ذكرى سقوط كابل في الإعلام العالمي.. من تحسن الأمن إلى قمع النساء وتطبيع التعامل مع طالبان
سلطت وسائل إعلام دولية، عشية الذكرى الخامسة لعودة حركة طالبان إلى السلطة، الضوء على أوضاع أفغانستان، مركزةً على انتهاكات حقوق النساء، والفقر والأزمة الاقتصادية، وتحسن الوضع الأمني، والعزلة السياسية، والتطبيع التدريجي لتعامل العالم
مع الحركة. وتناولت مجموعة من هذه الوسائل خمسة أعوام من حكم طالبان من زاوية أوضاع النساء والفتيات، فيما ركز بعضها على الفقر والأزمة الإنسانية، وتساءل آخرون عن كيفية تمكن الحركة، خلافاً للعديد من التوقعات، من البقاء في السلطة. كما انتقد عدد من الكتّاب سياسة الولايات المتحدة والغرب خلال عقدين من الحرب، وفي السنوات الخمس التي أعقبت الانسحاب من أفغانستان. وجعلت وسائل إعلام عدة تعامل طالبان مع النساء محوراً رئيسياً لتقاريرها. ونقلت صحيفة "إل باييس" الإسبانية عن الحقوقية والمديرة التنفيذية لمؤسسة بالتاسار غارثون الدولية أليسيا شيافون، وصفها الوضع في أفغانستان بأنه نوع من القمع المنظم والممنهج القائم على النوع الاجتماعي، محذرةً من مخاطر تحوله إلى أمر طبيعي. ووصفت صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية، في تقرير لها، أفغانستان بعد خمسة أعوام من انسحاب القوات الأميركية بأنها بلد يواجه الجوع وغياب حرية الصحافة وأجواءً من الخوف، ووصفت النساء الأفغانيات بأنهن "الوجود المحذوف". أما موقع "سويس إنفو" فعنون تقريره بـ"الجوع والقمع وجيل ضائع"، وكتب أن أكثر من 100 قيد استهدف النساء والفتيات خلال السنوات الخمس الماضية، وقيّد وصولهن إلى التعليم والعمل والأماكن العامة وعدد من الخدمات. ووصفت صحيفة "كوميرسانت" الروسية أفغانستان في تقرير بعنوان "بلد الفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي"، معتبرةً حظر تعليم الفتيات أخطر القيود، لما قد تترتب عليه من تداعيات طويلة الأمد، وربما غير قابلة للتراجع في بعض الحالات، على مستقبل أفغانستان. وقالت صحيفة "فايننشال تايمز" إنه في ظل إغلاق سبل الإنصاف الداخلية أمام النساء الأفغانيات، باتت المحكمة الجنائية الدولية واحدةً من آخر القنوات القانونية المتاحة لمساءلة طالبان عن انتهاكات حقوق النساء. وكتبت المبعوثة الأميركية السابقة لشؤون النساء الأفغانيات رينا أميري في مجلة "فورين أفيرز" أن طالبان أقامت في أفغانستان نظاماً يهدف إلى "إبقاء النساء في مرتبة أدنى بشكل دائم وإقصائهن من الحياة العامة"، داعيةً إلى الاعتراف بـ"الفصل العنصري القائم على النوع الاجتماعي" جريمةً مستقلةً في القانون الدولي. وسلط عدد من وسائل الإعلام العالمية، بالتزامن مع الذكرى الخامسة لعودة طالبان، الضوء على وضع تعليم النساء والفتيات. ووفقاً لإحصاءات منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، حُرمت 2.4 مليون فتاة أفغانية من التعليم الثانوي، وقد يرتفع العدد إلى أربعة ملايين فتاة بحلول عام 2030 إذا استمر الحظر. وتناولت "كوميرسانت" تأثير الحظر على سوق العمل، وكتبت أن إقصاء النساء من التعليم الثانوي والعالي سيؤدي مستقبلاً إلى نقص حاد في المعلمات والكوادر المتخصصة، فيما قدرت اليونسكو الخسائر الاقتصادية طويلة الأجل المترتبة على ذلك بمليارات الدولارات. وتناولت صحيفة "لو تان" السويسرية الأزمة من زاوية الأسر، إذ تحدث خمسة آباء أفغان للصحيفة عن عجزهم أمام حظر تعليم بناتهم. وتطرق التقرير إلى مدارس سرية وأسر تفكر حتى في الهجرة حفاظاً على مستقبل بناتها. كما روت صحيفة "الغارديان" قصة فتاة تبلغ 12 عاماً تستعد لامتحانات الصف السادس، وهي تدرك أن هذا، في ظل الوضع الراهن، سيكون آخر عام يُسمح لها فيه بالذهاب إلى المدرسة، بعدما حُرمت شقيقتاها الأكبر سناً من مواصلة الدراسة. وقدمت مجلة "ذا إيكونوميست"، في أحد أكثر تقاريرها تفصيلاً بمناسبة ذكرى عودة طالبان إلى السلطة، صورةً مزدوجةً لأفغانستان في تقرير أعده توم ساس. وكتب مراسل المجلة، بعد رحلة من هرات إلى قندهار وكابل، أن كثيراً من الأفغان يرحبون بالهدوء النسبي بعد عقود من الحرب، وأن مدناً كانت تشهد انفجارات متكررةً أصبحت اليوم أكثر هدوءاً. وفي المقابل، أشارت المجلة إلى أن القيود المفروضة على تعليم الفتيات وسياسة طالبان تجاه النساء من أبرز أسباب استمرار العزلة الرسمية للحركة. ورأت "ذا إيكونوميست" أن طالبان تدير مؤسسات الدولة بصورة أكثر تنظيماً مقارنةً بفترة حكمها الأولى في تسعينيات القرن الماضي، وتمكنت من الاحتفاظ بجزء كبير من الهيكل الإداري والموظفين المهنيين الذين عملوا في النظام السابق، معتبرةً أن هذا الاستمرار الإداري ساعد في الحفاظ على قيمة العملة الأفغانية وكبح التضخم. وبالاستناد إلى بيانات البنك الدولي، ذكرت المجلة أن إيرادات طالبان من الضرائب ومصادر أخرى وصلت إلى نحو أربعة مليارات دولار سنوياً، بزيادة تقارب 60٪ مقارنةً بعام 2020، وعزت ارتفاع الإيرادات أيضاً إلى تراجع الفساد وعمليات الابتزاز الصغيرة. لكن المساعدات الخارجية، في المقابل، تراجعت بشدة. وذكرت "ذا إيكونوميست" أن طالبان تنفق نحو نصف إيراداتها على القطاع الأمني، في وقت تواجه فيه المستشفيات والمراكز الصحية نقصاً في الموارد. أما اقتصادياً، فالصورة مختلفة إلى حد كبير، إذ انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، وانتشرت البطالة، فيما تواجه أسر كثيرة صعوبات في تأمين غذائها. وتساءلت مجلة "ذا ويك" البريطانية في عنوان تقريرها مباشرةً: "هل تخلى العالم عن أفغانستان؟"، وكتبت أن قيود طالبان والأزمة الإنسانية لا تزالان مستمرتين، لكن الاهتمام ورد الفعل الدوليين تراجعا. واستناداً إلى تحليلات مختلفة، قالت المجلة إن ما تغير خلال السنوات الخمس الماضية لا يقتصر على سلوك طالبان، بل يشمل أيضاً مدى استعداد العالم للرد عليه. وأعربت "إل باييس" عن خشيتها من أن يكون المجتمع الدولي في طريقه إلى تطبيع التعامل مع نظام يقصي النساء، في الوقت نفسه، من جزء كبير من الحياة العامة. وفي تقرير آخر، تناولت الصحيفة حياة نساء ما زلن، بعد خمسة أعوام، يواجهن سنوات من الانتظار وطلبات وثائق صعبة وإجراءات إدارية معقدة للوصول إلى إسبانيا والحصول على الحماية الدولية. وأجرت شبكة "يورونيوز" مقابلةً مع وزيرة شؤون المرأة الأفغانية السابقة والناشطة الحقوقية سيما سمر، التي وصفت لقاء ممثلي طالبان مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي في بروكسل بأنه "نوع من تأييد طالبان"، وقالت إن مثل هذه الاتصالات توفر للحركة قدراً من القبول السياسي، حتى عندما يشارك فيها مسؤولون من رتب أدنى. وكتب السفير السويسري السابق لدى أفغانستان وباكستان بنديكت دي سيرجات، في صحيفة "لو