ارتفاع نسب سوء التغذية الحاد بين الأطفال في أفغانستان
أعلنت منظمة إنقاذ الطفولة أن سوء التغذية الحاد بين الأطفال دون سن الخامسة في أفغانستان ارتفع بنسبة 14٪ خلال السنوات الأربع الماضية، مشيرة إلى أن طفلاً واحداً من كل 10 أطفال دون الخامسة يعاني حالياً من سوء التغذية الحاد.
وقالت المنظمة، الخميس، إن وضع سوء التغذية الحاد لدى الأطفال خلال الربع الثاني من عام 2026 تدهور في ثلثي ولايات أفغانستان مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، فإن ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المعدية، بما فيها الأمراض التي تقلل شهية الأطفال وقدرتهم على امتصاص العناصر الغذائية، كان من بين أسباب زيادة حالات سوء التغذية خلال الأشهر الأخيرة. وقالت المنظمة إن أفغانستان تمر حالياً بذروة موسم سوء التغذية، الذي يبدأ عادةً خلال أشهر الصيف ويستمر حتى الخريف، فيما تشير التقديرات إلى أن نحو 3.7 مليون طفل في أفغانستان سيعانون من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026. وأوضحت أن حجم المساعدات الإنسانية المقدمة إلى أفغانستان انخفض من 3.27 مليار دولار عام 2022 إلى نحو مليار دولار عام 2025، أي بنحو 70٪ خلال أربع سنوات. وأضافت أن نقص التمويل استمر في عام 2026، إذ لم يُجمع حتى منتصف العام سوى 438 مليون دولار من التمويل المطلوب للمساعدات الإنسانية في أفغانستان، فيما لا يزال هناك عجز بنسبة 74٪ من الاحتياجات المالية. وأشار التقرير إلى أن تراجع المساعدات انعكس مباشرةً على الخدمات الصحية، وأدى إلى إغلاق أو توقف نشاط نحو 600 مركز صحي في أفغانستان. وقالت منظمة إنقاذ الطفولة إن إغلاق المراكز الصحية أثر في نحو أربعة ملايين شخص، يشكل الأطفال قرابة نصفهم. وأضافت أنها تمكنت، بعد خفض المساعدات، من إبقاء 14 عيادة تابعة لها مفتوحة من خلال تمويل قصير الأجل، إلا أن مستقبل هذه المراكز لا يزال غير مؤكد، وقد تضطر إلى وقف أنشطتها إذا لم يتوفر لها تمويل مستدام. وسلط التقرير الضوء على محدودية وصول السكان في المناطق النائية من أفغانستان إلى المرافق الصحية، مشيراً إلى أن إحدى العيادات في منطقة جبلية نائية شمال البلاد تمثل الجهة الوحيدة التي تقدم خدمات صحية لنحو 10 آلاف شخص. وتستقبل هذه العيادة أكثر من 100 مريض يومياً، فيما يضطر بعض المراجعين إلى السير على الأقدام مدة تتراوح بين ساعتين وثلاث ساعات للوصول إليها. وبحسب التقرير، تملك عائلات كثيرة خيارات محدودة لنقل المرضى، وقد تصل تكلفة الانتقال إلى مستشفى الولاية إلى نحو 60 دولاراً. وفي حال إغلاق العيادة، سيضطر بعض سكان المنطقة إلى السير نحو سبع ساعات للحصول على خدمات العلاج. وتناول التقرير حالة أسماء، وهي امرأة تبلغ 35 عاماً وأم لسبعة أطفال، وقال إن زوجها يكسب نحو ثلاثة دولارات يومياً، فيما تعتمد الأسرة على الخدمات العلاجية المجانية التي توفرها عيادة منظمة إنقاذ الطفولة لعلاج أطفالها. وقالت مروة، وهي ممرضة في قسم التغذية بالعيادة، إن سكان المنطقة كانوا قبل إنشاء المركز يضطرون إلى التوجه إلى عيادة المديرية أو مستشفى المدينة للحصول على العلاج. وأضافت أن الوصول إلى عيادة المديرية كان يستغرق عدة ساعات باستخدام الحمير أو الدراجات النارية، فيما كان مستشفى المدينة شبه غير متاح لكثير من السكان. وأشارت إلى أن كثيراً من أفراد المجتمع لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج، كما تؤدي الثلوج والأمطار والسيول خلال فصل الشتاء إلى إغلاق الطرق، ما يجعل وصول السكان إلى الخدمات الصحية الأساسية أكثر صعوبة. وقالت منظمة إنقاذ الطفولة إنه منذ مطلع عام 2025، فقد نحو 700 ألف شخص، بينهم 140 ألف طفل دون الخامسة، إمكانية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية الأولية بسبب إغلاق أو تقليص أنشطة المراكز الصحية والفرق المتنقلة التي تدعمها المنظمة نتيجة خفض التمويل. وحذرت المنظمة كذلك من أن زيادة عدد سكان أفغانستان نتيجة عودة ملايين المهاجرين فرضت ضغوطاً إضافية على الخدمات الصحية والإنسانية. وبحسب بيانات الأمم المتحدة، ربما ارتفع عدد سكان أفغانستان بنسبة تصل إلى 12٪ منذ سبتمبر 2023، في وقت عاد فيه أكثر من ستة ملايين أفغاني من إيران وباكستان إلى البلاد. وأكد التقرير أن تدفق أعداد كبيرة من العائدين، إلى جانب النزوح الداخلي الناجم عن الصراعات والكوارث الطبيعية والجفاف وتراجع الفرص الاقتصادية، زاد الحاجة إلى الخدمات الصحية والغذائية وخدمات الحماية. وقال المدير القطري لمنظمة إنقاذ الطفولة في أفغانستان، آشيش دامل، إن المجتمع الدولي لا يمكنه تجاهل أوضاع الأطفال في البلاد. وأضاف أن الجوع الشديد، وارتفاع أعداد العائدين، والنزوح الداخلي الواسع الناجم عن الكوارث الطبيعية، والصراعات الأخيرة، وأربع سنوات من الجفاف، دفعت الموارد الإنسانية المحدودة إلى حافة الانهيار. وأوضح دامل أن مشكلات الأسر الأفغانية مترابطة، إذ يؤثر الفقر في التغذية، ويؤدي نقص المياه إلى زيادة الأمراض، فيما تعطل الأمراض تعليم الأطفال، وقد يدفع انخفاض دخل الأسر الأطفال إلى العمل. وأضاف أن الصدمات المناخية والنزوح وتراجع الفرص الاقتصادية تزيد هذه الضغوط، وتخلق دائرة يصبح الخروج منها أكثر صعوبة على الأسر يوماً بعد يوم. وأكد المدير القطري لمنظمة إنقاذ الطفولة أن احتياجات ملايين الأطفال في أفغانستان وسبل مواجهة الأزمات المتفاقمة معروفة لدى المجتمع الدولي، إلا أن البرامج الإنسانية الأساسية مهددة بسبب النقص الحاد في التمويل وغياب الدعم التنموي طويل الأمد من الحكومات. وحذر من أن المجتمع الدولي يواجه الآن خياراً بين التدخل فقط عندما تصل الأسر إلى نقطة الانهيار، أو التحرك مبكراً بما يكفي لحماية أرواح أطفال أفغانستان وحقوقهم ومستقبلهم.
