانتقام وتكرار الفوضى».
ومنذ سقوط النظام الجمهوري، قلّ ظهور ضياء في وسائل الإعلام. ولا يُعرف في أي دولة يقيم حالياً، إلا أنه تنقل خلال الأشهر الأخيرة بين دول المنطقة وآسيا الوسطى ودول الخليج وأوروبا.
وتأسست جبهة حرية أفغانستان قبل نحو خمس سنوات، وتبنت خلال السنوات الماضية عدداً من الهجمات ضد قوات طالبان. كما أشارت الأمم المتحدة في تقاريرها إلى عمليات نفذتها الجبهة. وكانت معظم هذه الهجمات محدودة واتخذت طابع حرب العصابات، إلا أن الجبهة برزت بصورة أكبر خلال الأشهر الأخيرة عقب اشتباكات استمرت عدة أيام مع طالبان في مديرية زيباك بولاية بدخشان.
وقال ضياء في المقابلة المكتوبة إن اشتباكات زيباك أظهرت أن المقاومة ضد طالبان يمكن أن تنتقل من العمليات المحدودة إلى أشكال أكثر تعقيداً واستدامة من القتال الميداني. لكنه تجنب استخلاص نتائج أوسع من هذه المعركة، قائلاً: «هذا التطور وحده لا يعني تغير ميزان القوى على مستوى البلاد».
ويرى ضياء أن أهمية زيباك تكمن في إظهار قدرة المعارضين، في ظروف معينة، على تجاوز الهجمات القصيرة والمتفرقة.
وقال: «هذا التطور يثبت أن الانتقال من العمليات الخاطفة إلى مقاومة أكثر استدامة أمر ممكن، شريطة أن يقترن بتقييم دقيق للظروف ودعم السكان والحفاظ على أرواح المدنيين».
ولا يزال من غير الواضح مدى قدرة جبهة الحرية على تكرار عمليات مماثلة في مناطق أخرى.
الحرب من دون سياسة لا تقود إلى نتيجة
قال ضياء إن أمل الجبهة في إسقاط طالبان لا يستند إلى «الشعارات أو الأوهام»، بل إلى ما وصفه بـ«الفشل السياسي» للحركة.
وأضاف أن طالبان، رغم سيطرتها على جميع إمكانات الدولة طوال نحو خمس سنوات، لم تتمكن من الحصول على شرعية وطنية أو رضا شعبي أو قبول دولي.
وأوضح زعيم جبهة الحرية أن الكفاح المسلح ضد طالبان لا يقتصر على عدد من الوحدات العسكرية في منطقة معينة، بل يتغذى من الاستياء السياسي، وحرمان النساء، وإقصاء المكونات العرقية والتيارات السياسية، وقمع أفراد قوات الأمن السابقة، وإغلاق سبل التغيير السلمي.
وأكد أن جبهة الحرية لا تعتبر نفسها «بديلاً عن الشعب الأفغاني»، كما أنها لا ترى أن إسقاط طالبان يمكن أن يتحقق بالعمليات العسكرية وحدها.
وأضاف أن الانتقال إلى المرحلة التالية لا يمكن أن يتحقق بمجرد زيادة عدد الهجمات، بل يتطلب «توسيع التنظيم السياسي، وتعزيز الارتباط بالمجتمع، وتوحيد القيادة، والحضور في مزيد من المناطق، وإيجاد بديل موثوق لمستقبل أفغانستان».
ورداً على سؤال عما إذا كانت جبهة الحرية ستقر بفشل استراتيجية المقاومة المسلحة في حال بقيت طالبان في السلطة خمس سنوات أخرى، قال ضياء إن على كل قيادة أن تضع معايير لقياس نجاح استراتيجيتها.
وأضاف أنه إذا لم تتمكن المقاومة، خلال فترة زمنية معقولة، من توسيع قاعدتها الاجتماعية، وبناء هيكل سياسي منظم، وتعزيز قدراتها الميدانية، وتقديم رؤية موثوقة لانتقال السلطة، فينبغي إعادة النظر في الاستراتيجية الحالية.
وحدد ضياء خمسة معايير لتقييم أداء جبهة الحرية: توسيع الدعم الداخلي، وتعزيز التماسك والقدرات التنظيمية، وتحقيق تقدم سياسي، وإحداث تغيير في سلوك طالبان وحساباتها، وكسب ثقة الجمهور.