تان"، أن على سويسرا إيجاد سبيل لاستئناف الاتصالات رفيعة المستوى مع طالبان، بما يتيح لها متابعة مصالحها وطرح مواقفها بشأن حقوق الإنسان، ولا سيما حقوق النساء، بصورة مباشرة. كما قارنت "العربية" في ملف عن مرور خمسة أعوام على إدارة طالبان، بين وعود الحركة عام 2021 والواقع الراهن، متناولةً التعليم وحقوق النساء وحرية الإعلام والحكم الشامل والعفو العام، ومتسائلةً عما آلت إليه تلك الوعود بعد خمسة أعوام. وتحدث مراسل وكالة "أسوشيتد برس" في كابل إلى مواطنين قالوا إن الأمن تحسن بعد عقود من الحرب، لكنهم يطالبون اليوم بالعمل والتعليم والفرص الاقتصادية. وفي حديثها إلى الوكالة، عدّت طالبان الأمن واستقرار قيمة العملة وتحسن البنية التحتية وإنشاء المناطق الصناعية من إنجازات الأعوام الخمسة الماضية، إلا أن المسؤول في الحركة الذي تحدث إلى الوكالة لم يقدم إجابةً واضحةً عن سؤال يتعلق بإعادة فتح المدارس والجامعات أمام النساء والفتيات. وسلطت صحيفة "فيلت" الألمانية الضوء على التناقض نفسه تقريباً، وكتبت أن أفغانستان أصبحت أكثر أمناً من حيث الحرب والانفجارات، لكنها اتجهت في مؤشرات التنمية البشرية والتغذية وحقوق النساء والمشاركة الاجتماعية إلى مسار مختلف. ووضعت الصحيفة أزمة سوء التغذية والفقر وعودة ملايين المهاجرين والقيود الشديدة على حرية الإعلام في مقابل التحسن الأمني. كما كتب مراسل صحيفة "تايمز" اللندنية أنتوني لويد، الذي عاد إلى أفغانستان بعد خمسة أعوام، عن تفاقم الفقر وعزلة البلاد وتشديد القيود على حياة النساء، مشيراً إلى أن الأمل الأولي لدى جزء من السكان في الاستقرار حل محله، في حالات كثيرة، الضيق الاقتصادي والإحباط. وتناولت صحيفة "لا راثون" الإسبانية الوضع تحت عنوان "خمسة أعوام من تجربة طالبان الاقتصادية"، ولخصت النتيجة في مفارقة مفادها: دولة أكثر حضوراً، لكن رفاهية وحقوق أقل. وتطرقت شبكة "إن أو إس" الهولندية إلى مساعي طالبان لتقديم أفغانستان وجهةً سياحيةً، وكتبت أن الحركة تحاول إظهار البلاد أمام السياح الأجانب باعتبارها بلداً آمناً ومضيافاً. كما سلط التلفزيون العام السويدي، عشية الذكرى، الضوء على قصة أربع صحفيات أفغانيات. ويتابع المخرج السويدي مونس برتاس حياة الصحفيات الأربع في كابل منذ عام 2019، ومن المقرر عرض فيلمه الوثائقي في 15 أغسطس. وقال برتاس إن أفغانستان ابتعدت عن دائرة الاهتمام العالمي خلال السنوات الأخيرة، معرباً عن أمله في أن يعيد الفيلم الأنظار إلى البلاد. وأقرت وسائل إعلام مختلفة بتراجع الحرب، وقدرة طالبان على الحفاظ على بنية سلطتها، وعدم تحقق التوقعات بانهيارها السريع. وفي المقابل، تواجه النساء والفتيات قيوداً أوسع، فيما تستمر أزمة التعليم والفقر وتزداد عزلة أفغانستان يوماً بعد يوم. وفي مقال نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" بعنوان "سياسة أميركا تجاه أفغانستان إرث من الماضي"، كتب الأستاذ الجامعي والمدافع عن تعليم النساء والفتيات عبيدالله باهير أن سياسة الغرب، بعد خمسة أعوام من انتهاء الحرب، لم تتكيف بعد مع واقع أفغانستان اليوم. واستهل باهير روايته بمشهد جندي سابق في نظام الجمهورية ومسؤول من طالبان التقيا داخل ورشة لإصلاح السيارات. وكان الرجلان اللذان كان من الممكن أن يواجها بعضهما بعضاً في ساحة المعركة قبل خمسة أعوام يتحدثان اليوم عن مشكلة في سيارة. واعتبر باهير هذا المشهد دلالةً على أفغانستان انتهت فيها الحرب، ويحاول الناس فيها التكيف مع الوضع الجديد وبناء حياتهم. وفي المقابل، انتقد باهير السياسة الأميركية، مشيراً إلى استمرار تجميد مليارات الدولارات من احتياطيات أفغانستان، والقيود المصرفية، والانخفاض الحاد في المساعدات الدولية، والتوقف الكامل للمساعدات الأميركية داخل أفغانستان منذ عام 2025، معتبراً أن سياسة واشنطن تخلفت عن التطورات الجارية داخل البلاد.
حذر وزير دفاع حركة طالبان محمد يعقوب مجاهد، يوم الجمعة، من أن قوات الحركة مستعدة لمواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، ولن تسمح لأي طرف بزعزعة أمن أفغانستان، مؤكداً أنها سترد "بشكل محسوب"
على أي تحرك "عدواني" من باكستان ضد الأراضي الأفغانية. وقال وزير دفاع حركة طالبان، في مقابلة مع التلفزيون الوطني الخاضع لسيطرة الحركة بمناسبة الذكرى الخامسة لعودتها إلى السلطة، إن باكستان تجهز وتمول عناصر "تخريبية"، ولا سيما أعضاء تنظيم داعش، على امتداد خط ديورند وفي مدن باكستان الكبرى، لتنفيذ أنشطة ضد أفغانستان. وأضاف مجاهد أن "المطالب غير المبررة" لباكستان تشير إلى أن هذا البلد ينظر إلى أمن أفغانستان وتقدمها باعتبارهما تهديداً له. وادعى، من دون الإشارة إلى دولة أو جماعة بعينها، أن بعض الدول والجهات، بدوافع شخصية، تطرح "ادعاءات كاذبة" بشأن وجود جماعات معارضة لطالبان في أفغانستان. ومع ذلك، أكد وزير دفاع حركة طالبان أن الحركة لا تريد استمرار التوترات الإقليمية، وتؤيد حل الخلافات عن طريق الحوار. وقال مجاهد أيضاً إن حركة طالبان تمتلك المعدات والإمكانات التي يحتاجها الجيش، وإن عدد أفراد قواتها العسكرية يبلغ حالياً نحو 150 ألفاً، مضيفاً أن أفغانستان قد تحتاج إلى ما يعادل ضعفي أو ثلاثة أضعاف هذا العدد. وفي جانب آخر من تصريحاته، ادعى وزير دفاع حركة طالبان أن "الأمن الشامل" تحقق في أفغانستان، وأن الحركة لديها خطط لمعالجة المشكلات الاقتصادية التي يواجهها السكان. وتتعارض هذه التصريحات مع تقارير دولية موثقة تشير إلى استمرار أزمة معيشية حادة في أفغانستان. ووفقاً لتقديرات الأمم المتحدة، يواجه نحو 17.4 مليون أفغاني خلال عام 2026 انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينهم 4.7 مليون شخص في مرحلة الطوارئ. كما تتحدى تقارير المؤسسات الدولية ادعاء حركة طالبان تحقيق "الأمن الشامل". وكان فريق الدعم التحليلي ورصد الجزاءات التابع لمجلس الأمن الدولي قد حذر في تقرير حديث من أن أفغانستان أصبحت مجدداً ملاذاً للجماعات الإرهابية. ووفقاً للتقرير، ظلت التهديدات الإرهابية المنطلقة من أفغانستان دون تغيير يُذكر عموماً، فيما لا تزال جماعات مختلفة في هذا البلد تشكل تهديداً لأمن باكستان والصين ودول آسيا الوسطى. وفي الأشهر الأخيرة، تزايد نشاط الجماعات المسلحة المعارضة لطالبان في أجزاء من أفغانستان، مع ورود تقارير عن اشتباكات مسلحة في عدد من الولايات. وفي أحدث هذه التطورات، يخوض جمعة خان فاتح، القائد الساخط في طالبان ببدخشان، منذ أربعة أيام اشتباكات مع قوات الحركة في المنطقة. وفي الوقت نفسه، أعلنت جبهة الحرية الأفغانية، وجنود الوطن، وجبهة أفغانستان المتحدة، وجبهة المقاومة الوطنية، زيادة عملياتها ضد أهداف تابعة لحركة طالبان.