قالت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إن وصول المزارعين إلى المياه أصبح أبرز القيود التي تواجه موسم الزراعة الصيفي في أفغانستان، مشيرةً إلى أن شح المياه وارتفاع درجات الحرارة وزيادة تكاليف الزراعة تفرض ضغوطاً متزايدة
على القطاع الزراعي والأمن الغذائي في البلاد. وأوضحت المنظمة أن انخفاض تدفق الأنهار وتراجع مستويات المياه الجوفية واستمرار درجات الحرارة المرتفعة زادت الضغوط على الموارد المائية. وقال ثلثا أفراد المجتمعات الزراعية والريفية الذين أجرت "فاو" مقابلات معهم إنهم لا يحصلون على كميات كافية من المياه للزراعة وإنتاج المحاصيل، مشيرةً إلى أن المشكلة أشد في المناطق الجنوبية، وقد تزيد خطر انخفاض الإنتاج الزراعي. وتوقعت "فاو" أن تكون درجات الحرارة خلال أغسطس 2026 أعلى من متوسطها طويل الأمد في معظم مناطق أفغانستان، وأن تسجل في مناطق كثيرة ارتفاعاً بنحو درجة مئوية واحدة عن المعدلات المعتادة. وقد تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية في العديد من المناطق المنخفضة، خصوصاً في جنوب أفغانستان وغربها وشمالها. وأشارت المنظمة إلى أن استمرار الحرارة يزيد معدلات التبخر واحتياجات المحاصيل إلى المياه، ما يفرض ضغوطاً إضافية على أنظمة الري، خصوصاً في المناطق التي تعاني فيها مصادر المياه السطحية والجوفية من نقص موسمي. وقالت "فاو" إن تداعيات التغير المناخي ونقص الأمطار واستمرار الطقس الحار لا تقتصر على الأراضي الزراعية والمحاصيل، بل تؤثر أيضاً في المراعي ومصادر الأعلاف اللازمة للماشية. وبحسب تقرير المنظمة، دخلت المراعي في أفغانستان أيضاً فترة الجفاف الموسمي، ومن المتوقع أن تتراجع جودة الأعلاف ومدى توافرها خلال الأشهر المقبلة. وأضافت أن استمرار الطقس الجاف وارتفاع درجات الحرارة فوق معدلاتها قد يسرع جفاف الغطاء النباتي ويزيد الضغوط على الماشية، خصوصاً في المناطق الجنوبية والغربية والشمالية من أفغانستان. وأشارت إلى أن الحالة الصحية للماشية مستقرة نسبياً في الوقت الراهن، إلا أن استمرار تراجع الموارد قد يؤثر خلال الأشهر المقبلة في الإنتاج الحيواني وسبل عيش مربي الماشية. وحذرت "فاو" من أن ارتفاع أسعار الأسمدة قد يهدد زراعة القمح الشتوي، حتى في حال زيادة الأمطار خلال الشتاء والربيع المقبلين. وقالت إن محدودية الوصول إلى المستلزمات الزراعية الأساسية قد تدفع المزارعين إلى تقليل استخدام الأسمدة وخفض استثماراتهم في زراعة القمح الشتوي، ما قد يؤثر في حجم الإنتاج ودخل الأسر الريفية. وشددت المنظمة على أن الظروف المناخية المناسبة وحدها لا تكفي لزيادة إنتاج الغذاء، وأن وصول المزارعين إلى البذور والأسمدة وغيرها من المستلزمات الزراعية يمثل عاملاً أساسياً أيضاً. وأضافت أنه في حال تحقق توقعاتها بزيادة الأمطار والثلوج خلال الشتاء والربيع، فقد تتحسن أوضاع الزراعة في أفغانستان. وأوضحت أن زيادة الهطولات من شأنها رفع رطوبة التربة وتعزيز مخزون الثلوج في المناطق المرتفعة، ومع ذوبان الثلوج تدريجياً ستصل كميات أكبر من المياه إلى الأنهار والخزانات ومصادر المياه الجوفية. وقالت "فاو" إن ذلك قد يحسن وصول المزارعين إلى مياه الري ويوفر ظروفاً أفضل لزراعة القمح البعلي، خصوصاً في الحزام الزراعي شمال أفغانستان. كما قد تسهم زيادة الرطوبة في تحسين الغطاء النباتي واستعادة المراعي، ما يعزز وصول الماشية إلى الأعلاف ويحسن الإنتاج الحيواني. وفي المقابل، حذرت المنظمة من أن زيادة الأمطار لا تعني بالضرورة تحسن الظروف الزراعية، إذ قد تؤدي الأمطار الغزيرة وغير المعتادة إلى ارتفاع خطر السيول المفاجئة وفيضانات الأنهار والانهيارات الأرضية والانهيارات الثلجية، خصوصاً في الأحواض الجبلية والوديان المعرضة للخطر. وقد تتسبب الأمطار الغزيرة أيضاً في غمر الأراضي الزراعية بالمياه وتآكل التربة