إسدال الستار على فنانة أرادت أن تكون المرأة محور الحكاية

دخلت الممثلة السينمائية "فرشته سليماني" عالم الفن في وقت كانت فيه حركة طالبان لا تزال في الجبال، وكانت أفغانستان تحاول رسم صورة للأمل والحرية والمرأة على الشاشة.

دخلت الممثلة السينمائية "فرشته سليماني" عالم الفن في وقت كانت فيه حركة طالبان لا تزال في الجبال، وكانت أفغانستان تحاول رسم صورة للأمل والحرية والمرأة على الشاشة.
دخلت فرشته سليماني عالم الفن في سن مبكرة، وخلال فترة قصيرة شاركت في عدد من المسلسلات التلفزيونية وأصبحت معروفة لدى الجمهور. وكان دور "راضية" في مسلسل "وهناك في الأعلى الله" من أبرز الأدوار التي عرّفت بها على نطاق أوسع.
وبالتزامن مع عملها، واصلت دراسة الفنون في عدد من المعاهد التي كانت قائمة آنذاك، كما شاركت في أنشطة خيرية. وكانت "فرشته" تحمل خططاً كبيرة لمستقبلها، وتعتقد أن السينما والتلفزيون في أفغانستان قادران على تقديم روايات مختلفة عن النساء والجيل الجديد.
صورة للمرأة تتجاوز دور الضحية
تقول فرشته في حديث لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إنها كانت تريد أن يتمتع النساء والرجال بحقوق متساوية في السينما. وترى أن الأدوار الرئيسية يجب ألا تُمنح للممثلين بناء على المظهر والصوت وحدهما، بل ينبغي أن تكون المهارة والقدرة هما المعيار.
وتقول إنها لم تكن تريد للسينما أن تظهر المرأة دائماً في صورة "الضحية والتابعة"، بل كانت ترغب في رؤية النساء في أدوار رئيسية وشخصيات متنوعة، مثل فتاة مرحة وذكية، أو رياضية، أو ملاكمة، أو وزيرة، أو قائدة طائرة، أو قائدة عسكرية، أو قاضية. وكان يهمها أن تتخذ المرأة القرار داخل القصة، وأن تتحرك وتدفع مسار الأحداث إلى الأمام.
صناعة قدوة للجيل الجديد
امتدت رؤية فرشته للفن إلى الأطفال والمراهقين أيضاً، إذ كانت ترغب في ابتكار شخصيات يمكن أن تكون مصدر إلهام لهم.
وتقول إن الأطفال في دول أخرى يكبرون وهم يتابعون شخصيات تصبح قدوة لهم، وكان حلمها أن يحظى أطفال أفغانستان أيضاً بمثل هذه النماذج، وأن ترتقي الإنتاجات التلفزيونية في البلاد إلى مستوى احترافي يقترب من نظيراتها في دول أخرى.
التمثيل خلف القناع.. محاولة للبقاء في المشهد
لكن مع عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، تغير المشهد بالنسبة إلى النساء. ولم تعد القضية تقتصر على نوع الدور الذي يمكن للمرأة أن تؤديه في التلفزيون، بل أصبح حضور المرأة نفسه أمام الكاميرا موضع قيود.
وأصبح اللباس الأسود والكمامة جزءاً من ظهور فرشته أمام الكاميرا. ومع ذلك واصلت العمل في هذه الظروف، وأدت حتى شخصيات لم تكن تتوافق مع قناعاتها ومعاييرها الفنية، إذ كان الأهم بالنسبة إليها ألا تُحذف شخصية المرأة من القصة. وتقول إنها كانت مستعدة للعمل حتى وهي ترتدي البرقع.
نشاط في المناطق المحرومة
في تلك السنوات، لم تقتصر حياة فرشته على شاشة التلفزيون. فقد كانت تذهب، بمساعدة آخرين، إلى مناطق نائية في ميدان وردك لتوصيل المواد التعليمية إلى أطفال لم تكن لديهم إمكانية سهلة للوصول إلى مستلزمات التعليم.
