اليوم الذي انهارت فيه كابل

لم يكن 15 أغسطس يوماً عادياً، كان الاختلاف واضحاً على وجوه الناس وفي أجواء المدينة، وكان الجميع قلقين وتائهين، في ذلك اليوم، شهد الأفغان عن قرب انهيار النظام الذي نشأ بعد مؤتمر بون 2001 وعودة حركة طالبان إلى السلطة،

لم يكن 15 أغسطس يوماً عادياً، كان الاختلاف واضحاً على وجوه الناس وفي أجواء المدينة، وكان الجميع قلقين وتائهين، في ذلك اليوم، شهد الأفغان عن قرب انهيار النظام الذي نشأ بعد مؤتمر بون 2001 وعودة حركة طالبان إلى السلطة،
وفي غضون ساعات، تغيرت حياة ومصير ملايين الأفغان إلى الأبد.
بالنسبة إلى كثير من الناس، كان سقوط كابل غير متوقع تماماً وصادماً. وقليلون كانوا يتصورون أن نظاماً تشكّل على مدى عقدين بجهود الشعب ودعم المجتمع الدولي يمكن أن ينهار خلال ساعات. لكن بالنسبة إلى من كانوا يتابعون التطورات السياسية والأمنية عن كثب، كانت مؤشرات الانهيار واضحة منذ أشهر، من انسحاب القوات الأميركية، والسقوط المتتالي للولايات، والجمود السياسي، وضعف قيادة الحكومة، إلى أوضاع جبهات القتال، وكلها كانت تنذر بأزمة عميقة.
خلال الأسابيع التي سبقت السقوط، كنت أجتمع بانتظام مع مجموعة من الناشطين الثقافيين والسياسيين لمناقشة مستقبل البلاد. وكان معظمنا يأخذ احتمال انهيار النظام على محمل الجد، رغم أن أحداً لم يكن قادراً على توقع سرعة الانهيار وشكله بدقة. وكان بعض المشاركين يتحدثون عن المقاومة المسلحة، مؤكدين أنهم سيقاتلون حركة طالبان من شارع إلى شارع، فيما كان آخرون يعطون الأولوية للنجاة والخروج من البلاد، بينما شدد فريق ثالث على ضرورة التكيف مع الواقع الجديد. ومع ذلك، ظل السؤال المشترك بين الجميع: ماذا سيحدث لأفغانستان إذا سقطت كابل؟
صباح لم تعد فيه كابل مدينتها المعتادة
صباح الأحد 15 أغسطس 2021، لم تعد كابل كما كانت. فقد لجأت إلى العاصمة آلاف العائلات التي فرّت من الولايات بعد سقوطها. وفي الوقت نفسه، انتشرت شائعات في المدينة عن دخول عدد من عناصر حركة طالبان إلى كابل بين النازحين، وسادت أجواء من القلق والتوتر.
في ذلك الصباح، ذهبت إلى وزارة الخارجية، قرب القصر الرئاسي، لتصديق وثائقي الشخصية. وكان الموظفون لا يزالون يعملون خلف مكاتبهم، لكن وجود عدد من المسؤولين الحكوميين الذين حضروا في الوقت نفسه لتصديق وثائقهم والبحث عن سبيل للخروج، كان دليلاً على أن الأوضاع لم تعد طبيعية.
نحو الساعة العاشرة صباحاً، وبعد أن أنهيت معاملاتي الإدارية، تحدثت في مبنى الوزارة مع دبلوماسي رفيع بشأن تأشيرة الهند، لأن جوازات سفري وجوازات أفراد عائلتي كانت في السفارة الهندية. وأبلغني أن الهند أغلقت سفارتها.
توجهت فوراً إلى السفارة، لكن جميع الطرق المؤدية إليها كانت مغلقة، ولم تسمح قوات الأمن بالاقتراب من المبنى. وكانت الهند من أوائل الدول التي أوقفت نشاط سفارتها في كابل. وبقيت ثمانية جوازات سفر تخصني وأفراد عائلتي داخل السفارة، ولا يزال مصيرها مجهولاً بالنسبة إلي حتى اليوم.