وتدمير منشآت الري وفقدان جزء من المحاصيل. وفي مناطق تربية الماشية، قد تحد الثلوج الكثيفة من وصول الحيوانات إلى المراعي ومن حركتها، وترفع خطر نفوقها. وأشارت "فاو" إلى أن نشاط الأمطار الموسمية في شرق أفغانستان وجنوب شرقها وأجزاء من المناطق الوسطى قد يؤدي أيضاً إلى تشكل عواصف محلية وهطول أمطار قصيرة المدة لكنها غزيرة. وقالت المنظمة إن التغير المناخي في أفغانستان لا يمثل قضية بيئية فحسب، بل يرتبط مباشرةً بإنتاج الغذاء ودخل المزارعين وتربية الماشية والأمن الغذائي للأسر. وأضافت أن ارتفاع تكاليف الأسمدة ومحدودية الوصول إلى المستلزمات الزراعية يمكن أن يضعفا قدرة المزارعين على تعويض الخسائر الناجمة عن الظروف المناخية. وفي حال تراجع إنتاج المحاصيل، قد تنخفض أيضاً مداخيل الأسر الريفية، ما يؤثر في قدرتها على شراء المواد الغذائية وغيرها من الاحتياجات الأساسية. وأعربت "فاو" كذلك عن قلقها من ضعف أنظمة الإنذار المبكر في أفغانستان، وقالت إن أنظمة الإنذار المبكر القائمة على المجتمعات المحلية لا تزال محدودة وغير مكتملة، وفي كثير من الحالات غير عاملة بشكل كامل. وأضافت أن المزارعين يظهرون اهتماماً كبيراً بالحصول على توقعات الطقس والإرشادات العملية المتعلقة بالزراعة. وأكدت المنظمة أن توسيع خدمات المعلومات المناخية، بحيث تصل إلى المزارعين في الوقت المناسب وتكون متاحة وقابلة للاستخدام، أمر ضروري للحد من المخاطر والاستعداد لظاهرة "النينيو" ومساعدة المزارعين على اتخاذ القرارات المتعلقة بمواعيد الزراعة والري والحصاد.
خالد خسرو
باحث و صحفی
بعد خمس سنوات على عودة طالبان إلى السلطة، لم تتمكن الجماعات المسلحة المعارضة لها حتى الآن من تغيير موازين القوى. فطالبان تسيطر على كامل أفغانستان، وعلى مؤسسات الدولة والموارد الاقتصادية الرئيسية في البلاد.
ولا تسيطر المعارضة على أي أراضٍ، كما أنها لا تحظى بدعم خارجي مؤثر يمكن أن يتيح لقوة مسلحة التوسع والاستمرار، على غرار الدعم الذي قدمته باكستان لطالبان خلال سنوات الحرب.
ومع ذلك، فإن استمرار حكم طالبان لا يعتمد على قوتها العسكرية وحدها. فأزمة الشرعية والفقر والخلافات الداخلية والاستياء الاجتماعي عوامل يمكن أن تؤدي، على المدى الطويل، إلى تآكل استقرار الحركة.
تحدثنا بشأن مستقبل حكم طالبان مع ياسين ضياء، قائد جبهة الحرية، وعدد من الباحثين والمسؤولين الأفغان السابقين. ويرى الباحثون أن طالبان تواجه مشكلات جدية، لكن هذه المشكلات لا تعني حتى الآن أن سقوطها بات وشيكاً.
وقال ياسين ضياء لأفغانستان إنترناشيونال إن مستقبل طالبان لا ينبغي أن يُقاس فقط بما يجري على جبهات القتال. وبرأيه، فإن أبرز نقاط ضعف الحركة سياسية، مضيفاً: «أهم عامل يدفعنا إلى التفاؤل هو الفشل السياسي لطالبان، ولحسن الحظ نجحنا في تحقيق هذا الهدف.»
وبحسب ضياء، فإن طالبان، على الرغم من سيطرتها على السلطة وامتلاكها إمكانات واسعة، لم تتمكن من الحصول على شرعية وطنية أو رضا شعبي أو قبول دولي.
لكن مشكلة المعارضة تكمن هنا تحديداً. فالفشل السياسي لطالبان لم يتحول حتى الآن إلى أزمة سلطة داخل بنية حكم الحركة.
ويبدو عباس فراسو ونعمت بيجن، وهما باحثان أفغانيان في أستراليا، أكثر حذراً في تقييم تداعيات هذا الضعف. فمن وجهة نظرهما، لا يشكل غياب الشرعية بحد ذاته مؤشراً على قرب سقوط أي نظام. ولا تزال طالبان تملك الأدوات الرئيسية لممارسة السلطة، فيما لم تتمكن المعارضة من رفع مستوى المقاومة المسلحة إلى درجة تهدد سيطرة الحركة على الأراضي.
ومع ذلك، يحذر الباحثان من أن استمرار الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية يعني أن طالبان لا تستطيع اعتبار استقرارها أمراً مضموناً. ويقول بيجن إن «أهم خطر يهدد مستقبل طالبان يتمثل في تزامن الأزمة الاقتصادية مع استياء السكان والخلافات الداخلية للحركة».