وساهمت في بناء مدرسة في منطقة شنيه بمديرية بهسود. وتقول إن المدرسة اكتملت ولا يزال أطفال المنطقة يدرسون فيها.
كما تعاونت مع نساء المنطقة في بناء عيادة صحية، وتقول إن مبنى العيادة اكتمل أيضاً. وتوثق صور من تلك الفترة رحلاتها للعمل على هذه المشاريع، التي شكّلت إلى جانب نشاطها الفني جزءاً من حياتها الاجتماعية.
ولم تكن فرشته تنوي مغادرة البلاد مع ازدياد صعوبة الظروف، بل أرادت مواصلة نشاطها الفني والاجتماعي في أفغانستان، والبقاء في المكان الذي عملت من أجله، وبين المجتمع الذي كانت تستمد منه قصصها.
لكن الضغوط والقيود ازدادت تدريجياً، وبقيت في أفغانستان حتى عام 2024، قبل أن تغادر البلاد في نهاية المطاف.
وتقول فرشته لـ"أفغانستان إنترناشيونال": "لم أكن أتصور في أي وقت أن يأتي يوم أبتعد فيه عن وطني، لأنني كنت أحب حقاً أن أعمل هناك وأن أبقى هناك".
استعراض العنف بدلاً من الفن
بعد خمس سنوات على عودة حركة طالبان إلى السلطة، تعيد صور ذكرى 15 أغسطس إلى فرشته التذكير بالمسافة بين الحلم الذي كانت تحمله للفن في أفغانستان والمشهد الذي تراه اليوم.
وخلف هذه الصور سنوات بقيت خلالها في البلاد وعملت وحاولت الحفاظ على مكان المرأة على شاشة التلفزيون.
وفي الذكرى الخامسة لعودتها إلى السلطة، أعادت حركة طالبان في بكتيا تمثيل هجمات تفجيرية استهدفت القوات الأميركية ضمن عرض تمثيلي. وفي قندهار، عرض عناصر طالبان ومؤيدوها مجسماً للرئيس الأميركي دونالد ترمب في الشوارع وانهالوا عليه بالضرب.
وتقول فرشته إن هذه المشاهد تؤلمها. فقد كانت ترى الفن فضاءً لابتكار الشخصيات وصناعة القدوة وإيصال الرسائل إلى المجتمع. وبالنسبة إليها، كانت الشاشة مكاناً يمكن من خلاله تقديم المرأة بصورة مختلفة عن الصورة النمطية التي رُسمت لها دائماً؛ امرأة تتخذ القرار وتتحرك وتقود مسار القصة.
أما اليوم، فقد أُبعدت النساء عن شاشة التلفزيون، فيما تُعاد في فعاليات حركة طالبان محاكاة التفجيرات والضرب في صورة عروض تمثيلية. وبالنسبة إلى فرشته، يعكس ذلك المسافة بين ما كانت تتمناه للفن في أفغانستان وما تراه اليوم.
الغربة والدور الذي لم يكتمل
في المهجر، تقول فرشته إنها لم تعد تملك الحافز الذي كان لديها في السابق. فقد ابتعدت عن الجمهور الذي كانت تمثل من أجله، ولم تعد محاطة بالموضوعات التي كانت تستمدها من المجتمع وحياة الناس في أفغانستان، فيما بقيت طموحاتها الفنية غير مكتملة.
وربما لهذا السبب يغلبها التأثر حين تتحدث عن أفغانستان ومواطنيها وما عاشته خلال السنوات الماضية.
فالفتاة التي دخلت عالم الفن وهي تحلم بتغيير مشهد التلفزيون، أمضت سنوات حكم حركة طالبان تحاول الحفاظ على حضور المرأة في ذلك المشهد. أرادت أن تبقى وتعمل وتقدم روايات أخرى عن المرأة الأفغانية، لكنها في النهاية ابتعدت هي نفسها عن ذلك المسرح.
وكان آخر أدوار فرشته هو البقاء، لكنه دور لم تتمكن من أدائه حتى النهاية.