قال وزير خارجية حركة طالبان أمير خان متقي، في مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، إن الولايات المتحدة يمكنها إعادة فتح سفارتها في كابل واستئناف حضورها الدبلوماسي في أفغانستان.
وجاء في التقرير، الذي نُشر الجمعة، أن متقي دعا الولايات المتحدة أيضاً إلى الاستثمار في احتياطيات أفغانستان الضخمة من المعادن والسدود والطرق، وهي مشاريع أنفقت ثلاث إدارات أميركية متعاقبة وحلفاؤها مليارات الدولارات على تطويرها، فيما سعى مقاتلو حركة طالبان طوال عقدين إلى تدميرها. وبعد خمس سنوات من انسحاب القوات الأميركية، دعت حركة طالبان واشنطن مجدداً إلى العودة إلى أفغانستان بدبلوماسييها واستثماراتها الاقتصادية. وقال متقي: "نعدّ فصل الحرب منتهياً، ونريد علاقات تقوم على الاحترام المتبادل وبدء فصل جديد من التفاعل الإيجابي". وكثفت حركة طالبان خلال العام الماضي محاولاتها للخروج من العزلة الدولية، من بينها إبرام شراكة دفاعية مع روسيا، وزيارات إلى دول الخليج، ولقاء الرئيس السوري أحمد الشرع، وتوقيع عشرات الاتفاقيات التجارية مع دول آسيا الوسطى والهند. وتصاعدت هذه التحركات بعدما أغلقت باكستان حدودها التجارية بسبب مخاوف أمنية، ونفذت في وقت سابق من العام الجاري غارات جوية داخل الأراضي الأفغانية. ورغم رغبة حركة طالبان في تحسين العلاقات، استبعدت وزارة الخارجية الأميركية، في رد مكتوب، إمكانية تطبيع العلاقات، واتهمت الحركة بعدم الوفاء بالتزاماتها المتعلقة بمكافحة الإرهاب. كما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية على خلفية اضطهاد النساء وقمعهن، فيما لا تزال أصول بمليارات الدولارات تابعة للبنك المركزي الأفغاني مجمدة في الولايات المتحدة. واتخذت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إجراءات أكثر تشدداً تجاه حركة طالبان، من بينها تعليق إصدار التأشيرات، وحظر دخول المواطنين الأفغان إلى الولايات المتحدة، وإدراج الحركة ضمن قائمة الجهات الراعية للاحتجاز غير القانوني، إلى جانب التقارب بشكل أكبر مع باكستان وزيادة الضغوط على إيران، وهي من الشركاء المستقرين لطالبان. وفي المقابل، رفضت حركة طالبان مطالب ترمب بإعادة تسليم السيطرة على قاعدة باغرام، وتسليم الأسلحة الأميركية التي تُركت في أفغانستان، والإفراج عن سجين أميركي. وقال متقي في هذا الصدد: "لا يقبل أي أفغاني وجوداً عسكرياً لدولة أخرى على أرضه". ويرى بعض الدبلوماسيين والخبراء الأميركيين، بينهم روبن رافيل ومايكل كوغلمان، أن عرض الاستثمار في احتياطيات أفغانستان غير المستغلة من الليثيوم والنحاس وخام الحديد قد يكون جذاباً لترمب، ويوفر حافزاً لمواجهة النفوذ المتزايد للصين وروسيا في المنطقة. لكن سجل الولايات المتحدة في هذا القطاع لم يكن ناجحاً، إذ أفاد مكتب المفتش العام الأميركي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيجار) بأن واشنطن أنفقت بين عامي 2004 و2021 نحو مليار دولار على قطاع التعدين في أفغانستان، من دون تحقيق تقدم ملموس. وفي الوقت الراهن، تمتلك شركات من الصين وإيران وقطر عقوداً لاستخراج المعادن في البلاد. وفي الوقت نفسه، تواجه أفغانستان أزمة إنسانية حادة، إذ تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن نصف سكان البلاد، البالغ عددهم 45 مليون نسمة، يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما أدت عودة أكثر من أربعة ملايين أفغاني من باكستان وإيران منذ مطلع عام 2025 إلى مضاعفة الضغوط الاقتصادية. وعلى الصعيد الدولي، أجرى وفد من خمسة دبلوماسيين أفغان في بروكسل خلال يونيو الماضي محادثات مع أكثر من 20 دبلوماسياً من 15 دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي، بشأن إعادة طالبي اللجوء المرفوضة طلباتهم والمدانين بجرائم. وقال دبلوماسيون أفغان إن "المحظور المتعلق بالحوار مع طالبان في أوروبا قد كُسر"، رغم أن أياً من الدول الأوروبية لم يعترف حتى الآن بحركة طالبان. ورغم هذه التحركات، وصف متقي مجدداً، رداً على سؤال بشأن منع النساء والفتيات من التعليم، هذا الحظر بأنه "مؤقت". غير أن محللين يقولون إن خروج حركة طالبان بالكامل من العزلة الدولية لن يتحقق ما لم تراجع سياساتها المتشددة التي تُملى مباشرة من قندهار.
بکتاش روش
صحفی
مرّت خمس سنوات على سقوط الحكومة السابقة وانهيار الديمقراطية الناشئة في أفغانستان، وألقى سقوط الدولة الأفغانية ووصول طالبان إلى السلطة بظلاله على حياة الكثير من مختلف الأجيال، غير أن المراهقات اللواتي بلغن اليوم
الثامنة عشر عاماً، بعد خمس سنوات من هيمنة طالبان، يعتقدن أنهن تحملن العبء الأكبر لهذا التحول، عبئاً ثقيلاً لم يكنّ قادرات بعد على تحمله.
كانت الفتيات اللواتي بلغن 18 عاماً، في أغسطس 2021، عند سقوط كابل بيد طالبان، قد خطوا لتوهم أولى خطواتهم في عالم المراهقة، مرحلة الأحلام والطموحات. ولم تكن لدى هذا الجيل صورة حقيقية عن طالبان، فقد وُلد أفراده في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في ذروة الديمقراطية النسبية التي عرفتها أفغانستان خلال العقدين الماضيين، وفي ظل تدفق المساعدات والدعم الدوليين. ولم تكن أعمارهم تسمح لهم بإدراك تكرار الحلقة المفرغة في التاريخ الأفغاني المعاصر. ومع ذلك، كانت عقولهم منشغلة بالمستقبل وببناء الأحلام التي رسموها لأنفسهم.
وبمناسبة الذكرى الخامسة لسقوط أفغانستان وهيمنة طالبان، التقت "أفغانستان إنترناشيونال" أربع فتيات كن مراهقات في ذلك الوقت، وحُرمن من التعليم فور التحول الذي شهدته البلاد، وهن اليوم في بداية مرحلة الشباب وبلغن السن القانونية، أي الثامنة عشرة. وكان انهيار الحلم هو المحور الأساسي الذي ركزت عليه شهرزاد وماه بانو ونرجس وآي خانم، وهي أسماء مستعارة، في أحاديثهن مع "أفغانستان إنترناشيونال".
كيف سرقت عودة طالبان حلم جيل كامل؟
كانت شهرزاد في الثالثة عشرة من عمرها عندما عادت طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021. وكانت تدرس مع أختين وأخ لها في مدرسة "خانه نور" في كابل. وكانت فتاة حيوية ومرحة واجتماعية ومجتهدة ومتفائلة. وتقول إنه بسبب ظروف عمل والدها والتنقل المستمر من مدينة إلى أخرى، غيّرت مدرستها أربع مرات خلال ست سنوات دراسية، لكنها لم تعد إلى منزلها قط بكشف درجات لا تتصدره بالمرتبة الأولى.
ومنذ طفولتها، كانت تتمتع بشغف استثنائي بالقراءة والتعلم. وقد ألحقها والداها بالمدرسة في سن الخامسة، قبل أقرانها. وعندما عادت طالبان إلى الحكم، كانت في الصف الثامن وتبلغ الثالثة عشرة من العمر، وكان حلمها آنذاك أن تحرز المرتبة الأولى في امتحان القبول الجامعي على مستوى أفغانستان.
