كانت من أبرز أسباب مغادرتهم أفغانستان.
أثناء تصفحي شبكات التواصل الاجتماعي، لفتت انتباهي صورة بعنوان "أطباء أفغان في فرانكفورت".
تأملت الصورة للحظات، وبدأت أنظر إلى الوجوه واحداً تلو الآخر، محاولاً معرفة عدد الأطباء بين هؤلاء الأشخاص، الذين ينحدر معظمهم تقريباً من ولاية أفغانية واحدة.
شخص واحد، خمسة، خمسون... إلى أن وصل العدد في النهاية إلى نحو مئة.
مئة طبيب أفغاني في صورة واحدة، كان كثير منهم من أشهر المتخصصين في جراحة وأمراض الأعصاب، والطب الباطني، وجراحة العظام، وأمراض النساء والولادة في أفغانستان.
أطباء كان كل واحد منهم يعاين عشرات المرضى يومياً. اجتمعوا الآن في "ملتقى المجتمع الطبي الأفغاني" في فرانكفورت.
ولم تمول أي مؤسسة هذا التجمع، بل كان فعالية خاصة نُظمت لإتاحة الفرصة للزملاء والأصدقاء القدامى للقاء مجدداً.
وكان كل وجه في الصورة يمثل جزءاً من الكوادر المتخصصة التي عملت يوماً في مستشفيات وعيادات وجامعات أفغانستان، وبدأت الآن حياة جديدة في المهجر.
تواصلت مع عدد منهم لمعرفة طبيعة حياتهم في المنفى، وما آل إليه طموحهم المهني، والأسباب التي دفعتهم إلى مغادرة أفغانستان.
أعداد كبيرة من المتخصصين غادروا أفغانستان
وكانت منظمة "هيومن رايتس ووتش" قد قالت إن عدداً كبيراً من العاملين في القطاع الصحي غادروا أفغانستان بعد أغسطس 2021، أو تركوا وظائفهم بسبب الخوف وانخفاض الرواتب وظروف العمل.
ويقول مسؤولون كبار سابقون في وزارة الصحة العامة بالحكومة السابقة إنه لا توجد دراسة مستقلة تحدد بدقة عدد الأطباء المتخصصين الذين غادروا أفغانستان بعد عودة طالبان، لكن التقديرات تشير إلى أن عدد الذين توجهوا منهم إلى الدول الغربية يصل إلى نحو 2500 شخص.
وبحسب المصادر، لا يشمل هذا الرقم الأطباء الذين هاجروا إلى دول مثل إيران وباكستان وأوزبكستان وطاجيكستان.
كما قالت وزارة الداخلية الإيرانية في ربيع 2025 إن نحو ألفي طبيب أفغاني موجودون في إيران.
ويقول مسؤولون سابقون في وزارة الصحة العامة الأفغانية إن كابل وهرات شهدتا أكبر موجة لخروج الأطباء المتخصصين خلال السنوات الخمس الماضية.
مستقبل الأبناء والإهانة وتدخل طالبان
يحدد أطباء ومسؤولون سابقون في وزارة الصحة العامة ثلاثة عوامل رئيسية وراء تزايد هجرة الأطباء.
ويقولون إن السعي إلى توفير فرص تعليم مناسبة لأبنائهم، والهروب من الإهانة وسوء المعاملة من جانب طالبان، وإسناد إدارة المؤسسات الصحية إلى رجال دين وأشخاص غير متخصصين تابعين للحركة، تعد من أبرز أسباب الهجرة.
وقال ناصر حبيب، وهو أحد أبرز المتخصصين في جراحة وأمراض الأعصاب وقد هاجر إلى ألمانيا، إن المستقبل التعليمي لبناته كان السبب الأهم لمغادرته أفغانستان.
وأضاف: "لدي ثلاث بنات. كانت اثنتان منهن تدرسان في مدرسة افغان ترك. إحداهما كانت في الصف الثاني عشر وعلى وشك التخرج، وكانت تحلم بدراسة الطب، والأخرى كانت في الصف العاشر. لو لم تتغير الظروف بهذا الشكل، لكانت كلتاهما قد تخرجتا الآن وتواصلان دراستهما".