وقال إنه إذا رأى الشعب جبهة الحرية باعتبارها «سبباً لاستمرار الحرب»، فعلى الجبهة مراجعة أساليبها. وأضاف أن الكفاح المسلح بالنسبة للجبهة ليس «عقيدة غير قابلة للتغيير أو هدفاً مستقلاً»، بل أداة فرضها إغلاق المسارات السياسية.
وأكد أنه إذا ظهر يوماً مسار حقيقي ومضمون وموثوق لانتقال السلطة وإجراء انتخابات حرة وضمان مشاركة الشعب والحفاظ على الحقوق الأساسية للمواطنين، فإنه «لا ينبغي لأي قوة مسؤولة أن تفضّل الحرب على السياسة».
الاعتماد على القوى داخل أفغانستان
وفي حديثه عن دور الدول الأجنبية، قال زعيم جبهة الحرية إن تجربة الحكومة السابقة واتفاق الدوحة أظهرتا أن أفغانستان يجب ألا تعتمد على الدعم الخارجي، وألا تُبنى حكومة من الخارج تنهار بمجرد تغير سياسات داعميها الأجانب.
وأكد أن استراتيجية المعارضة يجب ألا تقوم على انتظار تدخل عسكري أجنبي.
واعتبر ضياء أفراد قوات الأمن السابقة إحدى القدرات المهمة للمقاومة، قائلاً: «أُبعد آلاف الضباط والجنود المحترفين عن مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام، لكن خبراتهم وعلاقاتهم المحلية وقدراتهم التنظيمية لم تختفِ».
وأشار إلى بدخشان وننغرهار بوصفهما منطقتين كانتا في السابق من أبرز مصادر القوى البشرية للجيش والمؤسسات الأمنية التابعة للحكومة السابقة.
ويرى ضياء أن مسار التغيير ينتقل من «اتساع حالة الاستياء إلى التنظيم، ومن التنظيم إلى المقاومة الوطنية، ومن المقاومة الوطنية إلى إيجاد بديل سياسي موثوق». لكنه أكد أن ذلك لا يعني الاستغناء عن المجتمع الدولي.
وقال إن أفغانستان لا تقع في فراغ جغرافي، وإن الدعم السياسي الدولي لحقوق الشعب الأفغاني، والضغط الدبلوماسي من أجل احترام حقوق الإنسان، ومنع منح طالبان شرعية أحادية الجانب، والتعامل مع القوى الديمقراطية الأفغانية، كلها أمور مهمة.
وأضاف أن جبهة الحرية لا تطلب من المجتمع الدولي أن يقاتل نيابة عنها أو أن يحدد من يحكم أفغانستان، بل تتوقع منه ألا يعترف بطالبان ممثلاً شرعياً للشعب الأفغاني لمجرد سيطرتها العسكرية على البلاد.
أفغانستان ما بعد طالبان
قال ياسين ضياء إن جبهة الحرية لا تقاتل فقط لإسقاط طالبان، وإن على معارضي الحركة أن تكون لديهم خطة لليوم التالي لتغيير السلطة. وأضاف أن القوة التي لا تمتلك سوى القدرة على القتال ليست كافية لأفغانستان، بل يجب أن تكون قادرة أيضاً على منع انهيار الدولة وأعمال الانتقام وعودة الفوضى.
وقال: «هدفنا ليس مجرد إسقاط جماعة. الهدف هو نقل أفغانستان من حكم مسلح وغير خاضع للمساءلة إلى نظام قانوني وانتخابي وشامل».
وأكد ضياء أنه إذا لم تكن لديهم خطة لما بعد طالبان، فإن النجاح العسكري، حتى في حال تحقيقه، لن يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار والأمن في البلاد.
وأضاف: «نحن لا نقاتل لكي نحل محل طالبان، بل نقاتل من أجل إنهاء نظام يعتبر السلطة ملكاً حصرياً لجماعة مسلحة».
وكان ياسين ضياء من كبار المسؤولين الأمنيين في الحكومة الأفغانية السابقة، وشغل خلال عهد الجمهورية منصبي رئيس أركان الجيش ونائب رئيس المديرية العامة للأمن الوطني.