مدرسة "غير المرئيات" تكمل عامها الخامس

تذهب ليلى كل يوم إلى فصل دراسي لا ينبغي أن يراه أحد، تغادر منزلها صباحاً وتتوجه إلى مدرسة لا تحمل لافتة، وتجلس إلى جانب فتيات يتعين عليهن البقاء بعيدات عن الأنظار كي يتمكنّ من مواصلة تعليمهن.

تذهب ليلى كل يوم إلى فصل دراسي لا ينبغي أن يراه أحد، تغادر منزلها صباحاً وتتوجه إلى مدرسة لا تحمل لافتة، وتجلس إلى جانب فتيات يتعين عليهن البقاء بعيدات عن الأنظار كي يتمكنّ من مواصلة تعليمهن.
قبل خمس سنوات، كانت ليلى في الثانية عشرة من عمرها وقد التحقت لتوها بالصف السابع، عندما أغلقت حركة طالبان أبواب المدارس المتوسطة والثانوية أمام الفتيات. انتهى تعليمها الرسمي، لكن رحلتها مع الدراسة لم تتوقف.
وبعد بضعة أشهر، عثرت على مدرسة سرية في المنطقة التي تعيش فيها.
واليوم، تدرس ليلى في الصف الثاني عشر في مدارس مبادرة "غير المرئيات"، وتستعد للتخرج. وتقول إن أكبر تحدٍ واجهته خلال السنوات الخمس الماضية كان الخوف من اكتشاف المدرسة واعتقال الطالبات وإغلاق الفصل.
ومع ذلك، أتاحت لها هذه السنوات فرصة لمواصلة التعلم.
وقالت لقناة "أفغانستان إنترناشيونال": "تطورت قدراتي الذهنية كثيراً، وأصبحت أستوعب الدروس بصورة أفضل، كما تعلمت الخياطة التي يمكنني من خلالها كسب دخل".
وبالنسبة إلى برستو حكيم، مؤسسة مبادرة "غير المرئيات"، فإن البقاء بعيداً عن الأنظار جزء من الثمن الذي تدفعه الفتيات لمواصلة تعليمهن في أفغانستان.
"غير المرئيات" كثيرات
تقول حكيم إن البرنامج بدأ بمدرسة سرية واحدة بين أواخر أغسطس وأواخر سبتمبر 2021، بعد وقت قصير من عودة حركة طالبان إلى السلطة. واليوم، وفقاً لها، تعمل الشبكة في 16 ولاية أفغانية، وتضم 35 مدرسة وأكثر من 45 معلماً ومعلمة، وتوفر التعليم لـ1830 طالباً وطالبة.
لكن "غير المرئيات"، بالنسبة إلى حكيم، ليست مجرد تسمية لمدارس يتعين إبقاؤها بعيدة عن أعين طالبان.
فتيات يغادرن منازلهن صباحاً من دون أن يعرف المحيطون بهن أنهن ذاهبات إلى المدرسة، ومعلمات يدرّسن لهن داخل منازل عادية وخلف أبواب مغلقة.
وتقول حكيم إن ما بدأ في البداية كضرورة أمنية تحول تدريجياً إلى جزء من هوية الشبكة.
وأضافت: "كل يوم تستيقظ فتاة في الصباح الباكر، وتذهب إلى المدرسة بصورة غير مرئية، وتدرس بصورة غير مرئية. المعلمة تدرّس بصورة غير مرئية، والفريق يعمل بصورة غير مرئية".
وترى حكيم أن هذا الوضع نفسه تحول إلى مصدر قوة للشبكة.
وقالت: "أرادوا تعريفنا على أننا قوة ضعيفة، لكننا استخدمنا عدم ظهورنا لنُظهر كيف تبدو القوة".
وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" إن أكثر من 2.6 مليون فتاة في أفغانستان حُرمن من التعليم الثانوي منذ عام 2021. وتعد أفغانستان الدولة الوحيدة في العالم التي يُحظر فيها التعليم الثانوي والجامعي على الفتيات والنساء.
وفي ظل هذه الظروف، تحاول مبادرة "غير المرئيات" الحفاظ على جزء من العملية التعليمية خارج النظام الرسمي.
طالبات أصبحن معلمات
تخرجت يلدا، البالغة من العمر 18 عاماً، العام الماضي من مدرسة "غير المرئيات" بدرجات مرتفعة. وقد غُيّر اسمها لأسباب أمنية.