وقال حبيب إن ابنته الكبرى تخرجت من المدرسة في ألمانيا بدرجات مرتفعة، وترغب في مواصلة الدراسة في التخصص الذي تحبه، فيما ستتخرج ابنته الثانية العام المقبل.
وتساءل: "كيف يمكنني قياس هذه القيمة المعنوية بالعمل والدخل؟"
وأغلقت طالبان، بعد عودتها إلى السلطة، المدارس فوق الصف السادس أمام الفتيات، ثم حظرت تعليم النساء في الجامعات. وفي أواخر 2024، أوقفت الحركة أيضاً تعليم النساء والفتيات في المعاهد الطبية، بما في ذلك تخصصا التمريض والقبالة.
ولا تقتصر هذه المخاوف على تعليم الفتيات. إذ يرى بعض الأطباء أن المناهج التعليمية الحالية غير مناسبة لأبنائهم الذكور أيضاً، وغادروا أفغانستان بسبب القلق على مستقبلهم.
وقال ناصر حبيب إن الإهانة والتدخلات التي تمارسها طالبان في الشؤون الطبية جعلت ظروف عمل الأطباء أكثر صعوبة.
وأشار إلى القيود المفروضة على استخدام الهواتف المحمولة في المستشفيات الحكومية بوصفها مثالاً على تدخل طالبان في عمل الأطباء.
وقال إن الهاتف المحمول أصبح في الوقت الحالي وسيلة للتواصل بين الطبيب والمريض، ويمكن للأطباء استخدامه في الاتصالات الضرورية والشؤون الطبية، إلا أن طالبان لا تسمح للأطباء حتى بإدخال هواتفهم إلى بعض المستشفيات الحكومية.
كما تحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية، صدر مطلع 2026، عن القيود والرقابة والضغوط المفروضة على العاملين الصحيين.
وقال التقرير إن العاملين في القطاع الصحي أُجبروا على المشاركة في جلسات للتعليم الديني والإجابة عن أسئلة تتعلق بمعرفتهم الدينية، وإن بعض من اعتُبرت إجاباتهم غير كافية واجهوا تهديداً بالفصل من العمل.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن التهديد والاعتقال والترهيب وعدم دفع الرواتب وظروف العمل الصعبة دفعت عدداً من العاملين الصحيين إلى ترك وظائفهم أو الانتقال إلى أماكن أخرى.
هجرة المتخصصين عطلت الخدمات الصحية
قال عبد الحكيم تمنا، مدير الصحة العامة في هرات خلال عهد الحكومة السابقة، إن الهجرة الواسعة للمتخصصين أدت إلى اضطراب في تقديم الخدمات الصحية.
وأضاف أن مغادرة هذا العدد من الأطباء المتخصصين يمكن أن تخلّف تداعيات خطيرة على النظام الصحي والمرضى.
وأوضح تمنا أن انخفاض عدد الأطباء يؤدي إلى تراجع نسبة الأطباء إلى السكان، ويجعل وصول المرضى إلى الأطباء المتخصصين أكثر صعوبة.
وأضاف أن نقص المتخصصين يمكن أن يؤثر على معدلات الوفيات والإعاقات الناجمة عن الأمراض، مشيراً إلى أن تأخر التشخيص وغياب العلاج التخصصي واضطرار المرضى إلى الانتقال إلى مراكز بعيدة قد يزيد مخاطر الوفاة أو الإصابة بإعاقات.
وفي أفغانستان، يضطر كثير من المواطنين إلى نقل مرضاهم مئات الكيلومترات للحصول على الخدمات الصحية.
أفغانستان كانت تعاني نقصاً في الأطباء حتى قبل موجة الهجرة الأخيرة
قدرت دراسة نُشرت في مجلة "Conflict and Health" العلمية في ربيع 2025، إجمالي عدد العاملين النشطين في القطاع الصحي بأفغانستان خلال عام 2023 بنحو 63 ألفاً و632 شخصاً.
