والروابط الممتدة عبر الأجيال مع شبكة حقاني، وهي منظومة وفرت له الحماية من باجور وصولاً إلى شرفة منزل في حي "شيربور" بقلب كابل.
وفي الساعة 6:18 من صباح 31 يوليو 2022، وقف الظواهري على شرفة منزل في شيربور، الحي الدبلوماسي في كابل، مواجهاً أشعة الشمس. وبعد دقائق، أطلقت طائرة أميركية مسيّرة صاروخين من طراز "هيلفاير" نحوه، ما أدى إلى مقتله.
أنهى الهجوم مطاردة استمرت عشرين عاماً لأبرز الشخصيات المتبقية المرتبطة بهجمات 11 سبتمبر، لكنه ترك تساؤلات عميقة بشأن الشبكة السرية التي وفرت الحماية للظواهري. فكيف تمكن رجل ظل لسنوات مختبئاً في المناطق الجبلية وعلى الشريط الحدودي من الاستقرار في نهاية المطاف داخل منزل كبير في قلب العاصمة؟
تعود الإجابة إلى السنوات التي أعقبت سقوط حكم حركة طالبان الأول، حين كان الظواهري يقيم في المناطق القبلية الباكستانية، حيث تداخلت روابط الدم والالتزامات التقليدية والشبكات الجهادية.
الهروب من تورا بورا إلى باجور
وفي ديسمبر 2001، وخلال القصف الأميركي المكثف لمحيط تورا بورا، قُتلت عزة، الزوجة الأولى للظواهري، وابنته عائشة.
وكتب روهان غوناراتنا وأندرس نيلسن في دراسات منفصلة عن تنظيم القاعدة أن الظواهري غادر أفغانستان بعد ذلك، ولجأ إلى المناطق القبلية في باكستان قبل أن يتخذ من باجور مقراً رئيسياً له.
وكانت باجور قد تحولت بعد سقوط حركة طالبان إلى أحد مراكز تجمع المقاتلين الأجانب وتنظيمهم. وفي تلك المنطقة الجبلية المغلقة، كان من شبه المستحيل على شخص عربي الإقامة من دون روابط محلية، ولم يكن التواصل مع السكان المحليين مجرد ضرورة شخصية، بل كان يمثل الفارق بين البقاء والاعتقال على أيدي أجهزة الاستخبارات.
وكشفت صحيفة "داون" الباكستانية في تقرير نشرته في يناير 2006 أن الظواهري تزوج امرأة من قبيلة مهمند النافذة، وأن زوجته وأطفاله كانوا يقيمون لدى والدها في المنطقة الحدودية بين باجور ومهمند.
وأشار التقرير إلى أن الزيارات السرية التي كان الظواهري يقوم بها لعائلته كانت السبب الرئيسي لتحركاته المتكررة في تلك المنطقة المضطربة.
كما وثقت الباحثة في معهد أبحاث الدفاع النرويجي آنه ستينرسن هذا الزواج في دراساتها عن المقاتلين الأجانب، وكتبت أن الظواهري عاش في باجور تحت حماية مولانا فقير محمد، أحد الزعماء المحليين في قبيلة مهمند وقيادات حركة تطبيق الشريعة المحمدية.
وتشير الأدلة إلى أن مثل هذه الزيجات كانت تمنح الأعضاء الأجانب مكانة راسخة داخل البنية التقليدية للمجتمعات المحلية.
وأكد روهان غوناراتنا وأندرس نيلسن، في دراسة مشتركة صادرة عن المركز الدولي لأبحاث العنف السياسي والإرهاب في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة بعنوان "القاعدة في المناطق القبلية الباكستانية وما وراءها"، أن هذه المصاهرة فتحت أمام الظواهري قنوات أوسع للتواصل.
وسهّل الزواج علاقاته مع قادة حركة تطبيق الشريعة المحمدية. ويرى الباحثان أن الظواهري تمكن، بالاعتماد على هذه الشبكات المحلية، من الإفلات من عمليات الملاحقة المتواصلة، وإعادة بناء خلايا القاعدة المتفرقة، والحفاظ على علاقات التنظيم داخل باكستان وخارجها.
