وتُظهر مراجعة روايات طفولة عدد من قادة ومسؤولي طالبان أن كثيراً منهم نشأوا في بيئات طبعتها الحرمان والحرب والمدارس الدينية، قبل أن يصبح هؤلاء أنفسهم اليوم جزءاً من بنية السلطة في أفغانستان.
ويستعرض هذا التقرير ذكريات ومقابلات وسيراً ذاتية لعدد من قادة طالبان ومسؤوليها الحاليين والسابقين، متتبعاً أحلام طفولتهم وتجارب الهجرة والتعليم غير المكتمل، ودخول بعضهم المبكر إلى عالم الحرب.
أنس حقاني: ابن قريتي باع دراجتي
من بين الروايات التي جرى الاطلاع عليها، تظهر الدراجة الهوائية كحلم طفولي في ذكريات شخصيتين من طالبان نشرتا قصتيهما مؤخراً على وسائل التواصل الاجتماعي.
كتب أنس حقاني عن دراجة منحها له شقيقه، قبل أن يبيعها أحد أبناء قريته، فيما يقول خالد زدران إنه كان في طفولته لا يرى الدراجة إلا في أحلامه.
وقال حقاني إن قدميه في طفولته لم تكونا تصلان إلى الأرض عندما يركب الدراجات الصينية الكبيرة. وكلما استعار دراجة من أحد، كان يمرر إحدى ساقيه من بين هيكل الدراجة إلى الجانب الآخر ليتمكن من قيادتها.
وكان عمر، شقيق أنس، يمتلك دراجة أصغر حجماً وكان يسمح له أحياناً باستخدامها. وفي أحد الأيام قال له عمر: «هل أخبرك خبراً سيسعدك؟ دراجتي أصبحت لك».
وكتب أنس أنه أخذ يقفز من شدة الفرح وشكر شقيقه مرات عديدة. وعلى الرغم من اقتراب المساء، قاد الدراجة لعدة جولات. وقال إنه بالكاد استطاع النوم في تلك الليلة من شدة فرحته.
ثم أعطى دراجته لطفل من عمره يدعى باتور، لكنه اختفى بها لمدة أسبوع. وبعد أسبوع أخبره باتور: «كنت بحاجة شديدة إلى المال، فبعت الدراجة واشتريت لنفسي ملابس جديدة».
زدران: كنت أحلم بأن لدي دراجة
كتب خالد زدران، المتحدث باسم قيادة شرطة كابل، تعليقاً على ذكريات أنس حقاني: «كنت أرى أحياناً في المنام أنني أقضي الليل كله أتجول بدراجتي في الأزقة، وأحياناً أراها موضوعة في زاوية غرفتي».
وقال زدران إن امتلاك الدراجة في الحلم كان يمنحه سعادة تنسيه كل أحزانه، لكن تلك السعادة كانت تنتهي بمجرد استيقاظه. وأضاف: «لكن للأسف، عندما كنت أستيقظ لم تكن هناك دراجة. ثم كنت أقضي يومي كله حزيناً، وأقول في نفسي: ليت تلك الدراجة كانت لي فعلاً».
غادر زدران المدرسة بعد الصف الخامس وانضم إلى طالبان. وفي بداية نشاطه كان يوزع منشورات دعائية للحركة ضد الحكومة الأفغانية السابقة والقوات الأجنبية في ولاية خوست.
وبعد وصول طالبان إلى السلطة، أصبح زدران يعيش في مجمع سكني فاخر في كابل، ويرتاد أحد أشهر النوادي الرياضية في العاصمة، فيما يدرس أبناؤه، من الذكور والإناث، في مدارس حديثة.
لقد حولت الحرب والانتصار على الحكومة السابقة حلم الحياة بإمكانات أفضل إلى واقع بالنسبة إلى أعضاء في طالبان.
طفولة بين الذئاب وحكايات الأمراء
قدّم عبد السلام ضعيف، سفير طالبان السابق لدى باكستان، واحدة من أكثر الروايات تفصيلاً عن طفولة شخصيات الحركة في كتابه «حياتي مع طالبان».
وُلد ضعيف نحو عام 1968 في جيري بقندهار، ويقول إنه فقد والدته عندما كان في عامه الأول أو الثاني. وأول صورة بقيت في ذاكرته من طفولته هي لوالده وهو يحتضن أطفاله ويبكي بصمت. ويعتقد ضعيف أن ذلك كان يوم وفاة والدته.