وقالت شهرزاد في حديثها مع "أفغانستان إنترناشيونال": "في آخر ليلة درست فيها بصفتي طالبة في أفغانستان، لم أكن أتوقع أن حياتي ستتغير في اليوم التالي. كان قد بقي امتحان مادتين أو ثلاث حتى تنتهي اختبارات منتصف العام. بقيت مستيقظة حتى منتصف الليل أستعد للامتحان. ومنذ طفولتي كنت أحمل حلماً واحداً؛ كنت أريد أن أصبح الأولى في امتحان القبول الجامعي في أفغانستان، وأن أثبت أنه يمكن بلوغ أي حلم بالاجتهاد".
وكانت شهرزاد تحب التخصص الذي درسه والدها، وكانت ترغب، بعد التخرج من المدرسة واجتياز امتحان القبول، في الالتحاق بكلية الهندسة في جامعة كابل. وتقول هذه الفتاة المحرومة من التعليم:
"لم تأخذ مني طالبان المدرسة والدراسة فحسب، بل سلبتني أيضاً الحلم الذي عشت معه منذ طفولتي".
كانت ماه بانو، وهي فتاة ذات شعر أسود طويل وبشرة قمحية وشخصية هادئة ومتحفظة، واحدة من الطالبات اللواتي كن في الثالثة عشرة من العمر عند سقوط أفغانستان وهيمنة طالبان، وكانت تدرس في الصف السابع بمدرسة "مؤمنة خاتون" في مشروع تايماني بكابل. وكانت، مثل آلاف الفتيات من جيلها، تدرس وتجتهد من أجل الوصول إلى حلمها. وكانت تتخيل نفسها مراراً، وهي لا تزال طالبة، ترتدي المعطف الأبيض للطبيبات. وتقول: "لم تكن المدرسة بالنسبة إلي مجرد بيئة تعليمية، بل كانت المكان الذي أرى فيه مستقبلي. كنت أتمنى أن أنجح في دراسة الطب".
وتقول هذه الشابة البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً، وقد ارتسمت في عينيها موجات من القلق واليأس، بصوت يملؤه الحزن: "مع إغلاق أبواب المدرسة، تغير كل شيء. بقيت كثير من أحلامنا وآمالنا وخططنا خلف أبواب المدرسة المغلقة".
وترى أن السنوات الخمس من هيمنة طالبان على أفغانستان كانت أهم مرحلة في حياتها؛ فلو لم تعد طالبان ولم تفرض القيود على حياة الفتيات، لكانت اليوم أقرب إلى أهدافها. وتضيف، بغصة وحزن: "لم نُحرم من التعليم فحسب، بل ابتعدنا أيضاً عن حقنا في بناء المستقبل الذي حلمنا به وعملنا من أجله سنوات طويلة. وخلال هذه السنوات، فكرت مراراً أنه لو لم تأت طالبان، ولو لم تُغلق المدارس، لربما كنت اليوم طالبة في كلية الطب".
أما نرجس، فهي فتاة أخرى تبلغ الثامنة عشرة من العمر، وكانت تدرس في الصف الثامن بمدرسة "تجربي" في ولاية بلخ عندما عادت طالبان إلى الحكم. وكانت تذهب إلى المدرسة بشغف، على أمل أن تجتاز امتحان القبول الجامعي بنجاح وتدرس الحقوق.
ونرجس، وهي ابنة أحد قضاة الحكومة السابقة، كانت شغوفة بمهنة المحاماة، وكانت تحلم بأن تدافع يوماً أمام القضاة في المحاكم عن حقوق أبناء وطنها وأن تحقق العدالة. وتقول هذه الفتاة الفضولية كثيرة التساؤل إنها أدركت منذ سنوات مراهقتها حجم "انعدام العدالة" في النظام القضائي الأفغاني، ولذلك كانت تريد أن تصبح محامية لتسهم، ولو بجزء صغير، في معالجة مشكلات هذا النظام.
وفي 8 أغسطس 2021، عندما سقطت مدينة طالقان بيد طالبان، كانت آي خانم في الصف السادس. وكانت الابنة الوحيدة لأسرتها، وقد عاشت طفولتها ومراهقتها محاطة برعاية أسرتها واهتمامها. وكانت تدرس في إحدى المدارس الحكومية في طالقان.
ورغم أنها تقول إنها لم تكن قد حسمت خيارها الدراسي في ذلك الوقت، فإنها كانت ترى مستقبلها في صورة نائبة في البرلمان. وكانت آي خانم، المهتمة بالنشاطات المدنية، تعتبر النائبة الأفغانية السابقة فوزية كوفي قدوتها ومثالها الأعلى. وتقول: "كنت أتابع دائماً أعمال السيدة كوفي عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وكنت أتمنى أن أصبح يوماً ما نائبة وسياسية بارزة مثلها".
الهندسة والطب والمحاماة والبرلمان؛ تلك هي الأحلام التي سلبتها طالبان، على التوالي، من شهرزاد وماه بانو ونرجس وآي خانم.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة، فإن قرار زعيم طالبان هبة الله آخوندزاده، القاضي بمنع تعليم الفتيات فوق الصف السادس، أدى إلى حرمان ما لا يقل عن مليونين ومئتي ألف فتاة من التعليم. وبذلك، لم تحرم طالبان مليونين ومئتي ألف فتاة أفغانية من الدراسة فحسب، بل قضت أيضاً على مليونين ومئتي ألف حلم.
دخلت طالبان كابل في 15 أغسطس 2021، بينما كانت امتحانات منتصف العام لا تزال جارية. وبمجرد دخولها العاصمة، تعطلت العملية التعليمية في المدارس. ويقول أبناء الثامنة عشرة إنهم كانوا يعتقدون آنذاك أن الاستقرار سيعود سريعاً إلى المدن، وأن الدراسة ستستأنف قريباً.
وتروي شهرزاد آخر أيامها الدراسية في كابل قائلة: "كان لدينا امتحان في اللغة والأدب الداري، ولم نكن قد أجبنا بعد عن نصف الأسئلة عندما عمّت الفوضى والضجيج أرجاء المدرسة. جمع المعلم أوراق الامتحان وعدنا إلى بيوتنا والدموع في أعيننا. في ذلك اليوم، لم يبق امتحاننا وحده من دون اكتمال، بل توقف مستقبلنا وحلمنا أيضاً".
وتضيف: "في الأيام الأخيرة للحكومة السابقة، كنا نسمع يومياً أخبار سقوط الولايات، لكن أحداً لم يكن يصدق أن كابل ستسقط أيضاً".
وتقول إنها، مثل سائر الفتيات، عادت بعد فترة إلى مدرستها على أمل استئناف التعليم، لكنها سمعت "أثقل جملة" في حياتها، وهي جملة لم تستطع نسيانها حتى اليوم. فقد قال حارس المدرسة:
"اذهبن، انتهت المدرسة. الفتيات لن يدرسن بعد الآن".
وبعد قرار طالبان منع تعليم الفتيات فوق الصف السادس، تغيّر المسار التعليمي لهذا الجيل، لكن كثيرات منهن واصلن السعي إلى التعلم.
مسار التعليم
بعد أن أغلقت طالبان أبواب المدارس في وجه الفتيات، لم يبق أمامهن سوى طريقين لمواصلة التعلم: التعليم عبر الإنترنت أو المدارس الدينية. غير أن كلا الطريقين كان محفوفاً بالتحديات والصعوبات. وتؤكد الفتيات الأربع أنهن لم يستسلمن بسهولة لقرار طالبان، بل حاولن طوال السنوات الخمس الماضية مواصلة التعلم بكل الوسائل الممكنة.
تقول شهرزاد، التي عاشت مع أسرتها نحو ثلاث سنوات في باكستان، إنها كانت تدرس في وقت واحد ضمن ثلاثة أنظمة تعليمية مختلفة: مدرسة أفغانية، ومدرسة باكستانية، ومركزاً تعليمياً أميركياً دولياً عبر الإنترنت.