وقالت الصحافية الاستقصائية الهولندية المتخصصة في شؤون جنوب آسيا والإرهاب كلوديا سمرمان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن جمع مختلف التقارير المتعلقة بحياة زعيم القاعدة يشير إلى أمر واحد، وهو أن الظواهري أقام روابط عميقة مع المجتمع المحلي.
وأضافت أنه كوّن أسرة في باجور وأقام حوله جداراً من الأقارب القبليين، معتبرة أنه يمكن النظر إلى نفوذه في باجور والشريط الحدودي باعتباره عاملاً أسهم في صعوده بعد أسامة بن لادن.
تقاليد "البشتونوالي" والأسرة واللجوء
وتقوم العلاقات الاجتماعية في المجتمعات القبلية البشتونية على منظومة تقليدية من الأعراف المعروفة باسم "البشتونوالي"، وتتضمن مفاهيم مثل إكرام الضيف وطلب اللجوء والحماية، اللذين يُعدان من معايير الشرف العائلي.
ورغم عدم وجود تعليمات مكتوبة لتنظيم القاعدة بشأن الاعتماد على هذه الأعراف، يقول خبراء إن السلوك الميداني لقادة التنظيم يظهر أنهم استفادوا منها للحصول على الحماية.
وغيّر زواج الظواهري من امرأة من قبيلة مهمند مكانته الاجتماعية، فلم يعد بعد ذلك مجرد أجنبي فار في المناطق الحدودية، بل أصبح "صهراً" لعائلة محلية.
ويشير باحثون إلى أن حماية الشخص الذي يدخل دائرة القرابة تُعد في هذه الثقافة التزاماً مرتبطاً بالشرف، والتخلي عنه يمثل عاراً اجتماعياً.
وأفادت وسائل إعلام باكستانية مراراً في عام 2008 بتحركات الظواهري بين مناطق قبيلة مهمند في باجور وولايتي كنر وبكتيكا.
وبناء على تلك المعلومات، أطلقت قوات الأمن الباكستانية عمليات واسعة وعمليات تفتيش من منزل إلى آخر في قرى باجور، لكنها لم تنجح في تحديد مكان اختبائه بسبب دعم السكان المحليين والطبيعة التقليدية للمنطقة.
وقالت سمرمان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن الزواج من نساء محليات كان استراتيجية مدروسة لدى تنظيم القاعدة، إذ أدرك قادته أن المال والمعدات وحدهما لا يضمنان البقاء على المدى الطويل في تلك المناطق.
ولهذا، دخلوا إلى النسيج القبلي عبر العلاقات الأسرية، وربطوا التعاليم الدينية بتقاليد اللجوء والحماية، ما أوجد درعاً اجتماعياً يقوم على اعتبار تسليم الضيف إلى السلطات عاراً دائماً على العائلة بأكملها.
رسائل أبوت آباد: الإشراف التنظيمي على الزيجات
ولم يقتصر الاحتماء بالعائلات المحلية على الظواهري وحده. فقد أظهرت الوثائق التي عُثر عليها في مخبأ أسامة بن لادن في أبوت آباد عام 2011 أن قيادة تنظيم القاعدة كانت تنظر إلى الروابط الأسرية باعتبارها جزءاً من التدابير الأمنية.
وكشف مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، بعد دراسة مراسلات بين قادة القاعدة، أن تنقل العائلات واختيار الزوجات وطبيعة العلاقات مع السكان المحليين كانت تُناقش باستمرار داخل مجلس قيادة التنظيم.
وتشير مراسلات ويست بوينت إلى أن زواج الظواهري في باجور جاء أيضاً ضمن هذا النهج الرامي إلى حماية قادة التنظيم من خلال شبكة من العلاقات الاجتماعية.
