وقال أحد أعضاء إدارة قناة تلفزيونية تعمل في كابل لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن مديري وسائل الإعلام الخاصة لا يملكون عملياً إمكانية الاعتراض على هذه التعليمات، وإنهم مضطرون إلى الامتثال لمطالب استخبارات طالبان من أجل مواصلة العمل.
وعلى سبيل المثال، وصفت بعض وسائل الإعلام المحلية، في تقاريرها عن مقتل حسيب پنجشيري، أحد قادة جبهة المقاومة، الجبهة بأنها «مجموعة الشر والفساد».
وفي وقت سابق، وتحديداً في شهر قوس 1403، وبعد مقتل خليل الرحمن حقاني، وزير اللاجئين والعودة في حكومة طالبان، في هجوم انتحاري لتنظيم داعش خراسان، استخدمت وسائل إعلام خاصة في كابل للمرة الأولى وصف «شهيد» للإشارة إلى عناصر طالبان الذين قُتلوا.
وقالت مصادر حينها لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن وزارة الإعلام والثقافة التابعة لطالبان وجهاز استخبارات الحركة ألزما وسائل الإعلام الخاصة باستخدام هذا الوصف عند الإشارة إلى قتلى طالبان.
تعليمات إعلامية من واتساب إلى غرف الأخبار
أنشأت استخبارات طالبان ومديريات الإعلام والثقافة التابعة لها مجموعات خاصة على تطبيق واتساب للصحفيين، يجري من خلالها إبلاغهم بالتعليمات والقيود والمحظورات الجديدة. وفي بعض الأحيان، عند وقوع أحداث، تُرسل إليهم حتى كلمات ونصوص محددة لاستخدامها في الأخبار والبرامج الإعلامية.
وقال صحفي سابق في القسم البشتوي لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، معرباً عن قلقه من الرقابة على المعلومات والأخبار والمصطلحات في ظل حكم طالبان: «لم تعد هناك تقريباً أي وسيلة إعلام حرة في أفغانستان. وسائل الإعلام الخاصة تحولت إلى أدوات دعائية لطالبان».
وكانت منظمة دعم وسائل الإعلام الأفغانية «أمسو» قد قالت في وقت سابق إن بعض وسائل الإعلام أُجبرت على استخدام كلمات وصيغ تعبير محددة في محتواها الإخباري.
وأضافت المنظمة أن طالبان تعقد «اجتماعات غير ضرورية» مع مديري وسائل الإعلام المحلية، وأن «السياسة التحريرية والإذاعية تُملَى عبر مجموعات واتساب».
شخصيات إعلامية من العمل الصحفي إلى إنتاج المحتوى الدعائي
ولا تكتفي طالبان بالضغط على وسائل الإعلام التقليدية للترويج لروايتها، بل تستعين أيضاً بعدد من الشخصيات الإعلامية المعروفة.
وقال عدد من الصحفيين الأفغان لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن القسم الإعلامي في استخبارات طالبان و«مؤسسة جلال» التابعة لسراج الدين حقاني، وزير داخلية طالبان، أنشآ مراكز لإنتاج محتوى دعائي على هيئة برامج بودكاست لعدد من الشخصيات الإعلامية.
وبحسب المصادر، وفرت طالبان مكاتب لهذه البرامج واشترت المعدات الفنية، كما تتكفل برواتب المصورين والمحررين وغيرهم من العاملين فيها.
وفي الشهر الماضي، بالتزامن مع اشتباكات بين طالبان وجبهة الحرية في مديرية زيبك بولاية بدخشان، توجه أحد منتجي بودكاست «مثلث» برفقة قوات طالبان إلى المديرية، ونشر مقطع فيديو بعنوان «درع بامير؛ من الشائعات إلى الحقيقة».
وظهر المنتج في الفيديو وسط قوات طالبان وأشاد بمواقعها، قائلاً في أحد المقاطع: «يقفون في مواقعهم شامخين وثابتين مثل جبال بامير».
وخلال المواجهات بين جمعة خان فاتح، أحد قادة طالبان، وقوات وحدة بدري التابعة للحركة في مديرية نسي ببدخشان، شنت هذه البرامج ووسائل الإعلام أيضاً حملة دعائية واسعة ضد فاتح ووصفته بأنه «متمرد».
وبعد اعتقال فاتح، نُقل أحد الوجوه المعروفة في بودكاست «مثلث» على متن مروحية تابعة لطالبان إلى مديرية نسي، حيث نشر شهادات لأشخاص قالوا إن أفراداً من عائلاتهم كانوا ضحايا ممارسات فاتح.
ونُشر الفيديو تحت عنوان «الصرخة الصامتة»، واتهم فيه عدد من سكان بدخشان فاتح بارتكاب جرائم وعمليات سطو مسلح وتصرفات تعسفية، وطالبوا طالبان بمحاكمته.
وقال عدد من الصحفيين العاملين في كابل، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن طالبان تزود هذه البرامج بالموضوعات التي تريد تناولها، ثم تنتج هذه البرامج، تحت مسمى أفلام وثائقية أو تقارير إخبارية، محتوى يستهدف معارضي طالبان.
وأضافت المصادر أن استخبارات طالبان تراجع تقارير وبرامج وسائل الإعلام الأفغانية، خصوصاً السياسية منها، قبل بثها أو نشرها، ثم تمنح الإذن بنشرها.
مخاوف من تقويض استقلالية وسائل الإعلام
وقال ظاهر چراغ، رئيس لجنة الاتصالات في منظمة دعم وسائل الإعلام الأفغانية، لـ«أفغانستان إنترناشيونال» إن فرض كلمات ومصطلحات محددة يقوض بشدة استقلال وسائل الإعلام والصحفيين.
وأضاف أن إجبار وسائل الإعلام الخاصة على استخدام تعبيرات بعينها في محتواها الإخباري يمثل ضربة مباشرة لحرية التعبير ولمبادئ الصحافة المهنية.
وأشار چراغ إلى أن عدداً كبيراً من الصحفيين اشتكوا من ضغوط طالبان، موضحاً أن هذه الضغوط لا تسبب لهم مشكلات نفسية فحسب، بل تهدد أيضاً مستقبلهم المهني.
وبحسب چراغ، أُجبر الصحفيون على استخدام لقب «أمير المؤمنين» عند الإشارة إلى زعيم طالبان، ولقب «الخليفة» عند الإشارة إلى وزير داخلية الحركة.