وبعد انتقال أسرتها إلى باكستان، تصاعدت بصورة متسارعة حملات اعتقال الأفغان وترحيلهم من البلاد. وفي عام 2025 أُغلقت مدارس أفغانية كثيرة في إسلام آباد بسبب نقص المعلمين والطلاب. وبسبب خشيتها من إغلاق المدرسة الأفغانية، التحقت شهرزاد في الوقت نفسه بمدرسة باكستانية.
وتقول إنها تعرضت مراراً في المدرسة الباكستانية، بسبب ضعفها في اللغة الأردية وكونها مهاجرة، لـ"معاملات مهينة" من جانب الطلاب وحتى بعض المعلمين، مضيفة: "لا يُسمح للطلاب الأفغان بالمشاركة في الامتحانات الرسمية في باكستان، كما لا تُمنح لهم شهادات تخرج".
وفي نهاية المطاف، رُحّلت أسرة شهرزاد من باكستان في مطلع عام 2026. وهي تواصل اليوم تعليمها عبر الإنترنت في مدرسة أميركية، لكنها تقول بقلق ويأس: "لا نحصل على الكهرباء إلا بضع ساعات في اليوم، كما أن تكلفة الإنترنت في كابل مرتفعة والخدمة لا تعمل جيداً. وللأسف، قد أفقد حتى فرصة التعليم عبر الإنترنت".
أما نرجس وماه بانو، فقد لجأتا لبعض الوقت إلى المدارس الدينية لمواصلة تعليمهما. وتقول ماه بانو إنها كانت تعتقد، قبل أن تغلق طالبان مراكز التعليم الطبي أمام الفتيات، أنها ستتمكن بعد تخرجها من دار العلوم الدينية من الالتحاق بأحد المعاهد الصحية، وبالتالي تحقيق جزء من حلمها.
وتضيف: "حفظت أولاً الأجزاء الثلاثين من القرآن، ثم التحقت بإحدى دور العلوم في كابل. لكن عندما أغلقت طالبان أبواب المعاهد الصحية أيضاً أمام الفتيات، وأصبحت ظروف الدراسة في دار العلوم أكثر صعوبة، لم يعد لدي أي دافع للاستمرار".
وكان زعيم طالبان، قد أصدر في 2 ديسمبر 2024 أمراً بإغلاق جميع مؤسسات التعليم الطبي العالي وشبه العالي أمام الفتيات. كما أبلغت وزارة الصحة العامة التابعة لحركة طالبان إدارات المعاهد الصحية بأن الفتيات لم يعد مسموحاً لهن بالدراسة فيها.
أما نرجس، فقد عادت هي الأخرى مؤخراً مع أسرتها من إسلام آباد إلى كابل، وهي تدرس الآن في مدرسة دينية حكومية. وكانت قد أمضت نحو عامين في مدرسة أفغانية في إسلام آباد.
وتقول، مشيرة إلى أنها ترتاد المدرسة فقط من أجل الحصول على شهادة التخرج: "لا يدرسون شيئاً اسمه العلوم أو التكنولوجيا؛ فكل التركيز منصب على المواد الدينية. وتزداد القيود يوماً بعد يوم. وارتداء القفازات والنقاب والعباءات الطويلة والفضفاضة إلزامي للطالبات".
وتضيف أن أوضاع المدارس الدينية التابعة لحركة طالبان "أسوأ من السجن".
الأسرة والتحولات في عهد طالبان
تقول الفتيات ذوات الثامنة عشرة عاماً إن السنوات الخمس من هيمنة طالبان على أفغانستان لم تحرمهم من التعليم والوصول إلى أحلامهم فحسب، بل غيّرت أيضاً تفاصيل حياتهم اليومية ومسار حياة أسرهم بصورة عميقة وغير متوقعة.
قبل عودة طالبان، كان والد ماه بانو وشقيقها الأكبر يمتلكان محلاً لتنسيق الزهور والتصوير الفوتوغرافي وتصوير الفيديو في منطقة كلولة بشتة بكابل. وكانا يصوران مناسبات الأفراح في فنادق العاصمة، ثم يحرران الصور ومقاطع الفيديو، ويعتاشان من هذا العمل.
لكن طالبان، بعد وصولها إلى السلطة، حظرت الرقص والموسيقى في حفلات الأفراح داخل الفنادق وفرضت قيوداً على تصوير الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، الأمر الذي أدى إلى تراجع عمل والد ماه بانو بصورة كبيرة. وبعد أشهر من العجز عن دفع إيجار المحل، اضطر في النهاية إلى ترك مهنته التي مارسها لسنوات طويلة.
ولم تكن ماه بانو قد بلغت السابعة عشرة من عمرها عندما خُطبت، بناء على رغبة أسرتها، لأحد أبناء أقاربها.
وتقول بحسرة: "اضطر والدي إلى العمل في أعمال شاقة، لكن ضغوط الحياة وهمومها كانت تزيد من تدهور حالته الصحية يوماً بعد يوم. وقبل سنة ونصف، أصيب والدي بجلطة دماغية وتوفي عن عمر 46 عاماً".
وبعد وفاة والدها، انتهت علاقتها بخطيبها وفُسخت الخطبة. وتقول: "كانت وفاة والدي صدمة كبيرة جعلت حياتنا أكثر مرارة وظلاماً".
أما نرجس وآي خانم، فهما ابنتا مسؤولين محليين في الحكومة السابقة بولايتي بلخ وتخار. وقد هاجرت أسرة نرجس إلى باكستان لنحو عامين خوفاً من الإجراءات الانتقامية لطالبان، بينما نزحت آي خانم مع أسرتها من تخار إلى كابل للسبب نفسه.
وعادت أسرة نرجس مؤخراً من باكستان بعد ترحيلها، وهي تتابع اليوم دراستها في مدرسة دينية في كابل، بينما تقول آي خانم إنها تعمل مع والدتها في نسج السجاد من أجل تأمين نفقات الحياة.
أما شهرزاد، فلديها رواية مختلفة عن تأثير التحولات السياسية في حياتها الأسرية. فقد قالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "انهار مسار حياتنا وآمالنا مرتين؛ الأولى بسبب عودة طالبان، والثانية بسبب وصول دونالد ترامب إلى السلطة".
وكان والدها قد عمل قرابة عشرين عاماً مع منظمات دولية في أفغانستان، لكنه استقال من وظيفته بعد أشهر قليلة من عودة طالبان "من أجل مستقبل أبنائه"، وانتقل مع أسرته إلى باكستان.
وقد فتحت الأسرة ملف هجرة من فئة "بي 2" أملاً في الانتقال إلى الولايات المتحدة. وتقول شهرزاد بابتسامة يملؤها اليأس:
"أجرينا مقابلة السفارة والفحوص الطبية وأكملنا جميع الإجراءات القانونية، وكنا ننتظر موعد الرحلة، لكن ترامب أصبح رئيساً، وفي أول يوم له في السلطة أوقف هجرة الأفغان إلى الولايات المتحدة".
مراهقون تجرعوا مرارة اللجوء والنزوح
روت نرجس وشهرزاد، في حديثهما مع "أفغانستان إنترناشيونال"، تفاصيل التجربة المريرة التي عاشتاها خلال اللجوء في باكستان.
وتقول نرجس إنها، في أواخر عام 2025، وقبل أن تبلغ السن القانونية، أي الثامنة عشرة، اعتقلتها الشرطة الباكستانية وهي في طريقها إلى المدرسة وترتدي الزي المدرسي. وقد أمضت خمس ليال في السجن بعيداً عن أسرتها، إلى جانب مهاجرين أفغان آخرين، قبل أن تُرحّل مع عائلتها إلى أفغانستان.
وتقول نرجس إن كوابيس ليالي السجن في باكستان لا تزال تطاردها حتى اليوم. ورغم أنها كانت تدرك أن عودتها إلى أفغانستان الخاضعة لهيمنة طالبان ستعني حرمانها من كثير من حقوقها الأساسية، فإنها كانت سعيدة بالعودة إلى وطنها لأنها، على الأقل، تخلصت من "الخوف والملاحقة" من جانب الشرطة الباكستانية.
أما شهرزاد، فتقول إنها وجدت نفسها، في عمر كان ينبغي ألا يشغلها فيه سوى "الدراسة والمستقبل"، فجأة في بلد لا تعرف لغته، ولا ثقافته، ولا تعلم شيئاً عن مستقبلها فيه.
