نُقل زوجها "مسعود" إلى الولايات المتحدة عبر عمليات الإجلاء خلال الأيام التي شهدت سقوط الحكومة السابقة، بينما بقيت "خاطرة" وأطفالها الثلاثة في ولاية بلخ.
وكان من المفترض ألا يستمر انفصال هذه الأسرة سوى بضعة أشهر، لكنه دخل الآن عامه السادس.
وعلّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بعد عودته إلى السلطة، برنامج قبول اللاجئين في الولايات المتحدة. كما أعلنت خدمات المواطنة والهجرة الأميركية في نوفمبر الماضي وقف البت في جميع طلبات الهجرة المقدمة من مواطني أفغانستان حتى إشعار آخر.
وجاء القرار بعد يوم من حادث إطلاق النار الدامي في واشنطن، الذي كان المشتبه به فيه مواطناً أفغانياً.
كما أُدرجت أفغانستان ضمن قائمة الدول التي يُحظر على مواطنيها دخول الولايات المتحدة بشكل كامل.
وتولت "خاطرة"، خلال سنوات ابتعادها عن زوجها، وحدها مسؤولية إعالة الأسرة وتربية أطفالها الثلاثة. وتقول إن أصعب ما واجهته خلال هذه السنوات هو محاولة تعويض غياب الأب، الذي لا يراه أطفاله إلا عبر المكالمات الهاتفية ومكالمات الفيديو.
ولا تقتصر قصة خاطرة على تجربة شخصية، فهي واحدة من آلاف النساء الأفغانيات اللواتي انفصلن عن أزواجهن عقب أحداث 15 أغسطس 2021، وظللن لسنوات ينتظرن استكمال ملفات الهجرة ولمّ شمل أسرهن.
وقبل خمس سنوات، أدى سقوط كابل وانهيار الحكومة وخروج القوات الأميركية وعودة حركة طالبان إلى السلطة إلى تغيير حياة ملايين الأفغان. وبينما غادر أفغانستان آلاف العسكريين السابقين وموظفي الحكومة والصحفيين والناشطين المدنيين والمتعاونين مع القوات الأجنبية، بقي كثير من أفراد أسرهم داخل البلاد.
وبالتزامن مع التحولات السياسية الواسعة، فُرضت قيود جديدة على الحياة الاجتماعية والمهنية للنساء، كما واجهت أسر كثيرة مشكلات اقتصادية وأمنية ومتعلقة بالهجرة. وبعد خمس سنوات على تلك الأحداث، لا تزال بعض هذه الأسر تنتظر نهاية سنوات الفراق.
وتقول خاطرة إنها أدت خلال هذه السنوات دور الأم والأب لأطفالها، لكن لا شيء استطاع أن يعوض غياب زوجها عن الأسرة.
"طفلي لم يرَ والده حتى الآن"
كتبت "مجدة صافي" وهي من سكان كابل، في رسالة أرسلتها إلى "أفغانستان إنترناشيونال" وطلبت نشرها، عن انفصالها عن زوجها طوال خمس سنوات.
وقالت "مجدة" إن زوجها، الذي كان من العسكريين السابقين والمتعاونين مع القوات الأجنبية، اضطر إلى مغادرة أفغانستان بعد سقوط الحكومة.
وكتبت في جزء من رسالتها: "لا أعرف من أين أبدأ الحديث عن مشكلات حياتي وصعوباتها. مضت خمس سنوات وزوجي بعيد عني وعن أطفالي. عندما سقطت الحكومة، اضطر زوجي إلى مغادرة البلاد، لأنه لم يعد يستطيع العيش في أفغانستان".
وأضافت أنه عند مغادرة زوجها كانت قد رُزقت حديثاً بطفل، ولم تتمكن من مغادرة أفغانستان معه.
وكتبت: "عندما غادر زوجي، بقيت وحدي مع ثلاثة أطفال صغار، وربيتهم وسط آلاف الصعوبات. الجزء الأكثر إيلاماً هو أن طفلي الصغير لم يرَ والده حتى الآن، وحُرم من حنان أبيه ومحبته".
