ضحايا الأصولية الدينية.. جيل أفغانستان الجديد الذي دمّرت طالبان أحلامه
بکتاش روش
صحفی
مرّت خمس سنوات على سقوط الحكومة السابقة وانهيار الديمقراطية الناشئة في أفغانستان، وألقى سقوط الدولة الأفغانية ووصول طالبان إلى السلطة بظلاله على حياة الكثير من مختلف الأجيال، غير أن المراهقات اللواتي بلغن اليوم
الثامنة عشر عاماً، بعد خمس سنوات من هيمنة طالبان، يعتقدن أنهن تحملن العبء الأكبر لهذا التحول، عبئاً ثقيلاً لم يكنّ قادرات بعد على تحمله.
كانت الفتيات اللواتي بلغن 18 عاماً، في أغسطس 2021، عند سقوط كابل بيد طالبان، قد خطوا لتوهم أولى خطواتهم في عالم المراهقة، مرحلة الأحلام والطموحات. ولم تكن لدى هذا الجيل صورة حقيقية عن طالبان، فقد وُلد أفراده في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في ذروة الديمقراطية النسبية التي عرفتها أفغانستان خلال العقدين الماضيين، وفي ظل تدفق المساعدات والدعم الدوليين. ولم تكن أعمارهم تسمح لهم بإدراك تكرار الحلقة المفرغة في التاريخ الأفغاني المعاصر. ومع ذلك، كانت عقولهم منشغلة بالمستقبل وببناء الأحلام التي رسموها لأنفسهم.
وبمناسبة الذكرى الخامسة لسقوط أفغانستان وهيمنة طالبان، التقت "أفغانستان إنترناشيونال" أربع فتيات كن مراهقات في ذلك الوقت، وحُرمن من التعليم فور التحول الذي شهدته البلاد، وهن اليوم في بداية مرحلة الشباب وبلغن السن القانونية، أي الثامنة عشرة. وكان انهيار الحلم هو المحور الأساسي الذي ركزت عليه شهرزاد وماه بانو ونرجس وآي خانم، وهي أسماء مستعارة، في أحاديثهن مع "أفغانستان إنترناشيونال".
كيف سرقت عودة طالبان حلم جيل كامل؟
كانت شهرزاد في الثالثة عشرة من عمرها عندما عادت طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021. وكانت تدرس مع أختين وأخ لها في مدرسة "خانه نور" في كابل. وكانت فتاة حيوية ومرحة واجتماعية ومجتهدة ومتفائلة. وتقول إنه بسبب ظروف عمل والدها والتنقل المستمر من مدينة إلى أخرى، غيّرت مدرستها أربع مرات خلال ست سنوات دراسية، لكنها لم تعد إلى منزلها قط بكشف درجات لا تتصدره بالمرتبة الأولى.
ومنذ طفولتها، كانت تتمتع بشغف استثنائي بالقراءة والتعلم. وقد ألحقها والداها بالمدرسة في سن الخامسة، قبل أقرانها. وعندما عادت طالبان إلى الحكم، كانت في الصف الثامن وتبلغ الثالثة عشرة من العمر، وكان حلمها آنذاك أن تحرز المرتبة الأولى في امتحان القبول الجامعي على مستوى أفغانستان.
وقالت شهرزاد في حديثها مع "أفغانستان إنترناشيونال": "في آخر ليلة درست فيها بصفتي طالبة في أفغانستان، لم أكن أتوقع أن حياتي ستتغير في اليوم التالي. كان قد بقي امتحان مادتين أو ثلاث حتى تنتهي اختبارات منتصف العام. بقيت مستيقظة حتى منتصف الليل أستعد للامتحان. ومنذ طفولتي كنت أحمل حلماً واحداً؛ كنت أريد أن أصبح الأولى في امتحان القبول الجامعي في أفغانستان، وأن أثبت أنه يمكن بلوغ أي حلم بالاجتهاد".
وكانت شهرزاد تحب التخصص الذي درسه والدها، وكانت ترغب، بعد التخرج من المدرسة واجتياز امتحان القبول، في الالتحاق بكلية الهندسة في جامعة كابل. وتقول هذه الفتاة المحرومة من التعليم:
"لم تأخذ مني طالبان المدرسة والدراسة فحسب، بل سلبتني أيضاً الحلم الذي عشت معه منذ طفولتي".
كانت ماه بانو، وهي فتاة ذات شعر أسود طويل وبشرة قمحية وشخصية هادئة ومتحفظة، واحدة من الطالبات اللواتي كن في الثالثة عشرة من العمر عند سقوط أفغانستان وهيمنة طالبان، وكانت تدرس في الصف السابع بمدرسة "مؤمنة خاتون" في مشروع تايماني بكابل. وكانت، مثل آلاف الفتيات من جيلها، تدرس وتجتهد من أجل الوصول إلى حلمها. وكانت تتخيل نفسها مراراً، وهي لا تزال طالبة، ترتدي المعطف الأبيض للطبيبات. وتقول: "لم تكن المدرسة بالنسبة إلي مجرد بيئة تعليمية، بل كانت المكان الذي أرى فيه مستقبلي. كنت أتمنى أن أنجح في دراسة الطب".
وتقول هذه الشابة البالغة من العمر ثمانية عشر عاماً، وقد ارتسمت في عينيها موجات من القلق واليأس، بصوت يملؤه الحزن: "مع إغلاق أبواب المدرسة، تغير كل شيء. بقيت كثير من أحلامنا وآمالنا وخططنا خلف أبواب المدرسة المغلقة".
وترى أن السنوات الخمس من هيمنة طالبان على أفغانستان كانت أهم مرحلة في حياتها؛ فلو لم تعد طالبان ولم تفرض القيود على حياة الفتيات، لكانت اليوم أقرب إلى أهدافها. وتضيف، بغصة وحزن: "لم نُحرم من التعليم فحسب، بل ابتعدنا أيضاً عن حقنا في بناء المستقبل الذي حلمنا به وعملنا من أجله سنوات طويلة. وخلال هذه السنوات، فكرت مراراً أنه لو لم تأت طالبان، ولو لم تُغلق المدارس، لربما كنت اليوم طالبة في كلية الطب".
أما نرجس، فهي فتاة أخرى تبلغ الثامنة عشرة من العمر، وكانت تدرس في الصف الثامن بمدرسة "تجربي" في ولاية بلخ عندما عادت طالبان إلى الحكم. وكانت تذهب إلى المدرسة بشغف، على أمل أن تجتاز امتحان القبول الجامعي بنجاح وتدرس الحقوق.
ونرجس، وهي ابنة أحد قضاة الحكومة السابقة، كانت شغوفة بمهنة المحاماة، وكانت تحلم بأن تدافع يوماً أمام القضاة في المحاكم عن حقوق أبناء وطنها وأن تحقق العدالة. وتقول هذه الفتاة الفضولية كثيرة التساؤل إنها أدركت منذ سنوات مراهقتها حجم "انعدام العدالة" في النظام القضائي الأفغاني، ولذلك كانت تريد أن تصبح محامية لتسهم، ولو بجزء صغير، في معالجة مشكلات هذا النظام.
وفي 8 أغسطس 2021، عندما سقطت مدينة طالقان بيد طالبان، كانت آي خانم في الصف السادس. وكانت الابنة الوحيدة لأسرتها، وقد عاشت طفولتها ومراهقتها محاطة برعاية أسرتها واهتمامها. وكانت تدرس في إحدى المدارس الحكومية في طالقان.
ورغم أنها تقول إنها لم تكن قد حسمت خيارها الدراسي في ذلك الوقت، فإنها كانت ترى مستقبلها في صورة نائبة في البرلمان. وكانت آي خانم، المهتمة بالنشاطات المدنية، تعتبر النائبة الأفغانية السابقة فوزية كوفي قدوتها ومثالها الأعلى. وتقول: "كنت أتابع دائماً أعمال السيدة كوفي عبر التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي، وكنت أتمنى أن أصبح يوماً ما نائبة وسياسية بارزة مثلها".
الهندسة والطب والمحاماة والبرلمان؛ تلك هي الأحلام التي سلبتها طالبان، على التوالي، من شهرزاد وماه بانو ونرجس وآي خانم.
وبحسب تقرير للأمم المتحدة، فإن قرار زعيم طالبان هبة الله آخوندزاده، القاضي بمنع تعليم الفتيات فوق الصف السادس، أدى إلى حرمان ما لا يقل عن مليونين ومئتي ألف فتاة من التعليم. وبذلك، لم تحرم طالبان مليونين ومئتي ألف فتاة أفغانية من الدراسة فحسب، بل قضت أيضاً على مليونين ومئتي ألف حلم.
دخلت طالبان كابل في 15 أغسطس 2021، بينما كانت امتحانات منتصف العام لا تزال جارية. وبمجرد دخولها العاصمة، تعطلت العملية التعليمية في المدارس. ويقول أبناء الثامنة عشرة إنهم كانوا يعتقدون آنذاك أن الاستقرار سيعود سريعاً إلى المدن، وأن الدراسة ستستأنف قريباً.
وتروي شهرزاد آخر أيامها الدراسية في كابل قائلة: "كان لدينا امتحان في اللغة والأدب الداري، ولم نكن قد أجبنا بعد عن نصف الأسئلة عندما عمّت الفوضى والضجيج أرجاء المدرسة. جمع المعلم أوراق الامتحان وعدنا إلى بيوتنا والدموع في أعيننا. في ذلك اليوم، لم يبق امتحاننا وحده من دون اكتمال، بل توقف مستقبلنا وحلمنا أيضاً".
وتضيف: "في الأيام الأخيرة للحكومة السابقة، كنا نسمع يومياً أخبار سقوط الولايات، لكن أحداً لم يكن يصدق أن كابل ستسقط أيضاً".
وتقول إنها، مثل سائر الفتيات، عادت بعد فترة إلى مدرستها على أمل استئناف التعليم، لكنها سمعت "أثقل جملة" في حياتها، وهي جملة لم تستطع نسيانها حتى اليوم. فقد قال حارس المدرسة:
"اذهبن، انتهت المدرسة. الفتيات لن يدرسن بعد الآن".