لكن التخرج لم يكن نهاية الطريق بالنسبة إليها. فبعد تخرجها، أنشأت فصلاً دراسياً في منطقتها بكابل، وجمعت عشرات الأطفال، وطلبت من مبادرة "غير المرئيات" مساعدتها في توفير الكتب والمواد التعليمية الأخرى.
وتقول حكيم إن مثل هذه المبادرات التي أطلقتها الطالبات والمعلمات أسهمت في توسيع الشبكة. كما أبدى أكثر من 2000 معلم ومعلمة في أنحاء أفغانستان استعدادهم للانضمام إلى البرنامج ومواصلة تعليم طلابهم.
وتقول يلدا إنها حصلت بعد تخرجها على فرصة للعمل معلمة من خلال المدرسة نفسها التي درست فيها.
وقالت: "بعد التخرج أتيحت لي فرصة العمل معلمة من خلال المدرسة نفسها التي تخرجت فيها".
وأضافت أن هذه التجربة علمتها أن التعليم ليس مجرد حق، بل يمكنه أيضاً تغيير حياة الإنسان.
أما هوسي، وهي طالبة أخرى في هذه المدارس، فتقول إنها لم تكن ترى أي أمل في مواصلة تعليمها عندما أُغلقت مدارس الفتيات.
وقالت: "لم يكن من الممكن تصديق أننا سنعثر على مدرسة سرية، وندرس فيها خمس سنوات، ثم نحتفل بتخرجنا".
وأضافت أن المخاوف الأمنية كانت ترافق الطالبات باستمرار، لكن مواصلة الدراسة حمتهم من البقاء في المنازل ومن الأمية.
وقالت: "أنقذتنا من الأمية. لم نبق في المنزل كفتيات أميات لا نفعل سوى الأعمال المنزلية".
وتعمل هوسي أيضاً معلمة في مبادرة "غير المرئيات" بعد تخرجها.
وإلى جانب المناهج الدراسية، تقدم مدارس المبادرة تدريبات على مهارات مثل نسج السجاد والخياطة والمهارات الرقمية وصناعة المجوهرات والتصميم والفنون.
وتقول حكيم إن الهدف هو تمكين الفتيات من استخدام هذه المهارات للحصول على دخل.
التعليم في مواجهة مستقبل تفرض عليه القيود
حذرت "يونيسف" من أن الفتيات اللاتي ينقطعن عن الدراسة يواجهن مخاطر أكبر، من بينها الزواج المبكر وعمالة الأطفال والعنف.
وتشير بيانات "يونيسف" إلى أن نحو 29٪ من النساء الأفغانيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 عاماً تزوجن قبل بلوغ سن 18 عاماً. إلا أن هذه البيانات وحدها لا تثبت ارتفاع معدلات زواج الأطفال منذ عودة حركة طالبان إلى السلطة عام 2021.
وتقول حكيم إنه مع إغلاق الجامعات وتشديد القيود المفروضة على النساء، تجاوزت مسؤولية "غير المرئيات" مجرد تقديم التعليم الدراسي.
وقالت: "أصبحت مسؤوليتنا أكبر بكثير من مجرد التعليم. كان علينا مساعدة الفتيات على حماية أنفسهن من الزواج القسري والقرارات المفروضة عليهن والاعتماد الاقتصادي".
وبعد عودة طالبان إلى السلطة، بقيت مريم، وهي معلمة غُيّر اسمها لأسباب أمنية، في منزلها نحو ستة أشهر. وتقول إن بقائها في المنزل أثر سلباً على حالتها النفسية.
وبعد ذلك، بدأ أطفال المنطقة يأتون إلى منزلها ويطلبون منها تعليمهم. وجمعت مريم تدريجياً عدداً أكبر من الطلاب، قبل أن تبدأ لاحقاً التعاون مع مبادرة "غير المرئيات".
وتقول إنها خلال خمس سنوات من التدريس السري كانت "تشعر بالخوف كل يوم"، لكن رؤية الأمل في أعين طالباتها كانت الدافع الذي جعلها تواصل عملها.
وقالت: "السبب الرئيسي الذي جعلني أستمر هو رؤية الأمل في أعين الفتيات".
وقد خرّجت مريم حتى الآن دفعة من طالباتها، وتستعد لتخريج الدفعة الثانية.
وتقول سبا، البالغة من العمر 15 عاماً وهي إحدى طالبات هذه المدارس، إن التعليم السري منحها الأمل في القدرة على تحقيق أهدافها المستقبلية.