ولا تزال الهجمات التي تنفذها جماعات المقاومة بطابع حرب العصابات تحمل في الوقت الراهن دلالات رمزية وسياسية أكثر منها عسكرية. فالرسالة التي تريد هذه الهجمات إيصالها هي أن طالبان ليست قوة لا تُهزم. لكن هذه العمليات لن تتحول إلى تهديد جدي لطالبان إلا إذا تمكنت جماعات المقاومة من الحد من سيطرة الحركة على الأراضي، والخروج من سفوح الجبال، وإقامة قواعد لها داخل القرى. وإلى جانب ذلك، تحتاج إلى عمق خلفي آمن يوفر لها المال والسلاح وإمكان معالجة المقاتلين وملاذاً آمناً لقياداتها.
غير شرعية لكنها مهيمنة
يقول ياسين ضياء إن طالبان أغلقت، بعد وصولها إلى السلطة، جميع سبل التغيير السياسي تقريباً. فلا انتخابات في البلاد، والدستور جرى تهميشه، والنساء أُقصين عن جزء كبير من الحياة العامة.
وقال: «حين تغلق سلطة حاكمة جميع طرق الإصلاح، فإنها توسع عملياً القاعدة الاجتماعية للمعارضة ضدها.»
وقد أصبح الاستياء أكثر وضوحاً في بعض مناطق أفغانستان خلال السنوات الأخيرة. وأظهرت الاحتجاجات في بدخشان جانباً من التوتر بين السكان المحليين وطالبان بشأن الموارد وطريقة إدارة هذه المناطق.
وفي جنوب أفغانستان أيضاً، اضطرت طالبان في بعض الحالات إلى إبداء مرونة في مواجهة الضغوط الاقتصادية التي يتعرض لها المزارعون. وسمحت الحركة بصورة غير رسمية بزراعة الخشخاش في بعض مناطق الجنوب. وهذه التنازلات ليست مستغربة تماماً، فالجنوب يشكل الحاضنة التقليدية لطالبان، وقد يكون اتساع الاستياء بين المزارعين الفقراء مكلفاً للحركة.
ويرى عباس فراسو أن غياب معارضة قوية ومنظمة يمثل أحد أبرز أسباب استمرار طالبان في الحكم. ويقول إن معارضي الحركة مشتتون ولا يمتلكون قيادة أو برنامجاً سياسياً مشتركاً، كما أنهم لا يحظون بدعم خارجي مؤثر.
وقال فراسو: «في ضوء الظروف الحالية، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً خلال فترة تتراوح بين عامين وخمسة أعوام هو استمرار إمارة طالبان.»
ولا يعني هذا التوقع أن مشكلات طالبان قد حُلت. فبحسب فراسو، استمرت الحركة في الحكم إلى حد كبير لأن خصومها لم يتمكنوا حتى الآن من استغلال نقاط ضعفها.
ماذا غيّرت زيباک؟
تحظى المواجهات الأخيرة في زيباک بولاية بدخشان بأهمية خاصة بالنسبة إلى جبهة الحرية. ويقول ياسين ضياء إن هذه المعارك تجاوزت، مقارنة بمعظم عمليات الجبهة، نمط الهجمات الصغيرة التي تتبع أسلوب حرب العصابات، وتحولت إلى مواجهة أكثر مباشرة مع طالبان.
وقال: «هذا التطور لا يعني بحد ذاته تغيراً في موازين القوى، لكنه يظهر أن النضال الشعبي ضد جماعة طالبان انتقل من مرحلة عمليات حرب العصابات المحدودة إلى أشكال أكثر تعقيداً من القتال الميداني.»
ويقر ضياء، في الوقت نفسه، بأن معظم عمليات جبهة الحرية خلال السنوات الخمس الماضية كانت صغيرة ومحدودة.
وقال: «يجب ألا نستبدل الواقع بالدعاية. على أي حركة مسؤولة أن تميز بين قدراتها الحالية وهدفها النهائي.»
وأضاف: «ندرك أن تكرار الهجمات الصغيرة بلا نهاية لا يمكنه بمفرده إسقاط أي حكومة.»
وكانت لهجمات جبهة الحرية خلال السنوات الماضية ثلاثة أهداف: الحفاظ على الوجود في الميدان، وكسر صورة طالبان باعتبارها قوة لا تُهزم، وبناء شبكات منظمة داخل أفغانستان.
ويقول ضياء إن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إمكانات أكبر. ويشدد على ضرورة توسيع التنظيم السياسي والتواصل مع المجتمع وتعزيز تماسك القيادة وتوسيع الحضور في مناطق أكثر وتقديم بديل سياسي ذي مصداقية.
ويرى علي أحمد جلالي، وزير الداخلية الأفغاني السابق، أن التطورات في بدخشان تمثل أيضاً مؤشراً على تزايد ردود فعل السكان تجاه سياسات طالبان.
وقال جلالي لأفغانستان إنترناشيونال إن كل «نظام استبدادي» يواجه في نهاية المطاف رد فعل من الشعب، لكن الهجمات المتفرقة الحالية للمعارضة لا تشكل بعد تهديداً جدياً لطالبان.
وأضاف أن العمليات المحدودة في المناطق النائية ليست كافية لتغيير موازين القوى. وبرأيه، يحتاج نجاح المعارضة إلى تماسك سياسي واستراتيجية موحدة وقيادة وطنية. وحذر من أن بقاء الاحتجاجات والمواجهات متفرقة سيمكن طالبان من احتوائها باستخدام قدراتها العسكرية والأمنية.