وقد عاشت مع أسرتها نحو ثلاث سنوات في إسلام آباد، وتصف تلك المرحلة بأنها سنوات "عدم الاستقرار والخوف والضياع". وتروي أن الشرطة الباكستانية جاءت إلى منزلهم قبل يوم واحد من عيد الأضحى واعتقلت والدها.
وتضيف: "أطلقت الشرطة سراح والدي مقابل 100 ألف روبية باكستانية، لكنها أخذت منا تعهداً بمغادرة باكستان بحلول اليوم الرابع من العيد".
وعادت أسرة شهرزاد إلى أفغانستان في الموعد المحدد.
نظرة أبناء الثامنة عشرة إلى المستقبل
لا يرى أبناء الثامنة عشرة اليوم، بعد خمس سنوات من هيمنة طالبان، مستقبلاً واضحاً أمامهم. فهم يقضون بداية شبابهم في ظل الخوف واليأس. وعلى الأقل، وصفت الفتيات الأربع اللواتي تحدثن إلى "أفغانستان إنترناشيونال" أفغانستان اليوم بأنها "سجن للفتيات الشابات"، لا يجدن سبيلاً للخروج منه أو لتحقيق أحلامهن.
وتقول شهرزاد، التي لم يمض على بلوغها الثامنة عشرة سوى ثلاثة أشهر: "أشعر بأن كل باب كان يمكن أن يقودني إلى بناء مستقبلي قد أُغلق الواحد تلو الآخر".
وتبحث شهرزاد عن طريق للخروج من أفغانستان والعيش في مجتمع منفتح وحر، في مكان لا تتعرض فيه لـ"التمييز والقمع" بسبب كونها امرأة. لكنها تؤكد أن "إيجاد مثل هذا الطريق ليس سهلاً في الوقت الراهن".
وتضيف: "أحياناً أجد نفسي عالقة بين الأمل واليأس؛ فمن جهة، لدي أحلام كبيرة للمستقبل، ومن جهة أخرى، أواجه واقعاً يجعل الحياة أكثر صعوبة يوماً بعد يوم".
أما ماه بانو، فتقول إنها، رغم "كل الصعوبات"، لم تفقد الأمل تماماً، ولا تزال تحلم بأن تستأنف تعليمها يوماً ما وأن تحقق حلمها في أن تصبح طبيبة.
وقد غيّرت طالبان، منذ عودتها إلى السلطة، النظام التعليمي في أفغانستان. إذ حذفت وزارة التعليم التابعة لحركة طالبان 51 درساً من الكتب المدرسية، تتناول موضوعات مثل الحرية، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، والعلم الوطني، والأم، والسلام، وغيرها من الموضوعات المشابهة.
وتقول الوزارة إن تدريس هذه الموضوعات يتعارض مع "تعاليم الدين الإسلامي وسياسة الحركة".
وتؤكد ماه بانو أنها، إذا فُتحت أبواب المدارس مجدداً أمام الفتيات، فإنها تتمنى العودة إلى مدرستها بالظروف نفسها التي كانت سائدة سابقاً. وبحكم تجربتها في المدارس الدينية، تشدد على أن المدارس، إذا أعيد فتحها وفق شروط طالبان، "فلن تختلف عن المدارس الدينية".
ويقع منزل ماه بانو مقابل مدرستها السابقة مباشرة. وتقول إنها، كل صباح، تزيح الستائر وتنظر من نافذتها إلى مبنى المدرسة وساحتها.
وتضيف: "الجدران هي الجدران نفسها، والساحة هي الساحة نفسها، لكن أصوات ضحكات الفتيات، وجرس المدرسة، وحماس الطالبات لم تعد موجودة. إن صمت المدرسة أشد إيلاماً من أي صرخة. وأحياناً أحدق طويلاً في بوابة المدرسة حتى تنهمر دموعي من دون إرادة".
خرجت "آرزو" من منزلها في وقت متأخر من بعد الظهر، وكانت تريد شراء بعض المستلزمات الضرورية للمنزل ثم العودة، لكن قطع مسافة بضعة كيلومترات في شوارع قندهار، وهي رحلة كانت في السابق جزءاً عادياً من الحياة اليومية لكثير من النساء،
أصبح بالنسبة إليها رحلة محفوفة بالخوف والانتظار والمعاناة.
أشارت إلى عدد من سائقي العربات ثلاثية العجلات وسيارات الأجرة، لكن لم يقبل أي منهم نقلها.
تقول: "كلما قلت لأحدهم إنني ذاهبة إلى السوق، كان يجيب بأننا لا نستطيع نقل النساء من دون محرم. وكانوا يقولون إنهم إذا شاهدهم عناصر وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيواجهون مشكلات".
وفي وقت لاحق، وافق سائق عربة ثلاثية العجلات على نقلها مقابل مبلغ أعلى من المعتاد، لكن "آرزو" تقول إن السائق ظل قلقاً حتى نهاية الرحلة: "نظر إلى الخلف مرات عدة، وكان يقول: نسأل الله ألا نصادف دورية تابعة لوزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وتقول "آرزو" إنها لم تصادف في طريقها إلى السوق سوى أربع نساء فقط، كن يتنقلن على دراجات نارية برفقة محارمهن، فيما بدا لها أن المدينة خالية تماماً من النساء.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كانت بعض النساء يرتدين حجاباً عربياً أسود، وقد أوقفهن موظفو وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسألوهن عن سبب عدم وجود محرم معهن. كانت النساء خائفات إلى درجة أنهن لم يجرؤن حتى على الكلام".
وأضافت أن وجود موظفي وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يزداد خصوصاً في الأسواق التي تُباع فيها المستلزمات الخاصة بالنساء، حيث تُوقف النساء بصورة متكررة.
وتقول "آرزو" إن كثيراً من النساء لا يوجد لديهن محرم، أو أن رجال الأسرة لا يستطيعون مرافقتهن بسبب العمل، ومع ذلك يواجهن مشكلات جدية أثناء التنقل.
وتضيف: "إذا حل وقت العصر أو المساء، يصبح من الصعب جداً العثور على سيارة أجرة أو عربة ثلاثية العجلات، لأن السائقين يقولون إن ذلك يسبب لهم مشكلات".
الوجه المتغير لقندهار
أصبحت تجربة "آرزو" اليومية في الانتقال من المنزل إلى السوق جزءاً من الحياة اليومية لكثير من النساء في قندهار.
وأثرت القيود التي فرضتها حركة طالبان في جميع جوانب حياة النساء الاجتماعية والصحية والمهنية والتعليمية والاقتصادية.
وبحسب مصادر صحية، كان نحو 500 من العاملات في القطاع الصحي والممرضات يعملن في قندهار خلال عهد النظام الجمهوري، لكن هذا العدد تراجع الآن إلى نحو 100 فقط.
جميلة، التي كانت تعمل في السابق قابلة في مركز صحي بمديرية "دند" في قندهار، أصبحت الآن عاطلة عن العمل.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "عملت لسنوات، لكنني الآن لم أُحرم من ممارسة مهنتي فحسب، بل أصبح تأمين نفقات المنزل أمراً صعباً بالنسبة إلي أيضاً".
ويستقبل مستشفى ميرويس الإقليمي في قندهار آلاف المرضى يومياً، لكن مصادر صحية تقول إن النقص في عدد الطبيبات المتخصصات قلص خيارات العلاج المتاحة للنساء.
وبحسب هذه المصادر، لم يتبق في المستشفى سوى طبيبة متخصصة واحدة من أصل ثلاث طبيبات كن يعملن فيه.
ووفقاً لما توصلت إليه "أفغانستان إنترناشيونال"، يتجول محتسبو وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لحركة طالبان يومياً في المراكز الصحية والعيادات الخاصة بمناطق مختلفة من المدينة، ويوجهون الأطباء بعدم معالجة المريضات اللاتي يأتين من دون محرم.
وحذرت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لحركة طالبان الأطباء من أنه إذا راجعت أي امرأة العيادة من دون محرم شرعي، فيجب إعادتها أو إبقاؤها في الانتظار إلى حين حضور محرمها.
وقال طبيب طلب عدم نشر اسمه بسبب مخاوف أمنية: "يأتي المحتسبون كل يوم تقريباً، ويسألون عن فحص النساء وعمل الأطباء الرجال، وحتى عن اللحى والملابس".
وبحسب معلومات موظفين في مديرية التعليم بقندهار، بلغ عدد المعلمات والموظفات الإداريات في الولاية خلال عهد النظام الجمهوري نحو ألفي امرأة، لكن كثيرات أُبعدن الآن من وظائفهن، وانخفض العدد إلى بضع مئات.