وطالبت المسؤولين بإيلاء مزيد من الاهتمام لأوضاع الأسر المنفصلة.
"لا أحد يسمع صوتنا"
وقالت "عزيزة"، وهي امرأة من ولاية بلخ، في رسالة إلى "أفغانستان إنترناشيونال"، إن سنوات الانتظار والغموض أثرت في حياة كثير من الأسر الأفغانية.
وأضافت: "لو كانت لدينا اليوم دولة سليمة وحريصة على شعبها، فربما لم نكن بعيدين إلى هذا الحد عن أحبائنا. وربما لم تكن الأسر مضطرة إلى العيش لسنوات وسط الشوق والانتظار، ولم يكن الأطفال ليعانوا غياب آبائهم وأمهاتهم".
وبحسب عزيزة، فإن خمس سنوات من الفراق ليست مجرد مرور للوقت، بل هي جزء من أعمار الأسر مضى في الانتظار والحسرة.
وأضافت: "أتمنى أن يأتي يوم لا تضطر فيه أي أسرة إلى الابتعاد عن أحبائها بسبب أوضاع البلاد وسوء تدبير المسؤولين".
وقالت أيضاً إن كثيراً من النساء اللواتي يعشن ظروفاً مماثلة يشعرن بأن أصواتهن لا تُسمع.
وكتبت عزيزة": "عندما أتحدث مع نساء يعشن وضعي نفسه، يقلن إنه يجب علينا إرسال رسالة بالبريد الإلكتروني إلى مسؤول أميركي رفيع المستوى. الجميع يقول إن لا أحد يسمع صوتنا. معظمنا ينتظر فقط الحصول على التأشيرة".
"خمس سنوات من الانتظار تكفي"
وتحدثت "ز. أحمدي"، وهي أم أخرى من ولاية بلخ، في رسالة إلى أفغانستان إنترناشيونال" عن صعوبات الحياة في غياب زوجها.
وكتبت: "مضت خمس سنوات وأنا بعيدة عن زوجي، وخلال هذه الفترة تحملت وحدي مسؤولية الحياة وتربية أطفالي الثلاثة الصغار. كانت هذه السنوات الطويلة شديدة الصعوبة وقاسية عليّ وعلى أطفالي".
وقالت إن جميع مشكلات الحياة ومسؤولياتها وقعت على عاتقها، وإن الضغوط النفسية الناجمة عن هذا الانفصال تتزايد يوماً بعد يوم.
وبحسب "ز. أحمدي"، فإن أكثر ما يؤلمها في هذا الفراق هو حرمان أصغر أطفال الأسرة من رؤية والده.
وكتبت: "طفلي الصغير لم يرَ والده ولو مرة واحدة. لقد حُرم من محبة والده ووجوده، كما لم تتح لوالده فرصة رؤية طفله عن قرب".
وطالبت المسؤولين بالتعامل بصورة أكثر إلحاحاً مع ملفات الأسر المنفصلة.
وأضافت: "ملفنا ليس مجرد رقم وملف ورقي، فخلف هذا الملف حياة أم وثلاثة أطفال انفصلوا عن الزوج والأب منذ نحو خمس سنوات".
ولا يلوح في الأفق حتى الآن ما يشير إلى نهاية فترة الانتظار.
وتمثل قصص خاطرة ومجدة صافي وعزيزة وأحمدي جانباً فقط من معاناة آلاف النساء الأفغانيات اللواتي اضطررن، بعد سقوط الجمهورية وخروج القوات الأميركية وعودة حركة طالبان إلى السلطة، إلى تحمل مسؤولية أسرهن بمفردهن.
وبعد خمس سنوات على ذلك الحدث، لم يعد 15 أغسطس بالنسبة إلى كثير من هؤلاء النساء مجرد ذكرى لتحول سياسي، بل أصبح تذكيراً ببداية سنوات طويلة من الفراق والانتظار والأمل الذي لم يتحول إلى واقع حتى الآن.