متى يصبح الفقر خطراً؟
يمثل الاقتصاد إحدى نقاط الضعف في حكم طالبان. وقد وصفت الأمم المتحدة الوضع في أفغانستان بأنه نوع من «الاستقرار الظاهري»، فيما يقدم تراجع مستوى المعيشة وانتشار الفقر واعتماد ملايين المواطنين على المساعدات الإنسانية الطارئة صورة مختلفة للحياة اليومية للسكان.
وبحسب إحصاءات الأمم المتحدة، يحتاج أكثر من 20 مليون شخص في أفغانستان إلى مساعدات إنسانية. ولا تملك طالبان موارد كافية، وتعتمد، شأنها شأن الحكومات الأفغانية السابقة، على المساعدات الخارجية.
وقد أبدى بعض معارضي طالبان، ومن بينهم أمر الله صالح، خلال السنوات الماضية أملاً في أن يؤدي تقليص المساعدات الخارجية أو وقفها إلى زيادة الضغوط على الحركة. لكن تجربة السنوات الخمس الماضية أظهرت أن انتشار الفقر لا يؤدي بالضرورة إلى تمرد سياسي.
ويرى ياسين ضياء أن الاستياء الناجم عن الفقر، إلى جانب القمع السياسي والقيود الواسعة المفروضة على النساء، يشكل جزءاً من البيئة الاجتماعية التي يمكن أن تنشأ فيها المقاومة.
أما نعمت بيجن فيميز بين الاستياء الشعبي وبين وجود تهديد فوري للحكم.
وقال: «الفقر أو العزلة الدولية وحدهما لن يؤديا، على الأرجح، إلى سقوط فوري للحكومة.»
وبرأي بيجن، تصبح المشكلة أكثر خطورة بالنسبة إلى طالبان عندما تنتقل الضغوط الاقتصادية إلى داخل بنية السلطة نفسها.
فانخفاض الإيرادات والتنافس على الموارد واستياء القادة وتراجع قدرة إدارة طالبان على تأمين مصالح شبكات الموالين لها يمكن أن يجعل الاستقرار الداخلي للحركة أكثر هشاشة.
وقال بيجن إنه إذا «شعر الناس بأنه لا أمل في تحسين حياتهم أو الحصول على التعليم والعمل أو تأمين مستقبل أبنائهم»، فقد يتخذ الاستياء شكلاً أكثر خطورة.
ويقول عباس فراسو أيضاً إن طالبان أظهرت فاعلية أكبر في بعض المجالات، مثل تحصيل الضرائب وقمع الاحتجاجات، لكنه لا يعتبر ذلك دليلاً على تحول طالبان إلى حكومة طبيعية.
وبحسب فراسو، يقوم الهيكل الاقتصادي لطالبان بصورة أساسية على الجمارك والضرائب واستخراج المعادن، فيما يتمثل هدفه الرئيسي في الحفاظ على الجهازين السياسي والأمني، وليس تحقيق الرفاه العام.
ويصف فراسو اقتصاد طالبان بأنه «اقتصاد نهبي»، ويقول إن «مجموعات طالبان تخوض تنافساً شديداً للاستحواذ على هذه الموارد».
خلافات لا انشقاق
تكررت التقارير عن خلافات بين قيادة طالبان في قندهار، والمسؤولين الموجودين في كابول، وشبكة حقاني، وبعض القادة المحليين للحركة. لكن هذه الخلافات لم تصل حتى الآن إلى مستوى انشقاق يهدد تماسك الحكم.
ويقول عباس فراسو إن سلطة قيادة طالبان وقمع المعارضين داخل الحركة والخوف المشترك من الانهيار ووجود أعداء مشتركين والإيمان الأيديولوجي باحتكار السلطة، كلها عوامل حالت حتى الآن دون اتساع هذه الشقوق.
ويرى نعمت بيجن أيضاً أن الخلافات الداخلية جدية، لكنه يقول إن الخطر يتزايد عندما تتزامن عدة أزمات.
فأزمة الخلافة على القيادة، وتصاعد الخلافات الداخلية، وانشقاق القادة، والانخفاض المفاجئ في الإيرادات، كلها عوامل يمكن، بحسب رأيه، أن تهدد تماسك طالبان.
وقال بيجن: «إذا استمرت الظروف الحالية في أفغانستان والمنطقة، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الوضع القائم مصحوباً بتآكل تدريجي.»
وقد يستمر هذا التآكل سنوات من دون أن يؤدي بالضرورة إلى انهيار فوري.
مقاومة من دون داعم خارجي
يمثل غياب الدعم الخارجي المؤثر إحدى أكثر المشكلات جدية بالنسبة إلى معارضي طالبان.
فقد حظيت طالبان خلال حربها ضد الحكومة السابقة بدعم واسع من باكستان. كما استفاد المجاهدون، خلال الحرب ضد الاتحاد السوفياتي وحكومتي ببرك كارمل ونجيب الله، من دعم باكستان والولايات المتحدة وعدد من الدول الأخرى.
أما جماعات المقاومة الحالية فلا تمتلك مثل هذا الظهير. وحتى بعض دول المنطقة التي لديها خلافات مع طالبان لا تبدي رغبة كبيرة في دعم حرب جديدة داخل أفغانستان. كما مارست إيران ضغوطاً على بعض معارضي طالبان للامتناع عن الدخول في مواجهة مسلحة مع الحركة.
ويقول ياسين ضياء إن المقاومة لا تستطيع ربط مستقبلها بقرارات الدول الأجنبية.
وأضاف: «الحكومة التي تُبنى من الخارج يمكن أن تنهار، بالسرعة نفسها التي أُنشئت بها، إذا تغيرت سياسات الجهات الداعمة لها. إن تجربة الجمهورية السابقة واتفاق الدوحة تحمل دروساً بالغة الأهمية لنا جميعاً في هذا المجال.»
ويرى ضياء أن القاعدة الرئيسية للنضال يجب أن تتشكل داخل أفغانستان، وأن تعتمد على أفراد قوات الأمن السابقة والشباب والنساء والمجتمع المدني والنخب السياسية والشبكات الداخلية.
