وكان محب يشغل منصب مستشار الأمن القومي، فيما كان سادات مسؤولاً عن أمن العاصمة، وعليزي رئيساً لأركان الجيش. ويشير التقرير إلى أن الثلاثة اتخذوا قرارات حاسمة في الساعات الأخيرة من عمر الجمهورية من دون تنسيق مباشر فيما بينهم.
وبحسب التقرير، أمضى حمد الله محب معظم ذلك اليوم في التحضير لإخراج الرئيس أشرف غني من البلاد، بينما كان سميع سادات وهيبت الله عليزي لا يزالان يحاولان حشد القوات الأمنية للدفاع عن كابل.
ونشر معهد هوفر، الثلاثاء 18 أغسطس/آب، تقريراً عن اللحظات الأخيرة لانهيار الجمهورية وعودة طالبان إلى السلطة، ركز على روايات المسؤولين الأمنيين الثلاثة، وقدم محب باعتباره المخطط الرئيسي لخروج أشرف غني من كابل.
ويقول التقرير إن هدف محب لم يكن إنقاذ حياة غني فحسب، إذ كان قد بدأ قبل نحو عام بدراسة السيناريوهات المحتملة لإجلاء الرئيس.
ووصف محب وضع الحكومة في ذلك اليوم قائلاً إن التسلسل القيادي كان قد انهار، لأن «سلسلة القيادة الحقيقية كانت أميركية»، وعندما انهارت، انهارت معها السلسلة الداخلية التي كانت تقوم على أسس هشة، ولم يعد أحد قادراً على اتخاذ القرارات.
وقال محب إنه كان يلاحظ، في كل مرة يغادر فيها مكتبه ثم يعود إليه، أن المزيد من الموظفين قد غادروا المكان، مضيفاً أنه افترض أن الناس كانوا يفرون وأنه فضل أن يبقوا على قيد الحياة.
وفي حديثه عن إخراج غني من كابل، أشار محب إلى مصير الرئيس الأفغاني السابق محمد نجيب الله بعد سقوط حكومته عام 1992، قائلاً إن نجيب الله حاول المغادرة لكنه لم يتمكن من ذلك، وإنه درس خطط هروبه «بدقة شديدة».
«خزان الوقود ممتلئ»
ويروي التقرير أن طيار مروحية الرئيس قال قبيل الإقلاع عبارة لم يدرك محب أهميتها في البداية: «خزان وقود المروحية ممتلئ».
وبحسب التقرير، فإن امتلاء خزان الوقود بالكامل يعني انخفاض قدرة المروحية على حمل الأوزان، ولذلك لم تتمكن مروحية الرئيس من نقل جميع الأشخاص الذين كانوا يستعدون للمغادرة.
ولم يكن مطار كابل، وفق التقرير، خياراً عملياً في ذلك الوقت، إذ كتبت حليمة كاظم، الباحثة في معهد هوفر ومعدة التقرير، أن الأميركيين كانوا يسيطرون على برج المراقبة ولم يسمحوا للطيارين بالإقلاع. كما أن ننغرهار وخوست، اللتين طُرحتا كخيارين بديلين، كانتا قد سقطتا بالفعل.
وكان تقدير محب أن مقتل الرئيس في كابل لن ينقذ المدينة، بل قد يدفعها إلى أزمة أكثر خطورة.
ويضيف التقرير أن وقود المروحية كان كافياً للوصول إلى ترمذ في أوزبكستان، وكانت هناك عدة مسارات مختصرة، إلا أنه لم تكن هناك خطة طيران محددة مسبقاً.
وقال محب إنه أبلغ أشرف غني في اللحظات الأخيرة بأنه لم يعد هناك وقت، وشدد على ضرورة ألا يعرف شخص آخر بالقرار، لأن «كلما قل عدد الأشخاص الذين يعرفون، زادت فرص البقاء على قيد الحياة».
وكتبت حليمة كاظم أن محب كان يفكر أيضاً في الروايات التي قد تنشأ في حال مقتل غني. وبحسب محب، لو قُتل الرئيس داخل القصر لاعتبره البعض «شهيداً»، بينما لن تتشكل الرواية ذاتها إذا قُتل أثناء محاولته المغادرة. كما رأى أن مقتله كان يمكن أن يغذي الشائعات ونظريات المؤامرة لسنوات.
ووصف محب رحلة الساعتين إلى ترمذ بأنها «أطول ساعات حياته»، قائلاً إنه ظل طوال الرحلة يتوقع إسقاط المروحية من قبل الأميركيين أو طالبان أو أحد قادة الحرب.