وبعد قرار طالبان منع تعليم الفتيات فوق الصف السادس، تغيّر المسار التعليمي لهذا الجيل، لكن كثيرات منهن واصلن السعي إلى التعلم.
مسار التعليم
بعد أن أغلقت طالبان أبواب المدارس في وجه الفتيات، لم يبق أمامهن سوى طريقين لمواصلة التعلم: التعليم عبر الإنترنت أو المدارس الدينية. غير أن كلا الطريقين كان محفوفاً بالتحديات والصعوبات. وتؤكد الفتيات الأربع أنهن لم يستسلمن بسهولة لقرار طالبان، بل حاولن طوال السنوات الخمس الماضية مواصلة التعلم بكل الوسائل الممكنة.
تقول شهرزاد، التي عاشت مع أسرتها نحو ثلاث سنوات في باكستان، إنها كانت تدرس في وقت واحد ضمن ثلاثة أنظمة تعليمية مختلفة: مدرسة أفغانية، ومدرسة باكستانية، ومركزاً تعليمياً أميركياً دولياً عبر الإنترنت.
وبعد انتقال أسرتها إلى باكستان، تصاعدت بصورة متسارعة حملات اعتقال الأفغان وترحيلهم من البلاد. وفي عام 2025 أُغلقت مدارس أفغانية كثيرة في إسلام آباد بسبب نقص المعلمين والطلاب. وبسبب خشيتها من إغلاق المدرسة الأفغانية، التحقت شهرزاد في الوقت نفسه بمدرسة باكستانية.
وتقول إنها تعرضت مراراً في المدرسة الباكستانية، بسبب ضعفها في اللغة الأردية وكونها مهاجرة، لـ"معاملات مهينة" من جانب الطلاب وحتى بعض المعلمين، مضيفة: "لا يُسمح للطلاب الأفغان بالمشاركة في الامتحانات الرسمية في باكستان، كما لا تُمنح لهم شهادات تخرج".
وفي نهاية المطاف، رُحّلت أسرة شهرزاد من باكستان في مطلع عام 2026. وهي تواصل اليوم تعليمها عبر الإنترنت في مدرسة أميركية، لكنها تقول بقلق ويأس: "لا نحصل على الكهرباء إلا بضع ساعات في اليوم، كما أن تكلفة الإنترنت في كابل مرتفعة والخدمة لا تعمل جيداً. وللأسف، قد أفقد حتى فرصة التعليم عبر الإنترنت".
أما نرجس وماه بانو، فقد لجأتا لبعض الوقت إلى المدارس الدينية لمواصلة تعليمهما. وتقول ماه بانو إنها كانت تعتقد، قبل أن تغلق طالبان مراكز التعليم الطبي أمام الفتيات، أنها ستتمكن بعد تخرجها من دار العلوم الدينية من الالتحاق بأحد المعاهد الصحية، وبالتالي تحقيق جزء من حلمها.
وتضيف: "حفظت أولاً الأجزاء الثلاثين من القرآن، ثم التحقت بإحدى دور العلوم في كابل. لكن عندما أغلقت طالبان أبواب المعاهد الصحية أيضاً أمام الفتيات، وأصبحت ظروف الدراسة في دار العلوم أكثر صعوبة، لم يعد لدي أي دافع للاستمرار".
وكان زعيم طالبان، قد أصدر في 2 ديسمبر 2024 أمراً بإغلاق جميع مؤسسات التعليم الطبي العالي وشبه العالي أمام الفتيات. كما أبلغت وزارة الصحة العامة التابعة لحركة طالبان إدارات المعاهد الصحية بأن الفتيات لم يعد مسموحاً لهن بالدراسة فيها.
أما نرجس، فقد عادت هي الأخرى مؤخراً مع أسرتها من إسلام آباد إلى كابل، وهي تدرس الآن في مدرسة دينية حكومية. وكانت قد أمضت نحو عامين في مدرسة أفغانية في إسلام آباد.
وتقول، مشيرة إلى أنها ترتاد المدرسة فقط من أجل الحصول على شهادة التخرج: "لا يدرسون شيئاً اسمه العلوم أو التكنولوجيا؛ فكل التركيز منصب على المواد الدينية. وتزداد القيود يوماً بعد يوم. وارتداء القفازات والنقاب والعباءات الطويلة والفضفاضة إلزامي للطالبات".
وتضيف أن أوضاع المدارس الدينية التابعة لحركة طالبان "أسوأ من السجن".
الأسرة والتحولات في عهد طالبان
تقول الفتيات ذوات الثامنة عشرة عاماً إن السنوات الخمس من هيمنة طالبان على أفغانستان لم تحرمهم من التعليم والوصول إلى أحلامهم فحسب، بل غيّرت أيضاً تفاصيل حياتهم اليومية ومسار حياة أسرهم بصورة عميقة وغير متوقعة.
قبل عودة طالبان، كان والد ماه بانو وشقيقها الأكبر يمتلكان محلاً لتنسيق الزهور والتصوير الفوتوغرافي وتصوير الفيديو في منطقة كلولة بشتة بكابل. وكانا يصوران مناسبات الأفراح في فنادق العاصمة، ثم يحرران الصور ومقاطع الفيديو، ويعتاشان من هذا العمل.
لكن طالبان، بعد وصولها إلى السلطة، حظرت الرقص والموسيقى في حفلات الأفراح داخل الفنادق وفرضت قيوداً على تصوير الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، الأمر الذي أدى إلى تراجع عمل والد ماه بانو بصورة كبيرة. وبعد أشهر من العجز عن دفع إيجار المحل، اضطر في النهاية إلى ترك مهنته التي مارسها لسنوات طويلة.
ولم تكن ماه بانو قد بلغت السابعة عشرة من عمرها عندما خُطبت، بناء على رغبة أسرتها، لأحد أبناء أقاربها.
وتقول بحسرة: "اضطر والدي إلى العمل في أعمال شاقة، لكن ضغوط الحياة وهمومها كانت تزيد من تدهور حالته الصحية يوماً بعد يوم. وقبل سنة ونصف، أصيب والدي بجلطة دماغية وتوفي عن عمر 46 عاماً".
وبعد وفاة والدها، انتهت علاقتها بخطيبها وفُسخت الخطبة. وتقول: "كانت وفاة والدي صدمة كبيرة جعلت حياتنا أكثر مرارة وظلاماً".
أما نرجس وآي خانم، فهما ابنتا مسؤولين محليين في الحكومة السابقة بولايتي بلخ وتخار. وقد هاجرت أسرة نرجس إلى باكستان لنحو عامين خوفاً من الإجراءات الانتقامية لطالبان، بينما نزحت آي خانم مع أسرتها من تخار إلى كابل للسبب نفسه.
وعادت أسرة نرجس مؤخراً من باكستان بعد ترحيلها، وهي تتابع اليوم دراستها في مدرسة دينية في كابل، بينما تقول آي خانم إنها تعمل مع والدتها في نسج السجاد من أجل تأمين نفقات الحياة.
أما شهرزاد، فلديها رواية مختلفة عن تأثير التحولات السياسية في حياتها الأسرية. فقد قالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "انهار مسار حياتنا وآمالنا مرتين؛ الأولى بسبب عودة طالبان، والثانية بسبب وصول دونالد ترامب إلى السلطة".
وكان والدها قد عمل قرابة عشرين عاماً مع منظمات دولية في أفغانستان، لكنه استقال من وظيفته بعد أشهر قليلة من عودة طالبان "من أجل مستقبل أبنائه"، وانتقل مع أسرته إلى باكستان.
وقد فتحت الأسرة ملف هجرة من فئة "بي 2" أملاً في الانتقال إلى الولايات المتحدة. وتقول شهرزاد بابتسامة يملؤها اليأس:
"أجرينا مقابلة السفارة والفحوص الطبية وأكملنا جميع الإجراءات القانونية، وكنا ننتظر موعد الرحلة، لكن ترامب أصبح رئيساً، وفي أول يوم له في السلطة أوقف هجرة الأفغان إلى الولايات المتحدة".
مراهقون تجرعوا مرارة اللجوء والنزوح
روت نرجس وشهرزاد، في حديثهما مع "أفغانستان إنترناشيونال"، تفاصيل التجربة المريرة التي عاشتاها خلال اللجوء في باكستان.
وتقول نرجس إنها، في أواخر عام 2025، وقبل أن تبلغ السن القانونية، أي الثامنة عشرة، اعتقلتها الشرطة الباكستانية وهي في طريقها إلى المدرسة وترتدي الزي المدرسي. وقد أمضت خمس ليال في السجن بعيداً عن أسرتها، إلى جانب مهاجرين أفغان آخرين، قبل أن تُرحّل مع عائلتها إلى أفغانستان.
وتقول نرجس إن كوابيس ليالي السجن في باكستان لا تزال تطاردها حتى اليوم. ورغم أنها كانت تدرك أن عودتها إلى أفغانستان الخاضعة لهيمنة طالبان ستعني حرمانها من كثير من حقوقها الأساسية، فإنها كانت سعيدة بالعودة إلى وطنها لأنها، على الأقل، تخلصت من "الخوف والملاحقة" من جانب الشرطة الباكستانية.
أما شهرزاد، فتقول إنها وجدت نفسها، في عمر كان ينبغي ألا يشغلها فيه سوى "الدراسة والمستقبل"، فجأة في بلد لا تعرف لغته، ولا ثقافته، ولا تعلم شيئاً عن مستقبلها فيه.
وقد عاشت مع أسرتها نحو ثلاث سنوات في إسلام آباد، وتصف تلك المرحلة بأنها سنوات "عدم الاستقرار والخوف والضياع". وتروي أن الشرطة الباكستانية جاءت إلى منزلهم قبل يوم واحد من عيد الأضحى واعتقلت والدها.
وتضيف: "أطلقت الشرطة سراح والدي مقابل 100 ألف روبية باكستانية، لكنها أخذت منا تعهداً بمغادرة باكستان بحلول اليوم الرابع من العيد".