كما أن تراجع اهتمام القوى الكبرى بأفغانستان صب في مصلحة طالبان. ويقول فراسو إن الحرب في أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط والتنافس بين الولايات المتحدة والصين أدت إلى تراجع موقع أفغانستان في السياسات الخارجية للقوى الكبرى مقارنة بما كان عليه خلال العقدين الماضيين.
وساهم تهديد داعش-خراسان أيضاً في تعزيز موقع طالبان. فالخشية من تمدد التنظيم دفعت إيران وروسيا وبعض دول آسيا الوسطى إلى زيادة التعاون الأمني مع طالبان.
ومع ذلك، يقول تميم عاصي، نائب وزير الدفاع الأفغاني السابق، إن الأزمات الداخلية وطبيعة نظام طالبان يمكن أن «تضعف قدرة نظام مثل طالبان على مواجهة الصدمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتفتح الطريق أمام التمردات الداخلية والتدخلات الخارجية».
ويقول بيجن أيضاً إن التاريخ المعاصر لأفغانستان يظهر أن تراكم مثل هذه الأزمات، ولا سيما عندما يترافق مع انقسامات داخلية وتراجع في الدعم الخارجي، يمكن أن يهيئ الظروف لاضطرابات خطيرة، بل وحتى لسقوط الحكومة.
شهد يوما 12 و13 أغسطس 2021 تقدماً سريعاً للغاية لحركة طالبان، وشكّل سقوط ولاية قندهار، ثاني أكبر مدينة في أفغانستان، ضربة عسكرية وسياسية قوية للحكومة السابقة.
فقبل أسابيع من سقوط المدينة، دارت معارك عنيفة بين قوات الأمن الأفغانية وحركة طالبان في محيط قندهار. وبعد سيطرتها على عدد من المديريات والطرق المهمة، حاصرت طالبان مركز مدينة قندهار من عدة جهات. وفي ليلة 12 أغسطس، وبعد اشتباكات عنيفة، دخلت قوات طالبان المدينة وسيطرت على أجزاء واسعة منها، فيما ظل مطار قندهار وحده تحت سيطرة القوات الحكومية. كما كان لسقوط سجن قندهار وإطلاق سراح مئات السجناء تأثير كبير على معنويات القوات الحكومية.
اللحظات الأخيرة لسقوط قندهار كان حاكم قندهار آنذاك روح الله خانزاده، الذي عيّنه الرئيس أشرف غني مطلع عام 2021، قد تعهد سابقاً بعدم تسليم قندهار إلى طالبان. إلا أن التقدم الواسع للحركة دفع قسماً كبيراً من القوات الحكومية إلى الانسحاب نحو مبنى الولاية. وبحسب التقارير، تقرر بعد مشاورات مع شيوخ القبائل وعلماء الدين والتجار تسليم قندهار إلى طالبان، تجنباً لمزيد من إراقة الدماء. وقاد عملية السيطرة على قندهار يوسف وفا، أحد أبرز الشخصيات النافذة في حركة طالبان وحاكم بلخ الحالي في الحركة. وفي نهاية المطاف، سلّم روح الله خانزاده المدينة إلى ممثلي طالبان، وغادر قسم من القوات الحكومية المدينة، فيما ألقى آخرون أسلحتهم بعد حصولهم على ضمانات أمنية. وعلى الرغم من سقوط المدينة، بقي مطار قندهار تحت سيطرة القوات الحكومية عدة أيام أخرى، قبل نقل عدد من القوات المتمركزة فيه جواً. واكتسب سقوط قندهار أهمية خاصة، كونها ثاني أكبر مدن أفغانستان، فضلاً عن كونها مهد حركة طالبان ومركزها الرئيسي.
سقوط لشكرغاه مركز ولاية هلمند بعد ساعات فقط من سقوط قندهار، بدأت المرحلة الأخيرة من المعركة في هلمند. وسقطت لشكرغاه، التي ظلت لأسابيع تحت ضغط طالبان، في 13 أغسطس، وسيطرت الحركة على أجزاء مهمة من المدينة. ومع مغادرة عدد من كبار المسؤولين الأمنيين وانهيار آخر خطوط المقاومة، سقطت لشكرغاه أيضاً في أيدي طالبان. واكتسب سقوط هلمند أهمية خاصة، إذ كانت الولاية طوال سنوات الحرب واحدة من أبرز ساحات القتال بين حركة طالبان والقوات الأفغانية والقوات الأجنبية.
اتساع نطاق سقوط الولايات لم يكن الثالث عشر من أغسطس 2021 يوم سقوط قندهار وهلمند فحسب، إذ واصلت حركة طالبان تقدمها السريع في مناطق أخرى من أفغانستان. وبحسب التقارير، سقطت في ذلك اليوم أيضاً ولايات غور، وعاصمتها فيروزكوه، ولوغر وزابل وأروزغان، فيما سُلّم مركز ولاية غور إلى طالبان من دون معارك واسعة. وفي لوغر، قاومت القوات الأفغانية، لكن مدينة بل علم سقطت في نهاية المطاف. وفي زابل وأروزغان، انسحبت القوات المحلية بعد تدهور الأوضاع. شكّل سقوط قندهار وهلمند وولايات مهمة أخرى مؤشراً على الانهيار السريع لخطوط دفاع الحكومة الأفغانية. وبحلول 13 أغسطس، كانت حركة طالبان قد سيطرت على مراكز 18 ولاية من أصل 34 ولاية أفغانية، ووسعت وجودها إلى أكثر من نصف أراضي البلاد. ومهّد السقوط المتتالي للولايات الطريق أمام حركة طالبان للتقدم نحو كابل بصورة أكبر.