وأضاف أنه كان بإمكانه الانضمام إلى خطط الآخرين للمغادرة، لكن ذلك كان سيترك أشرف غني عالقاً، ولم يكن أحد يعرف ما إذا كان الرئيس سيُقتل أولاً.
كما قال محب إن مقتل غني كان يمكن أن يعيد أفغانستان إلى حرب أهلية، موضحاً أن تقديره آنذاك كان أن حكم طالبان، مهما كان سيئاً، سيكون أفضل من حرب أهلية شاملة. وأضاف أنه قد يصل مستقبلاً إلى استنتاج مختلف، وأن الحرب ربما كانت خياراً أفضل رغم تكلفتها.
سادات: شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي
كان سميع سادات، القائد السابق للفيلق 215 ميوند، قد تسلم مسؤولية أمن كابل قبل أربعة أيام فقط من سقوط العاصمة. وقبيل الساعة الثانية من بعد ظهر 15 أغسطس/آب، علم بمغادرة أشرف غني.
وبحسب التقرير، اتصل وزير الدفاع السابق أسد الله خالد بسادات من دبي وأبلغه بخروج الرئيس. وقال سادات، الذي كان قد وصل إلى كابل مصاباً بعد أربعة أشهر من القتال في لشكرغاه: «شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي ولم أستطع تصديق ما حدث».
وعاد سادات إلى مقره وأعلن الأحكام العرفية، كما أصدر أوامر بتنفيذ غارات جوية ضد مواقع طالبان أثناء تقدمها نحو كابل.
وقال إن الرئيس وحده كان يملك صلاحية السماح بشن غارات جوية داخل كابل، مضيفاً: «قلت إنه لم يعد هناك رئيس، ولذلك أنا من يعطي الإذن».
أما رئيس أركان الجيش، هيبت الله عليزي، فقرر هو الآخر مواصلة المقاومة بعد سماعه نبأ مغادرة غني، وقال إن خروج الرئيس «سهّل الأمر علينا»، وإن بإمكانهم إعلان الأحكام العرفية.
قائد أميركي: لم تعد لديكم حكومة
طلب سادات وعليزي، كل على حدة، المساعدة من بيتر فاسيلي، القائد العسكري الأميركي البارز في كابل، إلا أنهما قوبلا بالرفض.
ونقل عليزي عن القائد الأميركي قوله: «لم يعد هناك رئيس. لم يبق أحد. من أجل من تريدون القتال؟ لم تعد هناك دولة».
أما سادات فقال إن فاسيلي أبلغه: «أنا لا أتلقى الأوامر منك... ليست لديك حكومة، ولذلك لا أستطيع مساعدتك، أنا آسف».
وقال عليزي إنه لم يتمكن من التوقف عن البكاء بعد المحادثة، لكنه ظل مصراً على القتال «حتى الموت».
وطلب سادات بعد ذلك من قائد القوات الجوية تجهيز الطائرات المقاتلة، لكنه أُبلغ بأن عدداً كبيراً من الطائرات غادر إلى أوزبكستان وطاجيكستان، وأن قائد القوات الجوية نفسه لم يعد يسيطر على قواته.
وكان عليزي يعتزم التوجه إلى خط المواجهة في دار الأمان وإعلان الأحكام العرفية، إلا أن سادات توجه بالسيارة نحو مطار كابل.
وفي المطار، طلب عليزي من مرافقيه مغادرة البلاد على متن طائرة «سي-17»، لكنه رفض المغادرة قائلاً: «لن أذهب. سأقاتل حتى اللحظة الأخيرة».
وبعد فترة وجيزة، وردت أنباء عن مغادرة القوات المتمركزة في دار الأمان مواقعها. وقال عليزي: «وكانت تلك هي النهاية».
محاولات ما بعد سقوط كابل
بقي سميع سادات في كابل أربعة أيام أخرى، محاولاً نقل قواته إلى أماكن آمنة. وقال إنه كان يعتزم العودة إلى هلمند ومواصلة القتال، إلا أن الأميركيين رفضوا تزويد طائرته بالوقود، قبل أن يغادر لاحقاً إلى بريطانيا.
أما هيبت الله عليزي فبقي في مطار كابل حتى 25 أغسطس/آب. ووفق التقرير، توجه ليلة سقوط العاصمة إلى قندهار على متن طائرة «سي-130»، ونقل 125 جندياً إلى كابل. كما حاول مرتين الوصول إلى بنجشير.