وعادت أسرة شهرزاد إلى أفغانستان في الموعد المحدد.
نظرة أبناء الثامنة عشرة إلى المستقبل
لا يرى أبناء الثامنة عشرة اليوم، بعد خمس سنوات من هيمنة طالبان، مستقبلاً واضحاً أمامهم. فهم يقضون بداية شبابهم في ظل الخوف واليأس. وعلى الأقل، وصفت الفتيات الأربع اللواتي تحدثن إلى "أفغانستان إنترناشيونال" أفغانستان اليوم بأنها "سجن للفتيات الشابات"، لا يجدن سبيلاً للخروج منه أو لتحقيق أحلامهن.
وتقول شهرزاد، التي لم يمض على بلوغها الثامنة عشرة سوى ثلاثة أشهر: "أشعر بأن كل باب كان يمكن أن يقودني إلى بناء مستقبلي قد أُغلق الواحد تلو الآخر".
وتبحث شهرزاد عن طريق للخروج من أفغانستان والعيش في مجتمع منفتح وحر، في مكان لا تتعرض فيه لـ"التمييز والقمع" بسبب كونها امرأة. لكنها تؤكد أن "إيجاد مثل هذا الطريق ليس سهلاً في الوقت الراهن".
وتضيف: "أحياناً أجد نفسي عالقة بين الأمل واليأس؛ فمن جهة، لدي أحلام كبيرة للمستقبل، ومن جهة أخرى، أواجه واقعاً يجعل الحياة أكثر صعوبة يوماً بعد يوم".
أما ماه بانو، فتقول إنها، رغم "كل الصعوبات"، لم تفقد الأمل تماماً، ولا تزال تحلم بأن تستأنف تعليمها يوماً ما وأن تحقق حلمها في أن تصبح طبيبة.
وقد غيّرت طالبان، منذ عودتها إلى السلطة، النظام التعليمي في أفغانستان. إذ حذفت وزارة التعليم التابعة لحركة طالبان 51 درساً من الكتب المدرسية، تتناول موضوعات مثل الحرية، وحقوق المرأة، وحقوق الإنسان، والعلم الوطني، والأم، والسلام، وغيرها من الموضوعات المشابهة.
وتقول الوزارة إن تدريس هذه الموضوعات يتعارض مع "تعاليم الدين الإسلامي وسياسة الحركة".
وتؤكد ماه بانو أنها، إذا فُتحت أبواب المدارس مجدداً أمام الفتيات، فإنها تتمنى العودة إلى مدرستها بالظروف نفسها التي كانت سائدة سابقاً. وبحكم تجربتها في المدارس الدينية، تشدد على أن المدارس، إذا أعيد فتحها وفق شروط طالبان، "فلن تختلف عن المدارس الدينية".
ويقع منزل ماه بانو مقابل مدرستها السابقة مباشرة. وتقول إنها، كل صباح، تزيح الستائر وتنظر من نافذتها إلى مبنى المدرسة وساحتها.
وتضيف: "الجدران هي الجدران نفسها، والساحة هي الساحة نفسها، لكن أصوات ضحكات الفتيات، وجرس المدرسة، وحماس الطالبات لم تعد موجودة. إن صمت المدرسة أشد إيلاماً من أي صرخة. وأحياناً أحدق طويلاً في بوابة المدرسة حتى تنهمر دموعي من دون إرادة".
خرجت "آرزو" من منزلها في وقت متأخر من بعد الظهر، وكانت تريد شراء بعض المستلزمات الضرورية للمنزل ثم العودة، لكن قطع مسافة بضعة كيلومترات في شوارع قندهار، وهي رحلة كانت في السابق جزءاً عادياً من الحياة اليومية لكثير من النساء،
أصبح بالنسبة إليها رحلة محفوفة بالخوف والانتظار والمعاناة.
أشارت إلى عدد من سائقي العربات ثلاثية العجلات وسيارات الأجرة، لكن لم يقبل أي منهم نقلها.
تقول: "كلما قلت لأحدهم إنني ذاهبة إلى السوق، كان يجيب بأننا لا نستطيع نقل النساء من دون محرم. وكانوا يقولون إنهم إذا شاهدهم عناصر وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيواجهون مشكلات".
وفي وقت لاحق، وافق سائق عربة ثلاثية العجلات على نقلها مقابل مبلغ أعلى من المعتاد، لكن "آرزو" تقول إن السائق ظل قلقاً حتى نهاية الرحلة: "نظر إلى الخلف مرات عدة، وكان يقول: نسأل الله ألا نصادف دورية تابعة لوزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر".
وتقول "آرزو" إنها لم تصادف في طريقها إلى السوق سوى أربع نساء فقط، كن يتنقلن على دراجات نارية برفقة محارمهن، فيما بدا لها أن المدينة خالية تماماً من النساء.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "كانت بعض النساء يرتدين حجاباً عربياً أسود، وقد أوقفهن موظفو وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وسألوهن عن سبب عدم وجود محرم معهن. كانت النساء خائفات إلى درجة أنهن لم يجرؤن حتى على الكلام".
وأضافت أن وجود موظفي وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يزداد خصوصاً في الأسواق التي تُباع فيها المستلزمات الخاصة بالنساء، حيث تُوقف النساء بصورة متكررة.
وتقول "آرزو" إن كثيراً من النساء لا يوجد لديهن محرم، أو أن رجال الأسرة لا يستطيعون مرافقتهن بسبب العمل، ومع ذلك يواجهن مشكلات جدية أثناء التنقل.
وتضيف: "إذا حل وقت العصر أو المساء، يصبح من الصعب جداً العثور على سيارة أجرة أو عربة ثلاثية العجلات، لأن السائقين يقولون إن ذلك يسبب لهم مشكلات".
الوجه المتغير لقندهار
أصبحت تجربة "آرزو" اليومية في الانتقال من المنزل إلى السوق جزءاً من الحياة اليومية لكثير من النساء في قندهار.
وأثرت القيود التي فرضتها حركة طالبان في جميع جوانب حياة النساء الاجتماعية والصحية والمهنية والتعليمية والاقتصادية.
وبحسب مصادر صحية، كان نحو 500 من العاملات في القطاع الصحي والممرضات يعملن في قندهار خلال عهد النظام الجمهوري، لكن هذا العدد تراجع الآن إلى نحو 100 فقط.
جميلة، التي كانت تعمل في السابق قابلة في مركز صحي بمديرية "دند" في قندهار، أصبحت الآن عاطلة عن العمل.
وقالت لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "عملت لسنوات، لكنني الآن لم أُحرم من ممارسة مهنتي فحسب، بل أصبح تأمين نفقات المنزل أمراً صعباً بالنسبة إلي أيضاً".
ويستقبل مستشفى ميرويس الإقليمي في قندهار آلاف المرضى يومياً، لكن مصادر صحية تقول إن النقص في عدد الطبيبات المتخصصات قلص خيارات العلاج المتاحة للنساء.
وبحسب هذه المصادر، لم يتبق في المستشفى سوى طبيبة متخصصة واحدة من أصل ثلاث طبيبات كن يعملن فيه.
ووفقاً لما توصلت إليه "أفغانستان إنترناشيونال"، يتجول محتسبو وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لحركة طالبان يومياً في المراكز الصحية والعيادات الخاصة بمناطق مختلفة من المدينة، ويوجهون الأطباء بعدم معالجة المريضات اللاتي يأتين من دون محرم.
وحذرت وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التابعة لحركة طالبان الأطباء من أنه إذا راجعت أي امرأة العيادة من دون محرم شرعي، فيجب إعادتها أو إبقاؤها في الانتظار إلى حين حضور محرمها.
وقال طبيب طلب عدم نشر اسمه بسبب مخاوف أمنية: "يأتي المحتسبون كل يوم تقريباً، ويسألون عن فحص النساء وعمل الأطباء الرجال، وحتى عن اللحى والملابس".
وبحسب معلومات موظفين في مديرية التعليم بقندهار، بلغ عدد المعلمات والموظفات الإداريات في الولاية خلال عهد النظام الجمهوري نحو ألفي امرأة، لكن كثيرات أُبعدن الآن من وظائفهن، وانخفض العدد إلى بضع مئات.
الخروج المشروط بارتداء البرقع
في قندهار وكثير من المدن الأخرى، ترتدي النساء الآن البرقع لتجنب الاستجواب والقيود، ويحاولن التنقل في مجموعات لا تقل عن امرأتين أو ثلاث.
وقالت "آرزو" عن البرقع، الذي جربت ارتداءه بنفسها: "ارتداء البرقع ليس أمراً سهلاً، فمن جهة يحد من مجال الرؤية، ومن جهة أخرى يسبب في كثير من الأحيان مشكلات في التنفس. وإذا لم نمسك البرقع بإحكام باليد أمام الوجه تصبح الرؤية أضعف، وإذا أمسكناه باليد نواجه ضيقاً في التنفس".
وعلى الرغم من القيود الواسعة المفروضة على النساء في قندهار، فإن الاحتياجات الاقتصادية تجبرهن على التجمع أمام مديرية الاقتصاد ومديرية شؤون اللاجئين والهلال الأحمر وغيرها من المؤسسات للحصول على المساعدات.
وفي كثير من الأحيان، تقف هؤلاء النساء في الطوابير لساعات لأن متطلبات الحياة لا تترك لهن خياراً آخر.
وتقول "آرزو" إن حركة طالبان حظرت من جهة عمل النساء، لكنها من جهة أخرى لا تمنع النساء المتسولات الجالسات أمام مراكز توزيع المساعدات وفي الشوارع، ولا توفر لهن فرصاً للعمل.
وزارت "آرزو" في جزء آخر من مدينة قندهار ورشة تعمل فيها نساء، واطلعت عن قرب على عملية الخياطة التي يقمن بها.
وأصبح من الصعب على عدد من النساء اللواتي يصنعن المنتجات اليدوية وغيرها من السلع داخل منازلهن نقل منتجاتهن إلى السوق. كما أن تمرير السلع عبر وسيط ثان أو ثالث يؤدي في كثير من الأحيان إلى بيعها بأسعار منخفضة.