رفض شقيق أحد الأشخاص السبعة الذين قتلتهم قوات حركة طالبان في كابل في الأول من أغسطس، رواية الحركة بأن شقيقه كان "لصاً ومسلحاً"، وقال إن آثار تعذيب ونحو 20 إصابة بالرصاص كانت ظاهرة على جسده.
وقال الرجل، الذي تحجب "أفغانستان إنترناشيونال" هويته حفاظاً على سلامته، إن شقيقه وعائلته لم يكونوا يعانون مشكلات مالية، وإن أفراد الأسرة، وبينهم عدد يعيش خارج أفغانستان، كانوا يتكفلون بانتظام بنفقات العائلة. وكانت حركة طالبان قد أعلنت في وقت سابق أن الأشخاص السبعة كانوا "لصوصاً مسلحين"، وأنهم قُتلوا خلال اشتباك مع قوات الحركة في نطاق المنطقة الأمنية الثامنة في كابل. ونفى شقيق أحد الضحايا هذه الرواية، وقال: "كنا نرسل إليه المال كل شهر، ولم يكن يعاني أي مشكلة مالية". وأضاف أن شقيقه كان يخرج أحياناً مع أصدقائه للعمل، لكن هدفه الأساسي كان الترفيه وقضاء الوقت. ونقل عنه قوله: "أفغانستان سجن للشباب؛ لا توجد فيها وسائل ترفيه ولا تسلية". وقالت عائلة الشاب إنها تسلمت جثمانه من الطب العدلي في كابل. وقال شقيقه إنه شاهد آثار تعذيب على جسده عند تسلمه، وإن نحو 20 رصاصة أصابته، مضيفاً: "لم يبقَ تقريباً موضع سليم في جسده". وأضاف أن العائلة لاحظت، لدى رؤية جثامين الضحايا الآخرين، أن كلاً منهم أصيب أيضاً بعدد كبير من الرصاصات. واتهم شقيق الشاب حركة طالبان بالتصرف بدافع الانتقام، وقال: "إذا لم يكن هذا كله حقداً وعداءً، فلماذا لم يطلقوا رصاصة واحدة قاتلة؟ لماذا يجب أن تكون كل جثة قد أصيبت بأكثر من 15 رصاصة؟". ولا تستطيع "أفغانستان إنترناشيونال" التحقق بصورة مستقلة من تفاصيل هذه الرواية. وكان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحقوق الإنسان في أفغانستان قد دعا في وقت سابق إلى إجراء تحقيق مستقل بشأن إطلاق حركة طالبان وابلاً من الرصاص على 11 شخصاً للاشتباه في تورطهم بالسرقة. كما نفى شقيق القتيل ادعاء حركة طالبان بأن شقيقه ورفاقه كانوا مسلحين، وقال: "إذا أردت التنقل من منطقة أونتشي في دشت برتشي إلى وسط كابل، فعليك المرور عبر عدة نقاط تفتيش تابعة لطالبان". وأضاف أن حمل السلاح على هذا الطريق من دون اكتشافه في نقاط تفتيش حركة طالبان أمر غير ممكن. وكان شقيقه قد عاش سابقاً مهاجراً في إيران، قبل أن يعود إلى أفغانستان ليكون إلى جانب أسرته. وقال إن شقيقه كان يحلم بمغادرة أفغانستان يوماً ما وبدء حياة جديدة في أوروبا.
رواية مصادر محلية عن كيفية مقتل الأشخاص السبعة قال الصحفي نصير موحد، الذي تابع القضية بشكل منفصل، لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إنه تحدث خلال تحقيقه في القضية مع مصادر داخل حركة طالبان وسكان المنطقة وعائلات القتلى. وأكد أنه لا يستطيع الحكم على ماضي جميع هؤلاء الأشخاص أو طبيعة الأنشطة التي كانوا يمارسونها سابقاً، لكنه قال: "ما نحن متأكدون منه هو أنهم في اليوم الذي قُتلوا فيه لم يكونوا مسلحين، ولم يدخلوا منزل أي شخص بقصد السرقة". وأضاف أن هذه النتيجة تستند إلى محادثات مع مصادر داخل حركة طالبان وعائلات الضحايا وسكان المنطقة. وقال موحد أيضاً لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن سكان المنطقة أبلغوه بأنهم لم يسمعوا عند وقوع الحادث أصوات اشتباك مسلح متبادل. وأضاف أن بعض المصادر داخل حركة طالبان لم تؤكد أيضاً وقوع اشتباك مسلح بين هؤلاء الأشخاص وقوات الحركة. وتتناقض هذه الرواية مع البيان الرسمي لحركة طالبان، الذي قال إن الأشخاص السبعة قُتلوا خلال اشتباك مسلح. وقال موحد في الوقت نفسه إن هناك معلومات بشأن خلفية أحد القتلى تشير إلى أنه سبق أن اعتُقل وسُجن، لكنه أكد أنه لا يمكن الجزم بسبب اعتقاله أو بصحة الاتهامات التي وُجهت إليه. ووصفت شقيقة أحد الضحايا الآخرين شقيقها بأنه شاب هادئ وحسن التعامل، وقالت إن أسرته، التي يعيش بعض أفرادها في الخارج، كانت تتكفل بنفقات معيشته. ونقلت عن شقيقها قوله: "ما دام والداي على قيد الحياة، فسأعتني بهما بنفسي". وادعى المصدر أيضاً أنه بعد مقتل هؤلاء الأشخاص، تلقت العائلة تحذيراً من مشاركة معلومات عن الحادث مع وسائل الإعلام. وأضاف أن الأسرة لاحظت خلال الأيام التالية وجود أشخاص مجهولين حول المنزل. ولا تستطيع "أفغانستان إنترناشيونال" التحقق بصورة مستقلة من الادعاء المتعلق بتهديد الأسرة أو وجود أشخاص مجهولين حول المنزل.