وبحسب الدراسة، بلغ إجمالي عدد الأطباء والممرضين والقابلات 10.3 فقط لكل عشرة آلاف نسمة، في حين يُقدر الحد المطلوب لتحقيق التغطية الصحية الشاملة بـ44.5 من العاملين الصحيين الأساسيين لكل عشرة آلاف نسمة.
وقال تمنا إن هذا المعدل قد ينخفض أكثر مع استمرار مغادرة الأطباء.
وقدّر الباحثون أن أفغانستان تحتاج إلى نحو 115 ألف طبيب وممرض وقابلة إضافيين للاقتراب من هذا المستوى.
ووفقاً للدراسة، بلغ عدد الأطباء المتخصصين العاملين في أفغانستان عام 2023 نحو 5056 طبيباً، وكان قرابة 48 في المئة منهم يعملون في كابل، رغم أن نحو 17 في المئة فقط من سكان البلاد يعيشون في العاصمة.
ويشير هذا التركّز إلى أن نقص المتخصصين في كابل أو هجرتهم يمكن أن يؤثر على الخدمات التخصصية في مختلف أنحاء البلاد.
ويتوجه كثير من المرضى من الولايات إلى مستشفيات كابل للحصول على علاجات معقدة.
وبحسب الدراسة، كان لدى 14 ولاية أقل من 7.5 طبيب وممرض وقابلة لكل عشرة آلاف نسمة. وفي بدخشان، يوجد طبيب واحد فقط لكل عشرة آلاف نسمة.
وقال الباحثون إن الأطباء المتخصصين هم الأكثر تفاوتاً في توزيعهم الجغرافي مقارنة ببقية العاملين في القطاع الصحي.
نقص الطبيبات يتفاقم
أدت هجرة الأطباء ووقف تعليم النساء إلى تفاقم النقص في الكوادر الصحية النسائية أيضاً.
وتقول منظمة الصحة العالمية إن العاملات في القطاع الصحي يتقاعدن أو يهاجرن أو يُبعدن عن العمل، محذرة من أن وقف تعليم الطب والتمريض والقبالة والتخصصات ذات الصلة قضى على مسار إعداد جيل جديد من العاملات الصحيات.
ويأتي هذا النقص في وقت لا تسمح فيه طالبان، في بعض المناطق، للأطباء الرجال بفحص النساء، كما ترفض بعض الأسر نقل نسائها المريضات إلى طبيب رجل.
وذكرت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أن مؤسسة صحية أعلنت عن وظيفة شاغرة لطبيبة 20 مرة، لكنها لم تتمكن من توظيف أي مرشحة.
كما أعلنت مؤسسة أخرى في بكتيكا مراراً، على مدى ستة أشهر، عن حاجتها إلى طبيبة، إلا أنها لم تجد من تقبل العمل في المنطقة.
ألفي طبيب أفغاني في إيران
قال نادر يار أحمدي، أحد مسؤولي وزارة الداخلية الإيرانية، في ربيع 2025، إن نحو ألفي طبيب أفغاني يقيمون في إيران، بينهم 700 طبيب متخصص وأعلى، فيما يتعاون عدد منهم مع الجامعات الإيرانية.
ويواجه الأطباء الأفغان في الدول الأخرى تحديات جديدة أيضاً. إذ لا يستطيع بعضهم العمل في تخصصاتهم بسبب طول إجراءات معادلة الشهادات، ومتطلبات اختبارات اللغة والحصول على تراخيص مزاولة المهنة.
ولا توضح هذه الإحصاءات عدد الأطباء الذين دخلوا إيران بعد أغسطس 2021.
وبحسب أطباء تحدثت إليهم، فإنه حتى وفق أكثر التقديرات تفاؤلاً، وإذا تخرج نحو 500 طبيب متخصص سنوياً في أفغانستان ولم يهاجر أي منهم أو يترك العمل، فإن تعويض 2500 متخصص يحتاج إلى نحو خمس دفعات كاملة من الخريجين.
لكن كثيراً من هؤلاء الأطباء يقولون إنهم سيعودون إلى أفغانستان في حال زوال حكم طالبان، وسيواصلون عملهم في المجال الطبي.