وتحدثت "آرزو" مع هؤلاء النساء، وتقول إن كثيرات منهن أصبحن لهذا السبب يعملن في ورش يملكها آخرون، ويتمكن من خلال ذلك، وعلى الرغم من قيود حركة طالبان، من تلبية احتياجات أسرهن.
وتعيش نساء أخريات بمفردهن مع أطفالهن، ويتحملن أيضاً مسؤولية إعالة الأسرة. وبحسب أقوالهن، لا يملكن دخلاً منتظماً، ولا يستطعن توفير الاحتياجات الأساسية للحياة بسهولة.
وتقول نساء كن في السابق يوفرن فرص عمل لعشرات النساء الأخريات ويدربنهن على الخياطة والصناعات اليدوية وغيرها من الحرف، إن أماكن عملهن أُغلقت الآن. وبحسبهن، لم يؤد ذلك إلى توقف أعمالهن فحسب، بل تسبب أيضاً في بطالة عدد كبير من النساء الأخريات.
وتمكنت بعض النساء الجريئات من إبقاء حرفة نسج السجاد والتطريز وغيرها من الحرف قائمة داخل منازلهن، كما أبقين عدداً من جاراتهن القريبات منشغلات بالعمل، لكن غياب السوق والقيود والوضع الاقتصادي للناس جعل حتى هذه المبادرات المنزلية الصغيرة تواجه خطر الانهيار.
وتشير هؤلاء النساء إلى أنهن كن في السابق يشاركن في المعارض ويبعن منتجاتهن ويتواصلن مباشرة مع الزبائن، لكنهن الآن لا يستطعن حتى الذهاب إلى الطبيب بمفردهن.
عادت "آرزو" إلى منزلها، لكن رحلتها التي لم تتجاوز بضعة كيلومترات تقدم صورة للحياة اليومية لآلاف النساء في قندهار، اللواتي يواجهن كل يوم عقبات جديدة تفرضها حركة طالبان أمام التنقل والعمل وممارسة الحياة العادية.
لم يُنهِ انسحاب الولايات المتحدة من أفغانستان مسؤوليتها تجاه هذا البلد، إذ وجدت واشنطن نفسها مباشرة أمام تحدٍ حيوي تمثل في احتواء الأزمة الإنسانية ومنع الانهيار الكامل للاقتصاد الأفغاني، ومن هذا المنطلق،
اتخذت الولايات المتحدة فور انسحابها إجراءات هدفت إلى منع الانهيار الكامل لاقتصاد أفغانستان وتجنيب شعبها عقاباً جماعياً بسبب وجود جماعات خاضعة للعقوبات في السلطة.
بعد هجمات 11 سبتمبر، أدرجت الولايات المتحدة حركة طالبان وشبكة حقاني، بموجب الأمر التنفيذي رقم 13224، ضمن قائمة "الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص". كما أُدرجت شبكة حقاني، بموجب المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأميركي، في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية.
وأدت عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، ووجود أفراد وكيانات خاضعة للعقوبات ضمن هيكل السلطة، إلى فرض قيود ومخاطر واسعة مرتبطة بالعقوبات على التعاملات المالية والاقتصادية مع أفغانستان. وكانت البنوك والشركات والمؤسسات الدولية تخشى أن تؤدي حتى تعاملاتها العادية والمشروعة إلى انتهاك العقوبات.
ووضع خروج المؤسسات الأجنبية، وعزلة النظام المصرفي، وهجرة آلاف الكفاءات المتخصصة، وخروج رؤوس الأموال، أفغانستان على أعتاب أزمة غير مسبوقة. وكان استمرار هذا الوضع من شأنه أن يعطل بشدة تحويل الأموال واستيراد المواد الغذائية والأدوية ودفع الرواتب وتنفيذ البرامج الإنسانية.
ورداً على ذلك، أصدرت وزارة الخزانة الأميركية سبعة تراخيص عامة. ووفرت هذه التراخيص الإطار القانوني اللازم لتقديم المساعدات وتحويل الحوالات الشخصية واستيراد السلع الحيوية ومواصلة أنشطة المؤسسات الدولية والمنظمات غير الحكومية وإجراء التعاملات القانونية مع أفغانستان.
ولم تكن هذه الإعفاءات تعني رفع العقوبات عن حركة طالبان أو شبكة حقاني أو غيرهما من الأشخاص الخاضعين للعقوبات. وظل التحويل المباشر للأموال إليهم محظوراً، باستثناء مدفوعات محدودة وضرورية، مثل الضرائب والرسوم والرسوم الجمركية وتكاليف التراخيص والخدمات العامة المرتبطة بالأنشطة المسموح بها.
الأنشطة الإنسانية
أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 14 في 24 سبتمبر 2021. وسمح الترخيص بإجراء التعاملات الاعتيادية والضرورية لتقديم المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الأفغاني، حتى عندما تتطلب تلك الأنشطة تعاملاً محدوداً مع حركة طالبان أو شبكة حقاني أو الجهات التابعة لهما.
وفي وقت لاحق، أقر مجلس الأمن الدولي، بدعم من الولايات المتحدة، القرار رقم 2615 في 22 ديسمبر 2021، الذي استثنى الأنشطة الضرورية لتقديم المساعدات الإنسانية وتلبية الاحتياجات الأساسية للشعب الأفغاني من قيود العقوبات، وبعد ذلك بدأ العمل بالممر الجوي لنقل الأموال النقدية إلى أفغانستان.
نقل المنتجات الزراعية والأدوية والمعدات الطبية
سمح الترخيص العام رقم 15 بتصدير المنتجات الزراعية والطبية وإعادة تصديرها إلى أفغانستان. ويشمل الترخيص المواد الغذائية والأدوية والمعدات الطبية وقطع الغيار والمكونات اللازمة للأجهزة الطبية وتحديثات البرامج الخاصة بهذه المعدات.
ولا يقتصر نطاق الترخيص على الصادرات المباشرة، بل يسمح أيضاً بنقل السلع عبر دولة ثالثة، إذا كانت أفغانستان وجهتها النهائية. وتكمن أهمية هذا الترخيص في منع البنوك والمصدرين وشركات النقل وشركات التأمين من وقف نقل الغذاء والأدوية والمعدات الحيوية إلى أفغانستان خشية انتهاك العقوبات.
الحوالات الشخصية
صدر الترخيص العام رقم 16 في 10 ديسمبر 2021، وسمح بتحويل الحوالات الشخصية وغير التجارية إلى أفغانستان. وبموجب هذا الترخيص، يستطيع الأفغان المقيمون في الخارج إرسال الأموال إلى أسرهم عبر البنوك والمؤسسات المالية، كما يسمح بإجراء التعاملات المصرفية اللازمة لإتمام هذه التحويلات.
وبحسب بيانات البنك الدولي، تلقت أفغانستان في عام 2020 نحو 789 مليون دولار من الحوالات الشخصية. وقُدرت هذه التحويلات بنحو 600 مليون دولار في عام 2021. ومع ذلك، ونظراً إلى الاستخدام الواسع لشبكات الحوالات غير الرسمية، لا يُسجل جزء كبير من التحويلات في الإحصاءات الرسمية، فيما تشير تقديرات إلى أن التحويلات السنوية قد تصل إلى ملياري دولار.
وتعد الحوالات الشخصية أحد أهم مصادر توفير العملات الأجنبية وتقديم الدعم المباشر للأسر والحفاظ على الطلب الكلي في الاقتصاد الأفغاني. وتُستخدم هذه الأموال عادة لشراء الغذاء ودفع الإيجارات والعلاج والتعليم وغيرها من الاحتياجات اليومية، ولذلك تؤدي دوراً مباشراً في تخفيف ضغوط الفقر والبطالة.
الأنشطة الرسمية للولايات المتحدة في أفغانستان
صدر الترخيص العام رقم 17 في 22 ديسمبر 2021، بهدف منع العقوبات من عرقلة تنفيذ البرامج الرسمية للحكومة الأميركية في أفغانستان. وسمح الترخيص للموظفين والمتعاقدين والمستفيدين من المساعدات المالية الأميركية بإجراء التعاملات الضرورية لتنفيذ الأنشطة الإغاثية والصحية والتنموية والرقابية والدبلوماسية والإدارية.
وأتاح هذا الإطار استمرار البرامج الرسمية الأميركية من دون أن يعني ذلك الاعتراف بإدارة حركة طالبان أو تمويلها بشكل عام.
الأنشطة الرسمية للمنظمات الدولية
سمح الترخيص العام رقم 18 بالأنشطة الرسمية للأمم المتحدة والجهات التابعة لها، والبنك الدولي، وبنك التنمية الآسيوي، وبنك التنمية الأفريقي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك التنمية للبلدان الأميركية، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، والبنك الإسلامي للتنمية في أفغانستان.
وتمكن موظفو هذه المؤسسات ومتعاقدوها وممثلوها من مواصلة المدفوعات والتعاملات الضرورية لتنفيذ البرامج الإنسانية والصحية والتعليمية والغذائية والتنموية.
وبفضل هذا الإطار، استأنفت مؤسسات مثل البنك الدولي أنشطتها في أفغانستان. ووضع البنك الدولي جزءاً من موارد صندوق إعادة إعمار أفغانستان تحت تصرف مؤسسات تابعة للأمم المتحدة ومنظمات غير حكومية، لتنفيذ المشاريع من دون تحويل الأموال إلى إدارة حركة طالبان.
إطار عمل المنظمات غير الحكومية
سمح الترخيص العام رقم 19 للمنظمات غير الحكومية بالعمل في المجالات التالية:
المساعدات الإنسانية والصحية: توزيع الغذاء والأدوية، وتقديم الخدمات الصحية والتغذوية، ودعم المتضررين والنازحين وضحايا الكوارث الطبيعية.
دعم الفئات الأكثر ضعفاً: دعم كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة وضحايا العنف الجنسي والقائم على أساس الجنس.