كانت الأسرة تعيش في منزل طيني من دون كهرباء أو مياه جارية. وكان والده معلماً دينياً يقضي جزءاً كبيراً من وقته في المسجد. وكتب ضعيف أنه وشقيقته كانا يخافان ليلاً من أصوات الذئاب، فيجلسان إلى جانب بعضهما حتى عودة والدهما.
وكان أحد الجيران يأتي إليهما أحياناً، يربت على رأسيهما ويحكي لهما قصصاً عن الملوك والأمراء والقصور. أما خارج عالم القصص، فكانت حياة الأسرة تمر وسط الجفاف ونقص الطعام وغياب الملابس الشتوية المناسبة ونقص الحطب.
صبي كان يخفي هوية والده
تحمل طفولة الملا محمد يعقوب، نجل الملا عمر ووزير الدفاع الحالي في حكومة طالبان، تفاصيل مختلفة. فقد كان التحدي الرئيسي في حياته هو حمل اسم أب كان يتعين عليه إخفاء هويته.
قال يعقوب إنه كان في الثامنة من عمره عندما بدأت الولايات المتحدة عملياتها العسكرية في أفغانستان عام 2001. وبعد اختفاء الملا عمر، كانت الأسرة تغير منزلها كل بضعة أشهر لتجنب التعرف عليها.
وتلقى يعقوب تعليمه الديني أولاً على يد أحد أقارب والده، ثم واصل دراسته في مدرسة دينية في كويتا. وبحسب روايته، فإن عدداً من زملائه ومعارفه لم يكونوا يعرفون أنه نجل زعيم طالبان.
وكانت والدته تحذر أطفال الأسرة باستمرار من الكشف عن هويتهم. وبعد ثلاثة أشهر من اختفاء الملا عمر، تلقت الأسرة أول رسالة صوتية منه عبر شريط كاسيت، فيما جرت الاتصالات اللاحقة أحياناً عبر الهاتف عبر الأقمار الاصطناعية.
ووصف يعقوب سعادته بسماع صوت والده مجدداً بأنها لا توصف. وقد وردت هذه التفاصيل في مقابلة نشرها الصحفي السوري أحمد موفق زيدان.
الزعيم المنعزل وطفولة بلا ألعاب
لا يزال زعيم طالبان الحالي بعيداً عن الأنظار إلى درجة أن حتى كثيراً من مسؤولي الحركة في المستويات الوسطى لم يلتقوا به.
وتقول إحدى الروايات عن حياته إنه كان منذ طفولته منطوياً وقليل الاختلاط. وتشير المعلومات المتاحة إلى أنه نشأ في قرية سفيد روان بمديرية بنجوايي في قندهار. وكان والده إمام مسجد، فيما عاشت الأسرة حياة اقتصادية متواضعة.
وقال سكان محليون إن عائلته لم يكن لها حضور بارز في التجمعات القبلية أو الأنشطة السياسية. وقضى أخوند زاده الجزء الأكبر من طفولته ومراهقته بين المسجد والمدرسة الدينية.
ولم يلتحق بالجامعة، ولا حتى بالمراحل العليا من التعليم المدرسي الحديث.
وتوجد رواية مشابهة عن الملا محمد حسن أخوند، رئيس وزراء حكومة طالبان. وقال سكان في قندهار لأفغانستان إنترناشيونال إن والده كان رجل دين في مسجد، وإن أسرته لم تكن تملك مساحات واسعة من الأراضي أو كروم العنب أو منشآت كبيرة لتجفيف الزبيب.
وكان محمد حسن يذهب منذ طفولته إلى المسجد برفقة والده. وبحسب السكان، فإنه، خلافاً لكثير من أقرانه، كان أقل مشاركة في ألعاب أطفال القرية ومنافساتهم. وكان الجزء الأكبر من حياته اليومية يدور بين المنزل والمسجد والمدرسة الدينية.
جيل المخيمات والمدارس غير المكتملة
تتكرر تجربة الهجرة والتعليم غير المكتمل في حياة عدد آخر من مسؤولي طالبان.
وبحسب السيرة الرسمية التي نشرتها طالبان، هاجر أمير خان متقي، وزير خارجية الحركة، مع أسرته من هلمند إلى باكستان وهو لا يزال طفلاً في الصف الثالث، عقب انقلاب السابع من ثور عام 1978. وواصل بعد ذلك تعليمه في المدارس الدينية الخاصة باللاجئين.
كما انتقل خير الله خيرخواه، أحد كبار قادة طالبان، مع أسرته إلى باكستان في طفولته، وبدأ تعليمه الديني في مخيم سرانان للاجئين قرب كويتا.