البنوك والشائعات ومدينة تنهار
بعد أن فقدت الأمل في الوصول إلى السفارة، توجهت إلى عزيزي بنك لسحب أموال. كان آلاف الأشخاص متجمعين أمام المبنى، لكن الخدمات المصرفية كانت قد توقفت فعلياً، فلا الصرافون كانوا يصرفون الأموال ولا أجهزة الصراف الآلي كانت تعمل. ولم يكن الوضع مختلفاً في كابل بنك وميواند بنك وغضنفر بنك وغيرها من المصارف الخاصة. كان الناس يحاولون بقلق إنقاذ مدخراتهم، لكن النظام المصرفي كان قد توقف فعلياً عن العمل.
وفي تلك الساعات، عزز إطلاق قوات الأمن النار قرب بعض المصارف، ومن بينها مصارف في شهر نو، الشائعات المتداولة بين الناس والأوساط السياسية بشأن اقتراب حركة طالبان من القصر الرئاسي.
ومع رؤية الفوضى التي عمّت المدينة، قررت العودة إلى المنزل. وفي الطريق إلى خيرخانه، كانت الشوارع مكتظة بسيارات الموظفين الحكوميين والمواطنين الذين كانوا يسارعون إلى الوصول إلى منازلهم.
وفي الطريق، مررت بمكتب صحيفة "هشت صبح" في قلعة فتح الله. وهناك أيضاً كانت جميع النقاشات تدور حول موضوع واحد: مستقبل كابل.
ورغم سقوط معظم الولايات، وحتى المناطق المجاورة للعاصمة، ظل بعضهم يعتقد أن كابل لن تسقط بسبب وجود آلاف من قوات الجيش والأمن الوطني والقوات الخاصة، إضافة إلى التزامات المجتمع الدولي، وأن مقاومة ستتشكل، على الأقل، عند مداخل المدينة.
لكن الواقع كان مختلفاً. ففي كثير من الولايات، تلقت قوات الأمن أوامر بالانسحاب قبل سقوطها، وفي بعض المناطق غادر المسؤولون المحليون مكاتبهم حتى قبل وصول حركة طالبان.
وقبيل المساء، اتصل بي أحد أصدقائي في مديرية الأمن الوطني وقال إن أمراً صدر بإتلاف جميع الوثائق السرية والحساسة. بالنسبة إلي، لم يكن لذلك الأمر سوى معنى واحد: انتهى كل شيء.
اللحظة التي تبدد فيها الأمل
رغم كل المؤشرات، كنت لا أزال آمل أن يمنع حل سياسي الانهيار الكامل. لكن هذا الأمل تبدد عندما شاهدت من سطح المنزل طائرات ومروحيات الجيش تقلع تباعاً.
غادرت عشرات الطائرات كابل الواحدة تلو الأخرى، واتضح لاحقاً أنها توجهت إلى أوزبكستان وطاجيكستان. وفي تلك اللحظة أدركت أنه لم يعد هناك شيء متبقٍ من النظام.
وفي الوقت نفسه، تدفق آلاف الأشخاص إلى مطار كابل، بعضهم عبر الجدران وآخرون أملاً في التنسيق مع السفارات الأجنبية. لم أذهب إلى المطار قط، فلم تكن لدي أي صلة بالقوات الأجنبية، ولم أكن أراه طريقاً للنجاة.
دخول طالبان ومدينة بلا دفاع
نحو الظهر، بدأت الأخبار الأولى عن دخول حركة طالبان إلى كابل تنتشر. وتداولت مواقع التواصل الاجتماعي في البداية صوراً لعناصر الحركة في سراي شمالي، ثم وردت أنباء عن دخولهم المدينة من جهة لوغر أيضاً. ومع مغادرة الرئيس أشرف غني البلاد، تبدد آخر أمل في بقاء النظام والانتقال السياسي السلمي.