حقوق الإنسان والمجتمع المدني: تعزيز سيادة القانون والشفافية والمساءلة والحريات الأساسية والوصول إلى المعلومات والمشاركة المدنية.
التعليم ومحو الأمية: توسيع فرص الوصول إلى التعليم، ومكافحة الأمية، ودعم البرامج والإصلاحات التعليمية.
المشاريع التنموية غير التجارية: تنفيذ مشاريع ذات منفعة عامة في مجالات الصحة والأمن الغذائي وإمدادات المياه والصرف الصحي.
البيئة والموارد الطبيعية: حماية البيئة، والإدارة المسؤولة للموارد الطبيعية، وحماية الأنواع المهددة بالانقراض، وإزالة التلوث.
وأتاح هذا الترخيص استمرار عمل المنظمات غير الحكومية في وقت كان فيه جزء كبير من الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية في أفغانستان يعتمد على دعم هذه المؤسسات.
إطار واسع للتعاملات القانونية مع أفغانستان
أصدرت وزارة الخزانة الأميركية الترخيص العام رقم 20 في 25 فبراير 2022. ووفر هذا الترخيص أوسع إطار للتعاملات القانونية مع أفغانستان والجهات الحاكمة فيها.
وبموجب هذا الترخيص، يمكن للأفراد والشركات التعامل مع الوزارات والمؤسسات العامة والبنك المركزي الأفغاني والشركات المملوكة للدولة أو الخاضعة لسيطرتها، حتى إذا كان بعض الأشخاص الخاضعين للعقوبات يشغلون مناصب قيادية في هذه المؤسسات.
وسمح الترخيص رقم 20 بالمدفوعات الضرورية، مثل الضرائب والرسوم والرسوم الجمركية وتكاليف التراخيص والخدمات العامة، لكنه لا يشمل السلع والخدمات الكمالية. كما لا يسمح هذا الترخيص، بحد ذاته، بالإفراج عن الحسابات والأصول المجمدة، بما في ذلك الاحتياطيات المجمدة للبنك المركزي الأفغاني.
المساعدات المالية الأميركية
إلى جانب الإعفاءات من العقوبات، خصصت الولايات المتحدة بعد أغسطس 2021 مليارات الدولارات للبرامج المرتبطة بأفغانستان والأفغان.
ولا يمثل مبلغ يزيد على 21 مليار دولار، الوارد في بعض تقارير مكتب المفتش العام الأميركي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيجار)، مساعدات مباشرة إلى أفغانستان فقط. فهذا المبلغ يشمل، إلى جانب المساعدات الإنسانية والتنموية، تكاليف إجلاء الأفغان وإعادة توطينهم في الولايات المتحدة ودول أخرى، إضافة إلى 3.5 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي للبنك المركزي الأفغاني. ومن هذا المبلغ، كان نحو 3.8 مليار دولار مساعدات إنسانية نُقلت إلى داخل أفغانستان. وظلت الولايات المتحدة حتى عام 2024 أكبر مانح مالي لأفغانستان.
وبالتالي، كان المبلغ الذي خُصص مباشرة للمساعدات الإنسانية والتنموية داخل أفغانستان أقل بكثير من الرقم الإجمالي. ومع ذلك، أدت هذه الموارد دوراً مهماً في توفير الغذاء والحفاظ على الخدمات الصحية ودعم الأسر الأكثر ضعفاً ومنع تدهور الاقتصاد بصورة أكبر.
دور الإعفاءات في احتواء خطر انهيار أفغانستان
شكلت التراخيص العامة السبعة لوزارة الخزانة الأميركية، عملياً، الأساس القانوني لاستمرار العلاقات الاقتصادية والإنسانية المحدودة بين أفغانستان والعالم. وأبقت هذه الإعفاءات الطريق مفتوحاً أمام المساعدات الإنسانية والحوالات الأسرية واستيراد الغذاء والأدوية وأنشطة المنظمات الدولية وغير الحكومية وإجراء التعاملات القانونية.
ومن دون هذه التراخيص، كان من الممكن أن تتراجع البنوك والمصدرون وشركات النقل وشركات التأمين والمؤسسات الإغاثية حتى عن التعاملات المشروعة خشية انتهاك العقوبات. وفي هذه الحالة، كانت عمليات تحويل الأموال واستيراد السلع الحيوية وتنفيذ البرامج الصحية والتعليمية والتنموية ستواجه اضطرابات واسعة، كما كان الفقر والجوع والبطالة وانهيار الخدمات العامة سيبلغ مستويات أشد بكثير.
وبطبيعة الحال، لم تكن هذه الإعفاءات العامل الوحيد الذي حال دون الانهيار. فقد أدت مساعدات الأمم المتحدة وبرامج البنك الدولي وبنك التنمية الآسيوي وحوالات المهاجرين والتجارة مع الدول المجاورة واستمرار عمل شبكات تحويل الأموال المحلية دوراً أيضاً في الحفاظ على الحد الأدنى من الدورة الاقتصادية.
ومع ذلك، أدت الإعفاءات الأميركية من العقوبات دوراً حاسماً في تقليص خطر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الكامل لأفغانستان. ولم تنقذ هذه التراخيص الاقتصاد الأفغاني، كما لم تنه الأزمة الهيكلية في البلاد، لكنها حالت دون تحول العقوبات المفروضة على حركة طالبان وشبكة حقاني إلى إغلاق كامل للنظام المالي، ووقف للمساعدات، وعقاب اقتصادي للشعب الأفغاني.
عزیز بونیری
أفغانستان إنترنشنل
انتهت حياة زعيم حركة طالبان ملا أختر محمد منصور في 21 مايو 2016، إثر غارة أميركية بطائرة مسيرة في دالبندين ببلوشستان، إلا أن الوثائق التي عُثر عليها في موقع الحادث فتحت الباب أمام جانب من حياة زعيم
حركة طالبان المقتول ظل خفياً حتى ذلك الحين.
بدأت التحقيقات من جواز سفر وبطاقة هوية، ووصلت إلى كراتشي، أكبر مدن باكستان. وأثارت الوثائق التي تركها منصور وراءه سؤالاً حول ما إذا كان أمير المؤمنين في حركة طالبان، الذي قاد عمليات سرية لسنوات، يمتلك أيضاً أصولاً خفية في مدينة كبيرة.
وبحسب تحقيقات وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية "FBI"، كان أختر منصور يحمل بطاقات هوية باسمين مختلفين، أحدهما "محمد ولي" والثاني "غل محمد"، كما كانت هناك وثائق مسجلة لمعاملات عقارية وأراضٍ باسمه في كراتشي.
وتظهر وثائق القضية أن قيمة ممتلكاته في كراتشي وحدها قُدرت في عام 2019 بنحو 77.7 مليون روبية باكستانية.
قُتل زعيم حركة طالبان ملا أختر محمد منصور وسائقه في 21 مايو 2016 على أطراف بلدة "أحمدوال" في بلوشستان. وتقع البلدة على الطريق السريع الممتد من كويته، عاصمة إقليم بلوشستان، باتجاه إيران، على بعد نحو 500 كيلومتر من معبر "تفتان" الحدودي.
وبدأت وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية تحقيقاتها بشأن جواز السفر الباكستاني وبطاقة الهوية الوطنية اللذين عُثر عليهما في موقع مقتل ملا أختر منصور، وكانا صادرين باسم "محمد ولي"، لمعرفة كيفية حصوله على هذه الوثائق.
وقالت الوكالة لاحقاً إن منصور حصل على بطاقة الهوية في إقليم بلوشستان عام 2002. وقبل ذلك، كان قد حصل عام 1999 على شهادة إقامة دائمة في مقاطعة "قلعة عبد الله" ببلوشستان، وعرّف نفسه هناك باسم "محمد ولي".
وفي إطار التحقيق في القضية، اتخذت وكالة التحقيقات الفيدرالية إجراءات بحق عدد من مسؤولي الهيئة الوطنية لقواعد البيانات والتسجيل في باكستان "نادرا"، حيث اعتُقل بعضهم على ما يبدو، فيما أُقيل آخرون من مناصبهم.
وقال مسؤولون باكستانيون لاحقاً إن التحقيقات كشفت أيضاً عن بطاقة هوية أخرى لملا أختر منصور صادرة باسم "غل محمد".
وبحسب الوثائق الرسمية الباكستانية، كُتب في هذه البطاقة أن اسم والد غل محمد هو "سيد أمير"، وأنه من مواليد عام 1974، فيما سُجل عنوانه الحالي على أنه "بيشين، بشتون آباد، غوالمنضي، كويته"، وعنوانه الدائم "بيشين تالاب، تشمن، مقاطعة قلعة عبد الله".
وصَدرت بطاقة الهوية في 2 ديسمبر 2002، وكان تاريخ انتهاء صلاحيتها في 31 أكتوبر 2014.
ووفقاً لمعلومات وكالة التحقيقات الفيدرالية، كشفت التحقيقات في بطاقات هوية ملا أختر منصور أنه كان يستخدم أرقام هذه البطاقات في تجارة الأراضي في كراتشي، وأنه كان يمتلك ستة عقارات.
وبحسب تقرير أعدته وكالة التحقيقات الفيدرالية بشأن بطاقات الهوية التي استخدمها ملا أختر منصور بأسماء مستعارة، وقُدم إلى محكمة مكافحة الإرهاب في باكستان، كان منصور يمتلك أراضي وشققاً وقطعاً سكنية في كراتشي باسمَي "محمد ولي" و"غل محمد". كما كان يمتلك حسابات مصرفية في بنوك مختلفة بالاسمين نفسيهما.
تجارة الأراضي باسم صهره
قالت وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية إن شخصين يدعيان "عمار" و"أختر محمد" كانا يساعدان زعيم طالبان السابق أختر محمد منصور في شؤون الأراضي والعقارات ويوفران له التسهيلات اللازمة. وكان "أختر محمد" اسمه الحقيقي، فيما كان عمار ياسر صهره ونجل القائد البارز السابق في حركة طالبان "أستاذ ياسر".