الخروج المشروط بارتداء البرقع
في قندهار وكثير من المدن الأخرى، ترتدي النساء الآن البرقع لتجنب الاستجواب والقيود، ويحاولن التنقل في مجموعات لا تقل عن امرأتين أو ثلاث.
وقالت "آرزو" عن البرقع، الذي جربت ارتداءه بنفسها: "ارتداء البرقع ليس أمراً سهلاً، فمن جهة يحد من مجال الرؤية، ومن جهة أخرى يسبب في كثير من الأحيان مشكلات في التنفس. وإذا لم نمسك البرقع بإحكام باليد أمام الوجه تصبح الرؤية أضعف، وإذا أمسكناه باليد نواجه ضيقاً في التنفس".
وعلى الرغم من القيود الواسعة المفروضة على النساء في قندهار، فإن الاحتياجات الاقتصادية تجبرهن على التجمع أمام مديرية الاقتصاد ومديرية شؤون اللاجئين والهلال الأحمر وغيرها من المؤسسات للحصول على المساعدات.
وفي كثير من الأحيان، تقف هؤلاء النساء في الطوابير لساعات لأن متطلبات الحياة لا تترك لهن خياراً آخر.
وتقول "آرزو" إن حركة طالبان حظرت من جهة عمل النساء، لكنها من جهة أخرى لا تمنع النساء المتسولات الجالسات أمام مراكز توزيع المساعدات وفي الشوارع، ولا توفر لهن فرصاً للعمل.
وزارت "آرزو" في جزء آخر من مدينة قندهار ورشة تعمل فيها نساء، واطلعت عن قرب على عملية الخياطة التي يقمن بها.
وأصبح من الصعب على عدد من النساء اللواتي يصنعن المنتجات اليدوية وغيرها من السلع داخل منازلهن نقل منتجاتهن إلى السوق. كما أن تمرير السلع عبر وسيط ثان أو ثالث يؤدي في كثير من الأحيان إلى بيعها بأسعار منخفضة.
وتحدثت "آرزو" مع هؤلاء النساء، وتقول إن كثيرات منهن أصبحن لهذا السبب يعملن في ورش يملكها آخرون، ويتمكن من خلال ذلك، وعلى الرغم من قيود حركة طالبان، من تلبية احتياجات أسرهن.
وتعيش نساء أخريات بمفردهن مع أطفالهن، ويتحملن أيضاً مسؤولية إعالة الأسرة. وبحسب أقوالهن، لا يملكن دخلاً منتظماً، ولا يستطعن توفير الاحتياجات الأساسية للحياة بسهولة.
وتقول نساء كن في السابق يوفرن فرص عمل لعشرات النساء الأخريات ويدربنهن على الخياطة والصناعات اليدوية وغيرها من الحرف، إن أماكن عملهن أُغلقت الآن. وبحسبهن، لم يؤد ذلك إلى توقف أعمالهن فحسب، بل تسبب أيضاً في بطالة عدد كبير من النساء الأخريات.
وتمكنت بعض النساء الجريئات من إبقاء حرفة نسج السجاد والتطريز وغيرها من الحرف قائمة داخل منازلهن، كما أبقين عدداً من جاراتهن القريبات منشغلات بالعمل، لكن غياب السوق والقيود والوضع الاقتصادي للناس جعل حتى هذه المبادرات المنزلية الصغيرة تواجه خطر الانهيار.
وتشير هؤلاء النساء إلى أنهن كن في السابق يشاركن في المعارض ويبعن منتجاتهن ويتواصلن مباشرة مع الزبائن، لكنهن الآن لا يستطعن حتى الذهاب إلى الطبيب بمفردهن.
عادت "آرزو" إلى منزلها، لكن رحلتها التي لم تتجاوز بضعة كيلومترات تقدم صورة للحياة اليومية لآلاف النساء في قندهار، اللواتي يواجهن كل يوم عقبات جديدة تفرضها حركة طالبان أمام التنقل والعمل وممارسة الحياة العادية.
لم يُنهِ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان مسؤوليتها تجاه هذا البلد، إذ وجدت واشنطن نفسها مباشرة أمام تحدٍ حيوي تمثل في احتواء الأزمة الإنسانية ومنع الانهيار الكامل للاقتصاد الأفغاني، ومن هذا المنطلق،
اتخذت الولايات المتحدة فور انسحابها إجراءات هدفت إلى منع الانهيار الكامل لاقتصاد أفغانستان وتجنيب شعبها عقاباً جماعياً بسبب وجود جماعات خاضعة للعقوبات في السلطة.
بعد هجمات 11 سبتمبر، أدرجت الولايات المتحدة حركة طالبان وشبكة حقاني، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص". كما أُدرجت شبكة حقاني، بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأميركي، في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وأدت عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، ووجود أفراد وكيانات خاضعة للعقوبات ضمن هيكل السلطة، إلى فرض قيود ومخاطر واسعة مرتبطة بالعقوبات على التعاملات المالية والاقتصادية مع أفغانستان. وكانت البنوك والشركات والمؤسسات الدولية تخشى أن تؤدي حتى تعاملاتها العادية والمشروعة إلى انتهاك العقوبات.
ووضع خروج المؤسسات الأجنبية، وعزلة النظام المصرفي، وهجرة آلاف الكفاءات المتخصصة، وخروج رؤوس الأموال، أفغانستان على أعتاب أزمة غير مسبوقة. وكان استمرار هذا الوضع من شأنه أن يعطل بشدة تحويل الأموال واستيراد المواد الغذائية والأدوية ودفع الرواتب وتنفيذ البرامج الإنسانية.
ورداً على ذلك، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية سبعة تراخيص عامة. ووفرت هذه التراخيص الإطار القانوني اللازم لتقديم المساعدات وتحويل الحوالات الشخصية واستيراد السلع الحيوية ومواصلة أنشطة المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية وإجراء التعاملات القانونية مع أفغانستان.
ولم تكن هذه الإعفاءات تعني رفع العقوبات عن حركة طالبان أو شبكة حقاني أو غيرهما من الأشخاص الخاضعين للعقوبات. وظل التحويل المباشر للأموال إليهم محظوراً، باستثناء مدفوعات محدودة وضرورية، مثل الضرائب والرسوم والرسوم الجمركية وتكاليف التراخيص والخدمات العامة المرتبطة بالأنشطة المسموح بها.
الأنشطة الإنسانية
أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 14 في 24 سبتمبر 2021. وسمح الترخيص بإجراء التعاملات الاعتيادية والضرورية لتقديم المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الأفغاني، حتى عندما تتطلب تلك الأنشطة تعاملاً محدوداً مع حركة طالبان أو شبكة حقاني أو الجهات التابعة لهما.
وفي وقت لاحق، أقر مجلس الأمن الدولي، بدعم من الولايات المتحدة، القرار رقم 2615 في 22 ديسمبر 2021، الذي استثنى الأنشطة الضرورية لتقديم المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الأفغاني من قيود العقوبات، وبعد ذلك بدأ العمل بالممر الجوي لنقل الأموال النقدية إلى أفغانستان.
نقل المنتجات الزراعية والأدوية والمعدات الطبية
سمح الترخيص العام رقم 15 بتصدير المنتجات الزراعية والطبية وإعادة تصديرها إلى أفغانستان. ويشمل الترخيص المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية وقطع الغيار والمكونات اللازمة للأجهزة الطبية وتحديثات البرامج الخاصة بهذه المعدات.
ولا يقتصر نطاق الترخيص على الصادرات المباشرة، بل يسمح أيضاً بنقل السلع عبر دولة ثالثة، إذا كانت أفغانستان وجهتها النهائية. وتكمن أهمية هذا الترخيص في منع البنوك والمصدرين وشركات النقل وشركات التأمين من وقف نقل الغذاء والأدوية والمعدات الحيوية إلى أفغانستان خشية انتهاك العقوبات.
الحوالات الشخصية
صدر الترخيص العام رقم 16 في 10 ديسمبر 2021، وسمح بتحويل الحوالات الشخصية وغير التجارية إلى أفغانستان. وبموجب هذا الترخيص، يستطيع الأفغان المقيمون في الخارج إرسال الأموال إلى أسرهم عبر البنوك والمؤسسات المالية، كما يسمح بإجراء التعاملات المصرفية اللازمة لإتمام هذه التحويلات.