فقير محمد: الجسر بين باجور وشبكة حقاني
وكان فقير محمد دور محوري بين الشخصيات المرتبطة بحماية الظواهري، وهو أحد قادة حركة تطبيق الشريعة المحمدية في باجور، وأصبح بعد بدء وجود قوات التحالف في أفغانستان من أبرز منظمي الجماعات المسلحة في المنطقة.
وتشير دراسات أكاديمية إلى أنه بحكم جذوره في قبيلة مهمند، تولى دور الحامي الرئيسي للظواهري في المنطقة.
وفي يناير 2018، أدرجت وزارة الخزانة الأميركية فقير محمد على قائمة العقوبات بتهمة التعاون مع شبكة حقاني والعمل نيابة عنها، ووصفته بأنه أحد أبرز ممولي الشبكة.
وبذلك، ارتبط اسم الشخص الذي وفر الحماية للظواهري في باجور بشبكة حقاني في وثائق رسمية.
وقالت سمرمان لـ"أفغانستان إنترناشيونال" إن الحدود التنظيمية بين الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية كانت شديدة المرونة، وإن فقير محمد كان يقع تحديداً عند نقطة الاتصال بين باجور وشبكة حقاني.
ويشير هذا التداخل إلى الكيفية التي ربط بها الظواهري علاقاته بشبكة حقاني في الولايات الشرقية ثم في كابل، إذ مهّدت علاقته بفقير محمد وقبيلة مهمند لمسار من الثقة المتبادلة أتاح ترتيبات استضافته لاحقاً.
وأضافت أن هذه العلاقات نفسها أسهمت في عودة الظواهري إلى كابل بعد عشرين عاماً، وإقامته في دار ضيافة مرتبطة بزعيم شبكة حقاني سراج الدين حقاني.
اتفاق الجيل الثاني بين طالبان والقاعدة
ولم تقتصر العلاقات بين حركة طالبان وتنظيم القاعدة على البيانات السياسية. فقد أكد فريق مراقبة العقوبات التابع لمجلس الأمن الدولي في تقرير رسمي عام 2021 أن الروابط بين الطرفين استمرت خلال عقدين من القتال المشترك وأصبحت أكثر عمقاً.
وأشار التقرير إلى أن سنوات القتال المشتركة أدت إلى زيجات متعددة، ونقلت العلاقة إلى مرحلة من "الروابط الأسرية وعبر الأجيال".
ووفرت هذه العلاقات المتداخلة بيئة آمنة مكنت الظواهري، بعد تطورات أغسطس 2021، من الانتقال إلى قلب العاصمة.
الانتقال إلى شيربور.. والنهاية على شرفة في كابل
وبعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أغسطس 2021، لم يعد الظواهري مضطراً إلى الإقامة في قرى جبلية.
وانتقل مع عائلته إلى كابل، واستقر في منزل بحي شيربور الدبلوماسي، الذي كانت حمايته وإدارته في أيدي مقربين من سراج الدين حقاني.
وأكدت حركة طالبان مراراً أنها لم تكن على علم بوجود الظواهري في كابل، إلا أن مسؤولين أميركيين قالوا عقب الغارة إن قيادات بارزة في شبكة حقاني كانت تعلم بإقامته في المكان.
وتمكنت أجهزة الاستخبارات الأميركية في نهاية المطاف، من خلال مصادر بشرية ومراقبة متواصلة، من اكتشاف اعتياد الظواهري الظهور على شرفة المنزل بانتظام، وهي الشرفة نفسها التي استهدفتها صواريخ "هيلفاير".
أنهت الصواريخ حياة أيمن الظواهري، لكن الطريقة التي تمكن بها من البقاء آمناً طوال عشرين عاماً كشفت أبعاداً مهمة في شبكة حمايته.
فلم تعتمد حماية زعيم القاعدة واستمرار نفوذه على الكهوف النائية بقدر اعتمادها على جذور اجتماعية تمثلت في الارتباط بقبيلة مهمند، والاستفادة من الأعراف القبلية، والتطرف الديني، وشبكات القرابة الراسخة، والعلاقة مع شبكة حقاني.