وكان ملا أختر منصور يمتلك باسم "غل محمد" قطعة أرض في "مخطط كي دي إيه 45" بمنطقة "غولشن معمار" في كراتشي. كما كانت قطعة أرض ثانية مسجلة بالاسم نفسه في المنطقة ذاتها. أما العقار الثالث فكان شقة مسجلة باسم "غل محمد" في مبنى "هايتس" بمنطقة "غولشن معمار".
وكان العقار الرابع شقة في الطابق السادس من "برج عمار" بشارع "شهيد ملت" في كراتشي، ومسجلة باسم "محمد ولي". أما العقار الخامس فكان شقة باسم "محمد ولي" في "بسم الله تيراس" بمنطقة "غولزار هجري" التابعة للمخطط 33 في كراتشي، فيما اشترى قطعة الأرض السادسة أيضاً في شارع "شهيد ملت" بكراتشي.
وأضاف التقرير أن ملا أختر منصور كان يمارس تجارة الأراضي باسم عمار ياسر.
وكان يمتلك حساباً في بنك الفلاح باسم "محمد ولي"، وحساباً في "بنك الحبيب" باسم "غل محمد"، واستخدم اسم "وكالة إقراء للعقارات" لهذه الحسابات المصرفية. إلا أنه تبين لاحقاً أن هذه الوكالة العقارية لم تكن لها أي علاقة بملا أختر محمد منصور.
كما كان لديه حساب مصرفي باسم "غل محمد" في "بنك ألايد" بمنطقة "ستلايت تاون" في كويته، وكان قد عرّف نفسه هناك بأنه صاحب متجر.
واشترى ملا أختر منصور شقة "بسم الله تيراس"، التي تبلغ مساحتها 850 ياردة مربعة، مقابل 1.4 مليون روبية.
وفيما يتعلق بشقة "برج عمار"، قيل إن منصور اشتراها في 19 يوليو 2011 مقابل 3 ملايين و620 ألف روبية.
كما اشترى شقة شارع شهيد ملت في 15 سبتمبر 2014 مقابل 17.3 مليون روبية.
واشترى أيضاً قطعة أرض في غولشن معمار تبلغ مساحتها 441.67 ياردة مربعة، في الأول من ديسمبر 2009، مقابل 5.4 مليون روبية، إلا أن قيمتها المسجلة في الوثائق لم تتجاوز 486 ألفاً و500 روبية.
أما العقار الخامس، الذي تبلغ مساحته 200 ياردة مربعة ويقع في غولشن معمار، فاشتراه في 29 نوفمبر 2007 مقابل 4.7 مليون روبية. وكان العقار السادس شقة في منطقة صنوبر هايتس بغولشن معمار، اشتراها في نوفمبر 2008 مقابل مليون ونصف المليون روبية.
وسلّم مسؤولون حكوميون باكستانيون هذه الممتلكات لاحقاً إلى الدولة في نوفمبر 2016.
وسجلت وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية في 25 يوليو 2019 قضية ضد ملا أختر منصور، باسميه المستعارين "محمد ولي" و"غل محمد"، وضد عمار وأختر محمد.
وسُجلت القضية بموجب المادة H-11 من قانون مكافحة الإرهاب الباكستاني لعام 1997، المتعلقة بجمع الأموال وغسل الأموال. كما سُجلت بموجب المادة 420 من قانون العقوبات الباكستاني، المتعلقة بالحصول على أموال أو ممتلكات عن طريق الاحتيال وسوء النية، والمادة 468 المتعلقة بالتزوير بغرض الاحتيال، والمادة 471 المتعلقة باستخدام وثائق مزورة على أنها وثائق أصلية.
"القائمة الرمادية" وقضية ممتلكات منصور
أعلنت وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية تسجيل قضية تتعلق بالممتلكات والمعاملات المالية ضد ملا أختر منصور ومرافقيه في وقت كانت إسلام آباد تواجه ضغوطاً دولية. وكانت باكستان آنذاك تحت مراقبة مجموعة العمل المالي "فاتف" ومؤسسات دولية أخرى، وتسعى إلى إظهار إجراءاتها في مجال مكافحة تمويل الإرهاب وغسل الأموال.
ولهذا السبب، رأى بعض المحللين أن التحقيق في ممتلكات ملا أختر منصور ربما كان جزءاً من محاولة تخفيف المخاوف الدولية وإثبات التزام باكستان بتعهداتها.
لكن السؤال الأساسي بشأن هذه الخطوة كان: لماذا أُجريت مثل هذه التحقيقات بعد مرور عدة سنوات على مقتل ملا أختر منصور؟ إذ كانت النقاشات المتعلقة بوجوده في باكستان وسفره وأنشطته قائمة من قبل. وفي ذلك الوقت، كان عدد من المحللين ينتقدون حقيقة أن قادة حركة طالبان موجودون في باكستان منذ سنوات طويلة، بينما تنفي إسلام آباد رسمياً وجودهم أو تقلل من شأنه.
وفي السنوات التي أُعلن فيها عن القضية، طلبت مجموعة العمل المالي خلال أحد اجتماعاتها من باكستان تقديم معلومات عن التقدم المحرز في مكافحة غسل الأموال ومنع تمويل الإرهاب والقضايا ذات الصلة.
وقالت مجموعة العمل المالي في تقرير صدر عام 2014 بشأن المصادر المالية لحركة طالبان إن شبكة إجرامية بقيادة حاجي فاتح إسحاق زاي في ولاية هلمند كانت تقدم مساعدات مالية وعينية إلى حركة طالبان، وإن معظم هذه المساعدات كانت تمر عبر أختر محمد منصور وآغا جان عليزي.
وخلال تلك السنوات، خصصت باكستان محكمتين لمكافحة الإرهاب في إقليم السند للنظر في القضايا المتعلقة بتمويل الإرهاب، بهدف البت في هذا النوع من القضايا بأسرع وقت ممكن.
وفي 21 أكتوبر 2022، أعلنت مجموعة العمل المالي "فاتف" أنها أخرجت باكستان من قائمة الدول المدرجة على "القائمة الرمادية".
وقالت المجموعة: "حققت باكستان تقدماً ملحوظاً في نظام مكافحة غسل الأموال ومنع تمويل الإرهاب".
وأضافت أن باكستان، إلى جانب تعزيز نظامها، "عالجت أيضاً أوجه القصور الفنية التي حددتها مجموعة العمل المالي في تقييمات يونيو 2018 ويونيو 2021".
ويرى محللون أنه رغم أن مجموعة العمل المالي لم تربط رسمياً قضية ممتلكات ملا أختر منصور بشروط خروج باكستان من "القائمة الرمادية"، فإن مصادرة ممتلكاته وملاحقة القضايا المرتبطة بتمويل الإرهاب كانتا ضمن المسار الأوسع الذي قدمته إسلام آباد باعتباره جزءاً من إجراءاتها للوفاء بالمعايير المالية الدولية.
ونشرت محكمة مكافحة الإرهاب الثانية في كراتشي في الصحف، في 16 فبراير 2020، إعلاناً لطرح ممتلكات أختر منصور في مزاد علني. وبحسب إعلان المزاد، بلغت القيمة الإجمالية للعقارات الستة لمنصور آنذاك 77.7 مليون روبية. وكان الدولار الواحد في ذلك الوقت يعادل نحو 154 روبية باكستانية، ما يعني أن 77.7 مليون روبية كانت تعادل نحو 504 آلاف و545 دولاراً أميركياً.
وبيعت هذه الممتلكات في 18 أغسطس 2020.
وأصدرت محكمة مكافحة الإرهاب الثانية في كراتشي في 9 مارس 2021، في القضية المرفوعة ضد أختر منصور وآخرين، أوامر قبض دائمة غير قابلة للإفراج بكفالة بحق عمار ياسر وأختر محمد. ولا تزال القضية قائمة أمام المحكمة نفسها.
"منصور لم يكن لديه وقت لتجارة الأراضي"
رفضت حركة طالبان ادعاءات وكالة التحقيقات الفيدرالية الباكستانية. وقالت الحركة في يوليو 2019 إن منصور لم يكن لديه وقت لتجارة الأراضي، وإنه لم ينخرط قط في مثل هذا النشاط التجاري. ووصفت الحركة هذه التقارير بأنها لا أساس لها، وقالت إن مثل هذه الادعاءات بشأن قادتها لا يمكن أن تسيء إلى شخصية منصور.
وأضافت حركة طالبان في بيانها: "لا نعرف الغرض من نشر مثل هذه التقارير، لكن يمكننا القول بثقة إن مثل هذه التقارير الضعيفة والتي لا أساس لها بشأن قادة حركة طالبان لا تصب في مصلحة أحد، ولا يمكنها أيضاً أن تلحق أي ضرر بشخصية منصور".
وأعلنت مؤسسات باكستانية في مارس 2021 انتهاء قضية ممتلكات ملا أختر منصور. وسُلّمت إلى خزينة الدولة ممتلكات لملا أختر منصور كان قد حصل عليها في باكستان باستخدام هويات مزورة، وبلغت قيمتها نحو 40.5 مليون روبية. كما باعت المحكمة في مزاد خمسة عقارات لملا أختر منصور في كراتشي، كانت قيمتها تقدر بنحو 32 مليون روبية، مقابل 44 مليوناً و665 ألف روبية.
وكان ملا أختر منصور قد اشترى أيضاً بوليصة تأمين على الحياة من إحدى شركات التأمين، وسلمت الشركة لاحقاً 347 ألف روبية إلى المحكمة. كما صودرت الأموال النقدية الموجودة في حسابات منصور المصرفية، والتي قُدرت بما يتراوح بين مليوني روبية ومليونين ونصف المليون روبية، وحُولت إلى خزينة الدولة.
وأعلنت المحكمة قاضي عمار وأختر محمد، اللذين كانا لا يزالان فارين، مجرمين مطلوبين، وأصدرت بحقهما أوامر قبض دائمة غير قابلة للإفراج بكفالة. وانتقل عمار ياسر لاحقاً إلى قطر، وعُين عضواً سياسياً في مكتب الدوحة.