وبحسب بيانات البنك الدولي، تلقت أفغانستان في عام 2020 نحو 789 مليون دولار من الحوالات الشخصية. وقُدرت هذه التحويلات بنحو 600 مليون دولار في عام 2021. ومع ذلك، ونظراً إلى الاستخدام الواسع لشبكات الحوالات غير الرسمية، لا يُسجل جزء كبير من التحويلات في الإحصاءات الرسمية، فيما تشير تقديرات إلى أن التحويلات السنوية قد تصل إلى ملياري دولار.
وتعد الحوالات الشخصية أحد أهم مصادر توفير العملات الأجنبية وتقديم الدعم المباشر للأسر والحفاظ على الطلب الكلي في الاقتصاد الأفغاني. وتُستخدم هذه الأموال عادة لشراء الغذاء ودفع الإيجارات والعلاج والتعليم وغيرها من الاحتياجات اليومية، ولذلك تؤدي دوراً مباشراً في تخفيف ضغوط الفقر والبطالة.
الأنشطة الرسمية للولايات المتحدة في أفغانستان
صدر الترخيص العام رقم 17 في 22 ديسمبر 2021، بهدف منع العقوبات من عرقلة تنفيذ البرامج الرسمية للحكومة الأميركية في أفغانستان. وسمح الترخيص للموظفين والمتعاقدين والمستفيدين من المساعدات المالية الأميركية بإجراء التعاملات الضرورية لتنفيذ الأنشطة الإغاثية والصحية والتنموية والرقابية والدبلوماسية والإدارية.
وأتاح هذا الإطار استمرار البرامج الرسمية الأميركية من دون أن يعني ذلك الاعتراف بإدارة حركة طالبان أو تمويلها بشكل عام.
الأنشطة الرسمية للمنظمات الدولية
سمح الترخيص العام رقم 18 بالأنشطة الرسمية للأمم المتحدة والجهات التابعة لها، والبنك الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، وبنك التنمية الأفريقي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك التنمية للبلدان الأميركية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والبنك الإسلامي للتنمية في أفغانستان.
وتمكن موظفو هذه المؤسسات ومتعاقدوها وممثلوها من مواصلة المدفوعات والتعاملات الضرورية لتنفيذ البرامج الإنسانية والصحية والتعليمية والغذائية والتنموية.
وبفضل هذا الإطار، استأنفت مؤسسات مثل البنك الدولي أنشطتها في أفغانستان. ووضع البنك الدولي جزءاً من موارد صندوق إعادة إعمار أفغانستان تحت تصرف مؤسسات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، لتنفيذ المشاريع من دون تحويل الأموال إلى إدارة حركة طالبان.
إطار عمل المنظمات غير الحكومية
سمح الترخيص العام رقم 19 للمنظمات غير الحكومية بالعمل في المجالات التالية:
المساعدات الإنسانية والصحية: توزيع الغذاء والأدوية، وتقديم الخدمات الصحية والتغذوية، ودعم المتضررين والنازحين وضحايا الكوارث الطبيعية.
دعم الفئات الأكثر ضعفاً: دعم كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وضحايا العنف الجنسي والقائم على أساس الجنس.
حقوق الإنسان والمجتمع المدني: تعزيز سيادة القانون والشفافية والمساءلة والحريات الأساسية والوصول إلى المعلومات والمشاركة المدنية.
التعليم ومحو الأمية: توسيع فرص الوصول إلى التعليم، ومكافحة الأمية، ودعم البرامج والإصلاحات التعليمية.
المشاريع التنموية غير التجارية: تنفيذ مشاريع ذات منفعة عامة في مجالات الصحة والأمن الغذائي وإمدادات المياه والصرف الصحي.
البيئة والموارد الطبيعية: حماية البيئة، والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، وإزالة التلوث.
وأتاح هذا الترخيص استمرار عمل المنظمات غير الحكومية في وقت كان فيه جزء كبير من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في أفغانستان يعتمد على دعم هذه المؤسسات.
إطار واسع للتعاملات القانونية مع أفغانستان
أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 20 في 25 فبراير 2022. ووفر هذا الترخيص أوسع إطار للتعاملات القانونية مع أفغانستان والجهات الحاكمة فيها.
وبموجب هذا الترخيص، يمكن للأفراد والشركات التعامل مع الوزارات والمؤسسات العامة والبنك المركزي الأفغاني والشركات المملوكة للدولة أو الخاضعة لسيطرتها، حتى إذا كان بعض الأشخاص الخاضعين للعقوبات يشغلون مناصب قيادية في هذه المؤسسات.
وسمح الترخيص رقم 20 بالمدفوعات الضرورية، مثل الضرائب والرسوم والرسوم الجمركية وتكاليف التراخيص والخدمات العامة، لكنه لا يشمل السلع والخدمات الكمالية. كما لا يسمح هذا الترخيص، بحد ذاته، بالإفراج عن الحسابات والأصول المجمدة، بما في ذلك الاحتياطيات المجمدة للبنك المركزي الأفغاني.
المساعدات المالية الأميركية
إلى جانب الإعفاءات من العقوبات، خصصت الولايات المتحدة بعد أغسطس 2021 مليارات الدولارات للبرامج المرتبطة بأفغانستان والأفغان.
ولا يمثل مبلغ يزيد على 21 مليار دولار، الوارد في بعض تقارير مكتب المفتش العام الأميركي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيجار)، مساعدات مباشرة إلى أفغانستان فقط. فهذا المبلغ يشمل، إلى جانب المساعدات الإنسانية والتنموية، تكاليف إجلاء الأفغان وإعادة توطينهم في الولايات المتحدة ودول أخرى، إضافة إلى 3.5 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي الأفغاني. ومن هذا المبلغ، كان نحو 3.8 مليار دولار مساعدات إنسانية نُقلت إلى داخل أفغانستان. وظلت الولايات المتحدة حتى عام 2024 أكبر مانح مالي لأفغانستان.
وبالتالي، كان المبلغ الذي خُصص مباشرة للمساعدات الإنسانية والتنموية داخل أفغانستان أقل بكثير من الرقم الإجمالي. ومع ذلك، أدت هذه الموارد دوراً مهماً في توفير الغذاء والحفاظ على الخدمات الصحية ودعم الأسر الأكثر ضعفاً ومنع تدهور الاقتصاد بصورة أكبر.
دور الإعفاءات في احتواء خطر انهيار أفغانستان
شكلت التراخيص العامة السبعة لوزارة الخزانة الأميركية، عملياً، الأساس القانوني لاستمرار العلاقات الاقتصادية والإنسانية المحدودة بين أفغانستان والعالم. وأبقت هذه الإعفاءات الطريق مفتوحاً أمام المساعدات الإنسانية والحوالات الأسرية واستيراد الغذاء والأدوية وأنشطة المنظمات الدولية وغير الحكومية وإجراء التعاملات القانونية.
ومن دون هذه التراخيص، كان من الممكن أن تتراجع البنوك والمصدرون وشركات النقل وشركات التأمين والمؤسسات الإغاثية حتى عن التعاملات المشروعة خشية انتهاك العقوبات. وفي هذه الحالة، كانت عمليات تحويل الأموال واستيراد السلع الحيوية وتنفيذ البرامج الصحية والتعليمية والتنموية ستواجه اضطرابات واسعة، كما كان الفقر والجوع والبطالة وانهيار الخدمات العامة سيبلغ مستويات أشد بكثير.
وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الإعفاءات العامل الوحيد الذي حال دون الانهيار. فقد أدت مساعدات الأمم المتحدة وبرامج البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي وحوالات المهاجرين والتجارة مع الدول المجاورة واستمرار عمل شبكات تحويل الأموال المحلية دوراً أيضاً في الحفاظ على الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية.
ومع ذلك، أدت الإعفاءات الأميركية من العقوبات دوراً حاسماً في تقليص خطر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الكامل لأفغانستان. ولم تنقذ هذه التراخيص الاقتصاد الأفغاني، كما لم تنه الأزمة الهيكلية في البلاد، لكنها حالت دون تحول العقوبات المفروضة على حركة طالبان وشبكة حقاني إلى إغلاق كامل للنظام المالي، ووقف للمساعدات، وعقاب اقتصادي للشعب الأفغاني.