وفي منطقة خيرخانه، شاهدت بنفسي سيارات شرطة من طراز رينجر متروكة على جوانب الطرق، وعدداً من أفراد قوات الأمن يخلعون زيهم العسكري حتى لا يتم التعرف إليهم. وكانت دبابات وآليات تابعة للجيش قد تُركت منذ أسابيع على جوانب الطرق في كابل والولايات. وفي تلك الساعات، استغلت بعض المجموعات المسلحة واللصوص الفراغ الأمني. وفي واقعة واحدة على الأقل، تعرضت سيارة رينجر تابعة للشرطة لهجوم في المنطقة الخامسة عشرة من كابل، ما أدى إلى مقتل شخصين وإصابة ثالث، فيما تُركت سيارة الشرطة على جانب الطريق.
وبحلول المساء، دخلت حركة طالبان كابل بالكامل. وشاهدت مجموعات من عناصرها تجوب شوارع المدينة بسيارات فورد رينجر ودبابات وآليات تابعة للشرطة. وكان واضحاً من طريقة قيادة بعضهم أنهم لا يملكون خبرة في استخدام هذه الآليات.
بدت وجوه كثير من عناصر حركة طالبان الذين رأيتهم مرهقة ومغبرة ومضطربة، وكانت ملابسهم مغطاة بالغبار ووجوههم تحمل آثار أيام طويلة قضوها في ساحات القتال. وكانت هذه الصورة غريبة وصادمة لكثير من سكان كابل.
وفي الوقت نفسه، ساد قلق جدي من أن يؤدي فراغ السلطة إلى نهب المدينة وانتشار الفوضى. ومع انتشار عناصر حركة طالبان، تراجع هذا القلق إلى حد كبير، وحال ذلك دون وقوع عمليات نهب واسعة للمدينة.
كانت حركة طالبان تتوقع مقاومة عنيفة، لكنها وجدت مدينة سقطت في أيديها من دون قتال، فلا تشكلت مقاومة حكومية منظمة ولا مقاومة شعبية.
وفي الوقت نفسه، تغير المشهد الإعلامي بالكامل. توقفت القنوات التلفزيونية عن بث البرامج الموسيقية والترفيهية، وتحولت معظم القنوات والإذاعات إلى بث القرآن الكريم وتلاوته.
صمت ثقيل يخيم على العاصمة
في ليلة السقوط، وعلى خلاف المتوقع، ظلت أضواء كابل مضاءة، لكن صمتاً ثقيلاً خيّم على المدينة.
نحو الساعة السابعة مساءً، خرجت من المنزل لزيارة أحد أصدقائي. مشيت قرابة كيلومتر، ولم أصادف أي شخص. كانت الشوارع الرئيسية خالية تماماً، ولم تكن أي سيارة تتحرك فيها. كانت كابل غارقة في ذهول وصدمة عميقين.
خلال الأيام الأولى، كنت أخشى مواجهة عناصر حركة طالبان، وأتصور أن حياتي ستكون في خطر إذا تعرفوا إليّ. وفي المرة الأولى، توقفت سيارة تابعة لقوات الحركة أمامي قرب منزلي، لكن أحد عناصرها اكتفى بسؤالي عن طريق "كوته سنغي".
وفي الأيام التالية، التقيت عناصر حركة طالبان مراراً عند نقاط التفتيش وفي شهر نو. كان سلوكهم في الأيام الأولى حذراً، إذ تلقوا أوامر بالتعامل مع الناس بلطف وهدوء، لأن الحركة نفسها لم تكن تصدق أنها استولت على السلطة كاملة من دون أي مقاومة أو اضطراب، ومن دون أن تجد منافساً لها في الميدان.
وفي نهاية المطاف، بقيت حركة طالبان في كابل خلافاً لما كانت تتوقعه، لكنها لم تتعلم حتى النهاية كيفية التعامل مع الناس. وأصبح تفتيش الهواتف المحمولة والمحافظ، والتفتيش الجسدي المهين، وحتى إطلاق النار المباشر عند نقاط التفتيش، أمراً عادياً. بقيت حركة طالبان في كابل، المدينة التي روّضت أكثر الجماعات بدائية، لكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الحركة ستتغير مع مرور الوقت أم لا.