في أزقة "كتشلاغ" شمال مدينة كويته، في إقليم بلوشستان، جنوب غرب باكستان، تظل أبرز علامة على حياة زعيم حركة طالبان ملا هبة الله آخوندزاده السابقة هي صوته الذي كان يُسمع من محراب المسجد، لكن بعد سنوات، تحول هذا الصوت نفسه إلى أحد
أكبر التساؤلات المتعلقة بهويته.
ويقول الزعيم القبلي والسياسي في "كتشلاغ"، مجيد كاكر، الذي عرف ملا هبة الله عن قرب لمدة 13 عاماً، إنه سمع صوته مرات كثيرة إلى درجة أنه لا يزال عالقاً في ذاكرته. ولهذا السبب، قادته الرسائل الصوتية المسجلة التي تنشرها حركة طالبان إلى استنتاج مفاده أن "هذا ليس الصوت الحقيقي لملا هبة الله".
وقال كاكر لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن هناك اختلافاً كبيراً بين التسجيلات الصوتية الحالية المنسوبة إلى هبة الله والصوت الذي كان يسمعه منه عن قرب.
وأقام زعيم حركة طالبان الحالي ملا هبة الله آخوندزاده نحو 15 عاماً في قرية قاسم خان بمنطقة كتشلاغ في مدينة كويته، عاصمة إقليم بلوشستان. وكان يقيم في مسجد الحاج، المعروف أيضاً باسم "مسجد البلوش"، بجوار المدرسة العربية الإسلامية "خير المدارس".
وسُمي المسجد باسم أحد التجار المحليين في كويته. ويقول سكان المنطقة إن هذا التاجر كانت تربطه علاقة وثيقة بملا هبة الله آخوندزاده. لكن في 14 أغسطس 2019، الذي يصادف ذكرى تأسيس باكستان، هز انفجار قوي المسجد عقب صلاة الجمعة، ما أدى إلى انهيار أجزاء من سقفه.
وقُتل أربعة أشخاص وأصيب 11 آخرون في الانفجار. وبعده، اختفى ملا هبة الله آخوندزاده عن الأنظار، وظهرت روايتان مختلفتان بشأن مصيره.
وتقول إحدى الروايتين المتداولة بين سكان "كتشلاغ" إن ملا هبة الله قُتل في الانفجار نفسه، فيما تقول الرواية الثانية إنه لا يزال حياً، وإنه نُقل بعد الانفجار إلى مكان آخر أكثر أمناً.
ويقدم أنصار كلتا الروايتين أدلة مختلفة لتأييد ادعاءاتهم. ومن أجل استجلاء حقيقة الأمر، تحدثت "أفغانستان إنترناشيونال" مع عدد من الأشخاص الذين عرفوا ملا هبة الله عن قرب، كما تحدث عدد آخر من الأشخاص شريطة عدم الكشف عن أسمائهم بسبب مخاوف أمنية.
وقال الزعيم القبلي في "كتشلاغ"، ملك مجيد كاكر لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن ملا هبة الله كان إماماً في مسجد الحاج، لكن شقيقه أحمد الله كان يؤم المصلين في معظم الأوقات. ويرى كاكر أن ملا هبة الله لم يكن موجوداً في "كتشلاغ" يوم وقوع انفجار 14 أغسطس 2019، وأن شقيقه هو الذي قُتل في الانفجار.
"يبدو أن صوته تغير"
يعتقد كاكر أن الصورة المنشورة في وسائل الإعلام باسم ملا هبة الله هي صورته الحقيقية، لكنه يشكك في الصوت الذي يُنشر ضمن الرسائل المنسوبة إليه.
وقال لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "في اعتقادي، هذا ليس الصوت الحقيقي لملا هبة الله. يبدو أنه تغير كثيراً. كنت قد سمعت صوت ملا هبة الله عن قرب، وهناك اختلاف واضح بين صوته والتسجيلات الصوتية الحالية".
وبحسب كاكر، جرت محاولتان لاستهداف ملا هبة الله قبل انفجار "كتشلاغ" أيضاً، ولهذا السبب كان يقلل كثيراً من لقاءاته بالناس ويتوخى الحذر أثناء تنقلاته حفاظاً على أمنه.
وقال كاكر إنه سأل ملا هبة الله ذات يوم: "تُفجّر المدارس والمستشفيات والطرق في أفغانستان، فهل يصب ذلك في مصلحة أفغانستان؟". وأضاف أن ملا هبة الله أقرّ في رده، بحسب قوله، بأن ذلك يضر بأفغانستان وأنه عمل خاطئ.
وقال أحد السكان المحليين في "كتشلاغ"، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن قوات الأمن طوقت المنطقة بعد الانفجار ولم تسمح لأحد بالاقتراب من المسجد.
وأضاف أن الصحفيين أيضاً لم يُسمح لهم بالتقاط صور للقتلى.
ولم يكن إعداد التقارير عن أنشطة حركة طالبان في كويته مهمة سهلة بالنسبة للصحافيين المحليين، كما كان الصحافيون الأجانب بحاجة إلى الحصول على شهادة عدم ممانعة (NOC) من الأجهزة الأمنية الباكستانية للسفر إلى كويته.
وادعى الرجل، الذي قال إنه كان يعرف هبة الله آخوندزاده عن قرب، أن "ملا هبة الله آخوندزاده كان داخل المسجد وقت الانفجار وقُتل فيه، ودفنه 12 شخصاً في الليلة نفسها في مقبرة شهداء كتشلاغ".
لكن "أفغانستان إنترناشيونال" لم تتمكن من التحقق من هذا الادعاء عبر مصادر مستقلة أخرى. ولتقييم صحة الرواية، تحدثت "أفغانستان إنترناشيونال" أيضاً مع أحد القياديين المحليين في حركة طالبان.
وقال القيادي إن ملا هبة الله آخوندزاده كان قد توجه يوم الانفجار للمشاركة في اجتماع لمجلس شورى كويته، ولم يكن موجوداً في "كتشلاغ".
وقبل سيطرة حركة طالبان على أفغانستان، كان هناك مجلس قيادي مهم للحركة ينشط في بلوشستان تحت اسم "شورى كويته". وكان أعضاء المجلس يقيمون في مناطق مختلفة من كويته، بينها ميتا تشوك وبشتون آباد وإسحاق آباد والممر الشرقي وكتشلاغ.
وقال مصدر في حركة طالبان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن ملا هبة الله آخوندزاده أسس أيضاً دارين للإفتاء في باكستان. وكانت إحداهما في منطقة "بوسه مندي" بالممر الشرقي في كويته، وكان ملا هبة الله يتوجه إليها أحياناً لإلقاء الدروس.
أما دار الإفتاء الثانية فكانت تنشط في بيشاور. وبحسب المصدر، نُقلت دارا الإفتاء إلى أفغانستان بعد سيطرة حركة طالبان على البلاد، ولهما حالياً خمس فروع تعمل في ولايات مختلفة.
وأدت الروايات المختلفة بشأن انفجار "كتشلاغ"، إلى جانب عدم ظهور هبة الله أمام الناس، إلى إثارة تساؤلات بين السكان بشأن ما إذا كان لا يزال على قيد الحياة.
وللإجابة عن هذه التساؤلات، تحدثت "أفغانستان إنترناشيونال" مع عضو مطلع في حركة طالبان. وقال إن ملا هبة الله لا يظهر أمام الناس بسبب مخاوف أمنية، كما أن مستشاريه لا يسمحون له بحضور التجمعات العامة.
وأضاف: "إلى جانب الاعتبارات الأمنية، فإن ذلك جزء من استراتيجية حركة طالبان أيضاً. طالبان تكرر تجربة زعيمها السابق ملا محمد عمر".
وقال: "لم يكن ملا عمر على قيد الحياة لعدة سنوات، لكن طالبان استخدمت اسمه للحفاظ على وحدة حركتها". وأضاف المصدر أن عدم ظهور ملا هبة الله في الوقت الراهن يُعد أيضاً أمراً مهماً للحفاظ على وحدة قيادة حركة طالبان.
محطة طالبان ومكان استراحتها
تقع بلدة "كتشلاغ" على بعد نحو 24 كيلومتراً شمال مدينة كويته، عاصمة بلوشستان. وتقع المنطقة في سهل منبسط بين جبلين، ويشكل البشتون غالبية سكانها.
وتقيم في "كتشلاغ" أعداد كبيرة من قبائل كاكر وكاسي وخلجي، فيما يعيش البلوش وأفراد من قوميات أخرى في بعض مناطق البلدة أيضاً. ويتركز معظم عمران البلدة حول المدينة.
وعند دخول "كتشلاغ" من جهة كويته، تظهر أولاً نقاط تفتيش تابعة للجمارك وقوات الحدود في منطقة بليلي، وبعدها يقع معسكر "غزه بند" التابع لقوات الحدود الباكستانية. ومن هذه المنطقة تبدأ الأحياء القديمة في كتشلاغ.
وتعد قرية مالزي ومرياني آباد وسملي ووزير آباد وقرية قاسم خان من المناطق القديمة في كتشلاغ.
وكانت في منطقة سملي بكتشلاغ في السابق مستوطنة وسوق مشهورتان للأوزبك الأفغان، لكن جميع سكانها تقريباً عادوا الآن إلى أفغانستان.
وتقع في المنطقة نفسها أيضاً مدرسة "شاه صاحب"، التي كانت تُعد خلال سنوات الحرب أحد المراكز المهمة لحركة طالبان.
وبحسب سكان المنطقة، كان قادة حركة طالبان يترددون كثيراً على هذه المدرسة ويعقدون فيها اجتماعاتهم ومشاوراتهم.
وبعد سملي تبدأ منطقة هندو تشينه، ثم تليها منطقة كتر كلي. وتعيش في هذه المنطقة عائلات من قبائل كاسي وكاكر وسليمان خيل وملا خيل وساغزي. وفي شمال هندو تشينه توجد نقطة أمنية أخرى لقوات الحدود الباكستانية، وبعدها تبدأ المنطقة الرئيسية لمدينة كتشلاغ.
