أميركية مرتفعة تصل إلى 50 في المئة، بدلاً من الدخول في اتفاق رأى أنه يضر بكندا وينتهك سيادتها الوطنية.
وكتبت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأحد، في تحليل لها، أن قرار كارني لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد فشل لجولة من المفاوضات التجارية، بل هو جزء من سياسة أوسع يتبعها لتقليل اعتماد كندا على الولايات المتحدة وإعادة النظر في علاقة شكّلت طوال عقود إحدى الركائز الأساسية للاقتصاد والسياسة الخارجية الكنديين.
لكن الابتعاد عن الولايات المتحدة ليس أمراً سهلاً. فالاقتصاد الكندي مرتبط بعمق باقتصاد جارته الجنوبية، ويذهب جزء كبير من صادرات البلاد إلى السوق الأميركية. ولذلك، قد يمنح موقف كارني المتشدد رصيداً سياسياً في الداخل، لكن كلفته الاقتصادية قد تكون باهظة.
اتفاق رفضه كارني
مساء الجمعة 21 أسد، وبعد أيام من المفاوضات المكثفة بين الوفدين التجاريين للبلدين في واشنطن، ومع بقاء أقل من ساعة على انتهاء المهلة التي حددتها إدارة ترامب، أمر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني الوفد الكندي بمغادرة طاولة المفاوضات والعودة إلى أوتاوا.
ومع انهيار المحادثات، كان من المقرر أن تدخل الرسوم الجمركية الأميركية البالغة 50 في المئة على بضائع كندية بقيمة نحو 20 مليار دولار حيز التنفيذ. وأعلن كارني بدوره أن كندا سترد بالمثل، وستفرض رسوماً جمركية بالمعدل نفسه على السلع الأميركية. ومن المقرر أن يبدأ تطبيق هذه الرسوم في الثامن من سبتمبر.
وفي خطاب متلفز السبت، سعى رئيس الوزراء الكندي إلى تقديم قراره باعتباره دفاعاً عن الاستقلال الاقتصادي للبلاد، وليس مجرد خلاف تجاري. وقال: «حذرتُ في الربيع الماضي من أن الولايات المتحدة تحاول كسرنا حتى تتمكن من امتلاكنا. وتعهدتُ بألا يحدث ذلك أبداً. ونحن نفي بذلك الوعد.»
وأضاف كارني أن كندا تعمل على تعزيز قوتها وتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة.
وكتبت «نيويورك تايمز» أن لهجة كارني تشير إلى أن الخلاف الحالي لم يعد يتعلق فقط بمعدلات الرسوم الجمركية، بل أصبح السؤال الأساسي هو: أي نوع من العلاقات مع الولايات المتحدة تقبل به كندا خلال الولاية الرئاسية الثانية لترامب؟ وإلى أي مدى تريد أن تنتهج سياسة اقتصادية مستقلة عن واشنطن؟
وكان ترامب قد قال الثلاثاء إن الاتفاق مع كندا بات شبه نهائي، لكن كارني لم يقدم في أي وقت صورة مماثلة عن مسار المفاوضات.
وأجرى مفاوضو البلدين محادثات استمرت ساعات في مكتب الممثل التجاري الأميركي في واشنطن. وبعد انهيار المفاوضات، اتهم كل طرف الآخر بطرح مطالب جديدة وغير مقبولة في المرحلة الأخيرة.
وقال كارني السبت إن أحد المطالب الأميركية كان أن تتبع كندا السياسة التجارية لواشنطن عند تحديد رسومها الجمركية على الدول الأخرى. وبالنسبة إلى الحكومة الكندية، فإن قبول مثل هذا الشرط كان من شأنه أن يحد من حرية البلاد في علاقاتها الاقتصادية مع الصين وأوروبا وشركاء تجاريين آخرين.
وقال كارني: «نحن الشريك التجاري المفضل لدول في مختلف أنحاء العالم، وكان الأميركيون يريدون تقييد ذلك. وهذا أمر غير مقبول بالنسبة إلينا.»