وتقول السيرة الرسمية لذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم طالبان، إن والده كان خياطاً، وإنه انضم إلى طالبان في نحو السادسة عشرة من عمره بعد تلقيه تعليماً في مدارس دينية.
أما الملا أختر محمد منصور، الزعيم السابق لطالبان، فقد ترك الدراسة، وفقاً لسيرته الرسمية، في منتصف سنوات مراهقته وانخرط في الحرب ضد الاتحاد السوفيتي.
أطفال جعلت الحرب منهم عائلة
وصف الكاتب والباحث الباكستاني أحمد رشيد، في كتابه «طالبان»، الجيل الأول من مقاتلي الحركة بأنهم «أيتام الحرب».
وبحسب روايته، لم يكن كثير من هؤلاء أيتاماً بالمعنى الحرفي للكلمة فحسب، بل نشأوا من دون تجربة طبيعية للحياة الأسرية أو الحي أو شيوخ القبائل أو المجتمع المستقر.
وقضى بعضهم معظم طفولتهم في مخيمات اللاجئين أو مدارس دينية منفصلة عن المجتمع، ولم تكن لديهم صورة واضحة عن شكل الحياة في زمن السلام.
روايات طفولة شخصيات طالبان ليست متطابقة، لكن تجارب مشتركة تتكرر في كثير منها: الفقر والحرب والهجرة والتعليم غير المكتمل والعيش في بيئات دينية مغلقة والدخول المبكر إلى عالم العنف والسياسة.
هذه الذكريات تشكل جزءاً من ماضي جيل يسيطر اليوم على جانب كبير من السلطة السياسية والعسكرية في أفغانستان.
لكن المسافة بين طفولة الحرمان وسلطة اليوم تمثل فصلاً آخر من القصة. يكتب أنس حقاني وخالد زدران عن حلم امتلاك دراجة، في وقت تُحرم فيه ملايين الفتيات في أفغانستان الخاضعة لحكم طالبان من التعليم، بل أصبحت حتى قيادة الدراجة بالنسبة إلى بعضهن نشاطاً يمارس في الخفاء.
وتبرز هذه الروايات في النهاية مفارقة واضحة: تجربة الحرمان لا تؤدي بالضرورة إلى منع حرمان الآخرين.
الذاكرة الشخصية وذاكرة السلطة
وسعت طالبان خلال السنوات الأخيرة نشر مذكرات وسير ذاتية وروايات عن الحرب لمسؤوليها ومقاتليها.
وكتبت شبكة محللي أفغانستان في تقرير عن كتب طالبان أن هذه المؤلفات مهمة لفهم الطريقة التي يرى بها أعضاء طالبان أنفسهم والحرب التي خاضوها، إلا أن معظمها ذو طابع سياسي وأحادي الجانب.
وتسرد هذه الكتب بتفصيل العمليات العسكرية الأجنبية والاعتقالات والقصف والخسائر التي لحقت بعائلات أعضاء طالبان. وفي المقابل، غالباً ما يغيب عنها مقتل المدنيين في تفجيرات العبوات الناسفة على الطرق والهجمات الانتحارية وعمليات طالبان، أو يأتي ذكره بصورة هامشية.
دراجتان وحاضران مختلفان
تمثل الدراجة في روايتي أنس حقاني وخالد زدران صورة لحلم طفولي لم يتحقق. واليوم يستطيع الرجلان أن يكتبا مازحين أنهما ربما يشتريان دراجة جديدة غداً.
لكن في أفغانستان اليوم، لا تزال الدراجة حلماً سرياً بالنسبة إلى بعض الأطفال والمراهقين.
ونشرت وسيلة «رخشانه» في الأول من أبريل 2026 قصة فتاة تمارس ركوب الدراجات عرّفت باسم مستعار هو «سودابه». وبدأت في سن الثانية عشرة التدرب سراً باستخدام دراجة شقيقها، وفازت عام 2020 في مسابقة محلية.
وقبل عودة طالبان إلى السلطة، كانت سودابه تستعد للانضمام إلى المنتخب الوطني. وبعد 15 أغسطس 2021، حُرمت من المدرسة ومن ممارسة الرياضة.
وقالت إنها تركب الدراجة الآن ليلاً بملابس رجالية وفي الخفاء، لكنها لا تزال تحلم بالمشاركة في الألعاب الأولمبية.
وقالت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» في 14 أغسطس 2026 إن أكثر من 2.6 مليون فتاة حُرمن من التعليم الثانوي منذ عودة طالبان إلى السلطة.
ومع ذلك، أفادت شبكة الجزيرة بأن ابنة خالد زدران وابنه يدرسان في مدارس حديثة.