ويمتد من كتشلاغ طريق إلى مدينة تشمن ومنها إلى أفغانستان. وتبعد تشمن عن كتشلاغ نحو 90 كيلومتراً، كما يمر عبر هذا المسار الطريق المؤدي إلى مديرية بيشين. وتقع مخيمات سرانان وسرخ آب الشهيرة للاجئين الأفغان في المناطق المحيطة بكتشلاغ أيضاً.
وارتبط اسم كتشلاغ منذ سنوات بـ"شورى كويته" السابقة لحركة طالبان الأفغانية وبمكان إقامة هبة الله. وبعد عام 2001، حين هُزمت حركة طالبان، اعتقد بعض المسؤولين والمحللين الأفغان والغربيين أن قيادة الحركة انتقلت إلى مدينة كويته في بلوشستان.
وعزز اعتقال عدد من قادة حركة طالبان في عامي 2005 و2007، ومن بينهم وزير الدفاع السابق في الحركة ملا عبيد الله آخوند، الاعتقاد بأن جزءاً من قيادة الحركة وشبكاتها التنظيمية كان موجوداً في كويته وكتشلاغ والمناطق البشتونية المحيطة بهما.
مكان إقامة هبة الله في كتشلاغ
كان مكان إقامة ملا هبة الله يقع في زقاق بين منطقتي وزير آباد وقرية قاسم خان، بين الجزء الأوسط والغربي من مدينة كتشلاغ.
ويبلغ عرض الشارع الرئيسي في المنطقة نحو 15 قدماً، ولا يزال الجزء الأكبر منه غير معبد.
ويوجد في هذا الشارع مسجدان، يقع أحدهما في منتصف الشارع، فيما يوجد في نهايته مسجد ثانٍ أكبر حجماً. وكُتب على بوابة المسجد اسم المدرسة العربية الإسلامية "خير المدارس"، ويتكون مبناها من ثلاثة طوابق، وتعلوه قبة خضراء ومئذنة مرتفعة.
وقال ملك مجيد كاكر لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن ملا هبة الله آخوندزاده كان يقيم في هذه المدرسة وعاش فيها لسنوات.
وأضاف مجيد كاكر: "كان ملا هبة الله يدرّس هنا أيضاً، وخلال حرب حركة طالبان كان يتواصل من هذا المكان مع المقربين منه ومع قادة الحركة".
وبحسب أشخاص كانوا من المصلين خلف هبة الله في السابق، كان يدرّس عناصر حركة طالبان يومياً من الساعة الثامنة صباحاً حتى الظهر، وكان يتقاضى راتباً شهرياً يبلغ نحو 10 آلاف روبية باكستانية. وإضافة إلى ذلك، كان يحصل على التبرعات والصدقات وأموال الزكاة وصدقة الفطر.
في 14 أغسطس 2021، قبل يوم واحد من دخول حركة طالبان إلى العاصمة، واصلت الحركة تقدمها السريع في مناطق مختلفة من أفغانستان، وسيطرت على مراكز سبع ولايات، وقبل خمس سنوات، في مثل هذا اليوم، دخل مقاتلو طالبان ولايات
بلخ وفارياب وبكتيا وبكتيكا وكونر ولغمان ودايكندي.
مزار شريف كان سقوط مدينة مزار شريف، مركز ولاية بلخ شمال أفغانستان، أحد أكبر المكاسب العسكرية والسياسية التي حققتها طالبان في ذلك اليوم. وتعد مزار شريف من المدن المهمة في أفغانستان، ومن أبرز مراكز النشاط السياسي والاقتصادي والعسكري في شمال البلاد. وكان مركز بلخ من أهم معاقل مقاومة قوات الحكومة السابقة وقوات الانتفاضة الشعبية والشخصيات السياسية البارزة في الشمال ضد طالبان، إلا أن مزار شريف سقطت خلال ذلك اليوم بيد الحركة. وبحسب التقارير، انسحبت قوات الجيش الأفغاني أولاً من المنطقة، ثم تخلت القوات المحلية وقوات الانتفاضة الشعبية عن المقاومة. وأفادت التقارير بأن جميع المنشآت الحكومية المهمة، بما فيها مكتب حاكم بلخ، أصبحت تحت سيطرة طالبان. وفي الوقت نفسه، وردت تقارير عن تراجع قوة القوات التابعة لقادة وشخصيات سياسية معروفة في الشمال، ولا سيما عطا محمد نور وقوات عبد الرشيد دوستم، ومغادرتهم المنطقة. وذكر مكتب المفتش العام الأميركي الخاص لإعادة إعمار أفغانستان (سيغار) في تقريره أن طالبان استولت على مزار شريف من دون قتال، لتستكمل بذلك عملية سيطرتها على شمال أفغانستان.
فارياب وكونر بالتزامن مع سقوط بلخ في الشمال، سقط مركز ولاية فارياب أيضاً بيد طالبان. وكانت فارياب من الولايات التي سبق أن سيطرت طالبان على عدد من مديرياتها، إلى جانب المناطق المحيطة بمركز الولاية. ومع سقوط ميمنة، تقلص الوجود العسكري لحكومة الجمهورية في شمال غرب أفغانستان بصورة أكبر. وفي 14 أغسطس، سيطرت طالبان أيضاً على أسعد آباد، مركز ولاية كونر شرقي أفغانستان، وكان سقوطها مؤشراً آخر على ضعف خطوط دفاع الحكومة في شرق البلاد. وقالت طالبان، السبت 14 أغسطس، إن أسعد آباد، مركز كونر، والمديريات المحيطة بها خرجت من سيطرة القوات الحكومية، وإن مقاتلي الحركة سيطروا على المدينة. وكان جميع المسؤولين والقيادات الأمنية قد غادروا أسعد آباد، لتُترك المدينة لطالبان. وبحسب تقرير خاص لـ"أفغانستان إنترناشيونال"، وردت أنباء عن اشتباكات محدودة في مديريتي أسمار وشيغل في كونر، إلا أن مركز الولاية أصبح بالكامل تحت سيطرة طالبان. وأظهرت مقاطع فيديو نُشرت من الولاية عدداً من السكان وهم يرشقون مركبات الجيش الوطني بالحجارة. وأثار انتشار هذه المقاطع على شبكات التواصل الاجتماعي ردود فعل واسعة. وفي اليوم نفسه، كتب المتحدث باسم طالبان على منصة "إكس" أن الحركة سيطرت بالكامل على مهترلام، مركز ولاية لغمان. وجاء سقوط مهترلام بينما كانت طالبان تواصل تقدمها باتجاه كابل.
سقوط بكتيكا وبكتيا ودايكندي في جنوب شرق أفغانستان، سقطت شرنة، مركز ولاية بكتيكا، وغرديز، مركز ولاية بكتيا، خلال اليوم نفسه. وكان عدد كبير من مديريات بكتيا قد سقط قبل ذلك بيد طالبان، فيما ظل مركز الولاية، غرديز، تحت الضغط لعدة أسابيع. وأفادت شبكة المحللين الأفغانية آنذاك بأن عدداً كبيراً من مديريات بكتيا سقط بيد طالبان، وأن القتال وصل إلى المناطق المحيطة بغرديز. وفي صباح 14 أغسطس، وردت تقارير أيضاً من شرنة، مركز بكتيكا، تفيد بأن سوق المدينة سقط بيد طالبان، وأن المسؤولين المحليين غادروا المدينة. وبذلك انهارت المنظومة الدفاعية لحكومة الجمهورية في جنوب شرق أفغانستان بسرعة أيضاً. وفي وسط أفغانستان، سيطرت طالبان كذلك على نيلي، مركز ولاية دايكندي. وأدى سقوط دايكندي إلى توسيع النطاق الجغرافي للتقدم السريع لطالبان بصورة أكبر. وجاء سقوط مراكز هذه الولايات السبع في 14 أغسطس بعدما كانت طالبان قد سيطرت قبل يوم واحد، في 13 أغسطس، على مراكز عدد من الولايات الأخرى، بينها قندهار وهلمند وغور وبادغيس ولوغر وزابل. وذكرت وكالة "رويترز" آنذاك أن بل علم، مركز ولاية لوغر، كانت قد سقطت أيضاً بيد طالبان في 14 أغسطس. وبحلول ذلك اليوم، كانت طالبان قد سيطرت على معظم الولايات والمدن الرئيسية في أفغانستان، ولم تعد كابل عملياً سوى المدينة الكبرى الأهم المتبقية تحت سيطرة الحكومة. الولايات المتحدة ترسل قوات إضافية إلى كابل لعملية الإجلاء وفي اليوم نفسه، سمح الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن بإرسال قوات إضافية إلى كابل لتأمين عملية إجلاء المواطنين الأميركيين والمتعاونين الأفغان مع الولايات المتحدة. ودفع التدهور السريع للوضع الأمني في أفغانستان الولايات المتحدة ودولاً غربية أخرى إلى تنفيذ خططها الطارئة لإجلاء موظفي السفارات والمتعاونين الأفغان معها. وبحسب تقرير "سيجار"، قررت الحكومة الأميركية في 14 أغسطس إرسال قوات إضافية إلى كابل لتنظيم عمليات الإجلاء. وبحلول نهاية ذلك اليوم، كانت المناطق التي سيطرت عليها طالبان قد اتسعت إلى درجة جعلت سقوط كابل مسألة وقت. وفي اليوم التالي، 15 أغسطس، سقطت جلال آباد وخوست وميدان وردك وباميان وبروان وكابيسا ومراكز أخرى بيد طالبان، ودخلت الحركة كابل. وكان فقدان مدينة مزار شريف المهمة والاستراتيجية، وسقوط ولايات في جنوب شرق البلاد مثل بكتيا وبكتيكا، وخسارة المراكز الحكومية في شرق أفغانستان ووسطها، من أبرز المؤشرات التي سرعت مسار نهاية الحكومة.