ويكتسب هذا الجانب من الخلاف أهمية كبيرة، إذ تسعى حكومة كارني إلى إيجاد أسواق جديدة للسلع الكندية وتقليل اعتماد البلاد على الولايات المتحدة. وكان قبول مطلب واشنطن سيعمل في الاتجاه المعاكس تماماً لهذه السياسة.
كلفة مقاومة الولايات المتحدة
ومع ذلك، لن تكون كلفة هذا القرار على كارني قليلة. فقد أصبح اقتصادا البلدين، على مدى عقود، مترابطين إلى حد كبير. وتعتمد صناعات كندية عديدة على السوق الأميركية لتصريف منتجاتها، كما أن سلاسل الإنتاج في البلدين متداخلة بصورة وثيقة.
وقد أقر كارني نفسه بهذه الهشاشة. وقال السبت 22 أسد إن الرسوم الجمركية الأميركية ستفرض ضغوطاً على الشركات والعمال الكنديين، متعهداً بأن تفعل الحكومة «كل ما يلزم» لدعم القطاعات المتضررة.
كما أن الرسوم الانتقامية الكندية لن تكون بلا كلفة. فزيادة الرسوم على السلع الأميركية قد تؤدي إلى ارتفاع أسعار بعض المنتجات داخل كندا وفرض مزيد من الضغوط على المستهلكين.
وفي الولايات المتحدة أيضاً، لن تكون الحرب التجارية بلا ثمن. فقد تحمل المستهلكون الأميركيون منذ فترة جزءاً من كلفة سياسات ترامب الجمركية عبر ارتفاع الأسعار. كما أدت حرب إيران وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على الأميركيين.
وبالتالي، فإن استمرار هذه المواجهة سيُلحق أضراراً اقتصادية بالبلدين. لكن الفارق هو أن كارني يبدو مستعداً لتحمل هذه الكلفة من أجل الحفاظ على حرية القرار الكندي.
وكتبت «نيويورك تايمز» أن موقف كارني في مواجهة ترامب ليس قراراً مفاجئاً. فمنذ توليه قيادة الحكومة الكندية العام الماضي، جعل تقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة أحد المحاور الرئيسية لسياسته.
وأكد كارني مراراً أن العلاقة القديمة بين كندا والولايات المتحدة لن تعود إلى سابق عهدها. ومن عباراته المفضلة أن «الحنين إلى الماضي ليس سياسة». وهذا يعني أن أوتاوا لا تستطيع الانتظار إلى ما بعد انتهاء عهد ترامب على أمل عودة العلاقات بين البلدين إلى ما كانت عليه.
وفي يناير الماضي، قال كارني أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس إن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها الولايات المتحدة ضامناً لاستقرار النظام العالمي كما كانت في السابق، وإن القوى المتوسطة، مثل كندا، مطالبة بتعزيز تعاونها فيما بينها لحماية مصالحها.
ولقي ذلك الخطاب صدى واسعاً في أوساط دولية غير راضية عن واشنطن، لكنه أثار غضب ترامب.
وسعى كارني خلال الأشهر الماضية أيضاً إلى توسيع العلاقات الاقتصادية مع آسيا وأوروبا. وأدت زيارته إلى الصين في مطلع العام الجاري إلى اتفاق تجاري محدود لكنه مهم بين البلدين. غير أن إدارة ترامب ترى في هذه السياسات مؤشراً إلى ابتعاد كندا عن الولايات المتحدة، بينما يعتبر كارني أن هذا الابتعاد نفسه جزء من الاستراتيجية الجديدة للبلاد.
لكن «نيويورك تايمز» أشارت إلى أن إيجاد أسواق جديدة وتغيير وجهة التجارة الكندية يحتاجان إلى سنوات، في حين يمكن أن تظهر آثار الرسوم الأميركية خلال أسابيع أو أشهر. فأوروبا وآسيا غير قادرتين في المدى القصير على تعويض الشركات الكندية عن السوق الأميركية الضخمة.