أربعة قتلى آخرين باتهام مماثل وتأتي هذه القضية في وقت أعلنت فيه حركة طالبان، بعد تسعة أيام، في 10 أغسطس، مقتل أربعة أشخاص آخرين في كابل باتهام مماثل. وقال المتحدث باسم قيادة أمن حركة طالبان في كابل، خالد زدران، إن أربعة "لصوص مسلحين" دخلوا منزلاً بقصد السرقة في نطاق المنطقة الأمنية الثامنة عشرة بمدينة كابل، واشتبكوا مع قوات الحركة وقُتلوا. وزعم أنه عُثر بحوزتهم على مسدسين. وبذلك، قتلت قوات حركة طالبان خلال تسعة أيام ما مجموعه 11 شخصاً في حادثتين منفصلتين في كابل، ووصفتهم في كلتا الحالتين بأنهم مسلحون متهمون بالسرقة. وأعرب المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، عن قلقه بشأن الحادثتين، ودعا إلى إجراء تحقيق عاجل ومحايد ومستقل. وأشار بينيت تحديداً إلى مقتل أربعة أشخاص في 10 أغسطس الجاري وسبعة آخرين في المنطقة الأمنية الثامنة في كابل، وقال إن استخدام القوة المميتة يجب أن يتوافق مع القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك مبدأا "الضرورة والتناسب". ولم ترد حركة طالبان حتى الآن على الادعاءات المتعلقة بالتعذيب، والعدد الكبير من الرصاصات التي أصابت الضحايا، وإفادات سكان المنطقة بأنهم لم يسمعوا أصوات اشتباكات.
أفادت مصادر محلية في مديرية "نسي" بولاية بدخشان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" بأن الاشتباكات بين قوات حركة طالبان والعناصر التابعة للقيادي في الحركة جمعة خان فاتح وصلت إلى محيط مركز المديرية،
فيما قالت مصادر داخل الحركة إن المعارك أسفرت عن مقتل 5 من عناصر طالبان وإصابة 16 آخرين وفقدان 5 على الأقل. وقالت المصادر إن قوات فاتح سيطرت على نقطتين أمنيتين لطالبان في منطقتي دوآبي وسركوه، فيما تتواصل المعارك في منطقة دولواخ. وأضافت أن مناطق شوريان وجوي دره وشاخ دره، إلى جانب أجزاء واسعة من المناطق الريفية في نسي، باتت تحت سيطرة قوات فاتح، فيما لا تزال حركة طالبان تسيطر على مركز المديرية. وأفاد الصحفي سميع يوسفزي، نقلاً عن مسؤولين في حركة طالبان ببدخشان، بأن الاشتباكات أسفرت عن مقتل 5 من عناصر الحركة وإصابة 16 آخرين، فيما فُقد ما لا يقل عن 5 من عناصر طالبان. وقال يوسفزي: "يبدو أن أداء طالبان لم يفشل فقط في السيطرة على الوضع، بل أدى في بعض الحالات إلى تصعيد التوترات وجعل الوضع أكثر صعوبة على طالبان نفسها". وبحسب تقارير أخرى، قُتل عنصر تابع لفاتح يُدعى عوض، وعامل منجم من مديرية شكي، وأصيب ثلاثة أشخاص آخرين على الأقل. وفي ظل ارتفاع عدد الجرحى في صفوف حركة طالبان، قالت مصادر محلية إن الحركة سيطرت على جميع المراكز الصحية في مديرية نسي لعلاج جرحاها، وأخرجت المرضى من عيادة المديرية، فيما يتولى أطباء تابعون لطالبان علاج المصابين. وقال أحد المصادر إن وحدة من استخبارات حركة طالبان موجودة في نسي برفقة خمس سيارات إسعاف وفريق طبي مجهز، وتتولى نقل جرحى الحركة إلى المراكز الصحية. وفي الوقت نفسه، قالت مصادر في مستشفى بدخشان بمدينة فيض آباد إنه أُعلن الاستعداد لاستقبال جرحى محتملين من حركة طالبان. وأضافت المصادر أن مروحية تابعة لحركة طالبان هبطت في فيض آباد، ويُرجح أنها استُخدمت لنقل جرحى الحركة من نسي إلى فيض آباد، مشيرة إلى أن المروحية توجهت إلى المنطقة وعادت منها ثلاث مرات يوم الأربعاء. كما أظهرت مقاطع فيديو وصلت إلى "أفغانستان إنترناشيونال" تحليق مروحيات تابعة لحركة طالبان وسماع أصوات إطلاق نار متفرق في المديرية، فيما قالت مصادر إن طائرات مسيّرة تابعة للحركة تحلق أيضاً فوق المنطقة. وبالتزامن مع تصاعد الاشتباكات، انقطعت خدمات الإنترنت في أجزاء من مديرية نسي، من بينها منطقتا شاخ دره وقوغز. وقالت المصادر إن خدمات الإنترنت عبر شبكة الواي فاي انقطعت في أجزاء من المديرية، فيما لا يتمكن سوى سكان مركز نسي من الوصول إلى الإنترنت بشكل محدود. وبدأت الاشتباكات مساء الثلاثاء 11 أغسطس، واشتدت قبل ظهر الأربعاء، وتواصلت بشكل عنيف في مناطق قوغز ودوآبي وخنيس وإيل رمه. وكان جمعة خان فاتح، القيادي المنشق عن حركة طالبان، قد دعا يوم الأربعاء عناصره والسكان إلى بدء القتال ضد الحركة، في ظل تصاعد الخلافات بين الجانبين خلال الأشهر الأخيرة بشأن مناجم بدخشان. ولم تصدر حركة طالبان حتى الآن تعليقاً رسمياً بشأن هذه الاشتباكات.