وقالت: "في كل مرة سقطنا فيها، ساعدتنا معلمتنا على الوقوف من جديد بصورة أقوى من السابق".
وتضيف أنها تستيقظ كل صباح متحمسة للذهاب إلى المدرسة، وأنها تعلمت من معلماتها أن تضع أهدافاً كبيرة لمستقبلها.
فصل سري وخيار جديد
تقول يلدا إن مدرستها السرية أُغلقت مرات عدة، لكنها تمكنت في نهاية المطاف من التخرج عام 2026.
وبعد تخرجها، كانت تعتبر نفسها واحدة من أكثر الفتيات حظاً في أفغانستان، لكن هذا الشعور دفعها إلى التساؤل عن سبب حرمان فتيات أخريات من الفرصة نفسها.
ولهذا السبب، أنشأت فصلاً سرياً للفتيات الأصغر سناً.
وقالت: "علمتني هذه التجربة أن التعليم ليس فقط لبناء المستقبل، بل يمكنه أيضاً تغيير حاضرنا".
وتأمل يلدا حالياً في مواصلة دراستها في إحدى الجامعات المرموقة في العالم، والتقدم للحصول على منحة دراسية.
وتقول حكيم إن مبادرة "غير المرئيات" تنظم، إلى جانب التعليم الدراسي، جلسات لقراءة الكتب ومناقشة حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والعدالة والاحترام.
وأضافت أن الهدف من هذه الجلسات هو تعزيز قدرة الفتيات على الدفاع عن حقوقهن داخل الأسرة والمجتمع، ولا سيما في ظل إبعادهن عن التعليم الرسمي.
ولم يكن هذا الجانب من أنشطة "غير المرئيات" موجوداً عند انطلاق البرنامج. وتقول حكيم إن نظرتها إلى المبادرة تغيرت أيضاً خلال السنوات الخمس الماضية.
وقالت: "عندما بدأت هذا العمل، كنت أعتقد أنه لا يمكن أن تستمر طالبان خمس سنوات. كنت أظن أن عليّ فقط أن أكسب بعض الوقت للفتيات، وربما يفعل العالم شيئاً لإنقاذنا".
لكن بعد خمس سنوات، لا تزال المدارس السرية تعمل.
وتقول حكيم إن النساء الأفغانيات وجدن أنفسهن، من جهة، مهمشات من جانب حكام البلاد، ومن جهة أخرى شعرن بأن العالم أيضاً لا يرى معاناتهن بالقدر الكافي.
وأضافت: "كنا غير مرئيات نعاني، لكننا واصلنا الصمود على أي حال، كما فعلنا دائماً".
وبالنسبة إلى حكيم، لم يعد استمرار هذا النشاط يتعلق فقط بالحفاظ على الفصول الدراسية، بل أيضاً بالحفاظ على إمكانية الاختيار أمام جيل من الفتيات أُغلقت في وجوههن كثير من المسارات المعتادة في الحياة.
وقالت: "إذا قررت امرأة تغيير مستقبلها، فيمكنها فعل ذلك حتى بصورة غير مرئية".
أما ليلى، التي أمضت خمس سنوات وهي تخشى اكتشاف مدرستها واعتقالها، فإن مواصلة التعليم تعني بالنسبة إليها الحفاظ على إمكانية اختيار مستقبل مختلف.
وبالنسبة إلى يلدا، اتخذ هذا الاختيار شكلاً آخر، إذ باتت توفر للفتيات الأصغر سناً الفرصة نفسها التي حصلت عليها في السابق.
وقد تكون المدارس غير مرئية، ويعمل المعلمون والمعلمات في صمت، لكن داخل هذه الفصول الصغيرة تستعد فتيات لمستقبل لا يردن أن يحدده لهن حظر التعليم.
وتقول حكيم إن النضال من أجل الحقوق الأساسية للنساء والفتيات لا يتطلب دائماً النزول إلى الشوارع أو الظهور أمام الكاميرات.
وأضافت: "النضال من أجل حقوق الإنسان الأساسية يمكن أن يكون غير مرئي وسرياً".
وبعد خمس سنوات من إغلاق مدارس الفتيات، لا تزال هذه الفصول الصغيرة مفتوحة، بعيداً عن أعين طالبان، على أمل أن يأتي يوم لا تضطر فيه الفتيات إلى أن يكنّ "غير مرئيات" كي يتمكنّ من الدراسة.