ترامب يغذي موجة جديدة من القومية الكندية
أدت ضغوط ترامب داخل كندا إلى نتيجة ربما لم تكن واشنطن تتوقعها، إذ أسهمت تهديدات الرئيس الأميركي في تعزيز موجة من التضامن والشعور القومي في كندا.
وكان ترامب قد قال قبل بدء ولايته الرئاسية الثانية إنه مستعد لفرض «ضغط اقتصادي مؤلم» على كندا لتحقيق مطالبه. كما تحدث مراراً عن تحويل كندا إلى الولاية الأميركية الحادية والخمسين، ووصفها بأنها دولة تعتمد على الولايات المتحدة.
وأثارت هذه التصريحات ردود فعل سلبية لدى كثير من الكنديين.
ووفق استطلاع للرأي أُجري قبل المفاوضات، أراد أكثر من نصف الكنديين من كارني ألا يقدم تنازلات لواشنطن. وكانت نسبة التأييد لهذا الموقف أعلى حتى من نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب كارني في الانتخابات.
وبعد انهيار المفاوضات، أعلن عدد من رؤساء حكومات المقاطعات الكندية، على اختلاف توجهاتهم السياسية، دعمهم له.
وأيد دوغ فورد، رئيس حكومة أونتاريو المحافظ، قرار كارني. كما قال ديفيد إيبي، رئيس حكومة بريتيش كولومبيا: «لم نكن نريد هذا الوضع، لكننا سنواصل القتال مهما طال الوقت.»
مع ذلك، فإن التأييد لكارني ليس شاملاً.
فقد اتخذت دانييل سميث، رئيسة حكومة ألبرتا المحافظة، التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع الأوساط الفكرية والسياسية المحيطة بترامب، موقفاً أكثر حذراً، ودعت كارني إلى العودة إلى طاولة المفاوضات.
كما تشعر القطاعات الصناعية الكندية بالقلق من استمرار حالة عدم الاستقرار. فبالنسبة إلى الشركات، لا تهم كثيراً هوية الطرف الذي سينتصر في الخلاف السياسي، بقدر ما يهمها استقرار التجارة والاستثمار وضمان الوصول إلى السوق الأميركية. واستمرار الحرب الجمركية يجعل كل ذلك أكثر صعوبة.
وكتبت «نيويورك تايمز» أن الاختبار الحقيقي لكارني بدأ للتو، إذ دخل الآن في رهان سياسي واقتصادي لم تتضح نتائجه بعد.
وتقوم حساباته على أن قبول اتفاق سيئ قد يخفف الضغوط الاقتصادية على المدى القصير، لكنه سيجعل كندا أكثر اعتماداً وهشاشة على المدى الطويل. ولهذا فضّلت حكومته تحمل الكلفة الفورية للمواجهة مع الولايات المتحدة بدلاً من توقيع اتفاق قد يضع حتى العلاقات التجارية الكندية مع الدول الأخرى تحت نفوذ واشنطن.
وقد يعزز هذا الموقف شعبية كارني في المدى القصير، إذ يُنظر إليه داخل كندا بوصفه رئيس وزراء لم يتراجع أمام ضغوط ترامب. كما قد يرفع قراره مكانته خارج البلاد بين قادة القوى المتوسطة.
لكن مصير هذه السياسة لن يتحدد في نهاية المطاف عبر الخطب، بل في الاقتصاد.
فإذا ألحقت الرسوم الأميركية أضراراً جسيمة بالصناعات الكندية، وارتفعت البطالة، وعجزت الأسواق الجديدة عن تعويض جزء من هذه الخسائر، فقد يتراجع الدعم السياسي لكارني أيضاً.
وتقوم حجته الأساسية على أن الاستقلال الاقتصادي له كلفة، لكن الاعتماد المفرط على أميركا في عهد ترامب قد يفرض على كندا كلفة أكبر على المدى الطويل.
وقال كارني السبت إن كندا، برفضها «اتفاقاً سيئاً» وتركيزها على ما يقع تحت سيطرتها، تعمل على بناء بلد أقوى.
ويبقى الآن أن نرى إلى أي مدى يستطيع الاقتصاد الكندي تحمل كلفة هذا الخيار.